موضوع مغلق
صفحة 5 من 6 الأولىالأولى ... 2 3 4 5 6 الأخيرةالأخيرة
النتائج 81 إلى 100 من 104

الموضوع: الحوارالفكري مع فضيلة الشيخ حسن بن فرحان المالكي

  1. #81
    محرر الواحات الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    04-10-2001
    الدولة
    وادي السلام
    الجنس
    --
    المشاركات
    529

    مبتسم أهلا بعودتك مرة أخرى


    الأخ الكريم « حسن فرحان المالكي » .. سدد الله رأيه

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    يسعدنا لقاؤك مجددا .. فمرحبا بك

    لا نشك في حسن متابعتكم لما يكتبه الأخ الفاضل « الصدر » حفظه الله ولذا فإني أهيب بكم أن تؤجلوا أي تعليق أو رد على ما تفضل به الأستاذ « الصدر » لحين انتهائه من الرد على المقدمة والنقاط التي أوردتموها لكي يكون الرد منظما ولكي لا تتداخل الأفكار وتختلط على القراء الأعزاء ..

    كما نرجو من سماحة الأستاذ « الصدر » أن يعلن فور انتهائه من الرد عن ذلك لكي تتاح لكم الفرصة للرد على ما تفضل به

    لكم مني أجمل تحية وخالص الدعاء بالتوفيق

    الداعي لكم : « محمد سعيد آل صالح »

  2. #82

    المحور السابع من مقدمة المشاركة الأساسية ....

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الأخوة الكرام حفظكم الله


    الأخ الكريم الأستاذ الشيخ حسن بن فرحان المالكي سدد الله رأيك


    السلام عليكم ورحمة الله





    هذا المحور يتعلق بإدعاء عدم نفع محاربة الأئمة عليهم السلام للغلاة ، وأن ذلك لا يدل على نفي الغلو عن الشيعة.


    تلخيص :

    تناولتُ في هذا المحور نصا من مقدمة المشاركة الأساسية وهو ينص صراحة على عدم الرابط .... بين محاربة أئمة أهل البيت عليهم السلام للغلاة .... وبين نفي الغلو عند الشيعة، باعتبار أن الشيعة قالوا بأن تلك الأمور وردت عن الأئمة تقية. وفيه إشارة واضحة إلى عدم الصلة بين التشيع الموجود الآن وبين الأئمة حيث تشير هذه الفقرة إلى سعي الشيعة للخروج على الأئمة وتحريف كلامهم.

    وبيّنت ما يلي :

    1- ليس صحيحا أن أحدا من الشيعة حمل نبذ الأئمة للغلاة الشرعيين على التقية.
    2- المداخلة بين الغلو الشرعي وبين الغلو اللغوي وبين تهم الأصحاب فيما بينهم حين لا يتعقلون رواية يرويها أحدهم فيعتقدون أنه غلو من شدة احتياطهم، وقد ثبت بالتحقيق عدم صحة بعض تلك التهم.
    3- عدم فهم التقية التي هي من أفضل التشريعات الإلهية الراقية التي يساء فهمها ومن ثم يساء تطبيقها من قبل من لا يريد فهمها.
    4- وعدت ببحث موضوع التقية بشكل أفضل مما أقوله هنا.
    5- ناقشت تهمة عدم اتصال التشيع بالأئمة، بأن تراث الشيعة الحالي هو كله تراث الأئمة وتراث علماء الشيعة المحيطين بالأئمة. وهذا واضح من فقههم وعقائدهم وكتبهم وافكارهم.
    6- وضحت بأن التشيع فيه ميزة غير موجودة في بقية المذاهب حسب علمنا، وهي المحافظة على التشيع داخل أسر علمية يمتد تأريخها بدون انقطاع من هذا الزمن إلى زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام والأئمة الطاهرين عليهم السلام بحيث أن الأسر القيادية الشيعية كانت ولا زالت هي نفس تلك الأسر التي أحاطت بأمير المؤمنين علي عليه السلام ولم يتغير منها شيء وأغلبهم أبناء أصحاب الأئمة وعلى الأخص أمير المؤمنين عليه السلام .
    7- ذكرت قائمة بأسماء الأسر العلمية القيادية الحالية وصلتهم عن طريق آبائهم وأجدادهم، وتسليم التشيع يدا بيد، من أب إلى ابن في الرواية والعقيدة والمعرفة وسائر العلوم.
    8- أشرت إلى غرابة التفكير في النتائج التي خرج بها الفاضل الشيخ حسن حين فصّل هذا التفصيل وحين اعتبر عدم دلالة محاربة الأئمة للغلاة دليلا كافيا على نفي الغلو عن الشيعة وهذا يشكل خلالا منطقيا لم أتوسع فيه لأنني سأبحثه لا حقا.

    ==========

    التفصيل:

    في الحقيقة هذا المحور فتح شهية البحث عندي باعتباره يشير إلى أمور مهمة في طبيعة التفكير وفي تناول المصطلح وفي قراءة الواقع. غير أنني بعد أن كتبت قدراً لا بأس به وبعد أن كتبت (عندما يبحثون في التأويل) بدا لي وجوب تناول القضية بزاوية مختلفة ، فأعدت الصياغة بل قل الفكرة والتناول لأسباب وجيهة حسب نظري. فتبدل البحث من حديث الدليل العقلي والبراهين إلى حديث القلب للقلب وتغير أيضاً محور الحديث فكان هذا المطلب وسأشير إلى ما كان عليه الموضوع لا حقاً في هذا التعقيب.

    أولا : نورد ما كتبته يا شيخنا الفاضل حول هذا المحور بالنص ، وهذا ما تفضلت به:

    20- أما ما أورده الأخ الصدر في المشاركة الأخيرة من لعن الأئمة لمن غلا فيهم فقد خرجه الغلاة من علماء الشيعة على التقية! وهذه مقررة في كتب الشيعة المعتمدة للأسف، ولن يستطيع الأخ الصدر إخراجهم من الشيعة إلا بخروجه معهم من الطرف الآخر، وقد يأتي أحد الغلاة وينقل بأن الأخ الصدر ينقل ما نقل من الإنصاف إنما هو من هذا الباب ! أي من باب التقية !وهنا تأتي خطورة التوسع في دعوى التقية وهي من المسائل التي غلا فيها من غلا من الشيعة الإمامية وألفوا فيها الكتب واعتبرها بعضهم كالصلاة في التعامل مع العامة (الذين هم من سوى الشيعة من أهل سنة وغيرهم).

    ثانيا:
    لقد بدا لي أن أبحث الموضوع من جهة مختلفة عما كان في ذهني وعما بدأت في الكتابة حوله.

    وقبل كل شيء أقول هذه الكلمة المهمة جداً والتي يجب أن تكون لافتة إعلانية وهي :

    إن أكبر ما يعيب أي باحث في الدنيا هو جهل موضوع التقية التي مارسها أئمة أهل البيت سلام الله عليهم ، ذلك العمل العظيم والرائع الذي قام به أروع مفكري الكرة الأرضية وهم رسول الله وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين ، والذي لم يصل لحد الآن أرقى مستوى في الدبلوماسية الراقية إلى ما وصلت إليه التقية التي مارسها أهل البيت عليهم السلام ، وهي عمل عقلائي راق جداً ، ولا يعوز من ينتقده الجهل والغفلة . ونحن ننظر دائما إلى هذه النقود المتكررة على أنها لا تتعدى واحد من أمرين إما الفقر الفكري المدقع أو الخبث السياسي الشديد . وسوف نتعرض إلى التقية في الملاحظات المتفرقة التي ستأتي إنشاء الله. بما سيكشف للأغبياء غباءهم وما سيكتشف الخبثاء عدم جدوى خبثهم. فلحين ذلك البحث أرجو الصبر عليَّ.

    وفي هذه المرة سأحاول مناقشة ما ورد في الفقرة بعد أخذ مقاطع مفيدة ومناقشتها :

    قولك شيخي العزيز :

    أما ما أورده الأخ الصدر في المشاركة الأخيرة من لعن الأئمة لمن غلا فيهم فقد خرجه الغلاة من علماء الشيعة على التقية.



    أقول: التخريج مخرج التقية للغلو الشرعي لا صحة له مطلقاً . وهو محمول على الاشتباه . فلا يوجد من حمل لعن الغلاة الملعونين على التقية. وقد يكون هناك اشتباه سببه وجود روايات تشتم بعض كبار رواة الأحاديث وأكثرهم إنتاجاً ، وهي روايات لم تثبت صحتها أولاً ، ولو ثبتت فقد حملت على مورد التقية لظروف خاصة أحاطت بذلك الراوي وبالتشيع بشكل عام.

    نعم هناك بعض الشتائم بين بعض المدارس الشيعية حول شخصيات ولم يصدر ذلك عن الإمام و إنما هي بين أرباب التقييم فقد وصف مثلا محمد بن سنان رحمه الله من قبل بعض الشيعة بأنه غال ، وهذا لا صحة له مطلقا، وقد ثبت بالفحص والتنقيب أن مثل هذه الأوصاف إما اشتباه من هذا المقوّم أو أنها عداوات شخصية وأوصاف كيدية. وهذا لم يؤثر على النقل منه وتوثيقه واعتماد ما صح عنه. وقد عزا بعض المحققين ذلك إلى ورود روايات فيها مستوى من المعلومات لا يستوعبها أهل الظاهر من المؤمنين فظنوا بحسب جهلهم بالأمور بأن تلك من مقولات الغلاة فوصموا أمثال من صدرت منهم مثل هذا بتهمة الغلو. وهذه أحكام شخصية قابلة للرد.

    أما أمثال ابن سبأ وابن أبي الخطاب وغيرهم من اللعناء ، فأعوذ بالله أن يقبل أحد منهم أو يروى منهم رواية. فحكمك هذا لا أساس له من الصحة جملة وتفصيلاً. ولعل الاشتباه تسرب إليك من وصم بعض رجال الشيعة لبعضهم بهذه التهمة وعدم الاعتناء بها عملياً.

    وهنا قد نقف لحظة لملاحظة أن الوصم بالغلو مسقط للعدالة ويولد مشاكل عويصة في المجتمع الشيعي وقد ظلم به بعض المؤمنين ، نتيجة تسرع في الحكم وما شابه ذلك ، وكمثال على ذلك حين وصم الشيخ الأجل احمد بن محمد بن عيسى الأشعري الشيخ الهمام احمد بن محمد بن خالد البرقي بالغلو وطرده من مدينة قم ومنع الحديث عنه لأن الأشعري كان رئيس البلدة وهو شاب وسريع التعلم ، ولكنه بعد فترة عرف خطأه في حكمه وأعاد الشيخ البرقي واعتذر إليه ودلل على مدى اعتذاره له علنا أمام الناس بالإضافة إلى تقريبه ، وقد مشى حافياً حاسراً خلف جنازة البرقي وهو يقول أن هذا تعبير عن الاعتذار. ومثل هذه المواقف قد حصلت ، بل حصلت تعميمات كبيرة من دعاوى البغداديين على القميين بالغلو وما شابه ذلك ، وأغلبه مبني على الغلو بالمعنى اللغوي أو توهم أن يؤدي إلى المعنى الشرعي ، وعلى عدم بيان الحكم . فليس فيمن قال ذلك ، من يقول بتكفير أهل قم ، بينما بحسب التعريف الشرعي للغلو يجب التكفير ونحن نعتبر الغلاة مرتدين كفرة لا شك في ذلك عندنا. لأننا لا نرى الغلو الحقيقي الذي عليه مدار الحكم الشرعي إلا الغلو المنهي عنه والذي يؤدي إلى الهلكة في الدين . فهذا هو حقيقة الحال ، وكل ما تراه يتفرع من هذه التفريقات بصفة عامة وهناك أمور دقيقة في المقام.


    ولكن دعوى تبرير فعل الغلاة بالتقية فهذا ما كان ولن يكون أبداً ، وكل من روى من الشيعة لا يوصف بهذا الوصف من قبل الإمام ، ومن وصف به فليس له إلا الطرد وما هو إلا مشبوه مدسوس بيننا بفعل عمليات الاختراق الأمني لمراقبة أئمة الشيعة ولتخريب دعوتهم العادلة العظيمة ، وقد أوردت نصوصاً عن الأئمة في ذلك فلا داعي لإعادة تلك النصوص.


    والحقيقة يجب أن أكرر بأنني أقصد نبذ الأئمة للغلاة الشرعيين ، وهذا أكبر دليل على نقاء المذهب الإمامي من الغلو بينما أنت تتحدث عن الغلو بمعناه الذي تريده أنت وهو الغلو اللغوي الذي يرد على كل لسان حين وصف أي مبالغة . وقد ورد في موارد وإن كانت ضيقة بوصف بعض الرواة بالغلو كما قلنا وكان ذلك بمعنى المبالغة والزيادة وما شابه ذلك. وهؤلاء قد روي عنهم.

    وأما من وصموا بالكذب والغلو من قبل الأئمة في الظروف الصعبة بروايات منفردة ومزوية ، بينما أخذ عنهم في الواقع فهذا لا شك به من باب التقية ، والكاشف لذلك هو كثرة الأخذ عنهم والظرف السياسي الذي لا يخفى حتى على الأعمى ، كما هو حال ظرف التشيع في زمن بني العباس الفجرة الظلمة طلاب الدنيا الذين لا زالوا يعملون تقتيلاً وتعذيباً بالأئمة والمؤمنين .

    فأي عاقل يقبل أن تكون روايات مشكوك في صدورها ( وعندي هي كذب محض) للتشاتم بين زرارة والإمام عليه السلام ، وفي نفس الوقت فقد قدّر أحد الأعلام بأن 24% من التراث الشيعي مأخوذ عن زرارة وبأمر الإمام نفسه وتحت إشراف ثلاثة أئمة على أقل تقدير هم الإمام الرضا عليه السلام والهادي والعسكري عليهما السلام .

    فهل يدل هذا على صحة تلك الشتائم ؟

    أو هل يدل على ضعف في الموثوقية في هذا الرجل ؟

    إن من يريد أن يسخف نفسه كما يفعل سلفية هذا العصر أو من تسميهم (غلاة السلفية) ممن عرفناهم من رجال العصابات الإرهابية . حيث ينشرون فكرة عدم وثاقة زرارة عند الشيعة بناءً على تلك الترهات ، وما ذلك إلا حماقة جديدة تضاف إلى صفحات حماقاتهم المضحكة وهي دليل على العجز المقعِد لمواجهة الفكر الشيعي حيث يقومون بتطبيق بعض ترهات الدراسات الحديثة التافهة عندهم على مسالك الحديث الشيعي ، للتشكيك في مصداقيته وعلى الأخص في بعض الأحاديث التي نفوها من تراثهم وجاءوا لينفوها من تراث الشيعة على مزاجهم ، ولكن هيهات ثم هيهات ، وسنتعرض لبيان بعض تلك الأمور في محله إن أعطانا الله توفيقا حين نجد المناسبة معقولة لذلك البحث.

    قولك سدد الله رأيك :

    وهذه مقررة في كتب الشيعة المعتمدة للأسف ، ولن يستطيع الأخ الصدر إخراجهم من الشيعة إلا بخروجه معهم من الطرف الآخر.

    أقول :

    للأسف هذا الكلام غير معتمد جملة وتفصيلاً.

    ومن المعلوم كما شرحنا الفقرات والمحاور في السابق ، فإن المقصود بهذا الكلام هو إدخال بعض أبواب الكافي ضمن دائرة الغلو وهذا هو القصد من أنه بإخراج أمثال الكليني من الغلو يخرج الصدر معه من الطرف الأخر لأن الصدر يؤمن بوثاقة الكليني ، فأقول لك يا شيخي العزيز أن الصدر سوف لن يخرج من الباب الآخر وإنما من نفس الباب الذي يخرج منه الكليني بحسب فرضك .

    وهذا كله مبني على اشتباهات جمة هي مورد مجموع جوابي لك في هذا الحوار بأكمله ولا يمكن تحديدها بنقطة واحدة.

    فمن جملة الاشتباهات لا على سبيل الحصر:

    اعتبار ما أورده الكليني من روايات هي روايات غلو (وبحسب فهمك للغلو) ودون إثبات هذا خرط القتاد حتى مع هذا الفهم. وقد بينا لحد الآن الكثير منها والحكم عليها في غير محله.

    والثاني : هو اعتبار أن كل ما أورده الكليني يقول به شرعاً وهو رأيه وهذا اشتباه آخر فإن الأمر ليس كذلك . فالكليني يروي المتعارض فهل يؤمن بطرفي التعارض ؟؟

    حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له .

    والثالث : اعتقاد بأن كل ما يؤمن به الكليني هو رأي الصدر الشخصي وهذا توهم بعيد عن واقع حال الشيعة على مر العصور ، وهو بعيد جداً عن فهم طبيعة التحقيق عند الشيعة ومعنى حرية التفكير وعدم التقليد ، حتى لو تطابقت الآراء فليس ذلك عن تقليد و إنما عن قناعات مبرهنة .

    ولعل العذر لك هو في كل هذه الاشتباهات وغيرها ، هو عدم توفر المعلومات الكافية عن المناهج الشيعية وعن التأريخ الشيعي وعن وجهات النظر الشيعية بشكل دقيق ومفصل ، ودائماً لا تُرى الأعماق من سطح المياه . وهنا قد يحدث أكثر من هذه المداخلات بين الحقائق وقد يحدث اشتباها أكبر في توصيف الآخرين خصوصاً حين يكون تأريخ أمة تمتعت بالإنتاج العلمي الثري وبالتأريخ المعقد جداً من تجاذب القوى والمصالح وصعوبة فهم الأسس التاريخية.

    نحن لا نقول شيئاً إلا التذكير بأن ما توصلت إليه جنابك في كثير من المسائل يعتبر بعضها من بديهيات أطفالنا كما هو حال موضوع الصحبة والصحابة وموضوع ظلم الأمويين وغيرهم لأهل البيت والتوقف في الطلقاء ، ومواضيع كثيرة ، بينما اعتبرتها أنت فتحاً مبينا وجولة فرسانية في بطون الكتب واجتهاداً جديداً في فهم الواقع ، وهو كذلك حين يحاول شخص ما أن ينفض عن نفسه أطنان من التراب التي تجثم على صدره لقبره وهو حي . وحين يخرج قد يبهره النور والمناظر فيداخل بينها .

    ومع أنك مقتنع وأنا مقتنع بأن هذه الآراء هي نتيجة اجتهاد وتميز في قراءة النصوص التاريخية والحديثية فإن التيار السلفي لا يصدق ذلك ويرمونك بالرفض مرة وبالزيدية مرة أخرى وبالاعتزال وبالجهمية ، لأنهم لا يستوعبون بالفعل طريقة قراءتك للبيانات ، بل يعجزون حتى عن تصور القدرة العقلية على خرق حجاب الظلمة النفسية التي يعيشون بها والتي تزودهم بشحنة المعلومات الكارثية ، فكذا حالنا مع الكثير ممن لم يركب هذا المركب فهو لا يستطيع أن يفهم سلوكنا العلمي والفقهي .

    وسأعطيك مثالا ظريفا أرجو أن تتقبله من دون حساسية ..
    أنت تعرف بأننا كشيعة نقول بعصمة أئمتنا وأن ما ثبت عنهم فهو صحيح ، وهذا يتطلب بأننا لو رأينا أحد يردُّ حديثاً لإمام يجب أن نقف منه موقف المعادي المناهض . ولكن واقعنا العملي ليس كذلك ويصعب تفسير ذلك لمن لم يفهم طبيعة التفكير الشيعي أو حتى المنهج الشيعي العام للتفكير على أقل تقدير ، فخذ مثلا السيد محمد حسين الطباطبائي صاحب تفسير الميزان وهو تفسير رائع كما تعلم، هذا الرجل يحظى عندنا بالتقدير والتكريم بما لا مزيد عليه وكلنا نعلم علم اليقين بأن بحثه الروائي في الميزان له طريقته في رفض الرواية و لا يعتني نهائياً بصحة الصدور ولا يقيم أي وزن لذلك و يحاول دائما أن يجعل المعنى في الرواية هو من مصاديق المعنى كما أشرت إلى هذا المنهج في تناول المفردة اللغوية .

    إن مثل هذا السلوك لو كان من أهل السنة على فرض الإيمان بعصمة القائل فهو يعتبر سلوكاً منافياً للعقيدة وداعياً إلى التكفير حتى عند أعدل المعتدلين عندهم (حينما يرغبون طبعا) ، إلا الـ ( لا أدرية ) منهم فهم خارج القوس.

    بينما الحال مختلف عندنا فلا نحكم بمثل هذه الأحكام مطلقاً. والمسلك الذي سلكه لا يتنافى مع إيمانه بالعصمة وهذا ما لا يستطيع فهمه من هو خارج الدائرة الشيعة ، فمثل هذا الرجل ليس فقط مقدّر ومحترم بل معدود من خيار المؤمنين وصلحاء هذه الأمة وأركان من يؤمن بالعصمة والإمامة والتشيع.

    و أنا شخصيا مع علمي بكل دقائق بحوثه أعتبره نموذجاً للمسلم الشيعي الواعي القادر على تفهم سبل الحضارة والرقي العلمي. وهذا يصعب تعقله لمن لم يدخل أجواء التيار العلمي والروحي وتعقيداتهما لدى الشيعة .

    فهذا مثال وغيره كثير ، وهو دليل على غرابة المقاييس حين يريد من هو خارج الدائرة كشفها أو تطبيق مقاييسه على هكذا وقائع .

    قولك أيدك الله :

    ( وقد يأتي أحد الغلاة وينقل بأن الأخ الصدر ينقل ما نقل من الإنصاف إنما هو من هذا الباب ! أي من باب التقية !وهنا تأتي خطورة التوسع في دعوى التقية وهي من المسائل التي غلا فيها من غلا من الشيعة الإمامية وألفوا فيها الكتب واعتبرها بعضهم كالصلاة في التعامل مع العامة (الذين هم من سوى الشيعة من أهل سنة وغيرهم).


    أقول: أن هذا الكلام يدل على فهمك لما يلي :

    أولاً : بأن دعوى التقية لا ضابط لها .

    ثانياً : التقية مطية لكل ما لا يعجب ، وكأن الدين موجود في الجيب كما هو في جيب بعضهم ، يستخرجه متى شاء. وهكذا تتصورون الفكر الشيعي كما صوره أعداء التشيع تماماً .

    ثالثاً : تشنجك من التقية وكأنها غول أمام عينيك ( وهذا موروث ) ، مع أن كل ما تكلمت به يدل على عدم فهم التقية من الأساس .

    رابعاً : دعوى الغلو في التقية وأن البحث فيها و استعمالها غلو فيها بل يبدو هو الغلو بعينه عندك من خلال هذا التصريح وتصريحات أخرى .

    بصراحة تعليقي على كل هذه النقاط جملة بسيطة :

    وهي: ....... ( لا صحة لكل هذه النقاط جملة وتفصيلا ) .......

    ويجب أن نبحث التقية جيداً لتكون الصورة واضحة وحينها ينكشف معنى هذه الجملة الصغيرة التي تبدو وكأنها دعوى لا معنى لها لمن عاش خيالاً كابوسياً في تصورات التقية . وسينكشف أن التقية متعبة لأعداء أهل البيت والمغشوشين بهم أو من تسرب إليهم الوهم منهم ، أكثر من استعمال الشيعة لها كما يتوهمون.

    وهذا يحتاج إلى موضوع مستقل .

    وقبل أن أترك الإشارة إلى موضوع التقية التي سنبحثها في تعقيب مستقل أقول يا أخي الأمر ليس كما تتصور فنحن إطلاقا - في حياتنا العملية الحالية - لا نستخدم مثل هذه الاستخدامات للتقية فلا يقول لك أحد مطلقاً بأن كلام الصدر تقية أو ما شابه ذلك ، فهذا خيال مجرد تولّد لديك نتيجة تركيز الأكاذيب التي سمعتها عن الشيعة ، فإذا كنت قد قرأت عن التقية وأهميتها في علوم الحديث وغير ذلك فذلك أمر مختلف وهو يسير بمسارين :

    الأول : وجود أحكام يعطيها الإمام حين تكون هناك رقابة على الشيعة أو على الإمام لقتل الشيعة بموجب مؤشرات معينة ( ولا ننسى قصة علي ابن يقطين حين أمره الإمام بغسل رجليه في الوضوء لأنه كان مؤشراً أراد استخدامه الخليفة لكشف علي بن يقطين ودماره ودمار عياله ).

    فالبحث في التقية إنما هو لتمييز هذه الأحاديث التي تعطي فتاوى موافقة لما يريدون في حينة ومخالفة للشرع لأجل نجاة أمة أو أفراد محترمين شرعاً .

    والمسار الثاني : هو توسع بعض الأخباريين في الاستدلال العكسي بالتقية مما أثار عليهم زوبعة عارمة وملخص الفكرة فإن الأخباريين كالشيخ يوسف البحراني وغيره يقولون بأن التقية كاشفة عن صحة الضعيف عندنا لأنها كاشفة عن صحة المخالف. وقد أجابوهم بإجابات مطولة وملخص أهم الإجابات بأن الخبر المخالف للمعمول به يكشف عن وجود التقية فيه وليس العكس حتى يستدل بأن التقية كاشفة عن صحة الضعيف ، نعم نفس العمل بالضعيف كاشف عن صحته ، والضعف الموجود عند الشيعة في الغالب إنما هو من جهة تغيّر اسم أحد الرواة وعدم مطابقته لاسم مشهور به فيقال عنه مجهول ، وهذه الجهالة في الحقيقة نابعة من قصورنا المعرفي لا من الواقع ولذلك أوجدوا أساليب ذكية جداً في كشف اتحاد الراوي من خلال نقاط تقاطع البيانات مثل من يروي له أو عنه ومثل طبقته في الرواية ومثل الكشف عن طبيعة اختصاص الراوي .. إلى ما شابه ذلك.

    فلا حاجة لهذه الفذلكة التي سلكها بعض متأخري الأخبارية رحمهم الله ليستدلوا استدلالاً عكسيا في المسألة .

    وقد رأينا أن بعض أدعياء السلفية يحاول أن يجد من هذا الاستدلال المهمل والمناقش بشدة منفذاً ليصف كل الروايات الشيعية بأنها روايات تقية ، وهذا جهل مطبق.

    ========

    فإذن هذا النص الذي ورد في مقدمة نقاطك يحتوي على خلل من نواحي كثيرة ، ولا يهمنا الآن إلا ناحية واحدة نريد بحثها ، وهي كون أوامر الأئمة وتوجيهاتهم لا قيمة لها عند الشيعة وبإمكان الشيعة أن يحولوها إلى أضدادها بتبرير التقية وغيرها.

    وهذه من اللافتات الرائجة في سوق شتم الشيعة في هذه الأيام حين صُب الزيت الأسود اللعين على رؤوس جهلة الأمة وحمقائهم فتلمعت صورتهم لدى محبي الأموال ومتزلفي السلطات فتحولوا إلى مسموعي الكلمة بعد أن كانوا منبوذين فكرياً بلا تلك اللمعة.

    شيخي العزيز :

    أقدم لك استغرابي وتعجبي من استقرار هذه الفكرة في نفسك. فهي لو عرضت على واقع التشيع لكانت من الأمور المضحكة جداً . فلا يمكن أن يتمسك بها باحث مهما كان بعيداً عن التشيع في حالة إنصافه وحسن بحثه .

    ولكن هذه التصورات عن علاقة التشيع بأئمة أهل البيت عليهم السلام تكررت منك في مواضع منها هذا الموضوع ومنها تعريفك واعتبارك للشيعة والتشيع .

    يا شيخنا العزيز يجب أن تفهم فهماً جيداً بأن هؤلاء الشيعة الذين تراهم ، ما هم إلا امتداد طبيعي بتمسك هائل بتعاليم أهل البيت عليهم السلام . وقد تم إنجاز أهم هياكل كتبهم ومصادرهم الأساسية تحت رعاية أئمتهم ، ولهم قواعد ثابتة في الأخذ عن أهل البيت سواء بالمنهج أو بالمعارف ، وأهم ما يتميزون به هو أخذ العقيدة المحددة في كتب عقائدهم ( لا في كتب الحديث ) والفقه عن أئمة أهل البيت بحسب مناهج تفردوا بها مختلفة عن مناهج أهل السنة .

    وكل محاولة لتصوير أن التشيع الحالي لا علاقة له بأهل البيت ، فهو مجرد خيال ومجرد أضحوكة على عقل الإنسان لأنها فراغ في فراغ .

    طبعاً يمكنك أن تردد ما يردده السلفيون المنتشرون في الساحات الثقافية من :
    أن الشيعة عندهم روايات ضعيفة إذن هم لا يتصلون بالأئمة ، وجوابها أن السنة عندهم روايات ضعيفة إذن هم لا يتصلون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا بالإسلام .

    كما يقولون بأن التشيع نشأ نشآت كما اخترعوا فمرة يهودية ومرة مجوسية ومرة أعجمية وأخرى هوائية بشكل هلامي غير مستقر الصورة .

    فإذن هؤلاء منتحلون للتشيع وهم ضد أئمة الشيعة ، وجوابها سهل يسير فإن من وصف بهوديته ومجوسيته وتأثيره في التشيع لم نر له أثراً في التراث الشيعي ولا في رجال الشيعة بينما اليهود ( الباقون على يهوديتهم ) والمجوس ( الباقون على مجوسيتهم ) يحكمون الفكري السني والقيادة السنية سياسياً وعسكرياً وثقافياً وقائمة الأسماء متوفرة بحمد الله ، وتأثيرهم واضح للعيان .

    فإذا كنت تشك في ذلك فمجرد إشارة منك تجدني بين يديك بكل أسمائهم و أفعالهم ..

    فإذن قياساً على هذه المقولة فإن أهل السنة الحاليين لا علاقة لهم بأسلافهم وإنما هو مجرد انتحال من قبل اليهود والمجوس. ويا ليت من يكلمنا يكون من العرب فهم حتى لو كانوا من جزيرة العرب ولكنهم هجين بين أحباش وأتراك وإندونيسيين وهنود وإيرانيين بندريين وغيره . ونعوذ بالله من التنابز بالقوميات واللسان.

    وهذه الأجوبة النقضية قد يبدو عليها الافتعال ، ولكنها في الحقيقة أعمق من مستوى الإدعاء نفسه وإن المدعي غافل عن واقعه .

    إننا حين نبحث عن موضوع النسب ومدى الاتصال الزمني الفعلي بين الأسر المتصدرة لصدارة الفكر السني وبين الأسلاف نجد الاتصال لجيلين أو ثلاثة وإذا بالغنا فخمسة أجيال . ثم تنقطع السلسلة إلى ما لا يعرف بينما القيادات الشيعية الموجودة حاليا متصلة اتصالاً تاماً إلى زمن علي عليه السلام وزمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينقطع عندهم حبل العلم وتناقل الدين والتشيع ولا فاصل ولا انقطاع بينهم. وإليك أهم الأسر القيادية الشيعية التي لم ينقطع عنها قط العلم والدين والاشتغال به جيلاً بعد جيل وهم لا زالوا في مقدمة الركب الشيعي .

    السادة من آل البيت لم ينقطع عندهم العلم مطلقاً إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

    الحسنيون وهم أصناف منهم :
    السادة الطباطبائية أبناء طباطبا الحسني والقياديين منهم الآن أسرة آل الحكيم وأسرة أل بحر العلوم وأسرة الطباطبائي وأسرة البروجوردي وغيرهم من الأسر القيادية الموجودة فعلاً .

    وهؤلاء لهم السطوة والتقدم في العالم الشيعي في القرون الثلاثة الماضية ولحد الآن. ومنهم الآن المرجع الكبير السيد محمد سعيد الحكيم وقائد العراقيين السيد محمد باقر الحكيم وغيرهم ممن هم في الصدارة أو أقل مرتبة منهم ( ويدعي السلفيون بأن الحسنيين مطرودون من التشيع !!! فاقرأ وتعجب )

    السادة الأشراف وهم أسر متعددة تتصدر الزعامة والمرجعية في الفكر الشيعي منهم آل العطار وآل البغدادي وآل الحيدري وآل زيني وآل فضل الله وغيرهم . وهؤلاء يلتقون مع نفس سلالة الشريف حسين شريف الحجاز وأغلبهم من أبناء الشريف قتادة .

    الحسينيون : فحدث عنهم ولا حرج ولكن من يتصدر الزعامة منهم ولم ينقطع عن العلم والدين هم الأسر المعروفة التالية .

    آل الحسيني و أبناء زين العابدين كآل السيد عيسى المعروفين بالسادة آل نجف وغيرهم ومن آل الحسيني السيد السيستاني أحد المراجع الكبار الآن .

    الموسويون : من أولاد موسى الكاظم عليه السلام :

    وهم أسر متعددة منهم آل شرف الدين وآل الصدر وآل المرعشي وآل الشيرازي الموسوي وآل أبي الحسن وآل مكي العلويين وال الصافي وآل اللواساني وآل الهاشمي وآل الغريفي البحرانيين وغيرهم كثيرة وفيهم الكثير من المراجع الحاليين يذيّل توقيعه بالموسوي وأغلب المراجع المتأخرين ممن يذيّل بهذا التوقيع هم من أسر لم تنقطع عن العلم والدين .

    القرشيون :

    منهم آل شمس الدين وآل مكي غير الهاشميين وآل القرشي وآل الزين وغيرهم .


    غير القرشيين من أبناء الصحابة والتابعين.

    أبناء جابر بن عبد الله الأنصاري :

    آل الأنصاري ، آل الخزرجي

    أبناء مالك الأشتر :

    آل كاشف الغطاء وأل الخضري وآل الشيخ راضي

    أبناء الحارث الهمْداني اليماني

    وهم أسر كثيرة الموجودون منهم وهم علماء الشيعة لم ينقطع بهم العلم هم آل زين الدين ( أبناء الشهيد الثاني ) وآل البهائي وآل الشيخ عبد الصمد وآل أبي جامع وآل محفوظ وآل شرارة وآل مروة وأسر كثيرة موجودة فعلاً لم يحضرني اسمها .

    أبناء الحر بن يزيد الرياحي من بني تميم الشهيد مع الحسين وابن مدير شرطة الخميس الذي أسسها أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب . ومنهم :

    أل الحر العاملي المعروفون وهم لا زالوا على طلب العلم إلى يومنا هذا

    أبناء حبيب بن مظاهر السدي المستشهد بين يدي الحسين عليه السلام:

    آل الاسدي

    أسرتين من ربيعة لم ينقطع عنها العلم منذ زمن الإمام علي لحد الآن .

    هما آل البلاغي وآل الأعسم

    الأشعريون :

    وهؤلاء كانوا ولا زالوا لحد هذا اليوم هم أهل قم الأصلين وهم علماء قم منذ فتحها الإسلامي وقد سكنها الأشعريون وهاجر إليها بعض البجليين و الجعفيين وغيرهم من الكوفة ابن ظلم الحجاج ومن على شاكلته ، فلا زالوا هناك إلى يومنا هذا ولا زال العلماء والفضلاء من الأشعريين في قم بسلسلة متصلة إلى زمن الأئمة الطاهرين . يحتفظون بلقبهم هذا وهو الأشعري وقد يسمي بعضهم نفسه بالقمي نسبة إلى مدينة قم العربية في وسط بلاد فارس .

    هذا ما حضرني من أسر موجودة فعلاً في ساحة العلم الشيعي لم ينقطع عنها العلم والدين جيلاً واحداً إلى زمن الرسالة ، وهناك أسر لا تقل أهمية حيث أن تداول التحصيل الديني بينهم لا يقل عن عشرة أجيال فما فوق مثل آل الجواهري و آل مظفر من بني أسد وآل الخزاعي وآل الخفاجي وآل الساعدي ...

    مع العلم أن هناك أسر كثيرة من العشائر العربية تتناوب العلوم الدينية فتدخل فيها عدة أجيال وتخرج منها أجيال ثم تعود إليها وهكذا وقد يمتد العلم فيهم عشرة أجيال ثم ينقطع أربعة أو تنعكس القضية ، وهي عشائر عربية كثيرة منها عشائر حمير اليمانية ومنهم عشائر خاقان وهم أسر علمية كثيرة مثل أل الخاقاني وفيهم مراجع وأل الصغير وآل الشرقي وغيرهم وعشائر بدير من حمير وعلمائهم يعرفون في الوسط العلمي بالبديري ومنهم المرجع الشيخ جعفر البديري رحمه الله ولازال منهم علماء إلى يومنا هذا.

    وهناك عشائر أخرى لها صفة الاستمرار ما يقارب الأربعة قرون كالفضول اللاميين ومنهم ثلاثة أسر علمية قديمة لا زالت مستمرة على العلوم الدينية ، منها آل سميسم وآل نصار وآل شكر وغيرهم ممن يعرفون بالعلم الديني والمواظبة عليه أربعة قرون أو أكثر . ولا يمكن تعداد العشائر العربية من مضر وربيعة وشمر وعشائر كلب وعامر وغيرها كثير مما ينتسب إليه علماء الشيعة الحاليين والسابقين في العراق وبلاد الشام وطرفاً من إيران الحالية.

    كما لا يخفى بأن هناك أسر قديمة حملت لواء الدين في زمن الأئمة غير هذه الأسر ولم نعلم لهم امتداد الآن فقد تغيرت الكثير من ألقابهم ولم يحافظوا على أسسهم القبلية مثل البجليين والجعفيين من أعاظم الرواة وبني يقطين وبني مسكين وبني أعين وغيرهم كثير.

    وعلى ذكر تغيير الألقاب فهناك أسر خليجية علمية لم تترك العلم مئات السنين ولعل بعضها يمتد إلى زمن الأئمة ولكن لا علم لي بامتدادهم بشكل فعلي كما هو حال هذه الأسر التي ذكرتها ولكن تواجدهم الديني يضرب في أعماق التأريخ كآل عصفور وآل الخطي وغيرهم وهم أسر علمية لها تأثيرها ومشاركتها التأريخية التي تمتد قرونا كثيرة.

    كما أن هناك أسر إيرانية وتركية ومغلية وهندية ليست من أصول عربية تداولت العلم بعد تشيع هاتين المنطقتين بعد ستمائة سنة من بزوغ الإسلام وقد حافظت الكثير من هذه الأسر على استدامة العلم فيها إلى يومنا هذا غير أنهم مولعون بتغيير ألقابهم مما يضيع صفة امتدادهم .

    وكل ما ذكرته من الأسر المتصلة إلى زمن الرسالة في صدارة التشيع هي أسر عربية خالصة ، إلا إذا خرج لنا سلفية هذا العصر بفكرة نفي عروبة قريش وبني أسد والخزرج وهمدان والأشعر وربيعة ومضر والنخع وحمير وما شابه ذلك من الأسر العربية وكل شيء جائز فقد رأينا العجب من نفي علاقة الشيعة بآل البيت فهل بقي شيء عجيب.

    أقول:

    بالله عليك يا شيخ حسن هل هناك مذهب حافظت عليه أسر علمية من بداياته إلى يومنا هذا بهذه الصورة ، برعايتهم وتعهدهم وبطريقية تسليم جيل لجيل تسليم يدٍ بيد كما يفعل الشيعة ؟؟

    وهل تعلم كم تقاسي الأسر العلمية العفيفة التي ذكرتها لك من شظف العيش وصعوبة الحياة والامتناع عن مباهج الدنيا والحرمان مما يمارسه عامة الناس من شباب وكهول نتيجة الولاء التام للمسلك ؟؟

    وقد يتوهم من لا اطلاع له بأن العلم الديني عند الشيعة ميزة وحياة موفرة . فهذا ما لا أصل له حتى بعد تكون دول شيعية وأوقاف شيعية كبيرة . فأهل البيت أدرى بالذي فيه . فما رأت أسرنا إلا الجوع والقتل والتشريد ولكن مع رفع الرأس شامخاً ومع انبلاج نور الكرامة ، حتى ونحن نسقط تحت يد الجلادين صرعى حيث تمتزج دمائنا بالتراب الذي نجّسه الرجس فتطهر تلك الأرض وتشمخ بها زهور الكرامة .

    ولا زلنا على العهد لم نبدل ولم نغير أوفياء لديننا ومحافظين لتراثنا ومتمسكين بثوابتنا . وتعساً لأحلام مريضة تحلم بتغيير إسلامنا منذ ما يزيد عن ألف سنة ولم يعثروا إلا على سراب أفكارهم . فتعساً لحظهم العاثر. والملتقى بين يدي الرحمن شديد العقاب.

    يا سيدي الكريم حين يسمع شخص مثلي تشكيكاً بعلاقة التشيع بأئمة أهل البيت وهو يروي علوم أهل البيت أباً عن جدٍ إلى أبي وسيدي ومولاي أمير المؤمنين علي عليه السلام . فماذا سيكون شعوره غير الاحتقار لمثل هذه المقولة فإن التشيع في بيوتنا جزء من سر أسرنا الداخلية كما هو سر أسرة بني مالك في بيتك الداخلي. والتشيع عندنا اتصال رواية عن شيوخ من جهة وعن أهل وأقارب من جهة.

    فالخلاصة أنه ما من مذهب يتمتع بتوثيق بطريقةِ تداولِ الأسر العلمية الواعية للعلم ، جيلاً بعد جيل كما هو حال المذهب الشيعي . ولعل هذا ينطبق على المذهب الإسماعيلي أيضاً لأنهم يعتمدون نفس المبدأ من التمسك بالمسلك الديني لأجيال طويلة . فصلتنا بأئمتنا لا يشوبها شك عند من لم يفقد بصره وبصيرته.

    هناك شيء في الحياة الشيعية يجهله الكثيرون حتى عوام الشيعة ، وهو وجود حالة من التنافس للمحافظة على التشيع تصل إلى حد المزايدة غير المضرة في بعض الأحيان ، وهذا يولد حصانة ذاتية كبيرة داخل المذهب الشيعي يحصن الثقافة الشيعية من الانحرافات المبعدة عن الأصل .

    وهذا يتوضح بشكل جيد لمن يقرأ في الدراسات الفقهية الشيعية حيث يجد التنافس على أوْجه في الحفاظ على المعايير واختراع تخصيصات في المعايير تزيد من ضوابط التمسك بمسلك الأئمة المعصومين. وعلى الصعيد الاجتماعي فهو أمر لا يمكن فهمه من لم يذق طعمه ، فإن أقل لفتة وأقل تحرك فيه خروج عن المذاق الفقهي حسب الضوابط يعرض صاحبه للإهمال الاجتماعي ..

    وهنا ملاحظة صغيرة أخيرة تتعلق بطريقة التفكير التي أنتجت مثل هذه النتائج بمقدمات مشوهة أو بدون مقدمات أصلاً . وفي الحقيقة كان موضوع وبحث هذا المحور يتركز على هذه النقطة وهي الخلل المعرفي في استنتاج نتائج عكسية . حيث تدل محاربة الأئمة للغلاة على انتشار الغلاة بين أصحاب الأئمة . إن مثل هذه النتائج المبهرة التي وصلنا إليها في هذا القرن لهي مورد بحث طويل . وقد كتبت فيه شيئاً مهماً ولكنني حذفته وسوف أبحث مثيلاً له حينما أنتهي من مناقشة محاور مقدمة النقاط الأساسية وأبدأ بنفس النقاط فهناك لنا كلام علمي آخر.

    وليس من العيب أن نشير إلى أن مثل هذه النتائج لا تلتقي مع طبيعة التفكير المستقيم . وهذه طريقة قد ألفناها الآن حين أكثرنا من قراءة الفكر الذي تربى عليه أبناء تيمية. حيث تكون النتائج من عكس صنف المقدمات وأنا أعلن هنا عن تهانينا القلبية للأمة الإسلامية على هذا التطور الكبير في المعرفة الذي ينتج معلومات بعكس المقدمات ويعطي نتائج من أضدادها فهي نظرية لم تظفر بها البشرية منذ أن قامت وهي الآن متوفرة في سوق المسلمين بشكل وفير ونشعر بأننا نستطيع تصدير هذا البضاعة لفيضها عن حاجة الأمة وأخشى أنها تفيض عن حاجة البشر جميعهم.

    كيف لا تدل محاربة الغلاة في مذهب معين إلى درجة محقهم ومحوهم على نفي الغلو ؟؟

    كيف يتصور الإنسان أن أئمة يمتد تأريخ حياتهم بين البشر أكثر من 330 سنة وهم ينفون الغالين ويحاربون المحرفين واستقر المذهب على هذه الصورة مع ذلك لا يدل هذا على نفي الغلو ؟؟؟

    لا أعرف ماذا أصف هذه الحالة ؟!!.


    فإلى اللقاء قريبا بإذن الله

    أخوكم

    علي الصدر





    [edited][حرر بواسطة علي نعمان الصدر بتاريخ: 13-01-2002 م - في الساعة: 04:10 AM][/edited]

  3. #83

    طلب تقديم بحث من أخوين عزيزين




    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام حفظكم الله

    الأخ الفاضل الأستاذ الشيخ حسن بن فرحان المالكي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    لقد اتصل بي أخوين فاضلين كل على حدة يطلبون مني قبل إنزال المحور الثامن أن ابحث موضوع التقية .

    يقول الأخ الطالب : بأن تكرار ما ذكره الشيخ حسن حول التقية والغلو فيها..... ولأنه موضوع يعتبر من التهم الجاهزة ضد التشيع ، فقد جاء وقت التعرض له، من خلال المحور السابع حيث سمح الفاضل المالكي لنفسه أن يتحكم بنصوص أهل البيت بإيرادها مورد التقية وهذا موقف حساس يجب استيعاب الموضوع فيه بشكل يبين الوجه على نحو الصحة والصواب. ولهذا ليس من المصلحة تأخير البحث فيه.

    وكان جوابي هو: أنني اعتبرت موضوع التقية أحد أهم النقاط التي وقع فيها تشويش على الفكر الشيعي بوجه عام وفي النقاط الأساسية التي يريد الشيخ المالكي إثبات الغلو والكذب فيها بوجه خاص لأنه جعل التقية من موارد الغلو. ولهذا قررت من الأساس أن أبحث هذا الموضوع بشكل مستقل، في مقدمة النقاط الأساسية، وهو موضوع يحتاج إلى مزيد من الإيضاح و الاستدلال و أردت أن أوفيه حقه بما لا مزيد عليه. و أناقش كل جوانبه بتفصيل دقيق. لأبين بما لا يقبل الشك بأن الهجوم على التقية هو هجوم على التشريع الإسلامي بل على الله ، وهو هجوم على كل تحضر وعلى كل موازين العقل والسلوك الإنساني المتحضر، وهذا الهجوم ما هو إلا حملة أمنية من قبل سلطات الظلم والجور باسم الإسلام المُبرأ منها، فهذه السلطات تريد قتل الناس ولا تقبل منهم الاحتفاظ بآرائهم بأدب وتعقل، فهي تريد مقولة: إنك إما معي أو أنت ضدي كافر يجب قتلك. كما أن من اللازم بيان أن التقية ليست مركبا سهلا لكل ما يرغب الإنسان وبلا ضوابط، كما أن ليس للفقيه أن يؤسس أحكاما على أساس التقية كما هي صلاحيات المعصوم. ولهذا فالتقية التي يجب أن تمارس إنما هي في مجال تطبيقي محض، ومن يذهب من الفقهاء إلى صلاحية الفقيه في الحكام الأولية يجعل التسبيب للحكم هو الحاكم على نفس الفقيه مما يعني أن الحكم نفسه يخضع للشروط الموضوعية وهذا مسلّم إسلاميا، فتكون صلاحية الفقيه تطبيقية في الحقيقة وليست إنشائية.

    وهذا يحتاج إلى تنوع في التمثيل والبحث. وهو يحتاج إلى بعض الوقت مني. فأنا بطبعي لا أعتمد الأبحاث الجاهزة ما لم تكن كشاهد فرعي.

    ولكن الأخوة يقولون هذا صحيح ولكن يجب أن لا تؤجل لنا هذا الموضوع وقد وجدت مناسبة قوية حيث تم تطبيق التقية بأسوأ تطبيق فلا بد من البحث ولا يهم موضوع الوقت الآن.

    والحقيقة أنا لحد الآن محتار منذ أمس ولا أستطيع أن اجزم بشكل دقيق، وسوف استشير بعض الأخوة وأقدّر إن كان يجب نقل الفكرة التي كانت في ذهني من موقعها الذي كنت قد رسمته لها إلى هذا الموقع، وكيفية عمل ذلك، ولعل خلال يومين احزم أمري... إما بحث موضوع التقية أو الاستمرار في المحاور المرسومة, فليس الفهرس من المقدسات التي لا يجوز تغيرها .

    وحتى أحزم أمري وأخبركم بذلك أرجو تقبل تحياتي واعتذاري الشديد.

    تقبلوا تحياتي

    علي الصدر
    [edited][حرر بواسطة علي نعمان الصدر بتاريخ: 16-01-2002 م - في الساعة: 05:15 AM][/edited]

  4. #84

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام السلام عليكم ورحمة الله

    نتيجة اصرار الكثير من الأخوة , وبعد أن شاورت أحد الأفاضل قررت أن أبحث موضوع التقية وما يحويه.

    ولكنه موضوع قد يأخذ حلقات فأرجو تحمل هذا الأمر.

    ولكم الشكر على التفهم .

    أخوكم

    علي الصدر


  5. #85

    حول موضوع التقية

    الأخوة الكرام.. الأخ الصدر
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
    أنا أفضل أن يتناول الأخ الصدر موضوع (التقية) لما له من أهمية بالغة وجدل (سني شيعي) كبير، خصوصاً وأنني سأتناوله أثناء ردي على الأخ الصدر فنريد رأيه في هذا الموضوع.

  6. #86

    شكر و اعتذار وطلب دعاء





    اعتذار وطلب دعاء

    الأخوة الأكارم حفظكم الله

    الأخ الفاضل حسن فرحان المالكي المحترم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    جزيل الشكر و الامتنان للأخ الفاضل الشيخ حسن حفظه الله على تكرمه للفتته الفاضلة في الموافقة على بحث موضوع التقية قبل أن اكمل بقية المحاور التي رسمتها سابقا. وفي الحقيقة كنت أحب أن اسمع موافقته لأنها من أسباب اللياقة بي أن لا افعل ما يأباه المحاور العزيز. والحمد لله فقد كان هذا من لطف الله وفضائل الشيخ الجليل وهذا عطاء من كرمه زاده الله منه.

    سادتي الكرام

    أرجو منكم المعذرة جميعا فقد داهمني مرض عضال منذ خمسة أيام تقريبا أقعدني كليا ولم استطع حتى القراءة، وقد نصحني الطبيب أمس بالراحة لمدة أيام عديدة. فأرجو العذر لي على التأخير .

    الحقيقة لا أستطيع أن اكتب كثيرا لما أنا فيه.

    ولكن و أنا طريح الفراش راجعت بعض الدراسات الفقهية والأصولية المعمقة حول التقية لأجل أن أجد منها مادة جاهزة للحوار بدل أن اكتب بنفسي وأفهرس الموضوع. و للأسف لم أجد فيما بين يدي بحثاً يصلح لطرحه لمسيرة الحوار حتى ما كتب بلغة عصرية، ولا أعرف الآن إن كان تصوري دقيقا أم لا حول هذه الأبحاث؟. وعلى أي حال وجدت مناقشات تخصصية تتعلق بقواعد ودراسات مليئة بالمصطلحات. بينما وجدت في المقابل دفاعات فكرية عن الموضوع. ولهذا فإنني قررت أن لا أظلم القارئ الكريم بإنتاج سريع وليد العصرة الصحية فأطلب مهلة خمسة عشر يوما للمرض والاستجمام وبعدها سأباشر بعون الله ومشيئته في تحقيق الموضوع. ولو حصل أن تعافيت قبل هذا فسأسارع إلى الكتابة أو انتكست فسأبلغكم.

    الموضوع جميل جدا ولي فيه وجهة نظر شخصية. احب أن أطرحها بشكل مريح وبنفس طويل ومتقن قدر الإمكان.

    أكرر اعتذاري وأقول لأحبابي القراء لا تأخذكم خيبة الأمل لهذه الاستراحة فهي استراحة لكم أيضا من الترقب.

    ونسألكم الدعاء

    أخوكم

    علي نعمان الصدر

  7. #87

    شكر وإخبار بتحسن الصحة والبدء ببحث التقية



    الأخوة الأكارم حفظكم الله

    الأخ الكريم الفاضل حسن بن فرحان المالكي حفظك السبوح القدوس رب الملائكة والروح

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بحمد الله زال عن معظم ما ألم بي من مرض، ولكنني لا زلت ضعيفا، ومع ذلك فقد بدأت بتحضير موضوع التقية وسيكون خلال خمسة أيام قد تجمعت المادة الأساسية وقد كتبت المقدمة. وهذا بإذن الله طبعا وأسأل الله أن لا تنتكس صحتي وأن تستمر في التحسن.

    أشكر جميع الأخوة الذين سألوا عن صحتي وأسأل الله أن لا يريهم مرض ولا عرض ، وأثمن لكل من دعا لي بقلبه بينه وبين ربه فهذا مؤمن أخفى أمره ليعظم أجره، وشكري لكل من تفهم انقطاعي وتعاطف معي شكرا متواصلا جزيلا.

    أخوكم


    علي نعمان الصدر

  8. #88

    التقية - المقدمة

    التقية الشرعية


    المقدمة



    التقية حكم شرعي يستمد قوته القانونية والشرعية من كتاب الله وسنة رسوله. وخير ما نبدأ به هو بعض الآيات الكريمة المتعلقة في الموضوع.

    (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (آل عمران:28)

    (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل:106)


    وقبل أن ابدأ الحديث في المقدمة أحب أن اعرض ما قاله الإمام البخاري في صحيحه حول التقية لأهمية أن يصدر مثل هذا الكلام من عَلَم من أعلام أهل السنة و أهل الحديث. لما لهذا العلم من أهمية خاصة، خصوصا عند المتعصبين من أهل الحديث حيث يعدونه من أهم رجال الحديث ويستدلون بأقواله ويعتبرون كتابه أصح كتاب بعد كتاب الله.

    وهذا هو نص البخاري في صححه :

    صحيح البخاري، للإمام البخاري : الجزء الرابع.

    كتاب الإكراه.

    قول الله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} /النحل: 106/.
    وقال: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} /آل عمران: 28/: وهي تقيَّة.
    وقال: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض - إلى قوله - عفوًّا غفوراً} /النساء: 97 - 99/.
    وقال: {والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً} /النساء: 75/.
    فعذر الله المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله به، والمكره لا يكون إلا مستضعفاً، غير ممتنع من فعل ما أمر به.
    وقال الحسن: التقيَّة إلى يوم القيامة.
    وقال ابن عباس، فيمن يكرهه اللصوص فيطلِّق: ليس بشيء.
    وبه قال ابن عمر وابن الزبير والشعبي والحسن.
    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الأعمال بالنيَّة).


    انتهى نص البخاري واهم ما فيه هو قول الحسن بأن التقية إلى يوم القيامة إشارة إلى جواب من يدّعي بأن زمنها انتهى. ورأي بعض الصحابة والتابعين بعدم ترتب الآثار الشرعية على فعل التقية.

    -------------

    بسم الله الرحمن الرحيم



    بجرد إحصائي أولي بسيط يكتشف الباحث إن من لم يشتم الشيعة بالتقية فهو يسيء فهمها على أقل تقدير، وهذا ديدن المعترضين على الشيعة قديما وحديثا، مع أن التقية أمر مشروع إسلاميا ومقنن فقهيا عند جميع المذاهب. وقد قال بها وعمل بمضمونها كل الفقهاء بما فيهم من يشتم الشيعة لقولهم بالتقية. وقد كان أهم التهم الموجهة للشيخ ابن تيمية هو عمله الشديد بالتقية وتغاير أقواله، بين ما يعلنه وبين ما يقول به حقيقة، وليس أدل على ذلك من توجيه التهمة إليه بالقول بحوادث لا أول لها وقوله بجسمية الله. ولكن المتهمين في حينه يعيبونه بأنه ينكر ذلك في مكان ويعلنه في مكان آخر عملا بالتقية. ومعلوم بأن ابن تيمية من اشد الشاتمين للشيعة، ويتهم كل قول حسن وجيد عند الشيعة بأنه قول بالتقية.

    في غمرة تشابك الأفكار وازدحام الادعاءات تتولد أسئلة كثيرة وعلامات استفهام متعددة الاتجاهات، قسم كبير منها يتعلق بموضوع الكذب وجوازه خصوصا في الفتوى. وقد يتعدى سوء التقدير إلى تهمةٍ -غاية في قلب المفاهيم- وهي تهمة النفاق حيث يتهم من يكتم إيمانه بأنه منافق بينما حقيقة النفاق هو كتمان الكفر. لا كتمان الإيمان.

    ولكن حين نصل إلى هذا المستوى من التفكير نعرف بأن الموضوع تجاوز الحوار الثقافي وبدأ بالحروب السياسية والشتائم المغرضة من القوى المعادية. وهذا في الحقيقة من أشد الدوافع السرية لشتم التقية بشكل عام حتى عند المجرد من هذا الغرض فهو إنما وقع تحت تأثير خفي بوسائط عبر التأريخ والجغرافيا والمجتمع لهذه القوى التي تشتم التقية وهي لا تعرف في الحياة السياسية غير العمل بهاأصلا، بل هي دين كل سياسي، بشكل يفوق كل تصور ويتعدى أي شرعية

    =========================

    المسلم الراقي وعمله بالتقية

    =========================

    حين يواجه الإنسان ظروفا مختلفة عن الظرف الطبيعي يختلف تصرفه باختلاف ثقافته وقدراته الشخصية. يتصرف وفق مكنونه الحضاري وطرق معالجته للأمور وهي تمثل طيفا واسعا جدا فتبتدأ من أشد حالات الخشونة والهلع--- إلى حالة الاعتدال والتوازن ---وتنتهي بحالة الخنوع والرعب والاستسلام والعبودية العمياء الناتجة عن خوف شديد.

    الظروف التي يواجها الإنسان تختلف باختلاف مصادرها وقوتها، وقدرة الإنسان على المعالجة تبقى مختلفة من شخص لآخر في كل مصادر الظروف غير الطبيعية . غير أننا لا نريد الكلام عن الكوارث الكونية أو مواجهة مخاطر الحياة الطبيعية كالتورط في الجبال أو البحار أو مع الوحوش. فهذه كلها أمور تشكل بلا شك حالات الاضطرار غير الطبيعي الذي يستدعي تصرفات غير اعتيادية. إلا أننا نريد في هذا البحث أن نتكلم بالتحديد عن الحالات الصعبة التي تخلق نتيجة التعقيد الإنساني أو ما هو أبعد من التعقيد كالظلم والجور الإنساني.

    التعامل الإنساني معقد جدا خصوصا في مجال التعامل مع ظالم أو متجبر، والرقي في التصرف لا يطلب من ظالم وإن اختلفت أوجه الظلم وصوره، لكن الإنسان العادي حين يواجه حالة من الحالات غير الطبيعية في الإنسان المقابل، عليه أن يعرف كيف يواجهه. وهنا يأتي تقويم سلوك الإنسان تجاه المخاطر.

    فالإنسان المتوتر في الغالب يكون صداميا أهوجا، بينما الجبان الرعديد يكون خائفا مستجيبا لشروط المكرِه (بالكسر).

    والرقي الإنساني في التعامل هو مداراة هذا المكره (بالكسر) واحتفاظ الإنسان برأيه مع عدم المجاهرة بمجابهة المتكبر بخلاف رأيه.

    إن الإنسان الراقي يعرف تمام المعرفة كيف يجابه موقفا مثل هذا حينما يجابه الشر أو التعصب أو المصالح التي لا مزاح معها. فهو يسلك سلوك الرقي وملخصه عبارة صغيرة جدا وهي: ( التقية) وهي عبارة عن: التحفظ على الرأي وإظهار الاحترام لرأي الغير اتقاء تعصبه أو شره أو عداوته. بما لا يثيره ويساعده على روح الجريمة أو يدفعه إليها.

    الحياة فيها تشابك مصالح، ونتائج هذا التشابك غير منضبطة بضابطة فهو مرة إيجابيا وبدرجات متعددة، ومرة سلبيا وبدرجات أيضا ، فالنتائج السلبية تبدأ من الانزعاج الخفيف وقد تنتهي بجرائم القتل الوحشية. وهناك يختلف نظر العقلاء في التصرف إزاء النتائج الخفيفة ولكن لا خلاف بأن الرقي يستدعي تجنب الآثار السيئة الشديدة. وتجنب الآثار السيئة يعتبر فنا راقيا لمن يفهم هذا الفن ويمارسه من عموم البشر. وهو يظهر بجلاء في ما يسمى آداب التعامل الراقي في السياسة. فالتقية بالمعنى الذي أقره الشيعة وهو التحفظ على الرأي لسبب وجيه. يعتبر من ابرز معالم الرقي الإسلامي في التعامل مع المعارض بكل صنوفه. وهو حكم إسلامي قطعي لا يختلف عليه فقيه.

    ولكن الحاكم المسلم هو من يرفض التعامل الراقي الحضاري معه لأنه لا يريد البقاء للطرف الأخر بل يريد إلغاءه نهائيا فيريد منه الهيجان والمجابهة الغبية مع فقد القدرة على المجابهة لأجل القضاء التام على المعارض بحجة شق العصا والخروج على السلطان. والسلاطين والخلفاء دائما يوجهون أجهزتهم بشتم التقية واعتبارها نفاقا وكفرا وكذبا قبيحا ، مع إغفال حقيقةأن من يتقيك يحترمك ويهابك، فكيف يتحول احترامك إلى جريمة عندك أيها الحاكم؟و يجب الملاحقة عليها.

    فأصبحت الصورة هكذا حين ارتكب أئمة الشيعة وأتباعهم مبدأ التقية لأجل أن يخلصوا من سيف وظلم القائمين بالحكم، تحوّل نفس هدوء وسكوت الأئمة بحسب التقية إلى تهمة يعاقبون عليها ويشتمون بها، وقد حاول الظلمة دمج مجموعة من الأفكار التي صاغوها على أساس قبيح في نظرهم فحين يذكر الشيعة مثلا يقال عنهم هؤلاء باطنية خبثاء لأنهم يعملون بالتقية مع أن فكرة الباطنية لا علاقة لها بالتقية و إنما لها علاقة بمنهج تحليل النصوص. فقد عمموا فكرة الباطن وأخذوا يفكرون بوجوب استخراج ما في باطن فكر معارضيهم إلى مرحلة الظاهر ليقتلوهم عليها بموجب مقاييس يختلقوها، ما أنزل الله بها من سلطان. كقدم القرآن والغسل بالوضوء والجهر بالبسملة ووضع اليد على اليد في صلاة.

    فهذا الواقع المؤلم جدا يواجه بشكل من الغفلة بما لا يحسد عليه. فإن شتم التقية هو شتم الهدوء وشتم التأدب وشتم عدم إثارة القلاقل.

    وعدم إعذار الشيعة في سلوك التقية هو عبارة عن بلاهة في النظر إلى حجم الضغوط والجرائم التي تواجه رجال الشيعة بحيث في كل سنة أو سنوات يصنعون معيارا لقتل الشيعة بطرق فكرية وفنية وعلى شكل مقولات مما يضطر الأئمة عليهم السلام بالتصريح وفق تلك المعايير لأجل التوقي من الهجمة الشرسة بالحدود المعقولة. ولو بحدود فتوى في الوضوء أو فكرة أفلاطونية تريدها الدولة لتفسير الكون والإنسان كأن تكون الأرض على قرن ثور أو ظهر حوت.

    فمن لا يدرك حجم المراقبة والمحاربة لأئمة الشيعة فهذا شخص لم يقرأ شيئا عن حياة الأئمة ومعاناتهم الكبيرة من الحكام المتحسسين منهم دائما والداعين إلى قتلهم. ولم يعرف بأن أسهل شيء على حكام المسلمين قتل المسلم بلا ذنب بل بالشبهة والتهمة. وحين يصل الإنسان إلى حد جهل هذه الحقائق. فليس أمامنا الا الإعراض عنه والطلب منه أن يقرأ الأحداث جيدا بعين جديدة لا تقدس المجرمين من الحكام ولا تنظر إلى الحاكم كإله قادر, له رحمة الإله, وقوة الإله, وسلطة الإله.

    يبقى الأمر بغض النظر عن مواد التأريخ والنقاش حول نزاهة أو جريمة حاكم معين، فأن نفس سلوك التحفظ على الرأي ومداراة الرأي الأخر هو سلوك راق يمكن أن يؤسس تجمع حضاري مهم يتسم بالفاعلية الاجتماعية والحركية بِغض النظر عن تعدد الاتجاهات الدينية والعرقية والسياسية. بل هو سلوك راق حتى ممن له السيطرة، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما استعمل التقية في العهد المكي، عهد القهر والحرمان، فكذلك استعملها في العهد المدني، عهد القوة والسلطة. وهذا يدل على جمال سلوك التقية من أي كان سواء في عهد القهر والحرمان والتعذيب أم في عهد السلطة والقوة والغلبة. لأنه هو السلوك الراقي الذي يجمّل مظهر الإنسان ويلطّف من الصورة الإنسانية، التي يحرص أهل الكمال على زيادة تلطيفها.

    ======================

    الفكر السياسي والتقية:

    ======================

    السياسة بتعقيداتها وتشابك مصالح أهلها تجعل من المستحيل تطابق الآراء بين أرباب السياسة.

    فكيف يعالج السياسيون ما يختلفون حوله؟

    وكيف يتفقون على ما يتفقون حوله مع وجود اختلاف كبير في زوايا أخرى من المصالح والأفكار؟

    التعبير البسيط الذي يجيب عن هذه التساؤلات هو : السلوك الدبلوماسي.

    ما هو السلوك الدبلوماسي ؟

    تعريفه بكل بساطة الرقي في الحوار، واتباع مناهج البحث عن (الممكن) و زيُّ البحث عن (الصعب والمستحيل والممنوع)، من أجل التحفظ على الرأي ومداراة الرأي الآخر. لأي سبب كان.. سواء كان السبب يصل إلى حد القهر أو لمجرد التأدب والمداراة حسب المصالح والمفاسد.

    وهذه هي التقية بعينها لا تنقص ولا تزيد.

    وكل من يُخبرك بأن السياسيين لا يعملون بالتقية ليل نهار، فقد أبعد النُجعة وكشف عن جهل عميق بما يجري في الواقع السياسي.

    ولا فرق في ذلك بين سياسي مسلم أو كافر، بل أستطيع أن أدّعي بأن من لا يعرف الدبلوماسية السياسية لا يستحق احترام الآخرين حكاما ومحكومين، ومن يخالف من السياسيين بعض الأعراف الدبلوماسية بإظهار الخشونة أو الكذب المكشوف العلني يسقط من أعين الناس، وما ذلك إلا لكونه قد خالف الرقي الحضاري الإنساني في التعامل اللطيف المسمى بالدبلوماسية أو التقية حسب العرف القرآني الإسلامي.

    هذه هي التقية التي تمثل رقيا بشريا في التعاطي مع الأحداث، والتي تمثل سلوكا له قوانينه الأخلاقية والشرعية والمنطقية والفلسفية. وسيأتي بيان بعض ذلك.

    ================

    خلاصة المقدمة :

    لم أقدم خلاصة في البداية لأن المقدمة صغيرة ولا تحتاج الى تلخيص.

    ================

    التقية تمثل سلوكا مقننا جميلا في مواجه الأزمات والاختلافات في الرأي والعمل. وقد طبعت سلوك أهل البيت كمعارضة مؤدبة ونافعة، بل قل أنها تمثل معارضة سلمية قانونية راقية رغم محاولة أعداء التشيع لدفع الشيعة باتجاه السلوك الأهوج، الأعوج، سواء بالضغط الإجرامي غير المنطقي أو بدعوتهم إلى ترك التقية وترك السلوك العالي والراقي في التعامل.

    سنبحث التقية بحثا منهجيا، من جميع الجوانب وسأركز في الأخير على سلوك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام في التقية ومرجعية التقية في فهم النصوص الشرعية، خصوصا بعد أن وقع أهل البيت وعلماء الإسلام تحت دوائر الاستخبارات والعسكر وحبس الرأي من الانتشار بفضل تطور وتحّكم فكرة الإمامة الوضعية الأرضية مقابل الإمامة الشرعية الإلهية في الإسلام.

    ملاحظة : وقع في يدي كتاب عن التقية إعداد مركز الرسالة وهو كتاب لطيف سأستخدم بعض مكوناته المتعوب عليها في عرض موضوع التقية خصوصا فصل تقية علماء أهل سنة الشيخين وفتاواهم التي صدرت عن تقية وتعليلهم لذلك. وهو مما يدل أن لا مشكلة عند المسلمين جميعا في هذا الموضوع إلا في مخيلة من يتوجس من التشيع ولم يفهم التأريخ والحقائق بشكل جيد. وشكري مقدما لمركز الرسالة.

    واكرر اعتذاري لضعف همتي بسبب آثار المرض . وأسألكم الدعاء لتكميل البحث. فقد جمعت اغلب مواده المهمة و أتمنى أن انجز العمل بأسرع وقت للتعويض عن فترة التوقف. والله والموفق.

    أخوكم

    علي نعمان الصدر



  9. #89

    التقية – التعريف – المصطلح عند أهل السنة.


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام حفظكم الله

    الأخ الكريم الأستاذ الشيخ حسن بن فرحان المالكي حفظك الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تلخص التعقيب :

    تناول هذا التعقيب موضوع تعريف التقية لغة، وفي الاصطلاح، عند أهل السنة. وتركت اصطلاح الشيعة لتعقيب آخر.

    1- التقية لغة : هي من الجذر المزيد لـ (وقي) . وهو بمعنى الصيانة والحفظ و التحرز والستر و الحماية والحذر و الكلاءة والخوف . وقلت بأن هذا الاستخدام أوسع بكثير من الاصطلاح الإسلامي الذي عليه أحكام ونظم خاصة.
    2- التقية في المصطلح السني: لم أجد بحوثا عن المصطلح وانما وجدت أحكاما وتوصيفات. فعثرت على نتف هنا وهناك وتعاريف توصيفية تمحورت بأربع اتجاهات كما بان لي من غير استقراء كلي. وهي: المعنى الأول: ما يشمل (كتمان الإيمان في القلب وإظهار خلافه باللسان) .. الثاني : الملاطفة.. الثالث : المصانعة.. الرابع مراعاة حرمة القرابة من دون ذكر الإكراه.
    3- ملحقين غريبين في تطبيق التقية في موضوعين لا ينبغي التطبيق فيهما اصطلاحا.. والأخذ بهما لغة فيه مجازفة لأنه تضييع للمصطلح الذي عليه أحكام شرعية وعقائدية. الأول : حول تقية الخلق من الله وكذبهم عليه في عالم ما قبل الخلق العادي حين أخذ منهم الميثاق ( وذلك برواية يرويها مفسران وهي واضحة الخطأ في الاستعمال حتى اللغوي) . والثاني : استخدام التقية اسما للنفاق بعكس ما هو مشهور من التشنيع على التقية الإسلامية بأنها نفاق بشكل يحير العاقل حيث يعني فيما يعني ذلك الاستخدام بأن هناك شعورا بالظلم من الله ورسوله والمنافقون إنما يتقون الظلم لحفظ نفوسهم. ولم أقنع بكل التبريرات لتصحيح هذا الاستخدام وإن كان لغويا. وفيه تصوير خاطئ لسلوك الرسول.


    =================================

    التفصيل:

    =================================

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام حفظكم الله

    الأخ الكريم الأستاذ الشيخ حسن بن فرحان المالكي حفظك الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



    تعريف التقية لغويا :

    الأصل في التقية:
    في هذا الباب اختلاف في فعل الاشتقاق الأصلي فهل هو تَقِيَ، أو وقي. وقد حسم الأمر بالنقاش لأن يكون الجذر الأصلي هو وقي والتقية مأخوذة من مزيده وهو اتقى.


    لسان العرب.

    تقي: ابن بري: تَقَى الله تَقْياً خافه. والتاء مبدلة من واو ترجم عليها
    ابن بري، وسيأَتي ذكرها في وقي في مكانها.



    وقد رد هذا الأصل للمصدر في باب (وقي) بقوله :



    قال أَبو بكر: والاختيار عندي في تَقِيّ أَنه من الفعل فَعِيل، فأَدغموا الياء الأُولى في الثانية، الدليل على هذا جمعهم إِياه أَتقياء كما قالوا وَليٌّ وأَوْلِياء، ومن قال هو فَعُول قال: لمَّا أَشبه فعيلاً جُمع كجمعه، قال أَبو منصور:
    اتَّقى يَتَّقي كان في الأَصل اوْتَقى، على افتعل، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وأُبدلت منها التاء وأُدغمت، ((فلما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أَن التاءَ من نفس الحرف فجعلوه إِتَقى يَتَقي))، بفتح التاء فيهما مخففة، ثم لم يجدوا له مثالاً في كلامهم يُلحقونه به فقالوا تَقى يَتَّقي مثل قَضى يَقْضِي؛ قال ابن بري: أَدخل همزة الوصل على تَقى، والتاء محركة، لأَنَّ أَصلها السكون، والمشهور تَقى يَتَّقي من غير همز وصل لتحرك التاء؛ قال أَبو أَوس:
    تَقاكَ بكَعْبٍ واحِدٍ وتَلَذُّه
    يَداكَ، إِذا هُزَّ بالكَفِّ يَعْسِلُ
    أَي تَلَقَّاكَ برمح كأَنه كعب واحد، يريد اتَّقاك بكَعْب وهو يصف رُمْحاً .
    -------


    والآن نأتي إلى الأصل (وقي) للمصدر (وقاية وتقية من مزيده) بعد أن استبعدوا وخطَّئوا ذلك الأصل.



    -----
    القاموس المحيط، للإمام الفيروزآبادي : باب الواو والياء. فَصْلُ الواو وقى.
    والتَّوْقِيَةُ: الكِلاءَةُ، والحِفْظُ. واتَّقَيْتُ الشيءَ، وتَقَيْتُه أتَّقِيه وأتْقِيه تُقًى وتَقِيَّةً وتِقاءً، ككِساءٍ: حَذِرْتُه، والاسمُ: التَّقْوَى،



    ولعل ما في لسان العرب من التفصيل هو الأولى بنقله .


    لسان العرب. في (وقي)

    وقي: وقاهُ اللهُ وَقْياً وَوِقايةً وواقِيةً: صانَه؛ قال أَبو مَعْقِل
    الهُذليّ:
    فَعادَ عليكِ إنَّ لكُنَّ حَظّاً،
    وواقِيةً كواقِيةِ الكِلابِ
    وفي الحديث: فَوقَى أَحَدُكم وجْهَه النارَ؛ وَقَيْتُ الشيء أَقِيه إذا
    صُنْتَه وسَتَرْتَه عن الأَذى، وهذا اللفظ خبر أُريد به الأمر أي لِيَقِ
    أَحدُكم وجهَه النارَ بالطاعة والصَّدَقة. وقوله في حديث معاذ: وتَوَقَّ
    كَرائَمَ أَموالِهم أَي تَجَنَّبْها ولا تأْخُذْها في الصدَقة لأَنها
    تَكرْمُ على أَصْحابها وتَعِزُّ، فخذ الوسَطَ لا العالي ولا التَّازِلَ،
    وتَوقَّى واتَّقى بمعنى؛

    والوِقاءُ والوَقاء والوِقايةُ
    والوَقايةُ والوُقايةُ والواقِيةُ: كلُّ ما وقَيْتَ به شيئاً


    والتَّوْقِيةُ: الكلاءة والحِفْظُ؛ قال:
    إِنَّ المُوَقَّى مِثلُ ما وقَّيْتُ
    وتَوَقَّى واتَّقى بمعنى. وقد توَقَّيْتُ واتَّقَيْتُ الشيء وتَقَيْتُه
    أَتَّقِيه وأَتْقِيه تُقًى وتَقِيَّةً وتِقاء: حَذِرْتُه؛
    ؛ الأَخيرة عن
    اللحياني، والاسم التَّقْوى، التاء بدل من الواو والواو بدل من الياء. وفي
    التنزيل العزيز: وآتاهم تَقْواهم؛ أَي جزاء تَقْواهم، وقيل: معناه
    أَلهَمَهُم تَقْواهم، وقوله تعالى: هو أَهلُ التَّقْوى وأَهلُ المَغْفِرة؛ أَي
    هو أَهلٌ أَن يُتَّقَى عِقابه وأَهلٌ أَن يُعمَلَ بما يؤدّي إِلى
    مَغْفِرته. وقوله تعالى: يا أَيها النبيُّ اتَّقِ الله؛ معناه اثْبُت على تَقْوى
    اللهِ ودُمْ عليه
    (* قوله «ودم عليه» هو في الأصل كالمحكم بتذكير
    الضمير.) وقوله تعالى: إِلا أَن تتقوا منهم تُقاةً؛ يجوز أَن يكون مصدراً وأَن يكون جمعاً، والمصدر أَجود لأَن في القراءة الأُخرى: إِلا أَن تَتَّقُوا
    منهم تَقِيَّةً؛ التعليل للفارسي. التهذيب: وقرأَ حميد تَقِيَّة، وهو
    وجه، إِلا أَن الأُولى أَشهر في العربية، والتُّقى يكتب بالياء.
    والتَّقِيُّ: المُتَّقي. وقالوا: ما أَتْقاه لله؛

    وفي الحديث:
    كنا إِذا احْمَرَّ البَأْسُ اتَّقَينا برسولِ الله،صلى الله عليه وسلم، أَي جعلناه وِقاية لنا من العَدُوّ قُدَّامَنا واسْتَقْبَلْنا العدوَّ به وقُمْنا خَلْفَه وِقاية. ((( وفي الحديث: قلتُ وهل للسَّيفِ من تَقِيَّةٍ؟ قال: نَعَمْ، تَقِيَّة على أَقذاء وهُدْنةٌ على دَخَنٍ؛ التَّقِيَّة والتُّقاةُ بمعنى، يريد أَنهم يَتَّقُون بعضُهم بعضاً ويُظهرون الصُّلْح والاتِّفاق وباطنهم بخلاف ذلك)))

    وقد ذكر في لسان العرب في باب صان ذكر أنه التقية.

    لسان العرب.
    صون: الصَّوْنُ: أَن تَقِيَ شيئاً أَو ثوباً،



    مختار الصحاح لأبي بكر الرازي: باب الواو.

    [وقي] و ق ي: اتَّقَى يَتَّقِي و تَقَى يَتْقِي كقَضَى يَقْضِي و التَّقْوَى و التُّقَى واحد و التُّقَاةُ التَّقِيَّةُ يُقال اتَّقَى تَقِيَّةً و تُقَاءً و التَّقِيُّ المُتَّقِي وقالوا ما أَتقاه لله و تَوَقَّى و اتَّقَى و اتَّقَى بمعنى و وَقَاهُ الله وِقَايَةً بالكسر حفِظه و الوِقايةُ أيضا التي للنساء وفتح الواو لغة و الأُوقِيَّةُ في الحديث أَربعون دِرهما وكذا كان فيما مضى وأما اليوم فيما يتعارفه الناس فالأُوقية عند الأطباء وزن عشرة دراهم وخمسة أَسباع درهم وهو إسْتَارٌ وثُلثا إسْتارٍ والجمع الأَوَاقِيُّ بتشديد الياء وإن شئت خفَّفْت


    فاللغويون يروون صراحة أن التقية و التقاة هي من نفس الباب وهما من (وقى) بمعنى الصيانة، ومعناها التوقي من الضرر. ويؤيد مبادلة التقية والتقاة القراءة بالاثنين للآية القرآنية : وأخرج عبد عن أبي رجاء أنه كان يقرأ "إلا أن تتقوا منهم تقية". وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه كان يقرؤها {إلا أن تتقوا منه تقية} بالياء. (الدر المنثور في تفسير إلا أن تتقوا منهم تقاة). التهذيب: وقرأَ حميد تَقِيَّة، وهو
    وجه، إِلا أَن الأُولى أَشهر في العربية(لسان العرب)


    والمعنى اللغوي بهذا الشكل معنى عام جدا لا يمكن الأخذ به في المصطلح على علاته. فهو يشمل كل صون أو تحذر أو احتراز من شيء سواء كان خطيرا أم بسيطا.




    =============
    التقية في المصطلح:
    =============


    هنا لي كلام كثير جدا وقد حذفت أكثره بسبب الاختصار بعد أن رأيت أن قلمي جرني إلى التوسعة البعيدة.

    المشكلة لا تكمن في اختلاف حدود التعاريف بل المشكلة تكمن في جانب البحوث السنية وقد استخدمت عبارة (تقية) مرة حسب المصطلح ومرة حسب اللغة بل الأكثر حسب اللغة. مما اربكني في محاولة دفع تهمة عن الفكر السني بأنه يتعاطف مع المنافقين ويعطيهم اسم التقية في بعض النصوص وكأن ما يفعلونه مشروع من باب الوقاية لنفوسهم ومتعلقاتها من خطر رسول الله أو خطر الإسلام. وهذا الاستخدام فاجئني بالفعل فنحن كنا قد اعتدنا على سماع أن التقية هي النفاق ولكن لم يصادفني أن ألتفت إلى أن الفكر السني يستخدم التقية للمنافق. والعجب من الطبري فإنه يبرر ذلك بأن العرب لا تمانع من إخفاء حقيقة الكفر للحذر أن تسميه تقية، وهذا خطأ من أي كاتب كان سواء كان سنيا أو شيعيا. لأن القرآن بكل وضوح أعطى المضطر والمكره من المسلمين اسم تقية بينما أعطى الكفار الذين يظهرون الإسلام اسم النفاق. وتجاوز هذا الحد هو خلط بين نوعين من الاضطرار والإكراه وهو الاضطرار تحت حكم الحق والعدل والاضطرار والإكراه تحت حكم الظلم والجور والباطل. فليس من المعقول خلط الحالتين من حيث العناوين. وفي هذا إساءة لمنهج الحق والعدل. ومساواة بين حال المجرم والمظلوم.

    أقول حقيقة أنا منذ خمسة أيام وأنا أفكر في طريقة لحل هذا المأزق فلم أجد إلا أنه التساهل والكره الداخلي لمفهوم التقية مما جعلها غير مقدسة وغير مقدرة عند الكاتب السني فاستعملها استعمالا لغويا. فالحل الوحيد هو عدم تقدير الأمر جيدا ولذلك وقعت المبادلة بين النفاق والتقية. ( والروايات السنية تثبت أن اتهام التقية بالنفاق كان من قبل عوام المسلمين لخاصتهم في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذا له مدلوله الخاص)

    والحلول لا تغني شيئاً في رأيي وهي لم تقنعني داخليا لأنها حل تبريري شديد الحذر وكثير الهفوات. فالقول عن منافق يؤذي رسول الله ويخرب على رسول الله بأنه يتقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. يقلب مفهوم الظالم إلى مظلوم والمظلوم إلى ظالم وهذا من الوضوح بمكان بحيث لا يمكنني أن أغطي عليه بالتبرير. بل هناك رواية يرويها المفسرون حول جواب الناس في الذر حين سأل ألست بربكم .. قالوا بلى . تقول بأن قسما أجابوا صدقا وقسا كذبوا وقالوها تقية على الله!! فما أعجب أن يكون الكافر يتقي من الله في موقف شديد الغموض وهو ما قبل الخلقة المعروفة. ولحد هذه الساعة لم أصل إلى شيء يقنعني. ووجدت نفسي متأخرا في عرض الموضوع فلهذا السبب أنا اترك الموضوع للباحثين ليجدوا له حلا . ولنستمر بالموضوع.

    سأقدم ما وجدته من المصطلح في الكتب السنية ثم نأتي إلى ما قاله الشيعة وندرس حالة التطابق وعدمها.
    -------------
    التقية تعريفا واستعمالا في نماذج من الكتب السنية :
    -------------

    الحقيقة أن اغلب ما سيرد من تعاريف هي إلى التوصيف أقرب منها إلى التعريف. لفقدان التعريف المنهجي في الموضوع .

    المعنى الأول: كتمان الإيمان في القلب وإظهار خلافه باللسان
    ------------
    (والتقية : أن يقي نفسه من العقوبة ، وإن كان يضمر خلافه) المبسوط | السرخسي الحنفي 24 : 45 .

    ( ومعنى التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، كتاب الإكراه.

    قال ابن منظور في لسان العرب : وفي الحديث : «قلت : وهل للسيف من تقية ؟ قال : نعم، تقية على اقذاء، وهدنة على دخن» ومعناه : إنّهم يتقون بعضهم بعضاً، ويظهرون الصلح والاتفاق وباطنهم بخلاف ذلك


    توصيف ابن عباس للتقية : قال ابن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا يقتل ولا يأتي مأثما. جامع البيان

    وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله {إلا أن تتقوا منهم تقاة} فالتقية باللسان من حُمل على أمر يتكلم به (وهو معصية لله) فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن ذلك لا يضره إنما التقية باللسان. الدر المنثور

    وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال {التقية} باللسان وليس بالعمل.


    5376 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} فالتقية باللسان: من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية لله فيتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن ذلك لا يضره، إنما التقية باللسان. (جامع البيان للطبري).

    فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته. (الطبري)

    وقوله تعالى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة}، أي إلا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء إنه قال: " إنَّا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم".وقال الثوري، قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، ويؤيده قول اللّه تعالى: {من كفر باللّه من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} الآية. (مختصر تفسير ابن كثير).



    المعنى الثاني : الملاطفة :
    ------

    وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين أولياء، فيظهرون لهم اللطف، ويخالفونهم في الدين. وذلك قوله {إلا أن تتقوا منهم تقاة}. (الدر المنثور)



    المعنى الثالث: المصانعة:
    ------

    وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {إلا أن تتقوا منهم تقاة} قال: إلا مصانعة في الدنيا ومخالقة. (الدر المنثور)


    المعنى الرابع: مراعاة حرمة القرابة وهو منسوب لقتادة :
    -------------------------------

    وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة {إلا أن تتقوا منهم تقاة} قال: إلا أن يكون بينك وبينه قرابة فتصله لذلك. (الدر المنثور)

    وقال آخرون: معنى: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} إلا أن يكون بينك وبينه قرابة. ذكر من قال ذلك: 5377 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلا أن تتقوا منهم تقاة} نهى الله المؤمنين أن يوادوا الكفار أو يتولوهم دون المؤمنين، وقال الله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} الرحم من المشركين من غير أن يتولوهم في دينهم، إلا أن يصل رحما له في المشركين. (جامع البيان للطبري)
    - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء} قال: لا يحل لمؤمن أن يتخذ كافرا وليا في دينه، وقوله: {إلا أن تتقوا منهم تقاة} قال: أن يكون بينك وبينه قرابة، فتصله لذلك. (جامع البيان للطبري)

    أقول: هذا المعنى غريب ولا اعرف كيف يبنى عليه فقه؟ . فهل يجيز قتادة إظهار الكفر وإبطان الإيمان من دون خوف ضرر أو إكراه للمسلم مع الأقارب. وهذا المعنى لم يقل به أحد من المسلمين بهذه الخصوصية. إلا ما كان بمعنى الملاطفة وهو غير مورد الآية لأنها في باب اتخاذ الكافر وليا ولأن قيد الإكراه والضرر واضح هنا. وحتى لو كان موطن الآية ينطبق على هذا، فلابد من قيد الضرر أو المصلحة . فليس في المسلمين من يقول بالتقية من دون هذين القيدين .



    خلاصة ما عثرت عليه من تعاريف التقية في المصطلح هو هذه المعاني .

    كتمان الإيمان في القلب وإظهار غيره باللسان كرها. وقد عبر عن ذلك بعبارات متعددة.

    الملاطفة

    المصانعة

    (مراعاة حرمة القرابة وهو رأي شاذ لتابعي واحد لم أعثر على ما يؤيده)

    هذا موجز التعاريف التي عثرت عليها وهي لا تمثل دقة في المصطلح غير ما قاله السرخسي وابن حجر وأما ما روي عن ابن عباس فهو قريب من صيغة التعريف ولكنه لا يعد تعريفا مستوفيا لمتطلبات التعريف.

    مما سلف تبين أن المفهوم عن التقية بحدودها الشرعية موجود كتوصيف بل كتعريف ولكن مع قلة تركيز وتجميع لما يشمل الجميع. والمشكلة هنا تبدو واضحة لسبب بسيط هو النفرة من هذا اللفظ قديما في العصر العباسي كما أعتقد وهو العصر الذي بدأ به تدوين الكتب عند أهل السنة. ولكن بالنسبة لأحكام التقية وتعريف متطلباتها سنجدها في باب الإكراه بكل وضوح وهي شبه مطابقة لبحث التقية عند الشيعة. فإن الفكر السني تجاوز موضوع لفظ (التقية) وذهب إلى موضوع الإكراه وكأنه وجد لنفسه مهربا من الشتم فذهب إلى سبب التقية وهناك أعطى التعريفات المتعددة والحدود والأحكام بشكل يوازي ويساوي ما يبحثه الشيعة في موضوع التقية. ولكن لا اعرف كيف سيواجه الفكر السنة موضوع المصانعة والملاطفة لمصلحة المسلم واللذان يدخلان في مفهوم التقية نصا عند السنة وعند الشيعة.
    يبدو أن إحراج التوسع في كلمة مشتومة من قبلهم خصوصا في كتب العقائد حيث يوصف القائل بالتقية بالباطني الكافر. جعلهم يضيّقون على أنفسهم من دائرة موضوع التقية رغم وجود النصوص الكافية لتلك السعة في مفهومها.

    نجد في المقابل تشريعا بسبب التقية غاية في الغرابة وهو بعد ثبوت حرمة مصاحبة الظالمين من أي كانوا سواء كانوا كفارا أمر أو مسلمين وقد وصف القرطبي صحبة الظالم بالكفر . ولكن استثنوا صحبته أؤكد وأكرر (صحبته) للتقية. وليس الاستجابة الوقتية للتقية كما هو لسان الدليل. فليتفضل القارئ المحترم لعقله بقراءة هذا النص :


    الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي: الجزء 9. سورة هود. الآية: 113 {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون}.

    قرأ الجمهور: "تركنوا" بفتح الكاف؛ قال أبو عمرو: هي لغة أهل الحجاز. وقرأ طلحة بن مصرف وقتادة وغيرهما: "تركنوا" بضم الكاف؛ قال الفراء: وهي لغة تميم وقيس. وجوز قوم ركن يركن مثل منع يمنع." "إلى الذين ظلموا" قيل: أهل الشرك. وقيل: عامة فيهم وفي العصاة، على نحو قوله تعالى: "وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا" [الأنعام: 68] الآية. وقد تقدم. ((وهذا هو الصحيح في معنى الآية؛ وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم؛ فإن صحبتهم كفر أو معصية؛)) إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة؛ وقد قال حكيم:
    عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
    فكل قرين بالمقارِن يقتدي
    ((فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في "آل عمران" و"المائدة". وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار. والله أعلم.))

    انتهى ما أورده القرطبي .

    وهو واضح بأن صحبة الظالم ومنادمته خوفا منه (مما يسمى أضطرارا) تقية ((جائز)). ولكن ينكر الفكر السني على أئمة الشيعة الموضوعِين تحت الرقابة الدائمة أن يصانعوا الظلمة ساعات أو لحظات نتيجة المجابهة والتحرش العدواني. لأن المنكر يجلس مع الخليفة الظالم تقية. فتقدير هذه المقارنة بين الحالتين يرجع إلى ذوي الألباب.



    وكملحق لهذا التعليق على المصطلح ونبذ مفهوم التقية وقبل أن ننتقل منهجيا إلى التعاريف الشيعية أرى أن اثبت النصوص لموضوعين أشرت إليهما في أول كلامي بهذه التعقيب وهو استخدام بعض المفسرين للنفاق كلمة تقية، والأعجب هو تقية الناس من الله حين أخذ الله الميثاق عليهم من ظهورهم في عالم الذر.

    -----------
    ملحق 1 النفاق تقية:
    -----------

    قلت بأننا تعودنا على يصفوا التقية بالنفاق نتيجة إعلام معاد تنعدم فيه القيم الأخلاقية والدينية. ولكن أن يقال لمنافق نافق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه اتقاه بناءً على المعنى اللغوي فهذا فيه ما يعرفه العاقل اللبيب. ولو لم يبرر ذلك الطبري لحسبته مجرد غفلة. والموضوع برمته يدل على عدم التحقق من مصطلح قرآني وكأن القائل لم يدرك أن الله لم يستخدم لمن أبطن الكفر كلمة تقية ولم يستخدم لمن أبطن الإيمان كرها نفاق. بل فرق بينهما فوصف الكافر الباطني بالنفاق ووصف المؤمن الباطني بالتقية.
    وهذه ظاهرة مفسرة تماما في إهمال مصطلحات محاربة مهما كان لها قيمة في أسس وجذور عقيدة المهل لها. والتفسير واضح ولا يحتاج إلى شرح.


    سأبدأ بتبرير الطبري ثم أرد ما تيسر لي من نصوص.
    فإليك نص الطبري:

    جامع البيان عن تأويل آي القرآن. للإمام الطبري: الجزء الأول من الكتاب. سورة البقرة. القول في تأويل قوله تعالى. {يخادعون الله والذين آمنوا}.

    قال أبو جعفر: وخداع المنافق ربه والمؤمنين إظهاره بلسانه من القول والتصديق خلاف الذي في قلبه من الشك والتكذيب ليدرأ عن نفسه بما أظهر بلسانه حكم الله عز وجل - اللازم من كان بمثل حاله من التكذيب لو لم يظهر بلسانه ما أظهر من التصديق والإقرار - من القتل والسباء، فذلك خداعه ربه وأهل الإيمان بالله.
    فإن قال قائل: وكيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعا وهو لا يظهر بلسانه ((خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟)) قيل: ((لا تمتنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي هو في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف))، فنجا بذلك مما خافه مخادعا لمن تخلص منه بالذي أظهر له من التقية، فكذلك المنافق سمي مخادعا لله وللمؤمنين بإظهاره ما أظهر بلسانه تقية مما تخلص به من القتل والسباء والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهر مستبطن.


    انتهى نص الطبري وهو لا يحتاج إلى تعليق .


    جامع البيان عن تأويل آي القرآن. للإمام الطبري : الجزء الخامس. سورة النساء. القول في تأويل قوله تعالى: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم}.

    واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، فقال بعضهم: ((هم ناس كانوا من أهل مكة أسلموا على ما وصفهم الله به من ((التقية)) وهم كفار،)) ((ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم وذراريهم ونسائهم،))



    مختصر تفسير ابن كثير. اختصار الصابوني: المجلد الأول. 4 - سورة النساء.
    97 - إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا

    قال: فخرجوا فلقيهم المشركون ((فأعطوهم التقية)) فنزلت هذه الآية: {ومن الناس من يقول آمنا باللّه} (أخرجه ابن أبي حاتم) الآية، قال الضحاك: نزلت في ((ناس من المنافقين)) تخلفوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة وخرجوا مع المشركين يوم بدر فأصيبوا فيمن أصيب

    مختصر تفسير ابن كثير. اختصار الصابوني: المجلد الثالث. 48 - سورة الفتح.
    11 - سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا

    التفسير: يقول تعالى مخبراً رسوله صلى اللّه عليه وسلم بما يعتذر به المخلفون من الأعراب،الذين اختاروا المقام في أهليهم، وتركوا المسير مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،(( وسألوا أن يستغفر لهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا على سبيل الاعتقاد، بل على وجه التقية والمصانعة،)) ولهذا قال تعالى: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من اللّه شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً} أي لا يقدر أحد أن يرد ما أراده اللّه فيكم، وهو العليم بسرائركم وضمائركم، وإن صانعتمونا ونافقتمونا،



    وهنا يورد في عون المعبود قصة عن اسير قال انا مسلم لم يصدقه رسول الله وقد وصفه الآبادي بالنفاق والتقية . سأقطّعها لأنها طويلة جدا.

    عون المعبود، شرح سنن أبي داوود، للآبادي: 16 - كتاب الأيمان والنذور. 1228 - باب النذر فيما لا يملك.

    قالَ فَأُسِرَ فَأَتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ في وَثَاقٍ وَالنّبيّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ، فقالَ: يَامُحَمّدُ عَلاَمَ تَأْخُذُنِي وَتَأْخُذُ سَابِقَةَ الْحَاجّ؟ قال: نَأْخُذُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفٍ، قال: وَكَانَ ثَقِيفٌ قَدْ أسَرُوا رَجُلَيْنِ مِنْ أصْحَابِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم، قالَ وَقَدْ قالَ فِيمَا قالَ وَأنَا مُسْلِمٌ، أوْ قالَ وَقَدْ أَسْلَمْتُ، فَلَمّا مَضَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم.


    (وأنا مسلم): قال الخطابي: ثم لم يخله النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك لكنه رده إلى دار الكفر، فإنه يتأول على أنه قد كان أطلعه الله على كذبه (وأعلم أنه تكلم به على التقية دون الإخلاص) ألا تراه يقول هذه حاجتك حين قال إني جائع فأطعمني وإني ظمآن فاسقني، وليس هذا لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قال الكافر إني مسلم قبل إسلامه ووكلت سريرته إلى ربه تعالى، وقد انقطع الوحي وانسد باب علم الغيب انتهى.


    البداية والنهاية، للإمام إسماعيل بن كثير الدمشقي.: الجزء الثالث . فصل في إسلام بعض أحبار يهود نفاقاً .

    ثم ذكر ابن إسحاق من أسلم من أحبار اليهود ((على سبيل التقية)) فكانوا كفاراً في الباطن فأتبعهم بصنف المنافقين وهم من شرهم.


    وبهذا القدر اكتفي من ايراد نصوص تصف النفاق بالتقية .

    -----------------------
    ملحق 2 تقية من في الأصلاب من الله فكذبوا عليه بالموافقة
    -----------------------

    هذا الموضوع رغم غرابته الشديدة لكن له رواية مثبتة في التفاسير ولا أعرف كيف تمرر هكذا من دون تمحيص.


    ‏الدر المنثور في التفسير بالمأثور. للإمام جلال الدين السيوطي : المجلد الثالث. 7 - سورة الأعراف مكية وآياتها ست ومائتان. التفسير.

    الآية (172 - 174).

    وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن كعب قال: خلق الله الأرواح قبل أن يخلق الأجساد، فأخذ ميثاقهم.
    وأخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم} قالوا: لما أخرج الله آدم من الجنة قبل تهبيطه من السماء، مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذريته بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي. ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي. فذلك قوله: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ((ثم أخذ منهم الميثاق فقال {ألست بربكم قالوا بلى} فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية))، فقال: هو والملائكة {شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل} قالوا: فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه، وذلك قوله عز وجل {وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها} (آل عمران الآية 83) وذلك قوله {فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} (الأنعام الآية 149) يعني يوم أخذ الميثاق.


    جامع البيان عن تأويل آي القرآن. للإمام الطبري: الجزء التاسع. سورة الأعراف. القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين}.
    الآية:
    11935 - قال: ثنا عمر، عن أسباط، عن السدي، قال: أخرج الله آدم من الجنة، ولم يهبط من السماء، ثم مسح صفحة ظهره اليمنى، فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي ! ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي ! فذلك حين يقول: "وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال" ثم أخذ منهم الميثاق، فقال: {ألست بربكم قالوا بلى}، (فأطاعه طائفة طائعين، وطائفة كارهين على وجه التقية.)

    جامع البيان عن تأويل آي القرآن. للإمام الطبري: الجزء التاسع. سورة الأعراف. القول في تأويل قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين}.
    11936 - حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمر، قال: ثنا أسباط، عن السدي بنحوه، وزاد فيه بعد قوله: ((وطائفة على وجه التقية))، فقال هو والملائكة: شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم. فلذلك ليس في الأرض أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف أن ربه الله، ولا مشرك إلا وهو يقول لابنه: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} والأمة: الدين {وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] وذلك حين يقول الله: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} وذلك حين يقول: {وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها} [آل عمران: 83] وذلك حين يقول: {فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} [الأنعام: 149] يعني يوم أخذ منهم الميثاق.

    انتهى ما أردت اقتطاعه من نصوص عجيبة غريبة في هذا الباب. ولست ممن يدعو إلى حذف هذه النصوص فالأمانة واجبة ببقائها. ولكنني ممن يطلب التأشير عليها بأنها وصلت إلى حد غير معقول في التوسع في الاستخدام بعد أن أصبح هذا اللفظ مصطلحا قرآنيا ولا يجازف مسلم في تجاوز المصطلح القرآني. ولعل هذا من الغلو اللغوي على اقل تقدير في توهين مفهوم التقية ومبادلة استخدامه بلا وازع علمي في تحديد المصطلحات.

    أخوكم

    علي نعمان الصدر




  10. #90

    تعريف التقية عند الشيعة و مقارنته بالتعريف السني

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين

    الأخوة الكرام حفظكم الله

    الأخ الكريم الأستاذ الشيخ حسن بن فرحان المالكي حفظك الله.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.




    أعتذر عن التأخر في تنزيل التعقيب وسأشرح سبب ذلك في تعقيب آخر وهو سبب يتعلق بالمنهج العلمي في البحث.

    التقية في المصطلح الشيعي :

    أهم اتجاهين في تعريف التقية هما ما عرضه الشيخ المفيد وما عرضه الشيخ الأنصاري رحمهما الله.

    والذي أريد قوله هنا بكل وضوح وصراحة أن هناك اتفاقا في فهم التقية بين فقهاء الشيعة والسنة، ولهذا سأعرض التعريفين الشيعيين مع التعريفين السنيين السابقين واجري مقارنة بين مكوناتهما لنرى الفروق الجزئية في الموضوع وعلى العموم فالفروق لا تشكل اختلافا كبيرا في الفهم رغم وجود تعميم أوسع من المصطلح في التعريف السني ولكنه غير مقصود عمليا قطعا.

    التعريفين الشيعيين :

    تعريف الشيخ المفيد هو : (كتمان الحق ، وستر الاعتقاد فيه ، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين والدنيا). تصحيح الاعتقاد | الشيخ المفيد : 66 .

    تعريف الشيخ الاَنصاري هو: (الحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق) . التقية | الشيخ الاَنصاري : 37 .

    خصائص التعريفين:
    التوافق:

    1- إظهار غير الحق
    2- الحفظ من ضرر الغير
    3- التقية قولية وعملية ({ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم}-المفيد. {في قول أو فعل}-الأنصاري)


    الاختلاف والتمايز:

    1- المميز الرئيسي بين التعريفين أن الشيخ المفيد يراها عبارة عن مجرد ستر الاعتقاد وعدم مظاهرة المضر بينما عبر الشيخ الأنصاري (بموافقة) المضر قولا وعملا. وكأن الشيخ المفيد لا يريد أن يشير إلى الموافقة الظاهرية مع الظالم ويترك الأمر غامضا ، ولكن الواقع العملي والنصوص تدل على موافقة الظالم ظاهريا وليس بالداخل. وهذه النقطة لصالح تعريف الشيخ الأنصاري.
    2- تعريف الشيخ المفيد فيه بيان الخصوصيات مثل كتمان الحق ، ستر الاعتقاد فيه ، مكاتمة المخالفين ،ترك مظاهرتهم، و كون الضرر دينا ودنيا. وهذا مطلق في تعريف الأنصاري.
    3- قول الشيخ المفيد : (بما يعقب ضرراً في الدين والدنيا) يفهم منه أن ترك المكاتمة وستر الاعتقاد إذا أدى إلى ضرر على الدين أو الدنيا تحقق شرط التقية . وهذه الإشارة يخلو منها تعريف الأنصاري بقوله : (ضرر الغير). فهو مجمل من جهة وواضح منه شرطية الضرر مطلقا للتقية من دون تحديد بدين أو دنيا على انهما لا ثالث لهما.


    أقول هذين التعريفين الشيعيين مبنيين على حالة الضرر ، والضرر إذا كان بتعريف إيجابي فيكون كل من التعريفين لا يشمل حالة المصلحة وهذا خلاف الواقع، وإذا كان تعريفه سلبيا أي (كل ما ليس بمصلحة) فيشمل حالة المصلحة فيكونان تامين في التعريف ، ولعل تعريف الأنصاري أكثر دقة فنية من تعريف المفيد. ويمكن التمسك بتعريف الأنصاري مع تعريف الضرر بأنه خلاف المصلحة.

    التعريفين السنيين:

    تعريف السرخسي الحنفي: (والتقية : أن يقي نفسه من العقوبة ، وإن كان يضمر خلافه) المبسوط | 24 : 45 .

    تعريف ابن حجر العسقلاني( ومعنى التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير) فتح الباري، شرح صحيح البخاري، كتاب الإكراه.

    خصائص التعريفين:

    التوافق:

    1- الكتمان وإظهار خلاف ما كتم
    2- الوقاية والحذر من الغير
    3- عدم الإشارة إلى الضرر
    4- عمومية المكتوم .

    الاختلاف والتمايز:
    1- شرط السرخسي وجود العقوبة بينما أطلق ابن حجر ذلك.
    2- جعل ابن حجر الأمر يتعلق (بمعتقد وغيره) مما يشمل العمل وأطلق ذلك السرخسي ولكنّ قيد الإضمار يجعله أشبه بالانحصار بالمعتقد. وهذا خلاف الواقع العملي الذي يتعرض له من يقع تحت الإكراه فتطليق المكره عمل وليس معتقد ويبدو أن تعريف السرخسي لا يشمله.
    3- عدم الإشارة إلى الضرر يوحي بأن التعريفين يقبلان حالة المصلحة وهذا جيد ويتماشى مع الفتاوى الفقهية للفريقين ولكن بالتدقيق في التعريفين يشعر الإنسان بأن الكلام عن حال الإكراه. ولكن هذا الشعور لا يصل إلى حد الاستظهار.


    الفرق بين التعريفين الشيعيين من جهة وبين التعريفين السنيين من جهة ثانية :

    1- من خلال قائمة الخصائص لكل منهما يتبين أن التعريف السني غير تخصصي وهو أعم من المصطلح الشرعي لأنه يشمل النفاق حيث لم يحدد ما هو المكتوم . وهذا لا يتعدى التعريف اللغوي كما أسلفنا .
    2- إشارة السرخسي إلى اقتصار التقية على المعتقد بينما تجاوزها ابن حجر وكان أقرب للواقع ويتطابق في هذه الجهة مع التعريف الشيعي بخلاف السرخسي.


    تعليق : من هذا البيان يبدو بأن الصورة غير واضحة في التعريف السني بحيث يمكن التمييز بين النفاق والتقية ولعل هذه هي نقطة الحساسية في الموضوع، فحين يتهمون الشيعة بالنفاق لقولهم بالتقية فذلك لأنهم لا يعرفون تخصص التقية بكتمان الحق بينما يتخصص النفاق بكتمان الباطل.
    وهنا يبدو الأمر جليا بأن شبهتهم هذه نابعة من فهمهم للموضوع المخالف لفهم الشيعة، ولا جامع مشترك في المصطلح بين الطرفين فيكون كل يتكلم عن موضوع يختلف عن فهم الآخر. وهذه نقطة حساسة جدا لصالح الفكر الشيعي حيث يدافعون عن مصطلح محدد عليه أحكام صحيحة إسلامية وليس من معترض سنيا على هذه الأحكام، بينما يشتم أهل السنة التقية الشيعية وفي مخيلتهم أنهم يشتمون الجزء المتعلق بالنفاق وهذا لا وجود له إلا في مخيلتهم وحسب فهمهم. فالموضوع عدم تطابق مصطلح والنقاش بين شمال وجنوب.

    قد يقول قائل لماذا تريدون قصر التقية على كتمان الحق دون كتمان الباطل؟
    فأقول أن التقية لها أحكام شرعية ومنها الجواز والوجوب فإن أمكن تطبيقها على النفاق لكان النفاق جائزا أو واجبا حسب هذا المصطلح فيكون من نافق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكتم باطله خوفا من سلطانه عمل جائزا أو واجبا وهذا بخلاف عموم النصوص بل عموم المعتقد الإسلامي. وهو خلاف العمل السني في هذا الموضوع وهو غير مقصود عندهم قطعا.
    ولا يصح أن يقال ليكن المصطلح يشمل النفاق وليخرج بالتخصيص الحكمي لأن هذا من باب تخصيص الكل وهذا قبيح عقلا بمعنى العبثية وعدم الانسجام لأن تخصيص الكل هو تضاد أو تناقض كامل وليس من الحكمة أن يضع الحكيم نفسه في هذا المأزق وهذا ما هو مدعو له الفكر السني أن يخرج النفاق أساسا من مفهوم التقية الاصطلاحي حتى ينسجم مع الأحكام التي ذكروها في باب الإكراه. وإلا فهو بنفسه في مأزق فكري ظاهر لا يحتاج إلى تفسير.

    قد يقول قائل كيف نحكم مثل هذا الحكم ونحن لم نأخذ أكثر من تعريفيين من الفكر السني بالكامل.
    أقول : بحسب ما لدي من آلاف الكتب الإلكترونية فقد عملت مسحا كاملا فلم أجد بين يدي إلا هذين التعريفين السنيين ولو وجدت غيرهما لذكرتهما. وقد تقدم مني القول بأن التعريف السني ليس تعريفا في حقيقته و إنما هو أقرب للتوصيف غير المتخصص. ولهذا ناقشت على هذا الأساس بالإضافة إلى أن علماء السنة استخدموا كلمة التقية للنفاق كما أسلفنا.

    يبقى أن أقول شيئا مهما وهو أنه من الناحية العملية ومن خلال التوصيف المتعدد الاتجاهات في الموروث السني فإن التقية عند السنة هي نفس التقية عند الشيعة من ناحية تشريعية وعملية. ولهذا فلا فرق يذكر رغم اختلاف التعريفين علميا ولكن التوصيفات اللاحقة تعطي نفس النتيجة.

    وبهذا أصبحنا على وضوح تام من الموضوع .

    ولكنني أحببت أن أناقش الآن نصا شيعيا وهو حديث عن أحد أئمتنا عليهم السلام لما له من أهمية بالغة في استخدام التقية.

    20 - الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن محمد بن جمهور ، عن أحمد بن حمزة ، عن الحسين بن المختار ، عن أبي بصير قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية. – الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 220

    لقد أوضحت في المقدمة بأن التقية هي من أرقى أساليب مواجهة الأزمات الإنسانية التي يخلقها الفعل الإنساني. وهذا الحديث بالإضافة إلى بيان موضع التقية وطريقة عملها فهو يؤطر الصورة الجميلة للمسلم الملتزم بإسلامه والمحافظ على نفسه وأمته. فحين تكون الإمرة بيد حكام لا عقول لهم ويتصرفون كالأطفال من انتقام و إنعام حسب مشتهياتهم وبلا ضوابط قانونية رغم ضخامة حجومهم وجسامة أفعالهم.

    الإمرة الصبيانية تعبير عظيم عن الحكم اللا قانوني واللا شرعي . فهو حكم مزاجي بكل معنى الكلمة. وعلى المسلم الراقي أن يخالط هؤلاء ولا يبتعد عنهم لئلا ينهزم الإسلام كليا من الداخل ولكن بشرط أن يخالفهم في داخله بطلب الحق والشرعية. وهذا ما يفسر انخراط بعض أئمتنا مع الحكام غير المهتمين بالشرعية الدستورية لنظام الإسلام. فليس كما يفسره بعض الأخوة من أنه رضا وإضفاء للشرعية لمجرد التعامل أو التعاون. فعلينا أن نعرف بأن الواجب الشرعي يحتم علينا المخالطة دون النصرة لأشخاصهم بل النصرة للدين وللكيان الإسلامي العام وأن لا نترك فراغا إسلاميا ما استطعنا. وهذا ما عليه سلوك أهل البيت وأتباعهم وهو سلوك التسديد والنصرة للدين من دون نصرة نفس الظالم ومعونته.

    وللحديث بقية.

    أخوكم علي نعمان الصدر .

  11. #91

    شرح سبب التأخر ... واختصار فيما هو مطروح على الساحة الثقافية وعزم على بحث ما لم يبحث

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام حفظكم الله

    الأخ الكريم الأستاذ الشيخ حسن بن فرحان المالكي حفظه الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    لقد جرني قلمي فكتبت بحدود 150 صفحة عن أدلة التقية وممارساتها عند المسلمين , ولكن بعد أن رأيت الحجم الكبير حاولت استشارة بعض الأخوة في تنزيل هذا الحجم وبهذه السعة فكان الرأي الحاكم: بأن أساس الموضوع المبحوث موجود في كتب متوفرة فلماذا هذا التكرار حتى لو كان بحلة ثانية وبتحقيق أكثر شمولا.
    فالموضوع لا يحتاج لمثل هذه التحقيقات ( غير أن مما أخرني بالقرار هو تأخر الأخوة في تقييم الموضوع لظروفهم الخاصة) . وقد تأملت في الكلام فانتهيت إلى وجوب أن لا أثقل على القارئ بما هو خارج محل الابتلاء . ومحل الابتلاء هنا هو بعض الشبهات المعروفة على التقية التي لم تعالج جيدا في بعض الكتب المطروحة، فقررت إلغاء كل ما كتبت وإلغاء كل ما تعبت عليه من تجميع النصوص المرهق حقا. والآن قررت أن تكون بقية مسيرة بحث التقية ما يلي:

    1- الإحالة إلى كتاب (التقية في الفكر الإسلامي) من إصدارات مركز الرسالة ، لما له من أهمية في شموله لأغلب المباحث ولأسلوبه السهل الممتع ولصغر حجمه . فإني قد قست ما كتبته في ما لو انتهيت فستكون كتابتي عشرة أضعاف هذا الكتاب وهذا أمر لا حاجة لنا به.
    2- بحث صغير في شبهة التلازم بين الكذب والتقية وأحكام الكذب شرعا.
    3- البحث في شبهة امتناع التقية على الرسل والمعصومين بدعوى تجويز تضليل المكلفين وهذه شبهة لم أجد لها تفصيلات وافية رغم الإجابة الإجمالية .
    4- البحث في موضوع روايات التقية التطبيقية وحجمها واهميتها.

    هذه النقاط الأربع ستختصر علينا موضوع التقية ونكون قد حللنا كل المشكلات بهدوء وبأقل كمية من الكتابات.

    ونسألكم الدعاء لزوال ما بي من عائق حتى أنطلق أسرع في تكملة الأجوبة.


    أولا: الإحالة إلى كتاب ( التقية في الفكر الإسلامي) لمركز الرسالة ، وهنا يجب أن أقول كلمة في هذا الكتاب وهي: أن الفضلاء الذي قاموا بإعداده قد بذلوا جهدا رائعا في تقريب مفهوم التقية أكاديميا إلى الفكر الموافق والمعارض على حد سواء . وهذه ميزة جيدة لتجعل البحث بعيدا عن التشنج الذي يصاحب البحوث الخلافية شديدة الحساسية. بالإضافة إلى إبداع المسح الكبير لممارسة التقية عند من ينتقد التقية ويشتم الشيعة على أساسها. ومن جملة ميزات هذا البحث أنه أدرك بأنّ بحث التقية يكاد أن يكون بكاملة موجودا في كتب الفقه السنية ولكن بعنوان غير عنوان التقية وهو عنوان الإكراه فيكون الوضع كأنه شتم العنوان لا المعنّون لأن المعنّون موجود بحذافيره في بحوث الفقه والحديث. وفي عقيدتي أن الموضوع مجرد تشاتم سياسي وتحصين لأتباع السلطان من الإطلاع على الفكر الشيعي وهذه ذريعة مهمة حيث يقال لعبيد السلطان أن الشيعة يقولون ما لا يعتقدون لأنهم يؤمنون بالتقية وهذا يجعل كل حججهم باطلة لأنها لا تمثل حقيقة ما يعتقدون . وبهذا تسد العقول وتشرد المعاني حين الحوار بين المسلين بحيث لا يمكن اللقاء نتيجة الحصانة من أمر كاذب لا قيمة له عمليا بل له قيمة معكوسة حيث أن التشيع عاش فترة محدودة نسبيا (400 سنة) هي فترات الإرهاب على الأئمة مما كانت الضرورة محتمة نتيجة الظروف من جهة ونتيجة التزام الشيعة بتعاليم أئمتهم ، بينما جاءت فضاءات زمانية أطول نسبيا من تلك الفترات الزمانية وكانت مساحة الحرية أو مساحة التحرك أفضل للشيعة خصوصا تحت ظروف دول وإمارات شيعية مما جعل التقية فاقدة لموضوعها عمليا. بينما نرى الفكر السني المرتبط بالسلطان مباشرة والذي كرس نفسه كناطق تبريري للسلطان يعيش أقصى حالات التقوقع والتقية السياسة والغموض بين المعلن والفعل الخارجي ، ولحد هذا التأريخ لا يمكن فهم 90% من تحركات الفكر السني أو تحركات الحكومات الإسلامية السنية وعلاقاتها السرية. إن المؤرخ ليعجز عن تفسير التعامل المالي والاتفاقيات الأمنية التي تصل إلى حد اتفاق الآستانة مع البريطانيين لتحريك الجيوش البريطانية ضد محمد علي باشا ومن ثم احتلال مصر بمباركة الباب العالي. وقد يحدثنا التأريخ بما هو أعجب من اختيار وزراء الصحة والمالية إما يهود أو نصارى من عهد مبكر في الدولة الإسلامية وتحت مباركة وعاظ السلاطين الذين يُمنحون لقب شيخ الإسلام. فالتقية من الشعب وتمرير قضايا غامضة لا يعرف ما هي المصلحة الحقيقية فيها لدولة الإسلام هي ديدن السلوك السني المرتبط بالسلطان. وهذه هي الحقيقة التي يجب أن لا يغفل عنها المفكر الإسلامي.
    وأنا هنا لا أنتقد استخدام نفس سلوك التقية فهو سلوك راق . ولكن ما أنتقده هو تبرير أفعال تبدوا مخالفة للثوابت الإسلامية ومخالفة لضوابط التقية نفسها خصوصا حين نكتشف أن الهدف الحقيقي ليس الحفاظ على دولة الإسلام و إنما الحفاظ على حكم الحاكم الإقليمي أو الاستعانة على حاكم إقليمي أخر, ومنها تغطية الأهداف لظلم مسلمين بأكاذيب ينشرونها تقية.
    فبربك ما تسمي إعلان جند يزيد؟ حين يأتون بأبناء وبنات رسول الله سبايا على الشام بأنهم من أسرى الروم أو الترك. فما نسمي هذه الكذبة الإعلامية غير الخداع والاتقاء من الناس وهي تقية بتعريفها السني الذي يشمل النفاق والكذب المحرم. فهل زينب بنت فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي من سبايا الترك أو الروم ؟.
    إنه التغطية على الظلم بالكذب والخديعة وهي بحسب الفهم السني تقية لأنهم سوف لن يستطيعوا مجابهة الجموع الإسلامية حين يقال هؤلاء أسرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم جيء بهم سبايا بهذه الحالة المزرية (وامصيبتاه) ولقد وصلت الخديعة إلى جلاس مجلس يزيد حيث صدّق أحدهم بأن هؤلاء من سبايا الكفار فطلب شراء أو استيهاب بنت الحسين عليه السلام من يزيد بن معاوية. وهذه صورة من عشرات ألوف الصور للتزييف التي يمارسها أئمة أهل السنة من سلاطين مزيفين يستمدون شرعيتهم من مخالفة الشرع.

    إن كتاب التقية في الفكر الإسلامي عرض صورة شرعية التقية عند المسلمين بوضوح تام وبإيجاز غير مخل مما جعله عندي افضل ما يعرض . وقد قررت أن أضع الرابط لتنزيله بالكامل . وبعض الفهارس لعرض صفحات للإنترنت ؟

    ثانيا:

    تحميل الكتاب ( التقية في الفكر الإسلامي) من شبكة رافد الثقافية:

    http://www.rafed.net/ftp/books/altaqia.zip



    بعض المواد المهمة :

    1- الإكراه وأركانه وأنواعه
    http://www.rafed.net/books/aqaed/altaqia/t1.html#5

    2- القواعد الفقهية لمعالجة موضوع الإكراه

    http://www.rafed.net/books/aqaed/altaqia/t1.html#8

    3- أدلة التقية وتشريعها بشكل عام ( الدليل القرآني والسنة النبوية)

    http://www.rafed.net/books/aqaed/altaqia/t2.html#1

    4- أحاديث أهل البيت في التقية

    http://www.rafed.net/books/aqaed/altaqia/t3.html#7

    5- دليل الإجماع والعقل

    http://www.rafed.net/books/aqaed/altaqia/t4.html#1

    6- أقسام التقية وحكمها التكليفي

    http://www.rafed.net/books/aqaed/altaqia/t4.html#5

    7- موارد التقية المحرمة عند الشيعة.

    http://www.rafed.net/books/aqaed/altaqia/t4.html#11

    8- الفرق بين التقية والنفاق

    http://www.rafed.net/books/aqaed/altaqia/t6.html#1

    9- صور التقية في كتب أهل السنة ( القولية والعملية والحكمية)

    http://www.rafed.net/books/aqaed/altaqia/t6.html#3

    10 – إفتاء فقهاء السنة بجواز التقية في العقيدة

    http://www.rafed.net/books/aqaed/altaqia/t7.html#2

    10- كلمة أخيرة في سعة التقية في المذاهب الأربعة

    http://www.rafed.net/books/aqaed/altaqia/t7.html#9


    هذه جملة مختصرة من فهرس هذا البحث الشيق الذي يغني عما كتبته.

    بقي أن أقول بأن ما توصلت إليه في الجواب على شبهة استحالة التقية على الأنبياء كما يدعى . كان مورد بحث بين بعض الأفاضل فما توصلت إليه كان صعب التصديق بالنسبة للبعض وكنت أحاول استكشاف سر الصعوبة التي واجهت الأخوة ولماذا لم يتعقلوا المسألة من أول الأمر لأضعها في الحسبان حين الكتابة . والحقيقة أن الحوار مستمر حول هذه النقطة لحد الآن .

    وسوف أنزل المواضيع الثلاثة التي ذكرتها على التوالي .


    أخوكم

    علي نعمان الصدر

  12. #92

    التقية وشبهة الكذب

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام حفظكم الله

    الأخ الكريم الأستاذ حسن بن فرحان المالكي حفظك الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    أتمنى أن يكون قد أتيح للأخوة القراء الكرام فرصة مطالعة كتاب التقية لمركز الرسالة فهو بحث لا بأس بالتعب عليه وتنظيمه. فمع بعض نقاط النظر التي اختلف فيها مع الطرح ولكن البحث قطعا جيد ومفيد وله شواهد مختصرة ومفيدة. وقد مرت فترة كافية لقراءته وفقنا الله جميعا للخير والفكر السليم.

    ----
    تلخيص لما في هذا التعقيب:

    يوجد شبهة على التقية مفادها بأن التقية تستلزم الكذب والكذب من المحرمات فالتقية من المحرمات:

    والجواب :
    1- أن التقية لا تستلزم الكذب دائما فهي التحفظ على الرأي بمقابلة من يظلم ويعادي بشدة لذلك الرأي وهذا لا يستدعي الكذب بل السكوت.
    2- أن التخلص بالتورية في موارد التقية هو الأغلب وهو ليس من الكذب بشيء.
    3- أن الكذب ليس محرما مطلقا بل منه جائز وواجب وقد كذب أنبياء الله بنص القرآن وكان كذبا مباحا مثل الكذب للإصلاح والكذب لدفع الظالم والنجاة منه.
    4- ملحق بعض ما قيل في أمر كذب النبي ابراهيم عليه السلام
    5- ملحق لبيان غرابة كذب النبي إبراهيم عليه السلام بقوله عن زوجته هي أختي وهبتها للملك !! وبيان أن رواية أبي هريرة توافق ما في التوراة وهي مرفوضة عقلا وهناك روايات معارضة لها تنص على أن إبراهيم قال هي زوجتي ولم يقل هي أختي.
    6- ملحق عن كذب يوسف عليه السلام
    7- ملحق عن بعض ما حدث من تورية النبي ص وبعض الصالحين في ظروف تستدعي التقية.
    ------------
    التفصيل :


    هناك شبهة وهي من أضعف الشبهات حول التقية ملخصها بأن التقية تستلزم الكذب وهذا أمر محرم . واعتقد إن من يطلق مثل هذه الشبهة لا دراية له بالفقه الإسلامي. وقد سمعتها من بعض المثقفين الذين لا تخصص لهم في علوم الشريعة.

    لقد قلت سابقا بأن الكذب تنطبق عليه الأحكام الخمسة بحسب منظور الحكم . كما قلت بأن هناك كذب يصعّد صاحبه إلى الكفر كالكذب على الله ورسوله وتكذيبهم.

    فالكذب يُحكم عليه بالحرمة والكراهة والوجوب والإباحة والاستحباب والوجوب .

    فالتقية حين يكون فيها كذب لا يمكن أن يكون من الكذب غير المباح بل الواجب بالقطع لأن نفس ظرف التقية يحتم ذلك. وهناك بحوث مطولة عن الكذب، كبحث الشيخ الأنصاري في الكذب في المكاسب المحرمة وغيره وقد بحث فيه مطلبين الأول في كونه من الكبائر والثاني في مسوغاته.

    فالكذب المحرم إنما هو في غير ما وجد له المسوغ وقد بحثوا المسوغات له وفصلوها وعلى طالب الحقيقة أن يبحث عنها وهي ليست بعيدة.

    وسوف لن ابحث مسوغات الكذب فهي من البديهيات الشرعية كإصلاح ذات البين ودفع الظلم ودفع الضرر وغير ذلك. ولكن سأتطرق إلى حديث مصحح من قبل علماء السنة ، في موضوع يتعلق بكذب نبي من أنبياء الله المرسلين.

    وهو موضوع كذب إبراهيم عليه السلام. وسألحق به ما يبدو أنه كذب من قبل يوسف عليه السلام.

    بادئ ذي بدء أقول بأن موضوع: هل أن كذب إبراهيم عليه السلام هو كذب أم لا ؟ كما بحثه العلماء مؤجل إلى بعد طرح ما يبدوا أنه كذب وينطبق عليه تعريف الكذب وينطبق عليه تصريح الرواية بأنه كذب. ولهذا فإن التخريجات باعتباره من باب التورية وغير ذلك مؤجلة وإن كانت محتملة وقد نقول بها في الجملة.

    والحقيقة أن موضوع الكذب فيه الكثير من الشبهات وتشوش الفكر ، فكثير ما يلجأ أهل الأهواء إلى وصم مخالفيهم بالكذب وتطبيق ما لا علاقة له بالكذب المحرم أو ما لا علاقة له بالكذب أساسا على مقولات وتصرفات من يختلفون معهم ومن دون تحديد (ماهية الكذب وحكم الكذب ولوازم الكذب). ومن هذا القبيل وصف الشيعة بالكذب لأنهم يقولون بالتقية ، وقد بينا سابقا بأن التقية لا تعني الكذب بقدر ما تعني التحفظ على الرأي المخالف وعدم إبداءه دفعا للضرر أو جلبا لمصلحة، عامة أو شخصية.

    وفي هذا المجال سنشاهد كيف عالج الفقهاء موضوع كذب النبي إبراهيم عليه السلام.

    سأختار نص الحديث من البخاري والنص سأنقله مشكولا من فتح الباري

    صحيح البخاري، الإصدار 1.08 للإمام البخاري : الجزء الثاني. 64 - كتاب الأنبياء. 11 - باب: قول الله تعالى: {واتخذ الله إبراهيم خليلا} /النساء: 125/. الحديث رقم: 3179

    حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ الرُّعَيْنِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثًا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَوْلُهُ إِنِّي سَقِيمٌ وَقَوْلُهُ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وَقَالَ بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنْ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ مَنْ هَذِهِ قَالَ أُخْتِي فَأَتَى سَارَةَ قَالَ يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي فَلَا تُكَذِّبِينِي فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ فَقَالَ ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ فَدَعَتْ اللَّهَ فَأُطْلِقَ ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ فَقَالَ ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ إِنَّكُمْ لَمْ تَأْتُونِي بِإِنْسَانٍ إِنَّمَا أَتَيْتُمُونِي بِشَيْطَانٍ فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ مَهْيَا قَالَتْ رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ أَوْ الْفَاجِرِ فِي نَحْرِهِ وَأَخْدَمَ هَاجَرَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ

    الحديث صريح بأن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات وأطلق عليها أسم الكذب وينطبق عليه الإخبار خلاف الواقع عن قصد وعمد وهذا هو تعريف الكذب كما قلنا . ولكن كما هو واضح من الرواية فلا يوجد أي لوم على إبراهيم من خلالها.
    ويؤيد كون الأمر خلاف الواقع وعن عمد نص الرواية كما رواها الترمذي وهذا جزء من النص : (عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم "لَمْ يَكْذِبْ إبْرَاهيمُ عَلَيهِ السّلاَمُ في شَيءٍ قَطّ إِلا في ثَلاَثٍ: قَوْلِهِ {إنّي سَقِيمٌ} وَلَمْ يَكُنْ سَقِيمَا)
    فقوله : ولم يكن سقيما يدل على ذلك بوضوح.

    وهنا يأتي السؤال الخطير هل يجوز مثل هذا الكذب؟.

    نحن نعرف بلا أدنى شك أو شبهة عدم جواز الكذب على كل مكلف من دون مسوغ، فكيف يكون من المعصوم والرسول؟ فذلك أشد لأن به ضياع الرسالة.
    وهذا يقتضي أن يكون هذا الكذب يدخل ضمن المسوغات له بلا شك.

    وقد نقل المباركفوري أقوال العلماء في عدم جواز الكذب على الأنبياء و الحديث الدال على كذب إبراهيم إما يدل على التورية أو انه ضمن المسوغات كما في دفع الظالمين. وهذا يعني التقية المسوغة لهذا الكذب من الرسول،وقد نقل عن الماذري أنه لم يقبل التأويل واستنكر استبعاد لفظ أطلقه رسول الله؟ ونقل عن النووي بأن القول بالتورية والتأويل صحيح وإطلاق الكذب صحيح أيضا و يراه من موقع المسوغ في الدفاع عن الإسلام وقد اسماه تأويلا!!

    وهذا نص ما نقله المباركفوري:
    (قال النووي:
    قال الماذري: أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى فالأنبياء معصومون منه سواء كثيره وقليله، وأما ما لا يتعلق بالبلاغ ويعد من الصغائر كالكذبة الواحدة في حقير من أمور الدنيا ففي إمكان وقوعه منهم وعصمتهم منه القولان المشهوران للسلف والخلف.
    قال القاضي عياض: (الصحيح أن الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يتصور وقوعه منهم سواء جوزنا الصغائر منهم وعصمتهم منها أم لا، وسواء قل الكذب أم كثر) لأن منصب النبوة يرتفع عنه وتجويزه يرفع الوثوق بأقوالهم، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "ثنتين في ذات الله وواحدة في شأن سارة". فمعناه أن الكذبات المذكورة إنما هي بالنسبة إلى فهم المخاطب والسامع وأما في نفس الأمر فليست كذباً مذموماً لوجهين:

    أحدهما ـ أنه ورى بها فقال في سارة أختي في الإسلام وهو صحيح في باطن الأمور.

    والوجه الثاني ـ أنه لو كان كذباً لا تورية فيه لكان جائزاً في دفع الظالمين.

    قال الماذري: وقد تأول بعضهم هذه الكلمات وأخرجها عن كونها كذباً ولا معنى لامتناع من إطلاق لفظ أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال النووي: أما إطلاق لفظ الكذب عليها فلا يمتنع لورود الحديث به وأما تأويلها فصحيح لا مانع منه وقد جاء ذلك مفسراً في غير مسلم فقال: ما فيها كذبة إلا بها عن الإسلام أي يجادل ويدافع انتهى ملخصاً. قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (وأبو داود) ، هو الطيالسي.)

    ولا أعتقد بأن هذا النص يحتاج إلى شرح ، غير أن كلام النووي فيه أنه استخدم التفسير بأنه دفاع عن الإسلام بمعنى التأويل ، ويبدو لي بأنه من باب المسوغ والأخذ بظاهر النص، والله سبحانه أعلم.

    وقد زاد ابن حجر على ما نقله الماركفوري عن عياض نصا لا أعرف هل هو منه أو من عياض لأنه مدمج به وهذا ما قاله بعد قول عياض بوجود وجهين والثاني منه أنه من الكذب الجائز:

    (وقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنساناً مختفياً ليقتله أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصباً وسأل عن ذلك وجب على من علم ذلك إخفاؤه وإنكار العلم به، وهذا كذب جائز بل واجب لكونه في دفع الظالم، فنبه النبي صلى الله عليه وسلم على أن هذه الكذبات ليست داخلة في مطلق الكذب المذموم)

    المهم في النص هو قوله (وهذا كذب جائز بل واجب لكونه في دفع الظالم) فلا أعتقد بأن هناك خلافا بين المسلمين على هذا . وهذا القدر يكفي في بيان أن الكذب ليس محرم مطلقا وإنما هو حين لا يكون هناك مسوغ.

    وقد عقب ابن عساكر برواية مرسلة لبيان نفي أن تكون هذه الكذبات من النوع المحرم :

    مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر ، الصفحة : 775 :

    (وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قول إبراهيم \"والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين\" في كذباته الثلاث قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله: إن سارة أختي. [ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله.] )
    والشاهد قوله : (ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله). فهي ليست داخلة مما حرمه الله وهذا استثناء واضح وبيان جلي على عدم عمومية تحريم الكذب وذمه، بل هو ممدوح في حالات خاصة.

    (بقيت ملاحظة مهمة وهي أن كذبتان مما ورد في الرواية إنما ورد بهما نص قرآني وهي قوله: إِنِّي سَقِيمٌ وَقَوْلُهُ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، فهذان قولان وردا في القرآن ولكن موضوع سارة ليس في القرآن بل هو في التوراة، وقد راجعت مصادر الحديث الشيعية فلم أعثر إلا على رواية يتيمة تصرح بالتكذيب لهذا الموضوع وأن إبراهيم لم يكذب هنا بل قال: هي زوجتي وابنة خالتي ولم يقل هي أختي. ولكن الملك أراد الاعتداء العلني عليها فمنعه الله بقدرته وإظهار المعجز. وفي الحقيقة فإن التأويل والإعتذار عن تصرف إبراهيم بأن يقول هذه أختي وهي زوجته وهو يعلم بأن الملك أرادها لنفسه واعجب بها، تبريرات غير مقبولة على العموم خصوصا القول بالتورية بأنها أختي في الإسلام وما شابه ذلك، فالرواية فيها شيء غير مبرر، خصوصا وان الرواية توراتية وقد وردت في سفر التكوين الإصحاح 20

    وهذا نصه :

    20: 1 و انتقل ابراهيم من هناك الى ارض الجنوب و سكن بين قادش و شور و تغرب في جرار
    20: 2 و قال ابراهيم عن سارة امراته هي اختي فارسل ابيمالك ملك جرار و اخذ سارة
    20: 3 فجاء الله الى ابيمالك في حلم الليل و قال له ها انت ميت من اجل المراة التي اخذتها فانها متزوجة ببعل
    20: 4 و لكن لم يكن ابيمالك قد اقترب اليها فقال يا سيد اامة بارة تقتل
    20: 5 الم يقل هو لي انها اختي و هي ايضا نفسها قالت هو اخي بسلامة قلبي و نقاوة يدي فعلت هذا
    20: 6 فقال له الله في الحلم انا ايضا علمت انك بسلامة قلبك فعلت هذا و انا ايضا امسكتك عن ان تخطئ الي لذلك لم ادعك تمسها
    20: 7 فالان رد امراة الرجل فانه نبي فيصلي لاجلك فتحيا و ان كنت لست تردها فاعلم انك موتا تموت انت و كل من لك
    20: 8 فبكر ابيمالك في الغد و دعا جميع عبيده و تكلم بكل هذا الكلام في مسامعهم فخاف الرجال جدا
    20: 9 ثم دعا ابيمالك ابراهيم و قال له ماذا فعلت بنا و بماذا اخطات اليك حتى جلبت علي و على مملكتي خطية عظيمة اعمالا لا تعمل عملت بي
    20: 10 و قال ابيمالك لابراهيم ماذا رايت حتى عملت هذا الشيء
    20: 11 فقال ابراهيم اني قلت ليس في هذا الموضع خوف الله البتة فيقتلونني لاجل امراتي
    20: 12 و بالحقيقة ايضا هي اختي ابنة ابي غير انها ليست ابنة امي فصارت لي زوجة
    20: 13 و حدث لما اتاهني الله من بيت ابي اني قلت لها هذا معروفك الذي تصنعين الي في كل مكان ناتي اليه قولي عني هو اخي
    20: 14 فاخذ ابيمالك غنما و بقرا و عبيدا و اماء و اعطاها لابراهيم و رد اليه سارة امراته
    20: 15 و قال ابيمالك هوذا ارضي قدامك اسكن في ما حسن في عينيك
    20: 16 و قال لسارة اني قد اعطيت اخاك الفا من الفضة ها هو لك غطاء عين من جهة كل ما عندك و عند كل واحد فانصفت
    20: 17 فصلى ابراهيم الى الله فشفى الله ابيمالك و امراته و جواريه فولدن
    20: 18 لان الرب كان قد اغلق كل رحم لبيت ابيمالك بسبب سارة امراة ابراهيم
    21: 1 و افتقد الرب سارة كما قال و فعل الرب لسارة كما تكلم
    21: 2 فحبلت سارة و ولدت لابراهيم ابنا في شيخوخته في الوقت الذي تكلم الله عنه
    21: 3 و دعا ابراهيم اسم ابنه المولود له الذي ولدته له سارة اسحق


    أقول أن نقدا داخليا للنص التوراتي يدل على غرابة الأحكام والأحداث وتسلسلها حيث أن المفروض أن ادعاء إبراهيم بأن سارة أخته هي في مقتبل حياته وفي شباب سارة أي بعد خلاصه من الحرق فورا وخروجه من ارض بابل، بينما كان حبل سارة هو بعد تسعين سنة من عمره لكن النص التوراتي موصول وكأن الحادث كان مباشر.

    ومن الغريب أن تكون زوجته هي أخته من أبيه ؟ فهل يجوز ذلك في شرع إبراهيم؟؟ ما عندنا من المعلوم أنه لا يجوز ذلك.
    وقد يوجه نقد داخلي آخر ولكنه لا يصل إلى حد الإشكال الحقيقي وهو كون إبراهيم الذي لم يخف من ظلم جبابرة بابل وحرقه بالنار فكيف يخاف من قوم يلجأ إليهم فيدعي بأن زوجته أخته. و يمكن رد هذا التساؤل بأن موضوع النصر والتأييد للنبي متوقف على علم النبي بالتأييد والنجاة ولهذا فليس من المستبعد أن يكون النبي في بعض الظروف يتعرض لمحنة إنسانية حقيقية لعلمه بعدم الوعد بالعصمة من العدو ولذلك يعمل بالتقية، ولو كان يعلم بالعصمة من العدو دائما لسقط أجره ولا ينافي ذلك البلاغ بالنصر والتمكين. كما أن حرقه لم يكن له يد فيه بل هو مقهور عليه ولا يريد أن يفرط في دينه فهو أعز من حياته فلا مجال عنده للتقية بعد أن انكشف عدائه لآلهتهم فحتى لو اتقى لا ينفع بحسب تسلسل الأحداث، وسيأتي بحث ذلك في التعقيب الآتي.

    بقي هناك نقد داخلي أهم، وهو أن تقديم زوجته كأخت له لا مبرر له من ناحية أخلاقية وهذا ما لم يوافق عليه بعض الباحثين النصارى واعتبروا القصة التوراتية غير مقبولة لأنها تخالف القيم الخلقية التي يتمتع بها ابسط المؤمنين فكيف بنبي مثل إبراهيم عليه السلام؟. والقصة بهذه الحدود لها دلالات لا تتوافق مع نبوة إبراهيم عليه السلام . فهي مردودة عقلا ولا يمكن التسليم بها ويبدو عليها الصنع لمخالفتها الصريحة لنظام الأخلاق بدون مبرر فليس من العسير عليه أن يضحي من أجل شرفه ليعلن أنها زوجته ثم فليفعل ما يريد الظالم.

    وهناك حقيقة وهي أن الروايات السنية والرواية الشيعية فيها مشكلة الترابط بين الحدث وبين حصول إبراهيم على هاجر وهذا يتنافى تأريخيا من جمال سارة التي يفترض أنها في شبابها لما ورد من الطمع والرغبة فيها. إلا أن يكون الفارق العمري بين إبراهيم وسارة كبير جدا بحدود 60 سنة وهذا ممكن بحد ذاته ولكن لم اعثر على مؤيد لهذا إلا هذه القصة التي فيها الكثير من الغموض والاستدلال بها نفسها يستلزم توقف الشيء على نفسه، ولكن على الإجمال يمكن فرض التباين في العمر بحدود كبيرة.

    وسأورد ما فيه إشارة إلى هذه القضية في تحقيقين أحدهما سني لأبن حجر العسقلاني والثاني في الرواية الشيعية في كتاب الكافي ورواية يرويها ابن عساكر. و أؤكد بأن الفرق هو أن الرواية السنية عن ابي هريرة تسلّم بقول إبراهيم هي أختي بينما الرواية الشيعية تنفي ذلك. وأؤكد بان الروايتين تربطان بين واقعة اعتداء الملك وبين الحصول على هاجر الأمة المصرية وهذه تحتاج إلى فرض التباين في السن بحدود ستين سنة بين إبراهيم وزوجتيه.


    فتح الباري، شرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني الجزء الأول .فصل: وقد اختلف الناس في تفضيل الملائكة على البشر على أقوال: هجرة الخليل إلى بلاد الشام، ثم الديار المصرية، واستقراره في الأرض المقدسة .

    (فقوله في الحديث هي أختي، أي في دين الله.
    وقوله لها إنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، يعني زوجين مؤمنين غيري وغيرك، ويتعين حمله على هذا، لأن لوطاً كان معهم، وهو نبي عليه السلام.
    وقوله لها لما رجعت إليه مهيم، معناه ما الخبر، فقالت: إن الله رد كيد الكافرين)).
    وفي رواية الفاجر وهو الملك، وأخدم جارية.
    وكان إبراهيم عليه السلام من وقت ذهب بها إلى الملك، قام يصلي لله عز وجل، ويسأله أن يدفع عن أهله، وأن يرد بأس هذا الذي أراد أهله بسوء، وهكذا فعلت هي أيضاً، فلما أراد عدو الله أن ينال منها أمراً قامت إلى وضوئها، وصلاتها، ودعت الله عز وجل بما تقدم من الدعاء العظيم، ولهذا قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 45] فعصمها الله، وصانها لعصمة عبده، ورسوله، وحبيبه، وخليله، إبراهيم عليه السلام.
    وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة سارة، وأم موسى، ومريم عليهن السلام، والذي عليه الجمهور أنهن صديقات رضي الله عنهن وأرضاهن.
    ورأيت في بعض الآثار أن الله عز وجل كشف الحجاب فيما بين إبراهيم عليه السلام وبينها، فلم يزل يراها منذ خرجت من عنده إلى أن رجعت إليه، وكان مشاهداً لها وهي عند الملك، وكيف عصمها الله منه ليكون ذلك أطيب لقلبه، وأقر لعينه، وأشد لطمأنينته، فإنه كان يحبها حباً شديداً لدينها، وقرابتها منه، وحسنها الباهر، فإنه قد قيل: إنه لم تكن امرأة بعد حواء إلى زمانها، أحسن منها رضي الله عنها، ولله الحمد والمنة.
    وذكر بعض أهل التواريخ، أن فرعون مصر هذا كان أخاً للضحاك الملك المشهور بالظلم، وكان عاملاً لأخيه على مصر.
    ويقال: كان اسمه سنان بن علوان، بن عبيد، بن عويج، بن عملاق، بن لاود، بن سام، بن نوح.
    وذكر ابن هشام في (التيجان) أن الذي أرادها عمرو بن امرىء القيس، بن مايلون، بن سبأ، وكان على مصر. نقله السهيلي. فالله أعلم.
    ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن، وهي الأرض المقدسة التي كان فيها، ومعه أنعام، وعبيد، ومال جزيل، وصحبتهم هاجر القبطية المصرية.
    ثم إن لوطاً عليه السلام نزح بماله من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك، إلى أرض الغور المعروف بغور زغر، فنزل بمدينة سدوم، وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان، وكان أهلها أشراراً، كفاراً، فجاراً. (ج/ص: 1/ 176)
    وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل، فأمره أن يمد بصره، وينظر شمالاً، وجنوباً، وشرقاً، وغرباً، وبشَّره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر، وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الأرض.)


    - الكافي - الشيخ الكليني ج 8 ص 370 :

    560 علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، وعدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد جميعا ، عن الحسن بن محبوب ، عن إبراهيم بن أبي زياد الكرخي قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : إن إبراهيم ( عليه السلام ) كان مولده بكوثى ربا ( 1 ) وكان أبوه من أهلها وكانت ام إبراهيم وام لوط ( 2 ) سارة وورقة - وفي نسخة رقية - اختين وهما ابنتان للاحج وكان اللاحج نبيا منذرا ولم يكن رسولا ( 3 ) وكان إبراهيم ( عليه السلام ) في شبيبته ( 4 ) على الفطرة التي فطر الله عز وجل الخلق عليها حتى هداه الله تبارك وتعالى إلى دينه واجتباه وأنه تزوج سارة ابنة لاحج ( 5 ) وهي ابنة خالته وكانت سارة صاحبة ماشية كثيرة وأرض واسعة و حال حسنة وكانت قد ملكت إبراهيم ( عليه السلام ) جميع ما كانت تملكه فقام فيه وأصلحه و كثرت الماشية والزرع حتى لم يكن بأرض كوثى ربا رجل أحسن حالا منه وإن

    ( هامش ) *
    ( 1 ) قال الجزري : كوثى سرة السواد وبها ولد ابراهيم الخليل ( عليه السلام ) . وقال الفيروز آبادي : كوثى - كطوبى - : قرية بالعراق وقال : الربى - كهدى - : موضع . وقال الحموي في مراصد الاطلاع : كوثى بالعراق في موضعين كوثى الطريق وكوثى ربا وبها مشهد ابراهيم الخليل ( عليه السلام ) وهما قريتان وبينهما تلول من رماد يقال : انها رماد النار التي اوقدها نمرود لاحراقه .
    ( 2 ) كذا في أكثر النسخ ، وفي بعض النسخ [ امرأة ابراهيم وامرأة لوط ] . وهو الصواب و في كامل التواريخ : " إن لوطا كان ابن اخي إبراهيم ( عليه السلام ) " .
    ( 3 ) أي لم يكن ممن يأتيه الملك فيعاينه كما يظهر من الاخبار . أو لم يكن صاحب شريعة مبتدأ كما قيل . ( آت )
    ( 4 ) أي في حداثته على الفطرة أو التوحيد أي كان موحدا بما آتاه الله من العقل والهمة حتى جعله الله نبيا وآتاه الملك . ( آت )
    ( 5 ) الظاهر أنه كان ابنة ابنة لاحج فتوهم النساخ التكرار فاسقطوا احداهما وعلى ما في النسخ المراد ابنة الابنة مجازا وسارة ولا حج هنا غير المتقدمين وانما الاشتراك في الاسم وعلى نسخة " الامرأة " لا يحتاج إلى التكلف . ( آت ) ( * )

    / صفحة 371 /

    إبراهيم ( عليه السلام ) لما كسر أصنام نمرود أمر به نمرود فأوثق وعمل له حيرا ( 1 ) وجمع له فيه الحطب وألهب فيه النار ، ثم قذف إبراهيم ( عليه السلام ) في النار لتحرقه ثم اعتزلوها حتى خمدت النار ثم أشرفوا على الحير فإذا هم بإبراهيم ( عليه السلام ) سليما مطلقا من وثاقه فاخبر نمرود خبره فأمرهم أن ينفوا إبراهيم ( عليه السلام ) من بلاده وأن يمنعوه من الخروج بماشيته وماله ، فحاجهم إبراهيم ( عليه السلام ) عند ذلك فقال : إن أخذتم ماشيتي ومالي فإن حقي عليكم أن تردوا علي ما ذهب من عمري في بلادكم و اختصموا إلى قاضي نمرود فقضى على إبراهيم ( عليه السلام ) أن يسلم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم وقضى على أصحاب نمرود أن يردوا على إبراهيم ( عليه السلام ) ما ذهب من عمره في بلادهم فأخبر بذلك نمرود فأمرهم أن يخلوا سبيله وسبيل ماشيته وما له وأن يخرجوه وقال : إنه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم وأضر بآلهتكم فأخرجوا إبراهيم ولوطا معه ( صلى الله عليهما ) من بلادهم إلى الشام فخرج إبراهيم ومعه لوط لا يفارقه وسارة وقال لهم : " إني ذاهب إلى ربي سيهدين " يعني بيت المقدس . فتحمل إبراهيم ( عليه السلام ) بماشيته وماله وعمل تابوتا وجعل فيه سارة وشد عليها الاغلاق غيرة منه عليها ومضى حتى خرج من سلطان نمرود وصار إلى سلطان رجل من القبط يقال له : عرارة فمر بعاشر له ( 2 ) فاعترضه العاشر ليعشر ما معه فلما انتهى إلى العاشر ومعه التابوت ، قال العاشر لابراهيم ( عليه السلام ) : افتح هذا التابوت حتى نعشر ما فيه ، فقال له إبراهيم ( عليه السلام ) : قل ما شئت فيه من ذهب أو فضة حتى نعطي عشره ولا نفتحه ، قال : فأبى العاشر إلا فتحه ، قال : وغضب إبراهيم ( عليه السلام ) على فتحه فلما بدت له سارة وكانت موصوفة بالحسن والجمال ، قال له العاشر : ما هذه المرأة منك ؟ قال إبراهيم ( عليه السلام ) : هي حرمتي وابنة خالتي ، فقال له العاشر : فما دعاك إلى أن خبيتها ( 3 ) في هذا التابوت ؟ فقال إبراهيم ( عليه السلام ) : الغيرة عليها أن يراها أحد ،

    ( هامش ) *
    ( 1 ) الحير - بفتح المهملة وآخره راء - : شبه الخطيرة .
    ( 2 ) أي ملتزم أخذ العشر . ( * )

    / صفحة 372 /

    فقال له العاشر : لست أدعك تبرح حتى اعلم الملك حالها وحالك ، قال : فبعث رسولا إلى الملك فأعلمه فبعث الملك رسولا من قبله ليأتوه بالتابوت فأتوا ليذهبوا به فقال لهم إبراهيم ( عليه السلام ) : إني لست أفارق التابوت حتى تفارق روحي جسدي ، فاخبروا الملك بذلك فأرسل الملك أن احملوه والتابوت معه ، فحملوا إبراهيم ( عليه السلام ) والتابوت وجميع ما كان معه حتى أدخل على الملك فقاله له الملك : افتح التابوت ، فقال إبراهيم ( عليه السلام ) : أيها الملك إن فيه حرمتي وابنة خالتي وأنا مفتد فتحه بجميع ما معي قال : فغضب الملك ( 1 ) إبراهيم ( عليه السلام ) على فتحه ، فلما رأى سارة لم يملك حلمه سفهه أن مد يده إليها فأعرض إبراهيم ( عليه السلام ) بوجهه عنها وعنه غيرة منه وقال : اللهم احبس يده عن حرمتي وابنة خالتي ، فلم تصل يده إليها ولم ترجع إليه ، فقال له الملك : إن إلهك الذي فعل بي هذا ؟ فقال له : نعم إن إلهي غيور يكره الحرام وهو الذي حال بينك وبين ما أردت من الحرام فقال له الملك : فادع إلهك يرد علي يدي فإن أجابك فلم أعرض لها ، فقال : إبراهيم ( عليه السلام ) : إلهي رد عليه يده ليكف عن حرمتي : قال : فرد الله عز وجل عليه يده فأقبل الملك نحوها ببصره ثم أعاد بيده نحوها فأعرض إبراهيم ( عليه السلام ) عنه بوجهه غيرة منه و قال : اللهم احبس يده عنها ، قال : فيبست يده ولم تصل إليها ، فقال الملك لابراهيم ( عليه السلام ) : إن إلهك لغيور وإنك لغيور فادع إلهك يرد علي يدي فإنه إن فعل لم أعد ، فقال له إبراهيم ( عليه السلام ) : أسأله ذلك على أنك إن عدت لم تسألني أن أسأله ، فقال الملك : نعم ، فقال إبراهيم ( عليه السلام ) : اللهم إن كان صادقا فرد عليه يده ، فرجعت إليه يده فلما رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى ورأى الآية في يده عظم إبراهيم ( عليه السلام ) وهابه وأكرمه واتقاه وقال له : قد أمنت من أن أعرض لها أو لشئ مما معك فانطلق حيث شئت و لكن لي إليك حاجة ، فقال إبراهيم ( عليه السلام ) : ما هي ؟ فقال له : أحب أن تأذن لي أن أخدمها قبطية عندي جميلة عاقلة تكون لها خادما ، قال : فأذن له إبراهيم ( عليه السلام ) فدعا بها فوهبها لسارة وهي هاجر أم إسماعيل ( عليه السلام ) ، فسار إبراهيم ( عليه السلام ) بجميع ما معه وخرج الملك معه يمشي خلف إبراهيم ( عليه السلام ) إعظاما لابراهيم ( عليه السلام ) وهيبة له فأوحى الله تبارك و

    ( هامش ) *
    ( 1 ) غضب فلانا على الشئ قهره . ( القاموس ) ( * )

    / صفحة 373 /

    تعالى إلى إبراهيم أن قف ولا تمش قدام الجبار المتسلط ويمشي هو خلفك ولكن اجعله أمامك وامش خلفه وعظمه وهبه فإنه مسلط ولا بد من إمرة في الارض برة أو فاجرة فوقف إبراهيم ( عليه السلام ) وقال الملك : امض فإن إلهي أوحى إلي الساعة أن أعظمك و اهابك وأن أقدمك أمامي وأمشي خلفك إجلالا لك ، فقال له الملك : أوحى إليك بهذا ؟ فقال له إبراهيم ( عليه السلام ) : نعم ، فقال له الملك : أشهد أن إلهك لرفيق حليم كريم وأنك ترغبني في دينك ، قال : وودعه الملك فسار إبراهيم ( عليه السلام ) حتى نزل بأعلى الشامات وخلف لوط ( عليه السلام ) في أدنى الشامات ، ثم إن إبراهيم ( عليه السلام ) لما أبطا عليه الولد قال لسارة : لو شئت لبعتني هاجر لعل الله أن يرزقنا منها ولدا فيكون لنا خلفا ، فابتاع إبراهيم ( عليه السلام ) هاجر من سارة فوقع عليها فولدت إسماعيل ( عليه السلام ) .



    انتهت رواية الكافي:

    وفي الرواية سهل ابن زياد الذي لم يرتضى في الرواية ووصف بالضعف واتهم بالكذب وقيل عنه ضعيف جدا عند نقاد الأخبار. وفي الرواية إبراهيم بن أبي زياد الكرخي وهو نادر الرواية ولم يترجم فإذا كان هو نفسه السلمي فهو ثقة و إلا لا مجال للتبرع بتوثيقه من دون قرائن ولكن استدل بعض النقاد برواية ابن أبي عمير و صفوان بن يحيى عنه بأنه أهل للثقة وهذا استدلال جيد بقرينة جيدة. والرواية نادرة بل يتيمة لا مؤيد لها سلبا ولا إيجابا. وهي قابلة لنقد النص من جهة التأريخ إلا على فرض أن فارق السنين بين إبراهيم وزوجتيه كبير جدا وهو أمر محتمل بحد ذاته وهذا الاحتمال يوقف الترسل بالنقد الداخلي لقصة الربط بين حادثة محاولة الاعتداء على سارة وبين تملك هاجر ومن ثم الزواج منها وحمل الزوجتين بإسماعيل واسحق.

    أقول عثرت في مختصر تأريخ دمشق على سرد للقصة فيه أن إبراهيم قال هذه زوجتي ولا اعرف المصدر الأساسي للرواية ولا مقدار تطابقها مع نفس الحادث لغموض النص:

    مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر : الصفحة : 2762

    ( وعن ابن السائب قال: خرج إبراهيم من حوزان يؤم أرض بني كنعان حتى عبر الفرات إلى الشام فانحرف لسانه عن السريانية إلى العبرانية، وإنما سميت العبرانية لأنه تكلم بها إن عبر الفرات، ومضى حتى أتى أنتملك {لعله أبيمالك فتكون نفس القصة} ملك بني كنعان بالشام وعظيمهم الذي يدين له عظماؤهم يومئذ، وكان ينزل عين الجر من أرض البقاع من جند دمشق، وكانت الشام يومئذ منسوبة إلى فلسطين فقال له أنتملك: إنه لا طاقة لي بمعاندة نمروذ، وقد جاورتنا مخالفاً له، فقال إبراهيم إن إلهي يمنعك منه، فأجار إبراهيم، وسأله أن يزوجه سارة، [[ فقال: إنها زوجتي فلم يعرض لها ]]، وقال: انزل حيث شئت من أرضنا، وبعث إلى عظماء النواحي يأمرهم بحفظه وحسن مجاورته فنزل اللجون \" قرية من قرى الأردن- ثم تحول منها إلى أرض فلسطين فنزل ناحية منها يقال لها السبع من أرض بيت جبريل ثم تحول إلى قرية يقال لها حبرى في ما بين جبريل وبين البيت المقدس فأقام بها.)



    أعتذر عن طول هذه الملاحظة ولكنها كانت ضرورية للموضوع نفسه ولتمرين المثقف العربي على استيعاب النص ونقده بصورة مبسطة )

    ----

    أقول : ويلحق بقول إبراهيم عليه السلام إِنِّي سَقِيمٌ وَقَوْلُهُ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا، نداء جند يوسف بعلمه وتدبيره (إنكم لسارقون) في قوله تعالى: ( فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ) (يوسف:70) ومن المعلوم بأنهم لم يسرقوا ، ويوسف يعلم بذلك، ولكن مصلحتهم اقتضت هذا التصرف ليحتفظ بأخيه ويأتي بهم جميعا بعد ذلك.

    والروايات الشيعية تقول بصراحة أن ذلك وإن لم يكن إخبار عن الواقع ولكنه ليس بكذب وواضح بأن المقصود هو أن الحكم ليس حكم الكذب المحرم كما أوردتُ في رواية ابن عساكر (ما منها كلمة إلا ما حل بها عن دين الله)، والرواية التالية واضحة في حل الكذب للإصلاح حتى للنبي.
    فأين من يدعي تحريم التقية لاحتوائها على الكذب؟.

    الكافي ثقة الاسلام ابي جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني الرازي رحمه الله : المجلد الأول.

    17 علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن أحمد بن أبي نصر ، عن حماد بن عثمان عن الحسن الصيقل قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إنا قد روينا عن أبي جعفر عليه السلام في قول يوسف عليه السلام : " أيتها العير إنكم لسارقون " ؟ فقال : والله ما سرقوا وما كذب، وقال إبراهيم عليه السلام : " بل فعله كبير هم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون " ؟ فقال : والله ما فعلوا وما كذب "
    قال : فقال أبو عبد الله عليه السلام : ما عندكم فيها يا صيقل ؟ قال : فقلت : ما عندنا فيها إلا التسليم ،
    قال : فقال : إن الله أحب اثنين وأبغض اثنين أحب الخطر فيما بين الصفين وأحب الكذب في الإصلاح وأبغض الخطر في الطرقات وأبغض الكذب في غير الإصلاح ، إن إبراهيم عليه السلام إنما قال : " بل فعله كبير هم هذا " إرادة الإصلاح ودلالة على أنهم لا يفعلون ، وقال يوسف عليه السلام إرادة الإصلاح .


    انتهت الرواية وهي واضحة الدلالة وسليمة المعنى بلا أدنى شك.
    -----

    التورية واستخدامها في التقية
    ------

    التورية هي من الأساليب الذكية التي يستخدمها أذكياء البشر ولكن دواعيها في كثير من الأحيان مختلفة فمرة تكون بداعي الفن والمبارزة الفنية الفكرية وتارة تكون لضرورات حياتية . وهذه الضرورات هي التي تكّون صورة التقية على حقيقتها. فحين نجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجيب بما هو بعيد عن سؤال السائل لإيهامه بما يريد بينما الأمر بخلاف ما يريد، فهذا من دواعي التقية الظاهرة ( وسيأتي البحث عن تقية الرسل) . كما روي عنه انه قال لسائله عن عشيرته : نحن من ماء. وهي تورية لطيفة .



    وهذه هي نصوص الروايات:


    البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي الجزء الثالث . فصل في فريضة شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر . بسم الله الرحمن الرحيم غزوة بدر العظمى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان .

    ( قال ابن إسحاق: - كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان - حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم.
    فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما ؟
    فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أخبرتنا أخبرناك)).
    فقال: أو ذاك بذاك؟
    قال: ((نعم !)).
    قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به قريش، فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟
    [[ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نحن من ماء)) ثم انصرف عنه.]]
    قال: يقول الشيخ: ما من ماء أمن ماء العراق؟
    قال ابن هشام: يقال لهذا الشيخ: سفيان الضمري.)

    الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي : الجزء 12 من الطبعة. سورة النور. الآيتان: 45 - 46 {والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.

    (وقال جمهور النظرة: أراد أن خلقة كل حيوان فيها ماء كما خلق آدم من الماء والطين؛ [[ وعلى هذا يتخرج قول النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ الذي سأله في غزاة بدر: ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن من ماء). الحديث.]]. (


    السيرة النبوية، لابن هشام : المجلد الثالث. ذكر رؤيا عاتكة بنت عبدالمطلب. التعرف على أخبار قريش.

    ( ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران ، فسلك على ثنايا . يقال لها : الأصافر ؛ ثم انحط منها إلى بلد (3/ 163) يقال له : الدَّبَّة ، وترك الحنَّان بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم ؛ ثم نزل قريبا من بدر ، فركب هو ورجل من أصحابه .
    قال ابن هشام : الرجل هو أبو بكر الصديق .
    قال ابن إسحاق كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان : حتى وقف على شيخ من العرب ، فسأله عن قريش ، وعن محمد وأصحابه ، وما بلغه عنهم ؛ فقال الشيخ : لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أخبرتنا أخبرناك . قال : أذاك بذاك ؟ قال : نعم ؛ قال الشيخ : فإنه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان صدق الذي أخبرني ، فهم اليوم بمكان كذا وكذا ، للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وبلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان الذي أخبرني صدقني ، فهم اليوم بمكان كذا وكذا ، للمكان الذي فيه قريش .
    فلما فرغ من خبره ، [[ قال : ممن أنتما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن من ماء ، ثم انصرف عنه]] . قال : يقول الشيخ : ما من ماء ، أمن ماء العراق ؟
    قال ابن هشام : يقال : ذلك الشيخ : سفيان الضمري .)


    أقول : هذه التورية اللطيفة لم تكن بداعي الفن الفكري و إنما بداعي الحاجة الأمنية لسلامة حملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للتعرض. وهذا هو من أجلى صور التورية والتقية في آن واحد . وهي ليست بكذب . ( لقد روى لي أحد الأخوة السلفيين بأن الألباني صحح هذه الرواية ولم استطع التحقق من ذلك ولكن إرسالهم لها إرسال المسلمات يدل على عدم علتها عندهم والله أعلم)

    وهذه بعض التوريات التي صدرت بداعي التقية كما ذكرت في كتب التاريخ:


    لقد روي أنه سئل أحد العلماء عن علي " ع " وأبى بكر أيهما خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله في ظروف طائفية بغيضة. فقال : من بنته في بيته


    كما ورد أنه سئل بعض الشيعة عن عدد الخلفاء في الظرف الإرهابي فقال : أربعة أربعة أربعة ، وإن ما قصد منها الأئمة الإثني عشر ، وزعم السائل انه أراد الخلفاء الأربعة توكيدا .

    الصراط المستقيم - علي بن يونس العاملي ج 3 ص 72 :

    في التورية

    ذكر الدينوري في محاسن الجوابات ، وابن عبد ربه في العقد أن معاوية أعطى عقيلا جملة دراهم ليصعد المنبر ويلعن عليا ، فصعد وقال : إن معاوية أمرني أن ألعن عليا فالعنوه ، فقال : أخذت مالي ولعنتني ؟ قال : فاستر لئلا ينكشف للناس .


    - الصراط المستقيم - علي بن يونس العاملي ج 3 ص 72 :
    الكشي باسناده قال : انبأنا حجر ابن عدي قال : قال لي علي عليه السلام : كيف تصنع أنت إذا ضربت وأمرت بلعنتي ؟ قلت له : كيف أصنع ؟ قال : العني ولا تبرأ مني فإني على دين الله ، قال : ولقد ضربه محمد بن يوسف وأمره أن يلعن عليا وأقامه على باب مسجد صنعاء قال : فقال : أن الأمير أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله الخ


    وذكر الكشي أن معاوية أمر صعصعة بن صوحان أن يلعن عليا فصعد المنبر وقال : إن معاوية أمرني أن ألعن عليا فالعنوه ، فقال : والله ما عنيت غيري ، ارجع حتى تذكره باسمه واسم أبيه ، فرجع ، وقال : العنوا من لعنه الله ولعن علي ابن أبي طالب فقال معاوية : والله ما عنى غيري أخرجوه عني لا يساكنني .

    الغارات - إبراهيم بن محمد الثقفي ج 2 ص 888 :

    محمد بن مسعود قال : حدثني أبو الحسن علي بن أبي علي الخزاعي قال : حدثنا محمد بن علي بن خالد العطار قال : حدثني عمرو بن عبد الغفار عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود عمن شهد ذلك أن معاوية حين قدم الكوفة دخل عليه رجال من أصحاب علي عليه السلام ، وكان الحسن عليه السلام قد أخذ الأمان لرجال منهم مسمين بأسمائهم وأسماء آبائهم وكان فيهم صعصعة ، فلما دخل عليه صعصعة قال معاوية لصعصعة : أما والله إني كنت لأبغض أن تدخل في أماني ، قال : وأنا والله ابغض أن اسميك بهذا الاسم ، ثم سلم ، عليه بالخلافة ، قال : فقال معاوية : إن كنت صادقا فاصعد المنبر فالعن عليا ، قال : فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس أتيتكم من عند رجل قدم شره وأخر خيره ، وانه أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله ، فضج أهل المسجد بآمين ، فلما رجع إليه فأخبره بما قال ، قال : لا والله ما عنيت غيري ، ارجع حتى تسميه باسمه ، فرجع وصعد المنبر ثم قال : أيها الناس إن أمير المؤمنين أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب فالعنوا من لعن علي بن أبي طالب ، قال : فضجوا بآمين ، قال : فلما خبر معاوية قال : والله ما عنى غيري ، أخرجوه لا يساكنني في بلد ، فأخرجوه .

    الصراط المستقيم - علي بن يونس العاملي ج 3 ص 72 :
    وفي العقد إن معاوية أمر الأحنف يشتم عليا فأبى ، فقال : اصعد وأنصف فقال : إن عليا ومعاوية كل منهما ادعى بغي الآخر عليه ، اللهم العن الفئة الباغية

    ولقي الطاقي خارجي فقال : لا أفارقك أو تتبرأ من علي فقال : أنا من علي ومن عثمان برئ فسلم منه.

    ويروي علي بن يونس العاملي رواية مرسلة عن الإمام الصادق مع أبي العباس السفاح فيها تورية وموافقة الجائر على ما فعل حتى لو كان تصرفا بحكم شرعي كالحكم بثبوت الهلال.

    كانت ولا زالت مسألة ثبوت الهلال من المسائل التي يسعى الحكام للسيطرة عليها باعتبارها مؤشرا على مدى الطاعة العامة وانتشار السلطة بين الجماهير من دون نظر فقهي دقيق بما تقضيه القواعد. والحكام يترصدون من يفتي الناس بثبوت الهلال إما باتهامه بالتصدي للحكم (وهذا خيانة عظمى في نظره) أو أنه يثير الفتنه أو أنه قليل دين لعدم متابعته الحاكم. ولهذا كان يعاني أئمة أهل البيت عليهم السلام من موضع المراقبة في الفتيا بثبوت الشهر.

    والرواية المرسلة التي يذكرها علي بن يونس تدل على عمق المشكلة في مسألة ثبوت شهر شوال وهذه هي الرواية :

    الصراط المستقيم - علي بن يونس العاملي ج 3 ص 73 :
    دخل الصادق عليه السلام على أبي العباس في يوم شك وهو يتغدى فقال : ليس هذا من أيامك فقال الصادق عليه السلام : ما صومي إلا صومك ولا فطري إلا فطرك فقال : ادن فدنوت وأكلت ، وأنا والله أعلم أنه من رمضان.

    الحقيقة حين قرأت هذه الرواية (رغم ضعف سندها) تمثل لي صورة المجتمع الإسلامي الذي عاصرته. فحين انظر إلى واقع الحال الإسلامي في موضوع التعصب لثبوت الهلال من قبل الحاكم وأتباعه، أجد نفسي مجبرا على التأثر من وضع المسلمين ووضع جبروت وظلم الحاكم وتعديه على حدود الله لمجرد إثبات سلطته وعدوانه على المسلمين. وقد يقول جاهل بأن هذا إنما هو اجتهاد فلماذا هذه النظرة السوداوية إليه؟ فأقول لو كان مجرد اجتهاد لسمح لاجتهاد غيره ولم يحاربه ، ولكن المسألة وصلت إلى الملاحقة والمضايقة إلى درجة خطيرة ( كما حدث من سجن وتعذيب مسافر دخن سيجارة في يوم لم يثبت عنده دخول شهر رمضان فيه بل كان حكم الحاكم بثبوت الشهر قبل تولد الهلال أصلا من ناحية فلكية)، وأنا مقتنع تماما بأن من يلاحق الآخرين داخل بلده على مسألة ثبوت الهلال ولا يسمح لعمل المكلف بما يقتضيه تكليفه الشرعي فهو يقوم بعمل سلطوي لا علاقة له بالفقه الإسلامي كائنا من يكون ذلك الحاكم. نسأل الله للمسلمين العقل والعافية في الدين.

    أخوكم

    علي نعمان الصدر


  13. #93

    التقية - شبهة استحالة تقية المعصوم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    ألأخ الكريم الأستاذ حسن بن فرحان المالكي حفظه الله.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تلخيص ما في هذا التعقيب:

    شبهة معروفة تقول بأن المعصوم لا يجوز أن يعمل بالتقية وقد كان الجواب عليها :
    لا صحة لهذه الشبهة في مجال الحكم
    لا صحة لهذه الشبهة في مجال الواقع فقد اتقى الأنبياء من أعدائهم.
    وأن التقية هي من الله وقد فعلها الله في أحكامه بالنصوص القرآنية من أجل حفظ المسلمين والتهيئة لنشر دعوتهم . فما قام به المعصومون إنما هو عملٌ بما أمر الله وهو عين العصمة والتبليغ لما امر الله.

    ====================

    التفصيل:


    هناك شبهة مفادها بأن النبي المعصوم لا يجوز منه التقية لأن ذلك يؤدي إلى إضلال المؤمنين.فيكون عمل أئمة الشيعة بالتقية باطلا لأنهم معصومون عند الشيعة، وقد تم بحث هذه الشبهة حول الأنبياء في كتاب التقية في الفكر الإسلامي لمركز الرسالة ولكنني سأبحثها بصورة ثانية ووجهة نظر ثانية.

    وهذا رابط البحث فيه لمن لم ينزل الكتاب بكامله:

    http://www.rafed.net/books/aqaed/altaqia/t2.html#10

    والموضوع في الكتاب بعنوان ( القسم الأول : الأحاديث النبوية الدالة على التقية . توطئة في أنه هل تجوز التقية على الأنبياء عليهم السلام ؟) وحبذا لو قرأ الأخوة كامل الكتاب ففيه معاني جميلة ووقفات رائعة.


    لقد وردت هذه الشبهة في كلمات بعض علماء السنة بصورتين الأولى عدم الجواز مطلقا والثانية عدم الجواز في مقام تبليغ الرسالة.

    وهذان نصان يمثلان الاتجاهين:

    الاتجاه الأول عدم الجواز مطلقا:

    - سير أعلام النبلاء - الذهبي ج 11 ص 252 :
    (الشيخ أحمد شاكر رحمه الله : والتقية إنما تجوز للمستضعفين الذين يخشون أن لا يثبتوا على الحق ، والذين ليسوا بموضع القدوة للناس ، فهؤلاء يجوز لهم أن يأخذوا بالرخصة . أما أولو العزم من الائمة الهداة ، فإنهم يأخذون بالعزيمة ، ويحتملون الاذى ، ويثبتون ، وفي سبيل الله ما يلقون . ولو أنهم أخذوا بالتقية ، واستساغوا الرخصة ، لضل الناس من ورائهم ، يقتدون بهم ، ولا يعلمون أن هذه تقية . )


    الاتجاه الثاني عدم الجواز في التبليغ

    المبسوط - السرخسي ج 42 ص 45 :
    والتقية ان يقى نفسه من العقوبة بما ظهره وان كان يضمر خلافه وقد كان بعض الناس يأبى ذلك ويقول انه من النفاق والصحيح ان ذلك جائز لقوله تعالى الا أن تتقوا منهم تقاة واجراء كلمة الشرك على اللسان مكرها مع طمأنينة القلب بالايمان من باب التقية وقد بينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيه لعمار بن ياسر رضى الله عنه ((( إلا أن هذا النوع من التقية يجوز لغير الانبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فأما في حق المرسلين صلوات الله عليهم أجميعن فما كان يجوز ذلك فيما يرجع إلى أصل الدعوة إلى الدين الحق وقد جوزه بعض الروافض لعنهم الله ولكن تجويز ذلك محال لانه يؤدى إلى أن لا يقطع القول بما هو شريعة لاحتمال أن يكون قال ذلك أو فعله تقية والقول بهذا محال))).



    وهذه الشبهة مبنية على أن قول التقية إنما هو في حالة الكذب على الله . ففي هذه الحالة لا شك أن الأنبياء منزهون عنها ولا يقول بها أحد إلا الزنادقة والكفار كما رووا قصة الغرانيق.

    ولعل هناك مبان أخرى متعلقة بالأمر مثل دعوى عدم كتمان رسول الله لبعض العلوم والمعارف التي أخبره الله بها. وهذه دعوى عارية عن الصحة العلمية والواقعية.

    ولا يصح ما نقله السرخسي عن الروافض -الذين لعنهم على العادة في الظلم وقد أثبتُّ لعنه تعمدا -. فإن كان يقصد بهم الشيعة فالشيعة لا يجيزون على النبي التقول بغير ما أنزل الله أبدا. ولهذا يعترضون بشدة على قصة الغرانيق والتي أثبتها بعض المفسرين السنة بلا نقد لها. والشيعة قائلون بعصمة الأنبياء مطلقا فكيف يقولون بجواز ذلك.

    وما يقوله الشيعة فهو مختلف تماما فإن ما يقولونه يدور حول موضوع آخر وهو إن أحكام التقية إنما هي أحكام إلهية مقررة من الله. فما فعله النبي من تقية إنما هو حكم إلهي لتلك الحالة. وبكل صراحة أن الأحكام لها مراتب وهذه مرتبة منها وسيأتي البيان. فلا مخالفة في الواقع و إنما هو عين الطاعة وعين العصمة. وسيأتي البيان أن أحكام التقية ليست كلها رخص بل فيها عزائم وقد تقدم بعض ذاك وسنتحدث عنه بصورة ثانية.

    والأمر مبني على غفلة في موردين هما
    أولا: طبيعة أحكام التقية.
    وثانيا: واقع الحال الذي عاشه الأنبياء وما قاموا به من أحكام التقية.

    وهذا الأمر يحتاج إلى بعض البسط عسى أن يستوعب.

    الأمر الأول : طبيعة أحكام التقية.

    بشكل عام ينبغي أن نجيب عن سؤالين خطيرين وهو :

    1- هل أحكام التقية كلها إمضائية للرخصة لمعاصي يضطر إليها الإنسان أم هناك صور أخرى؟.

    2- هل تشمل الرخصة المعصوم والقدوة؟ .

    لقد نقلت سابقا بعض ما يشير إلى وجوب التقية بل الكذب في حالة حفظ النفس المسلمة وغير ذلك فليست كل موارد التقية هي موارد ترخيص بل هي موارد تكليف إلزامي ولهذا فإن ما نقله الذهبي عن الشيخ احمد شاكر من كونه رخصة وأن الرخصة لا تجوز على المعصوم بدليل استحساني مغالطي يعتبر باطلا فلا التقية رخصة فقط ولا يوجد دليل على عدم شمول الرخصة للأنبياء بل النصوص على شمول التقية ومواطن الخوف والإكراه للأنبياء موجودة فعلا. فالقول تحكم باطل ودعوى بلا ثبوت.

    وهنا نريد أن نبحث طبيعة الأحكام أولا:

    لنأتي إلى أحكام الإسلام ونترك الرسالات السابقة مؤقتا ، فهذه أحكام الإسلام أمامنا وهي قد صدرت بالتدريج من زمن نزول الرسالة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم . فهل هي على نسق واحد ؟ الجواب: كلا، فكل من يعرف أحكام الإسلام وتأريخه يحكم بها ويعرف أن أحكام الإسلام متفاوتة كثيرا وغالب التفاوت هو من السهولة إلى الشدة .

    وهنا يتولد لدينا سؤال مهم وخطير، فهل الأحكام السهلة قبل نزول الأحكام الشديدة هي كذب على الله أو أنها ليست من الله؟
    الجواب : بل العكس كلها أحكام إلهية.

    وهنا يتولد سؤال آخر بعد أن نعرف بأن هناك أحكاما قرآنية كانت في زمن العسرة والشدة على رسول الله وعلى المسلمين وقد تغيرت إلى عكسها في زمن القوة. فالسؤال هو: هل كانت تلك الأحكام أحكام تقية من الله لأجل حفظ رسوله وحفظ المسلمين؟
    الجواب: لا يمكن إلا أن نقول ذلك ، فهي أحكام تقية منشأة من الله ونزل بها الروح الأمين.

    طبعا سيتوقف البعض عند هذا، ليقول لا يمكن ذلك. وهذا يستحيل على الله . وكأن التشريع يعود نفعه أو ضره على الله . بينما واقع الحال أن التشريع مأخوذ فيه مصلحة المكلف به والله غني عن العالمين. وعلى كل فقد توقف بعض إخواني أمام هذه الحقيقة وسأوضحها باختصار وأرجو أن يكون القارئ يستوعب ما أقول ( ولا أستطيع الترسل في القول لخطورة بعض الأفكار وإمكانية تطوريها ضد نفسها).

    نحن نعرف بلا شك بأن عهد ما قبل الهجرة وبداية الهجرة كان عهد ظلم وجور وطغيان من أهل الشرك والكفر على المسلمين وعلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وكانت الأحكام مخففة سواء للمسلمين أو ما كان يتعلق بالكفار وهذا من بدهيات مسيرة الإسلام وأحكامه. وإن قسما كبيرا من الأحكام قد تغيرت فيما بعد وقد اشتبه المفسرون وتمادوا في وصفها بالأحكام المنسوخة تقولاً وتبرعاً بلا دليل شرعي. وهي أحكام خاصة بفترتها وليست منسوخة كما يدعون. ( ولا يعني هذا نفي النسخ وإنما نحن نتكلم عن موارد مخصوصة ونريد نسخا منصوصا من الناسخ وليس اجتهادا لمجرد التعارض)

    ففي الفترة المسماة بالفترة السرية وكذلك فترة ما قبل نزول حكم الجهاد ، لم يكن هناك حكم بالجهاد أبدا وكان البيان الإسلامي ( لكم دينكم ولي دين) ولكن بعد الانتصارات الإسلامية تحول الأمر ليس إلى الجهاد فقط بل إلى طرد المشركين من جزيرة العرب أو تخييرهم بين الإسلام والقتل والطرد وكانت سورة براءة هي دعوة لمحو كل معالم الجاهلية والشرك في جزيرة العرب .

    فماذا نسمي هذه الصورة؟

    هل كان حكم السماح في التدين بالشرك (لكم دينكم) هو حكم غير إلهي وهو حكم شيطاني أم كان حكما إلهيا منصوصا في القرآن.
    بالطبع هو حكم إلهي صادر عن الله وهكذا الكثير من الأحكام التي تغيرت على مدى عشرين سنة وأكثر فهي أحكام من الله وهي أحكام تقية ومداراة للكافرين حتى تقوى شوكة الإيمان.

    إن من لم يستوعب كون الأحكام تقية وأنها صادرة من الله لحفظ نفوس أهل دعوته لا يستطيع أن يجيب الكفار على إشكالهم حول براغماتية الرسالة الإسلامية وتلونها المصلحي من التمسكن إلى الغلبة والقهر للآخرين . وهذا إشكال يعتبر مهما في الوقت الحالي بتطور بعض المفاهيم.
    فعلى الرغم من بناء السياسة الحالية على البراغماتية وبناء فكر -من يشكل هذا الإشكال- على البراغماتية وهو يعتبرها دليل قوة وقدرة على السيطرة والوصول إلى الهدف . ولكنه يعيبها على الناس ويصفها كسلوك شاذ يعتمد قيما لا أخلاقية. وهي كذلك عندنا وفي شرع الإسلام ولكنها ليست مطلقة . فالمصالح والمفاسد هي أساس التشريعات ولكنها ليست مصالح الفرد الفاسد التسلقي الذي يريد الوصول على أكتاف الناس وبناء مجده الخاص بتحقيق مصالحه الشخصية.

    وما نتحدث فيه خارج عن المصلحية السياسية بل هو الضرورة للوجود وحفظ نفوس المؤمنين من الإبادة الجماعية. وهذه التقية ليس أساسها الإنسان بل أساسها الله نفسه وتشريعاته التي مكنت المجتمع المسلم من النمو والتكيف مع الواقع . ولهذا فإن التقية هي دين الله وهي كما وصفها الإمام (ديني ودين آبائي) أي هي دين الإسلام ودين محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين. وهي مبدأ إلهي معمول به في التشريع قبل مسألة الإعلان عنه. فالكلام يعبر عن جوهر الحقيقة الدينية وجوهر التشريع الإسلامي.

    وفي سبيل عدم تشتيت الموضوع سأضع ملحقا عن قضية واحدة وهي منسوخات آية السيف مع تعليقات قصيرة . وذلك لبيان أن هناك مشكلة في عدم فهم طبيعة التعارض بين بعض الأحكام القرآنية وادعاء نسخها بآية السيف إلى درجة الاسفاف الخطير في تناول النص القرآني. والأحكام ستكشف بنفسها عن نفسها بأنها أحكام ووصف لحالة المسلم حين القهر وجبروت الكفر. واعتقد أن هذا الملحق كاف لجواب كل من يشكك في المصدر الإلهي لأحكام التقية سواء نسخت في الواقع أو لم تنسخ .

    وقد يتصور أحد بأن التدرج في الأحكام إنما هي لأجل نمو المفاهيم بحسب طبيعة التعليم للبشر. فأقول أن هذا صحيح ولكنه لا يلغي كون التخفيف هو مدارة وتقية وحتى المداراة للأتباع فهو نوع من التقية بل المداراة داخلة فيها كما قلنا بشمول التقية لها سابقا. ومع ذلك فإن ما أقوله يتعلق بصفة أساسية في مسائل القوة ومنطق المقابلة مع الأعداء ، وأما الأمور التي لا أريد التعرض لها مثل كون أغلب الواجبات العبادية حدثت بعد الهجرة فهذا خارج عن موضوع الاستدلال رغم دلالته الواضحة على المداراة في تدرج التكليف.

    فالمهم هو موضوع مقابلة الأعداء الذي كان بمنطق التمسك بالإيمان مع السكوت عن وجود الكفار وشركهم (وهذا هو سلوك التقية) ثم تحول الموقف إلى الحرب مع الكافرين و الانتصار عليهم والأمر بطردهم من جزيرة العرب. فهذه أحكام ليست بشرية وإنما هي أحكام إلهية.

    فأحكام التقية التي بدأ بها الإسلام هي أحكام إلهية قرآنية وسواء قيل بنسخها تحكما أو قيل بعدم نسخها تبقى هي أحكام إلهية تتناسب مع الموقف والحال الذي بدأ به الإسلام. فالمنسوخ ليس حكما شيطانيا وليس كذبا بل هو حكم إلهي.

    والسؤال الثاني عن شمول الرخصة للمعصوم

    يجب أن نمعن النظر إلى ما قاله في سير أعلام النبلاء - الذهبي ج 11 ص 252 : عن الشيخ أحمد شاكر رحمه الله:
    (فهؤلاء يجوز لهم أن يأخذوا بالرخصة . أما أولو العزم من الائمة الهداة ، فإنهم يأخذون بالعزيمة ، ويحتملون الاذى ، ويثبتون ، وفي سبيل الله ما يلقون . ولو أنهم أخذوا بالتقية ، واستساغوا الرخصة ، لضل الناس من ورائهم ، يقتدون بهم ، ولا يعلمون أن هذه تقية)

    إن دعوى عدم شمول الأنبياء بالرخصة من عجائب الدعاوى التي لا تستند على دليل علمي. رغم أن الأغلب الأعم هو أخذ الأنبياء بتكليفهم الخاص المعلوم الخطورة والكلفة العالية وهو ما يسميه العزائم. والتقية في موردها عزيمة وكما قال الإمام عليه السلام (واستعمال التقية في دار التقية واجب).

    فكيف قرأ الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تأريخ الأنبياء وفعلهم ؟

    هل فهم من سلوك النبي إبراهيم عليه السلام انه كان يتجاهر بدعوته حين كذب على المشركين في الاحتفال بالعيد؟ وهل كان ذلك أول عيد يكون بينهم وإبراهيم فيهم؟

    هل فهم أن النبي يوسف كان يتعبد بالعبادة الحقة ظاهرا بين الفراعنة ولم يتق؟.

    كيف فهم تأريخ الإسلام وما أنزله الله قبل الهجرة من أحكام ومفاهيم ؟

    وكيف فهم الشيخ رحمه الله الفقه الإسلامي ؟
    فهل هناك استثناء في الاضطرار والإكراه للرسول ؟
    فلو تعرض الرسول لحالة إكراه وعمل بما يقتضيه الحكم في تلك الحالة فيقال له ليس لك الحق لأنه لا يجوز لك الأخذ بالرخصة ؟
    لا اعرف من أين استقي هذا الحكم الاستحساني ؟

    أن طبيعة أحكام الإكراه والتقية تأبى هذه التبرعات والتوزيع اللدني للأحكام فهي إذا صدرت من الرسول تعتبر تشريعا وليس العكس بأن تحرم على الرسول وأن يعتبر صدورها منه خطأ منه.

    ولا أعتقد أن كلام الشيخ احمد شاكر يحتاج إلى مزيد مناقشة , لأن مجرد السؤال عن مصدر هذا الحكم ، والالتفات إلى كونه مبني على إشكال وهمي .. يكفي لبيان رده والتوقف فيه.

    و التقية صدرت من المشرع ومن المطبق للتشريع كما بينا بأن نفس التشريع الإسلامي كان مبنيا على مراحل فيها الكثير من المدارات والتقية ، بطريقة التدرج في الأحكام وإخفاء الأحكام التي ينبغي أن تكون في حال ذات الشوكة بل هناك أحكام ألغيت وكانت تناسب حال القهر والحرمان التي عاشها المسلمون وبدّلت بغيرها مما يناسب حال القوة والغلبة للإسلام .

    ولا يعني هذا التبدل إلغاء تلك الأحكام التي ناسبت الإسلام الغريب . فإذا عاد الإسلام غريبا عادت الأحكام نفسها التي هي أحكام التقية ، بمعنى أن هذه أحكام وفق موضوعها الظرفي فهي في حال العسر حكمها كذا وفي حال الرخاء حكمها كذا وليس بينها تعارض وتناقض كما يصوره البعض فلجأ إلى اعتباره منسوخاً بلا نقل عن المشرع.

    هذه الحقيقة قد أدركها بشكل مشوش بعض المفكرين في القرن الأخير وبنوا عليها أفكارا حزبية وقد وجدت في أدبيات بعض الأحزاب الإسلامية بأن حال المسلم في القرن الأخير بعد زوال الحكم باسم الإسلام هو نفس حال العهد المكي وحال الدعوة السرية ولذلك فإن أعمال الحزب مبنية على السلوك الإسلامي حين بداية الدعوة من السرية والتقية في الطرح.

    وهذا الكلام صحيح بحد ذاته ولكنه لا ينطبق وأساسيات المنطق الخاص لصاحب الحزب نفسه فلو أخذنا مثلا حزب التحرير فهو يرى في أدبياته بأن العصر الآن يناسب العهد المكي ولكنه لم يعالج مشكلة أن أحكام العهد المكي هي أحكام منسوخة في الفكر السني وأنها مبنية على التقية والتقية باطلة عندهم ؛ فهذه معضلة فكرية تم تغافلها والقفز عليها مع الاستمرار بالتلويح في أدبيات الحزب بالرد على فكر التقية وشتمه بشكل مستمر ، وهذا خلاف الدعوى أساسا .

    ففي حوار مع حزب التحرير في شبكة هجر الثقافية قال الأخ Rami Abdallah الناطق باسم حزب التحرير في حوار في المعاصرة ما هذا نصه -.
    ( لكون المسلمين اليوم يعيشون في دار كفر ، لأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله فإن دارهم تشبه مكة حين بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لذلك يجب أن يتخذ الدور المكي في حمل الدعوة هو موضع التأسي .
    ومن تتبع سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مكة حتى أقام الدولة في المدينة تبين انه مرّ في مراحل بارزة المعالم ، كان يقوم فيها بأعمال معينة بارزة . فأخذ الحزب من ذلك طريقته في السير ، ومراحل سيره ، والأعمال التي يجب أن يقوم بها في هذه المراحل تأسياً بالأعمال التي قام بها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مراحل سيره ) انتهى .

    وهذا كلام واضح باعتماد الدور السري ودور التقية في العمل والتبليغ في بداية عمل الحزب بل إلى الآن ، وهذا يحتاج إلى تأسيس فكري يمنع التعارض ، فينبغي تحديد الموقف من التقية ... ودراسة مسألة : هل نُسخت الأحكام المكية أم لا بحيث يجوز اعتمادها كمنطلقات تشريع ؟ وفي حال دعوى النسخ لا يجوز اعتمادها.

    وما هو سعة طيف الأحكام التي يجب أخذها ونسيان نسخها ؟ .

    فمثلا في العهد المكي لا يوجد عبادات إلا الصلاة والأمر بالمعروف فهل يجوز الآن لمن يريد أن يعتمد تشريع العهد المكي أن يلغي بقية العبادات مثل الحج والصوم والجهاد والزكاة وغيرها ؟

    أنا اعرف الجواب مسبقا ، وعلى كل حال فإن فكرة الحزب مبنية أساسا على الأحكام السياسية والسلطانية وهي غير ناظرة لكل حكم مكي ؛ ولهذا فإن مثل سؤالي السابق وإن كان محرجا فكريا ولكنه غير منظور في كلام حزب التحرير ولهذا فحين يتناول الحزب مسألة شرعية لا يبني على العهد المكي بل يبني على الفقه الإسلامي وهو ما استقر من العهد المدني كما لا يخفى. فالقضية في غاية التشويش.

    والكلام هو عن حال الجهاد و إعلان الدولة الإسلامية بحسب منظور الحزب وهذا ما يقصدون به الدور المكي وهو محط نظرنا في هذا الموضوع ، ولكن يبقى طيف الأحكام يحتاج إلى تحقيق منهم وهذا يحتاج إلى نظر صحيح في موضوع التقية. فالتقية إما منسوخة أو غير منسوخة بحسب فهمهم لمسيرة التشريع الإسلامي وعلى هذا تتحدد بشكل واضح معالم الطريق .

    إن هذا النموذج من المفاهيم التي سلّمت بحقيقة أن حكم الإسلام مختلف حسب ظرف المكلف يجب أن يبنى على حقيقة أساسية وهي أن هذه الأحكام هي أحكام إلهية حقيقة مشروطة بحالها . فتُحل كل القضية... ويتبين بأن التقية هي حكم إلهي وهي دين الله ودين رسول الله منذ أول الدعوة وليس هناك ما ينفيها أو ينسخها .

    وسأعلق باختصار على النسخ في الملحق الذي يبين منسوخات آية السيف وأمثالها لبيان حال دعوى النسخ .

    وخلاصة القول : توهم أن تقية المعصوم هي حكم مخالف لحكم الله غير صحيح ، و إنما هي حكم يناسب الموضوع ، وسيكون الكلام صحيحا إذا كان فيه تقوّل على الله أو كذب في التبليغ حاشاهم ، وهذا لم يقل به أحد من المسلمين. وما يدعيه الشيعة إنما هي أحكام إلهية منوطة بحالها وظرفها.

    فغاية ما في الأمر أن المعصوم إذا فعل ما توجبه الظروف من تقية فهي تشريع في ذلك الظرف فلا يأتي إشكال من أشكل بأن هذا يلزم منه عدم معرفة حكم الله. وذلك لأن فعل المعصوم في تلك الحالة هو حكم الله لتلك الحالة وادعاء الاختلاط في الأحكام والجهل بها ، هي دعوى من يجهل التفريق ويجهل التتبع الصادق لفعل المعصوم ، والحكم بناء على الجهل لا قيمة له من ناحية علمية .

    ولهذا فإن ما أشكله الشيخ شاكر والسرخسي مبني على خطأ في تناول حكم التقية فإنهما يبنيان كلامهما على أن التقية هي خلاف حكم الله بينما يجب أن يلتفتا إلى أن المعصوم حين يفعل شيئا فهو بيان لحكم الله في ذلك الحال. وهذا مبدأ تفريق أساسي.

    فيكون من الخطأ الفادح ما صرح به الشيخ أحمد شاكر كما روى الذهبي : ( ولو أنهم أخذوا بالتقية ، واستساغوا الرخصة ، لضل الناس من ورائهم ، يقتدون بهم ، ولا يعلمون أن هذه تقية )

    وكذا ما قاله في السرخسي في المبسوط : ( ولكن تجويز ذلك محال لانه يؤدى إلى أن لا يقطع القول بما هو شريعة لاحتمال أن يكون قال ذلك أو فعله تقية والقول بهذا محال ).

    فهذا الكلام لا يصح لأن فعل المعصوم نفسه شريعة فلا معنى لأن يقال لمعصوم بأن فعلك هذا خلاف الشريعة ، وقد أختلط علينا أمر الشريعة وأصبحنا لا ندري ما هي الشريعة !!

    فهذا تسطيح فكري ومغالطة واضحة مبنية على عدم معرفة مصادر التشريع وعدم الالتفات إلى معنى الأحكام الشرعية وكيفية بنائها وتعلق الأحكام بالمواضيع حسب ظرفها، ولو عرف هذا لما أشكل هذه الإشكالات .

    وأكرر القول بأن هذه الإشكالات صحيحة فيما إذا كانت التقية تعني الخروج على طاعة الله والكذب عليه ، وهذا عمل مستحيل على المعصوم وهو يسقط نبوة النبي وعصمة المعصوم ، ولكنه كما ترى لا وجود لمثل هذا الاتجاه أبدا .

    وفهمه لمقولة الرافضة ولعنه لهم كله وهم في وهم ولا أصل له ؛ لأن الشيعة بكل طوائفهم يؤمنون بالعصمة المطلقة للأنبياء والمعصومين فلا يصح نسبة تجويز فعل المعصية لهم ، والتقية على فرض التقول على الله إنما هي معصية بلا شك ، بينما التقية هي إما أن تكون حكما منزلا من الله أو رخصة وكلاهما ليس بمعصية وكلاهما تشريع .

    وقد أشرت إلى أن الرخصة جزء من التشريع وهي لم تخصص بالرسول ؛ فالرخصة لكل مكلف رسولا كان أو غيره ، ولا يخرج أحد من الرخص إلا بدليل خاص ؛ فدعوى عدم جواز أخذ المعصوم بالرخصة دعوى عريضة دون إثباتها خرط القتاد .

    على أننا بينا أن ليس فيما يفعل المعصوم إشكال فهو الحجة على الناس ولا حجة للناس عليه ، ولذلك فهو مصدر التشريع في الأديان ، ومن أراد أن يحدد مصدريته للتشريع فعليه أن يغادر الدين الذي يدعيه ، وهذه الإشكالات مبنية على قلب فكرة مصدر التشريع بمعنى أن المشرع ليس بمشرع ألا بما نحدده نحن له !! وهذا كما ترى من البعد .

    فالتقية دين الله وشرعه ولو أن المعصوم لم يتق حال التقية فيكون قد كتم بيان الشرع ، وهذا مستحيل أن يكتم البيان ، وهذا عكس من يفكر بأن التقية هي كتمان شرع الله بل شرع الله بالتقية حين موجباتها. وتركها كتمان لما شرع الله.

    وإليكم هذه الرواية التي لا تحتاج إلى سند لأنها صحيحة في معناها بكل المقاييس :

    ( قال أبو عبدالله عليه السلام : التقية من دين الله .
    قلت : من دين الله ؟!
    قال : إي والله من دين الله ، ولقد قال يوسف : ( أيَّتُها العِيرُ إنَّكُم لَسارِقُونَ ) والله ما كانوا سرقوا شيئاً ، ولقد قال إبراهيم عليه السلام : ( إنّي سَقِيمٌ ) والله ما كان سقيماً ) .

    ومن الواضح جدا أن الاستشهاد بتقية يوسف وإبراهيم هو إنما كان استشهادا بنص إلهي حول تصرف نبيين من أعاظم الأنبياء عليهما السلام. وهذا هو دين الله وهو نص من الله بهذا الوضوح.

    ----------------------

    الأمر الثاني : واقع حال الأنبياء :

    إن الدعوى باستحالة أن يتقي المعصوم مبنية على الغفلة على واقع حال الأنبياء . ولو أن الأنبياء لم يستعملوا التقية لقيل يمكن أن يكون لهذا القول وجه ، ولكن واقع الحال خلاف ذلك فلا تصح الاستحالة المذكورة. والوقوع أدل دليل على الإمكان فأين الاستحالة؟

    ولا أعتقد أن باحثا ذكيا يخفى عليه أن الأنبياء عملوا بالتقية بنصوص واضحة ، أو يخفى عليه أن الأنبياء حصل لهم خوف من الأعداء وكان ذلك سببا لتقيتهم .

    فأما حصول التقية من الأنبياء فقد بيّنت في التعقيب السابق حول العلاقة بين التقية والكذب وما أثبته القرآن الكريم من تقية إبراهيم عليه السلام ويوسف عليه السلام وقولهما خلاف الواقع وقد بيّن في كتاب التقية لمركز الرسالة تقية أهل الكهف ومؤمن فرعون بناء على أنهم من أولياء الله .. أرجو أن لا يكون قد فات الأخوة ذلك .

    وكذلك ما صدر من نبينا حسب روايات المؤرخين من قول الرسول : ( نحن من ماء )كما أوردت الرواية سابقا.
    وما ورد ذكره في كتاب التقية مما صدر من الرسول من تقية ممن ساء لسانه في زمن عز ودولة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال قال عنه: (شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه) .

    وقد أخرج البخاري من طريق قتيبة بن سعيد ، عن عروة بن الزبير ، أن عائشة أخبرته أن رجلاً استأذن في الدخول إلى منزل النبي فقال صلى الله عليه وآله وسلم :
    « إئذنوا له فبئس ابن العشيرة ، أو بئس أخو العشيرة ، فلما دخل ألان له الكلام ، فقلت له : يا رسول الله ! قلت ما قلت ثم ألِنتَ له في القول ؟ فقال : أي عائشة ، إنّ شرَّ الناس منزلة عند الله من تركه أو وَدَعَهُ الناس اتقاء فحشه »
    فراجعه في المصادر التالية :
    صحيح البخاري 8 : 38 كتاب الاكراه ، باب المداراة مع الناس .
    وسنن أبي داود 4 : 251 | 4791 و4792 و4793 .
    وسنن الترمذي 4 : 359 | 1996 باب 59 وقال (هذا حديث حسن صحيح) .
    ومسند أحمد 7 : 59 | 23856 ، والطبعة الاُولى 6 : 38 .
    واُنظر : اُصول الكافي 2 : 245 | 1 كتاب الايمان والكفر ، باب من يتقى شرّه .

    وهذا منقول من كتاب (( التقية في الفكر الإسلامي )) .

    وقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن النبي يحسب حسابا حتى للمسلمين ويتقيهم لأنهم حديثوا عهد بالإسلام .

    أخرج البخاري في صحيحه بسنده ، عن الأسود بن يزيد ، عن عائشة ، قالت :
    ( سألت النبي صلى الله عليه وسلم ، عن الجَدْرِ أ مِن البيت هو ؟
    قال : نعم .
    فقلت : فما لهم لم يدخلوه في البيت ؟
    قال : إنّ قومك قصرت بهم النفقة .
    قلت : فما شأن بابه مرتفعاً ؟
    قال : فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ، ولولا أنّ قومك حديث عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أُدخِلَ الجَدْرَ في البيت وأن الصق بابه في الاَرض ) صحيح البخاري 2 : 190| 1584 كتاب الحج ، باب فضل مكة وبنيانها ، ط1 ، دار الفكر. النص والهامش منقول من كتاب التقية في الفكر الإسلامي.

    فالرسول يخاف من قومه أن يظهر الحق فيما يتعلق بالكعبة المشرفة, وأمثال هذا كثير جدا.

    ولكن لا بأس ببحث موضوع تريث الأنبياء في بعض الأحيان خوف قومهم من التبليغ للرسالة و قبل ذلك أحب أن أورد نصا من تفسير القرطبي يبين مدى التسليم لخوف الأنبياء حين يتعلق الموضوع بالدفاع عن أبي بكر بينما في المقابل يقال لا يجوز لهم الخوف والتقية فيما إذا كان الموضوع يتعلق بعنوان التقية باعتباره من الفكر الشيعي كما يصورون. فما أشد المفارقة؟

    المعروف أن الشيعة يردون من يقول بأن خلافة أبي بكر بالنص فإن من قال ذلك ادعى من جملة ما ادعى أن أية الغار فضيلة لأبي بكر نصا في القرآن مما تؤهله للخلافة !!

    وقد أجاب الشيعة على ذلك بأن الآية لم تذكر أبي بكر بالنص وإنما قالت ( لصاحبه ) والذي فسره بأبي بكر هم المؤرخون والرواة فإذا كان هذا مقبولا في أبي بكر رضي الله عنه فلا بد أن يقبل بغيره. والفرق بأن من فسر نزول آيات الولاية وغيرها في علي وأهل البيت هو الرسول وعظماء الصحابة. فلمَ يُقبل النزول والفضيلة هنا ولا يقبل هناك؟ .

    والأمر الثاني بأن آية الغار فيها نهي لمصاحب رسول الله عن الخوف والحزن وينبغي أن هذا مخالف للاطمئنان بالإيمان وهذا نقص وليس فضلا حتى يكون بابا من أبواب الإشارة إلى الفضيلة ومن ثم إلى الخلافة. فلا حجة في هذه الآية بخلافة أبي بكر لمن يدعي أنها بالنص وأن هذه الآية تفيد ذلك.

    ولكن جرت العادة بتشويه المقالات فجعلوا من مثل هذه المناقشة والرد على القائلين (بالنص) على أبي بكر إساءة, بأن قلبوها إلى شتم لأبي بكر بخلاف واقع حال المناقشة ومسيرتها، وهذا ما نقله القرطبي عن ابن العربي وقد أجاب عنه بأن الحزن والخوف لم يكن منقصة لأنه كان من الأنبياء وكان مصدر تقيتهم , وقد أشار إلى أن آية التبليغ لم تكن نازلة ( سنأتي إلى تزوير النزول وادعاء أنه كان في زمن أبي طالب لتضييع قضية خطيرة بشكل متعمد وله ملحق خاص)

    فاقرأ وتمعن في هذا النص :

    الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي ، الجزء 8 ، سورة التوبة ، الآية : 40

    قال ابن العربي: قالت الإمامية قبحها الله : حزن أبي بكر في الغار دليل على جهله ونقصه وضعف قلبه وخرقه .
    وأجاب علماؤنا عن ذلك بأن إضافة الحزن إليه ليس بنقص ، كما لم ينقص إبراهيم حين قال عنه : " نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف " [هود: 70]. ولم ينقص موسى قوله : " فأوجس في نفسه خيفة موسى . قلنا لا تخف " [طه 67،68]. وفى لوط : " ولا تحزن إنا منجوك وأهلك " [العنكبوت: 33]. فهؤلاء العظماء صلوات الله عليهم قد وجدت عندهم التقية نصا ولم يكن ذلك طعنا عليهم ووصفا لهم بالنقص ، وكذلك في أبي بكر . ثم هي عند الصدّيق احتمال ، فإنه قال : لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا.

    جواب ثان - إن حزن الصديق إنما كان خوفا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يصل إليه ضرر ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت معصوما وإنما نزل عليه "والله يعصمك من الناس" [المائدة: 67] بالمدينة ) انتهى .

    فمن الواضح بأن الجواب هو استدلال بحزن وخوف الأنبياء الذي أوجد عندهم التقية وهو دليل على عدم منقصة خوف أبي بكر !! ونحن هنا لا نريد أكثر من إثبات التسليم بخوف الأنبياء .

    وأما كون خوف أبي بكر كخوف الأنبياء والظرف نفس الظرف فهنا ينبغي أن يخاف النبي أيضاً وهو معه لأن الظرف واحد مما يدل على أن الجواب متكلف جداً ولا علينا منه فالبحث ليس فيه ، على أن المشكلة ليس في نفس خوفه وإنما في اعتباره فضيلة دالة على خلافته ، مع أن شارح الطحاوية لم يذكر مثل هذا الدليل في أدلة النص على أبي بكر بل أورد أحاديث أخرى ؛ إلا أن هناك من أستدل بها وقد عثرت قديما على جواب عليها بهذا المعنى الذي ذكرته. والكلام مع من يستدل بمثل هذا الاستدلال لا مع من لا يؤمن به.

    ومن الغرائب أن هناك رواية يرويها البخاري بطريقين وأوردها السيوطي في زيادة الجامع الصغير بألفاظ متعددة وقد وأردها مسلم كذلك وباختلاف الروايات جميعها في الألفاظ بينما المضمون واحد, يدل على أن النبي يقول أنه لو تعرض للسجن كما تعرض يوسف لأجاب مطلب الظالمين وفجورهم . ولا أعرف كيف يفسر هذا الحديث من يدعي استحالة التقية على النبي والمعصوم؟. وسأختار أخصر ما وجدته من نصوص البخاري :

    صحيح البخاري : الجزء الرابع ، كتاب التعبير ، باب : رؤيا أهل السجون والفساد والشرك ، الحديث رقم ( 6591 ) :
    - حدثنا عبد الله : حدثنا جويرية، عن مالك، عن الزُهري: أن سعيد بن المسيب وأبا عبيد أخبراه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ، ثم أتاني الداعي لأجبته ).

    أقول لقد أستنكر كثيرا على هذه الرواية في كتاب التقية في الفكر الإسلامي لمركز الرسالة ولعلي لا أميل إلى الاستنكار بقدر تعجبي من تناقض القولين أي بين القول باستحالة التقية على النبي وبين هذا التصريح للاستجابة لدعوة داعي الفجور.
    وأما سبب عدم استنكاري فهو أن النبي لو فعل ذلك فيعني بأن هذا هو التكليف بحق الرسول ، فما المشكلة في ذلك ؟ ولهذا فلا وجه للنكير.
    ولكن الرواية لا يعتمد عليها بحسب التحقيق .

    بالإضافة إلى وجود روايات بأن النبي كان يخاف على نفسه ويجعل لنفسه الحرس حتى نزلت عليه أية التبليغ وهذه الروايات من الإضطراب والضعف بحيث لا يمكن الاستدلال بها حتى في سبيل الزام من يقول بأن الرسول يأخذ بالعزائم ولا يأخذ بالرخص فإن الحرس ليس من العزائم قطعاً بل هو من الخوف وروايات الحرس معارَضة وهي روايات سياسية هادفة لتضييع آية التبليغ وسيأتي بيانها .

    وهنا لا بأس ببسط القول كما قلنا في مسألة تريث الأنبياء في أداء بعض ما أرسلوا به , خوف الناس .
    ------------------------

    التريث والخوف بشكل عام :

    لقد ورد في كتاب الله بعض ما يدل على خوف الأنبياء من الناس ومكائدهم في التبليغ وغيره وتريثهم في الدعوة .

    )قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) (الشعراء:12)
    (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) (القصص:34) (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) (القصص:18) (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص:21) (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) (يوسف:13) (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) (الشعراء:14) (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) (القصص:33) (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) (يوسف:13) (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر:36)
    وهذه الآيات مهمة ، وأهمها تريث موسى في قبول الرسالة لتخوفه من فرعون وقومه ، وهذا يدل على مراجعة موسى لربه وإظهار الخوف مما سيقدم عليه ، ومثل هذا حدث لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موقف خطير سنفصّل فيه لما له من العلاقة والأهمية وذلك الموقف هو ما ورد في آية التبليغ .

    آية التبليغ هي آية من آيات سورة المادة التي هي آخر ما نزل من القرآن ولعلها هي كآية من أواخر ما نزل من القرآن ، وهذا نصها :

    ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة:67)
    وإشارة المراجعة والتريث في قوله تعالى: (وإن لم تفعل).
    إن من يقرأ التفاسير والروايات حول هذه الآية يجد عجائب وغرائب من التناقضات في أسباب النزول وفي التفسير وفي الحوادث المصاحبة تاريخيا وهي تحتاج إلى دراسة بمفردها اسأل الله أن يقيض من يقوم بجمع كل ما قيل فيها ويحققه ويبين عجائب التمحل ، ولأجل عدم التطويل سأجعل النصوص التي انتخبتها بملحق خاص وسأقوم ببعض التعليق عليها .

    ولكنني هنا سأوضح مجمل القضية وهي أن الله سبحانه وتعالى أمر الرسول بأمر عظيم في آخر أيامه فتريث الرسول من تبليغ الأمر ، وراجع ربه خوفا من قومه ، والمقصود بقومه هم صحابته بكل تأكيد ففي آخر أيام الرسول لم يكن هناك أعداء يعتد بهم يخافهم في تبليغ الرسالة.

    ولكن الله هدده بنفي التبليغ إن لم يبلّغ ، وهذه غاية في الخطورة ، وهذا المعنى يكشف عن أن النبي كان يخشى من قومه الرد والاعتراض وحصول البلبلة وتدمير كل منجزات الإسلام ، والذين يخاف منهم هم صحبه وخاصته بالتأكيد حيث لا قيمة لأعدائه الظاهريين فقد أخزاهم الله وأذلهم بعد فتح مكة وحنين وغيرها .

    هذا المعنى واضح جلي من الآية الشريفة ولكن لأن الأمر يتعلق بشيء خطير وهو الاستخلاف لمقام الرسالة وأنه بلغ أن يخلف عليا بعده. فقد جرى لهذه الآية من الحياكات والحكايات ما يشبه كلام العجائز وأكاذيب أهل الباطل .

    وقد أفردت ملحقا لهذا التعقيب بعنوان أية التبليغ واردفته بملحق لما أثير من أن هذا المعنى من خشية الرسول من قومه وتريثه يستلزم كتمان الرسول للرسالة وهذا باطل ، وقد بينت بأن الشيعة لا يقولون أبدا بأن الرسول كتم ما أمره الله أن يبلغه بل قد بلغ وشهد له الحاضر والبادي وإنما يقولون بأنه تريث خوفا من قومه وأمره الله بالإعلان ، فلا صحة لدعوى من يدّعي بأن الشيعة جوزوا الكتمان على الرسول على أن الكتمان غير الجائز هو كتمان رسالة الله المأمور إيصالها إلى المكلفين.
    وأما أسرار العلوم والمعارف الربانية فلا مشاحة في كتمانها عن العقول التي لا تحتملها وكذلك كتمان الحق أمام أهل الباطل والمجرمين فالذي لا يجوز كتمانه إنما هو العلم عند مستحقه ، وقد أتيت على ذلك بأمثلة .

    وقد وضعت ملحقا يبين قصة الغرانيق وإيراد المفسرين القدماء لها والتي تدل على أن النبي قال كلمة الكفر بين يدي الكفار وهي قصة ملفقة تماما. لا نؤمن بها جملة وتفصيلا ولكن قسما ممن يسب أهل البيت للتقية يرسل قصة الغرانيق إرسال المسلمات.

    وكذلك وضعت ملحقا آخر حول تقية جميع علماء السنة في كتبهم من حذف الآل حين الصلاة على محمد بالكيفية التي طلبها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا وإن لم يكن له علاقة بموضوع تقية المعصوم ولكن هناك نقطة حساسة وهي في قولهم أن الإجماع حجة ، ومعنى الحجة هو من قبيل معنى العصمة أي الحجية في القول ووجوب إتباعه .
    وقد أجمع علماء السنة على إزالة الآل من صلاتهم في كتبهم وقد نص ابن حجر على أنها تقية من بني أمية سرت إلى يومنا هذا مما يدل على أن إجماعهم مخروم بتقيتهم من أهل الباطل فالحق خلاف الإجماع هذا ، وهذا ما يدمر إجماعهم.

    فانخرامه بجزء هو خرم للكل إلا إذا دل دليل على التخصيص أو راجعوا أنفسهم فعدلوا عن هذا الباطل الذي استمروا به ما ينيف عن أربعة عشر قرنا وهم يعلمون أنه باطل. ولو اضطروا أن يذكروا الآل في العصور المتأخرة فيضيفون إليهم الصحب مع أن الصلاة أمر توقيفي لأنه صلب صلاة الله عليهم وهذا من الأمور التوقيفية على النص ولا يكتفى بالنصوص المفتعلة والضعيفة .

    والملحق جواب على من يدّعي بأن الشيعة يتقون من غير سبب وما شابه ذلك. بينما علماء السنة مجمعون على استعمال التقية حتى بعد زوال دولة بني أمية بثلاثة عشر قرن. فما نسمي هذه التقية التي لا تقبل الزوال مع زوال أسبابها؟، أخشى أن تكون القضية قد تركزت كعقيدة وهي في الحقيقة ليست تقية ، نسأل الله أن تكون تقية وخوفا من بني أمية لازال مسيطرا على القلوب (أحب أن اغش نفسي بذلك) .
    وأما دعواهم بأن الشيعة يتقون من دون سبب فهذا عين الجهل بأحكام التقية لأن الشيعة يعتقدون أن التقية والمداراة بلا سبب وجيه معصية. وقد بينّت ذلك قبلا وتم شرحها في كتاب التقية لمركز الرسالة.

    وكلمة أخيرة أقولها بصراحة بأن من يحاول أن يدّعي أن التقية تخالف الثبات في الدين الذي ينبغي من القدوة كالأنبياء والأئمة، فهو لا يدري أنهما يجتمعان وبأجمل صورة. ولو كان الثبات لا يجتمع مع التقية لكان أنبياء الله الذين خافوا واتقوا الناس يوصفون بتزلزل الإيمان وعدم الثبات.

    أخوكم

    علي الصدر

  14. #94

    شبهة تقية المعصوم- ملحق1- منسوخات آية السيف

    هذا هو الملحق الأول لشبهة تقية المعصوم. منسوخات آية السيف وآية القتال

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الأخوة الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    ألأخ الكريم الأستاذ حسن بن فرحان المالكي حفظه الله.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    من أجل بيان أن هناك آيات منزلة من الله تمثل أحكاما صادرة من الله تقية ، وقد كانت في زمن الضنك والشدة على المسلمين وحين فرّج الله بنصره المبين جاءت أحكام أخرى، وهذه الآيات وجدها الكثير من المسلمين خصوصا المفسرون تتعارض مع أحكام صدرت متأخرة فتبرع بعضهم وعدها منسوخة . وقد رغبت أن آتي بعيّنة لمنسوخات آية أو آيات السيف والقتال وذلك لبيان مطلبين في آن واحد وهما: أولا وجود تدرج واضح في أحكام التعامل مع الكافرين وغيرهم مما يعدون أعداء ، والثاني هو مدى الإسفاف في تحديد هذه الظاهرة وادعاء نسخها بآية السيف بحيث أصبحت من مهازل الفكر حيث تنسخ بعض صفات الله أو خصائصه كقوله تعالى: قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك . وقوله تعالى : فالحكم لله العلي الكبير. وغيرها من عجائب دعوى النسخ بما ظاهره التسامح وترك الأمر لله الذي يحكم بين عباده وما شابه ذلك. وهذا ما أعده جزءً من الغلو المنهي عنه شرعا وهو التبرع بنسخ آيات محكمة أو معاني لا شك أنها مطلوبة شرعا بهذا الشكل. متحديا أن يثبت لي احد بأن هذا ليس غلوا شرعيا وليس تشريعا مقابل الله. ( وأؤكد بأنني لا انتقد المفسر الناقل و إنما أتهم من قال بالنسخ من دون علم ومن دون دليل من الله ورسوله)

    أن من يقوم بجرد لمنسوخات آية السيف يجد دعاوى عجيبة حيث نسخ الصفح والإحسان والتلطف من قلوب المؤمنين، وهذا فهم معوج للدين فآية السيف لم تنسخ هذه الأمور. وإنما حددت حكما شرعيا جديدا لحالة جديدة وهي حالة الغلبة والقوة و قد حُددت أية السيف بالحديث الشريف والأحكام الإسلامية لمشركي جزيرة العرب و إلا فأحكام المشركين الآخرين لم يكن لها نفس الوضع ونفس الحكم حيث سمح لهم بالبقاء في ديارهم من ديار الإسلام مع دفع الجزية بخلاف الوضع في جزيرة العرب. وهذا ليس مبحثنا هنا ولكن البحث هو في عدم فهم اختلاف حال التقية عن حال القوة وتبعا لذلك اختلاف الأحكام والصور.

    والسبب من الإتيان بمنسوخات آية السيف وآية القتال هو التركيز على فكرة أن هناك أحكاما إسلامية قرآنية توصف بالمداراة واللين مع الكافرين وهي تتعارض مع ما استقر من الفقه الإسلامي إجمالا أو تتعارض مع آيات أخرى متأخرة عنها بحسب المفهوم الظاهري. وقد تبرع المفسرون باعتبارها أحكاما منسوخة من دون أن يوعزوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. مما يكشف عن فهمهم الخاص لهذه الحالة وعدم استيعابهم لكون هذه الأحكام هي أحكام إلهية صدرت من الله في وقتها ليتقي المؤمنون شر الكافرين وجبروتهم. وهي أحكام لا يمكن أن تكون منسوخة بل هي أحكام التقية وحالها فبعض ما يواجه المسلم من ظروف تشابه تلك الظروف التي واجهها رسول الله في بداية الدعوة فإن أحكامها تنطبق عليه. وهذا البحث يحتاج إلى تمحيص شديد ودقة نظر ليست متاحة لغير المتخصصين. والحقيقة أن بعض المتخصصين ممن طرحت عليهم الفكرة ترددوا في قبلوها أول الأمر حتى قاموا بتحقيقها بأنفسهم و وجدوا الأمر واضحا وضوح الشمس فتحول توقفهم في الموضوع إلى تفهم له وحسن تأتي.

    مقدمة صغيرة:
    يطبّق المفسرون آية السيف وهم في الغالب يريدون الآية 5 من سورة التوبة التي تنص (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) ولكنها أيضا موجودة في سورة النساء . ويلحق بها آيات القتال وأيضا تسمى بعض الأحيان بآية السيف وهي أيضا في سورة التوبة والتي ورد في نصها ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) وكذلك الآية التي في نصها ( قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) وآيات أخرى فهذه المعاني هي ما يسمى بآية السيف أو آية القتال وليس الموضوع للتحقيق في آيات القتال وتخصيصها وهل هي مخصصة لناس معينين أم هي عامة مع كل البشرية. ولكن لا بد من الإشارة إلى أن هذه الآيات مخصصة بكفار جزيرة العرب والدليل هو النصوص القرآنية في الجزية والسنة النبوية وأسباب نزول سورة براءة وسيرة المسلمين من عدم إجبار الكفار خارج جزيرة العرب وإنما أخذ الجزية منهم والتعاهد معهم ودخولهم في ذمة المسلمين. وهذا التخصيص يدل على عدم صحة الفهم لكون آيات القتال ناسخة لكل خير وتسامح ورقة وحب عند المسلمين أو في الشرع الإسلامي، مما يجعل الحيرة عند الباحث من رؤيته للإصرار على هذا النسخ المزعوم الذي هو مسخ لشريعة سمحة إنسانية محترمة للإنسان وحرية الإنسان وكرامته مهما كان. ولا اعتقد أن النصوص التي اقتطعتها تحتاج إلى تعليقات دقيقة لتنبيه الغافلين عن هذه الحقيقة، فهي واضحة بنفسها. فما يقول من يجد أن (قولوا للناس حسنا) منسوخة أو (لا إكراه في الدين منسوخة) أو ما هو أغرب من نسخ قوله (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) وهذا قمة الخروج عن المواثيق والمعاهدات المنصوص احترامها . أو نسخ قوله (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) فكأن من يدعي النسخ يقول بأن المسلم مكلف على إكراه الناس على الإيمان!!
    وقد نسخت آية السيف حسب دعواهم الصبر والصفح ونفي الإكراه والجنوح للسلم والتخيير في الدين وبعض ما يتعلق بالله مثل حريته في التصرف مع الكافرين. وهذه قائمة ببعض ما قيل أنه منسوخ بأية السيف :

    وقولوا للناس حسنا
    فاعفوا واصفحوا
    ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه
    لا إكراه في الدين
    فأعرض عنهم وتوكل على الله
    فاعف عنهم واصفح
    وإن جنحو للسلم فاجنح لها
    أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين
    فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا
    ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن
    ومن كفر فلا يحزنك كفره
    لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون
    فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها
    قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك
    فالحكم لله العلي الكبير
    فاصبر إن وعد الله
    ادفع بالتي هي أحسن
    لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير
    فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم
    فإما منا بعد وإما فداء
    فاصبر صبرا جميلا
    واهجرهم هجرا جميلا
    ذرني ومن خلقت وحيدا
    ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا
    إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا
    فمهل الكافرين أمهلهم رويدا أليس الله بأحكم الحاكمين
    لكم دينكم ولي دين


    ملاحظة مهمة : إن المقصود هو مناقشة دعوى من يدّعي النسخ وليس من يرد هذه الدعوى. و إلا فإن بعض المفسرين يردون بعض الأحيان دعواي النسخ ويقولون بعدم معقوليتها أو عدم تطابقها مع الإسلام والإيمان. فأرجو أن يفهم ذلك جيدا.

    آيات السيف والقتال والمشهور منها هي: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) من سورة (التوبة:5 ) . وهذه هي آيات السيف على العموم :

    )وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) (النساء:89)

    )فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة:5) وهذه هي الآية التي يطلقون عنها آية السيف إذا وردت بدون قرينة كما دل عليها الاستقراء.

    )قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29)

    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:123)
    وقد عد بعضهم هذه الآية من آيات السيف ولكنهم قالوا عنها بأنها منسوخة وهي قوله تعالى : (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين) ( الحجرات: 9) ، وسيأتي مصدر ذلك القول.
    ومنها هذه الآية : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) ( البقرة:193)
    هذا ما وقع في يدي من آيات أطلق عليها آيات السيف والله أعلم.

    جرد بمنسوخات آية السيف :

    لقد اخترت كتابا واحدا في الناسخ والمنسوخ لعدم التشتيت وذلك لأن النصوص كثيرة جدا في هذا الباب والكتاب هو : قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن لمرعي بن يوسف الكرمي ، تحقيق سامي عطا ، الطبعة الأولى 1400 هـ ، دار القرآن الكريم بالكويت ، ص 53 :


    البقرة
    قوله تعالى وقولوا للناس حسنا الآية 83
    منسوخة في حق المشركين بآية السيف فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم والآية وقال محمد بن علي بن الحسين بن الإمام علي رضي الله عنهم أجمعين وعطاء بن أبي رباح هي محكمة
    ومعنى حسنا قولوا أن محمدا رسول الله
    وقال عطاء قولوا لهم ما تحبون أن يقال لكم
    وفي ص 54 :
    قوله تعالى فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره 109
    أصل العفو الترك والمحو والصفح الإعراض والتجاوز نسخ بقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون إلى قوله وهم صاغرون وأمر الله القتل والسبي لبني قريظة والجلاء والنفي لبني النضير قال المحققون إن مثل هذا لا يسمى منسوخا لأن الله جعل العفو والصفح مؤقتا بغاية وهو إتيان أمره بالقتال
    ولو كان غير مؤقت بغاية لجاز أن يكون منسوخا
    وفي ص 66 :
    قوله تعالى ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين 191
    منسوخة بقوله تعالى فان انتهوا فان الله غفور رحيم
    وهذا من الأخبار التي معناها الأمر تأويلها فاغفر لهم وأعف عنهم وهذا المحذوف هو جواب الشرط والمذكور دليل الجواب ثم نسخ ذلك بآية السيف
    وفي ص 67 :
    قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه 217
    منسوخة بآية السيف فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم في كل زمان ومكان
    وفي ص 75 :
    قوله تعالى لا إكراه في الدين 256
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 79 :

    سورة آل عمران
    وهي مدنية وآياتها مائتا آية وكلماتها ثلاث آلاف وخمسمائة وعشر وحروفها أربعة عشر ألفا وأربعة وثلاثون
    وفيها من المنسوخ ثلاث آيات
    قوله تعالى وإن تولوا فإنما عليك البلاغ 20
    منسوخ بآية السيف
    وفي ص 93 :
    قوله تعالى ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا 80
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا 81
    منسوخ بآية السيف
    قوله تعالى إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق 90
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم 91
    منسوخة بآية السيف وهم أسد وغطفان وقيل بنو عبد الدار كانوا يقولون للمشركين نحن على دينكم وللمسلمين نحن على دينكم يريدون بذلك الأمن من الفريقين .
    وفي ص 97 :
    قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا ءامين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا
    منسوخة بآية السيف
    والشعائر مناسك الحج أو الهدايا المشعورة
    أو المراد ما حرم الله أو المراد النهي عن القتل في الحرم
    قوله تعالى فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين 13
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 100 :
    قوله تعالى ما على الرسول إلا البلاغ المبين 99
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 102 :
    فائدة
    قال بعض العلماء في سورة المائدة لم ينسخ منها شيء البتة بل جميعها محكم لأنها لم ينزل بعدها شيء ينسخ ما فيها من الأحكام يؤيده قول عائشة رضي الله عنها سورة المائدة آخر ما نزل فما وجدتم فيها حلالا فحللوه وما وجدتم فيها حراما فحرموه
    واحتج من قال بالنسخ بقول البراء بن عازب آخر سورة نزلت براءة وهذا لا يرد القول الأول لأن ما ذكر أنه منسوخ منها لم يدع نسخه بشيء من براءة إلا ما نسخ بآية السيف فتأمل.

    (أقول: هذا النص مهم عند المتخصصين لأن دعوى أن آية السيف آخر ما نزل من القرآن فتكون هي المتأخرة عن كل ما قيل بنسخه بهذه الآية وتكون مبررا لمسخ كل رحمة وتسامح في الدين الإسلامي عند هؤلاء. والحقيقة أن هناك سرا عقائديا وكلاميا في موضوع سورة المادة لذلك يدعي البعض تأخر براءة عليها لأن في سورة المادة وردت آيات خطيرة جعلوها نزلت في بداية البعثة وتناقضوا في صورتها لأنها تتعلق بموضوع خلافة الرسول وسوف افرد ملحقا خاصا لآية يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك وسنرى حكم الفضيحة في التناول. )

    وفي ص 104 :
    قوله تعالى قل لست عليكم بوكيل 66 أي بمسلط ألزمكم بالإسلام أو برقيب منسوخة بآية السيف
    وفي ص 105 :
    قوله تعالى وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا 70 وهم اليهود والنصارى منسوخة بآية السيف 2
    قوله تعالى قل لله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون 91 منسوخة بآية السيف 3
    وفي ص 106 :
    قوله تعالى فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما أنا عليكم بحفيظ 104 منسوخة بآية السيف 1
    قوله تعالى وأعرض عن المشركين 106 منسوخة بآية السيف 2
    قوله تعالى فذرهم وما يفترون منسوخة بآية السيف 4
    وفي ص 108 :
    قوله تعالى قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار 135 نسخت بآية السيف
    قوله تعالى إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء 159
    أي فرقا لست منهم في شيء أي من قتالهم منسوخ بآية السيف .
    وفي ص 110 :
    قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين 199
    هذه الآية من عجيب القرآن أولها وآخرها منسوخ ووسطها محكم
    وقوله خذ العفو أي الفضل من أموالهم تقدم أنه منسوخ بآية الزكاة وأمر بالعرف أي المعروف محكم
    وأعرض عن الجاهلين منسوخ بآية السيف
    وروى أن جبريل عليه السلام قال للنبي محمد صلى الله عليه وسلم جئتك من عند ربك بمكارم الأخلاق ثم قرأ عليه هذه الآية فقال ما معناها يا جبريل قال معناها صل من قطعك وأعط من حرمك وأعف عمن ظلمك
    وفي ص 113 :
    قوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين 38
    منسوخة بقوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي شرك
    قوله تعالى وإن جنحو للسلم فاجنح لها 61
    منسوخة عند جماعة بآية السيف .
    وفي ص 115 :
    وزاد بعضهم وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير 73
    وقال هنا ينسخ بآية السيف
    وفي ص 122 - 123 :
    قوله تعالى فانتظروا إني معكم من المنتظرين 20
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون 41
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين 99
    منسوخة بآية السيف وقيل لا نسخ لأن الإيمان بالقلب والإكراه عليه غير ممكن
    قوله تعالى وما أنا عليكم بوكيل 108
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين 109
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 124 :
    قوله تعالى إنما أنت نذير 12
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 125 :
    قوله تعالى وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون 121
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى وانتظر إنا منتظرون 122
    منسوخة بآية السيف وإن أريد بها التهديد فلا نسخ
    وفي ص 126 :
    قوله تعالى فإنما عليك البلاغ 40
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 128 - 129 :
    سورة الحجر
    مكية وآياتها تسع وتسعون آية
    وفيها من المنسوخ أربع آيات
    قوله تعالى ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون 3
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى فاصفح الصفح الجميل 85
    أي أعف عن المشركين منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين 88
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى واعرض عن المشركين
    أي اكفف عن حربهم ولا تبال بهم منسوخة بآية السيف
    وفي ص 133 :
    قوله تعالى فإن تولوا فإنما عليك البلاغ 82
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين 125
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 135 :
    قوله تعالى وما أرسلناك عليهم وكيلا 54
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 137 :
    قوله تعالى وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون 39 قيل أنها منسوخة بآية السيف
    وفي ص 138 :
    قوله تعالى قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا 75 قيل بأنها منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا 84 أي بطلب عقوبتهم وتعجيل عذابهم زعم بعضهم انه منسوخ بآية السيف
    وفي ص 140 :
    قوله تعالى فاصبر على ما يقولون 130 أي من الشتم والتكذيب منسوخ بآية السيف
    قوله تعالى قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى 135 منسوخة بآية السيف
    وفي ص 147 :
    قوله تعالى الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون 69 منسوخة بآية السيف وقيل محكمة
    وفي ص 148 :
    مكية إلا أربع عشرة آية من قوله تعالى حتى إذا أخذنا إلى قوله تعالى مبلسون نزلت بالمدينة
    وآياتها مائة وثماني أو تسع عشرة آية
    وكلماتها ألف وثمانمائة
    وحروفها خمسة آلاف وست مائة وثمانون
    وفيها من المنسوخ آيتان
    قوله تعالى فذرهم في غمرتهم حتى حين 54 منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون 96 منسوخة بآية السيف
    وفي ص 159 :
    قوله تعالى وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما 63
    منسوخة بآية السيف هي محكمة إذ لا شك أن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة بالمثل مستحسن في الأدب والمروءة والشرع وأسلم للعرض
    وفي ص 162 :
    سورة النمل
    مكية
    وآياتها ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية
    وحروفها أربعة آلاف وسبعمائة وتسعة وتسعون وفيها من المنسوخ آية
    قوله تعالى وأن اتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين 92
    منسوخة بآية السيف
    ومنه ص 163 :
    سورة العنكبوت
    مكية إلا من آية 1 إلى 11 فمدنية
    وآياتها سبع أو تسع وستون آية
    وكلماتها تسعمائة وثمانون
    وحروفها أربعة آلاف ومائة وخمسون وفيها في المنسوخ آيتان
    قوله تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم 46
    منسوخة بقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله تعالى وهم صاغرون
    قوله تعالى قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين 50
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 164 :
    سورة الروم
    مكية
    وآياتها تسع وخمسون أو ستون آية
    وكلماتها ثمانمائة وتسع عشرة
    وحروفها ثلاثة آلاف وثلاثمائة وتسعة وخمسون
    ومنها من المنسوخ آية
    قوله تعالى فاصبر إن وعد الله حق 60
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 165 :
    قوله تعالى ومن كفر فلا يحزنك كفره 23
    منسوخة بآية السيف وقيل لا نسخ لأنه تسلية عن الحزن وهو لا ينافي الأمر بالقتال
    وفي ص 166 :
    قوله تعالى فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون 30
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 167 :
    قوله تعالى ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا 48
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 170 :
    سورة سبأ
    مكية وفيها آية مدنية وهي قوله تعالى ويرى الذين أوتوا العلم الآية
    وآياتها أربع أو خمس وخمسون آية
    وكلماتها ثمانمائة وثلاث وثلاثون
    وحروفها أربعة آلاف وثمانية وأربعون
    وفيها من المنسوخ آية واحدة
    قوله تعالى قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون 25
    منسوخة بآية السيف

    (التعليق : أقول هذه الآية تتعلق بالله وحريته فكيف تنسخها آية السيف؟ )
    وفي ص 171 :
    سورة فاطر
    مكية بالإجماع وتسمى سورة الملائكة
    وآياتها خمس أو ست وأربعون آية
    وكلماتها سبعمائة وسبع وسبعون
    وحروفها ثلاثة آلاف وخمسمائة وتسعون
    وفيها من المنسوخ آية واحدة
    قوله تعالى إن أنت إلا نذير 23
    منسوخ معناها بآية السيف
    إذ المعنى ليس عليك شيء سوى الإنذار
    وفي ص 172 :
    سورة ص صاد
    وتسمى سورة داود وهي مكية
    وآياتها خمس أو ست أو ثمان وثمانين آية
    وكلماتها سبعمائة ومئتان وثلاثون
    وحروفها ألفان وستمائة وخمسة وخمسون
    وفيها من المنسوخ على ما زعم بعضهم آيتان
    قوله تعالى إن يوحى إلي إلا إنما أنا نذير مبين
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى ولتعلمن نبأه بعد حين 88
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 175 :
    قوله تعالى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون 3
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 176 :
    قوله تعالى فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين 15
    منسوخة بآية السيف أو المراد التهديد
    قوله تعالى 38 قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون 39 من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم 40 أنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل 41
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك 46
    معناها منسوخ بآية السيف
    وفي ص 178 :
    قوله تعالى فالحكم لله العلي الكبير 12
    معناها في الدنيا منسوخ بآية السيف
    قوله تعالى فاصبر إن وعد الله حق 77
    قال مقاتل منسوخة بآية السيف
    وفي ص 179 :
    سورة فصلت
    وتسمى سورة المصابيح والسجدة
    وهي مكية كلها بالإجماع وآياتها اثنتان أو ثلاث أو أربع وخمسون آية
    وكلماتها تسعمائة وست وتسعون
    وحروفها ثلاثة آلاف ومائتان وأربعة وأربعون
    وفيها من المنسوخ آية واحدة
    قوله تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم 34
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 182 :
    قوله تعالى وما أنت عليهم بوكيل 6
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواء هم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير 15 إلى قوله ربنا وربكم محكمة وبقية الآية وهو قوله تعالى لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم فمنسوخ بآية السيف
    وفي ص 185 :
    سورة الزخرف
    مكية
    إلا آية وأسأل من أرسلنا نزلت بالسماء ليلة المعراج وقيل بالمدينة وهو الأصح
    وآياتها ثمان أو تسع وثمانون آية وكلماتها ثمانمائة واثنتان وثلاثون وحروفها ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستة
    وفيها من المنسوخ آيتان
    قوله تعالى فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون 83
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون 89
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 186 :
    سورة الدخان
    مكية بالإجماع وزعم بعضهم إلا قوله تعالى أنا كاشفوا العذاب
    وآياتها ست أو سبع أو تسع وخمسون آية
    وكلماتها ثلاثمائة وست وأربعون
    وحروفها ألف وسبعمائة وستة وسبعون
    وفيها من المنسوخ آية واحدة
    قوله تعالى فارتقب إنهم مرتقبون 59
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 187 :
    سورة الجاثية
    وتسمى الشريعة وهي مكية كلها أو إلا قوله تعالى قل للذين آمنوا يغفروا الآية
    وآياتها ست أو سبع وثلاثون آية
    وكلماتها أربعمائة وثمان وثمانين
    وحروفها ألف وستمائة وستة وتسعون
    وفيها من المنسوخ آية واحدة
    قوله تعالى قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون 14
    منسوخة بآية السيف لأنها تضمنت معنى الإعراض
    أو نسخت بقوله تعالى فإما تثقفنهم في الحرب
    أو بقوله تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا
    وفي ص 191 :
    قوله تعالى فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون 35
    منسوخة بآية السيف على ما فيه
    وفي ص 192 :
    سورة محمد
    وتسمى سورة القتال وهي مكية أو مدنية
    قال هبة الله وهي إلى تنزيل المدني أقرب
    قال بعضهم إلا آية
    وهي ثمان أو تسع وثلاثون آية
    وكلماتها خمسمائة وتسع وثلاثون
    وحروفها ألفان وأربعمائة وثمانية وثلاثون
    وفيها من المنسوخ آيتان
    قوله تعالى فإما منا بعد وإما فداء 4
    منسوخة بآية السيف أو بقوله تعالى فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم
    وفي ص 194 :
    سورة قاف ق
    مكية إلا آية مدنية وهي قوله تعالى ولقد خلقنا السموات والأرض
    وآياتها خمس وأربعون آية
    وكلماتها ثلاثمائة وخمس وسبعون وحروفها ألف وأربعمائة وسبعون
    وهي أول المفصل وقيل الحجرات وقيل محمد وقيل الضحى وفيها من المنسوخ آيتان
    قوله تعالى فاصبر على ما يقولون 39
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى وما أنت عليهم بجبار 45
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 196 :
    سورة الطور
    السورة مكية
    وآياتها سبع أو ثمان أو تسع وأربعون آية
    وكلماتها ثلاثمائة واثنتي عشرة كلمة
    وحروفها ألف وأربعمائة وخمسة
    وفيها من المنسوخ آيتان
    قوله تعالى قل تربصوا فإني معكم من المتربصين 31
    وعن بعضهم أن هذه الآية منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا 48
    نسخ الصبر بآية السيف
    وفي ص 197 :
    سورة النجم
    السورة مكية وعن ابن عباس وقتادة إلا قوله تعالى والذين يجتنبون كبائر الإثم الآية
    وآياتها إحدى أو اثنتان وستون آية
    وكلماتها ثلاثمائة وستون
    وحروفها ألف وثلاثمائة وسبعون وفيها في المنسوخ آيتان
    قوله تعالى فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا 29
    منسوخ بآية السيف
    وفي ص 199 :
    سورة القمر
    السورة مكية
    وقال مقاتل إلا قوله تعالى سيهزم الجمع الآية وعنه أيضا إلا قوله أم يقولون نحن جميع منتصر الآيات الثلاث
    وآياتها خمس وخمسون آية
    وكلماتها ثلاثمائة وأربعون
    وحروفها ألف وأربعمائة وخمسة
    وفيها من المنسوخ آية
    قوله تعالى فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر 6
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 212 :
    سورة نون
    وتسمى سورة القلم مكية عند ابن عباس وقتادة إلا من قوله تعالى أنا بلوناهم إلى قوله تعالى لو كانوا يعملون فأنها نزلت بالمدينة
    وهي اثنتان وخمسون آية
    وفيها من المنسوخ على ما زعم بعضهم آيتان
    قوله تعالى فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون 44
    منسوخة بآية السيف
    قوله تعالى فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم 48
    منسوخة بآية السيف .
    وفي ص 213 :
    سورة المعارج
    مكية وآياتها ثلاث أو أربع وأربعون آية
    وفيها من المنسوخ آيتان
    قوله تعالى فاصبر صبرا جميلا 5
    نسخ بآية السيف ومنع بعضهم النسخ هنا
    فائدة
    الصبر الجميل هو ما لا جزع فيه أو هو رضى لا سخط فيه بحال
    وقال سهل هو رضى بغير شكوى
    والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه
    قوله تعالى فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون 42
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 216 :
    قوله تعالى واهجرهم هجرا جميلا
    منسوخ بآية السيف والهجر الجميل ما لا جزع فيه
    أو هو أن يجانبهم بقلبه وهواه ويخالفهم مع حسن المخالفة والمدارة والإغضاء وترك الإساءة
    وعن أبي ذر أنا لنكشر في وجوه قوم أو نضحك إليهم وقلوبنا لتلقيهم
    وقوله تعالى وذرني والمكذبين أولي النعمة 11
    زعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة بآية السيف ولم يصح ذلك
    وفي ص 217 :
    قوله تعالى إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا 19
    زعم بعضهم أنها منسوخة بآية السيف
    وفي ص 218 :
    سورة المدثر
    مكية قال مقاتل إلا قوله تعالى وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا الآية مدنية
    وآياتها خمس أو ست وخمسون آية
    وكلماتها مائتان وخمس وخمسون
    وحروفها ألف وعشرة
    وفيها من المنسوخ على ما زعم بعضهم آية واحدة
    قوله تعالى ذرني ومن خلقت وحيدا 11
    قال إنه منسوخ بآية السيف
    وفي ص 220 :
    سورة هل أتى
    وتسمى سورة الإنسان وسورة الدهر وهي مكية أو مدنية إلا قوله تعالى فاصبر لحكم ربك الآية فإنها مكية
    ومن أولها إلى قوله تعالى انا نحن نزلنا عليك القرآن مدني وباقيها مكي
    وآياتها إحدى وثلاثون آية وحروفها ثلاثمائة واحد عشر
    وكلماتها مائتان وأربعون وفيها من المنسوخ ثلاث آيات
    قوله تعالى ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا 8
    قال قتادة كان أسيرهم يومئذ مشرك وأخوك المسلم أحق أن تطعمه وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الأسرى
    وزعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة بآية السيف في حق الأسير
    قالوا ليس بشيء
    قال الحسن كان عليه الصلاة والسلام يؤتى بأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول أحسن إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة
    قوله تعالى
    فاصبر لحكم ربك 24
    منسوخ بآية السيف
    قوله تعالى إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا 19
    نسخ التخيير بآية السيف
    وفي ص 221 :
    سورة عبس
    مكية
    وآياتها إحدى أو اثنتان وأربعون آية
    وكلماتها مائة وثلاثون
    وحروفها خمسمائة وعشرون
    وفيها من المنسوخ على ما زعم بعضهم آية واحدة
    قوله تعالى فمن شاء ذكره 12
    منسوخة بآية السيف
    وفي ص 223 :
    سورة الطارق
    مكية وآياتها ست عشرة أو سبع عشرة آية
    وكلماتها إحدى وتسعون
    وحروفها مائتان وتسعة وثلاثون
    وفيها من المنسوخ آية واحدة
    قوله تعالى فمهل الكافرين أمهلهم رويدا 17
    أي انظرهم فلا تستعجل عليهم
    نسخ بآية السيف وأخذهم الله يوم بدر نسخ
    وفي ص 224 :
    سورة الغاشية
    مكية
    وآياتها ست وعشرون آية
    وكلماتها اثنتان وسبعون
    وحروفها مائة وإحدى وثمانون
    وفيها من المنسوخ آية واحدة
    قوله تعالى لست عليهم بمصيطر 22
    أي بمسلط لتكرههم على الإيمان ونسخت بآية السيف
    وفي ص 225 :
    سورة التين
    مكية وقيل مدنية
    وآياتها ثماني آيات
    وكلماتها اثنتان وثلاثون
    وحروفها مائة وسبعة عشر
    وفيها من المنسوخ آية واحدة
    قوله تعالى أليس الله بأحكم الحاكمين 8
    معناه خل عنهم فإن الله يحكم بينهم ثم نسخت بآية السيف
    وفي ص 226 :
    سورة الكافرون
    مكية عند أكثرهم وقيل مدنية
    وآياتها خمس أو ست آيات
    وكلماتها ست وعشرون
    وحروفها ثلاثة وتسعون
    وفيها من المنسوخ آية واحدة
    قوله تعالى لكم دينكم ولي دين
    منسوخ بآية السيف
    والله سبحانه وتعالى أعلم
    =====================
    وهذه بعض المقتطفات للآيات منسوخة بآية السيف وغيرها أخذت من كتب أخرى لأجل المساندة وتوضيح الصورة اختصارا وليس على سبيل الاستقصاء.
    ======================

    الناسخ والمنسوخ لابن حزم ص 20 - 21 :
    الآية الثانية قوله تعالى وقولوا للناس الآية 83 البقرة منسوخة وناسخها آية السيف قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم 5 مدنية التوبة 9
    الآية الثالثة قوله تعالى فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره الآية 109 البقرة 2 منسوخة وناسخها قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون 29 مدنية التوبة 9
    وفيه أيضاً ص 35 - 36 :
    سورة المائدة
    تحتوي على تسع آيات منسوخة
    أولاهن قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله إلى قوله يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا 2 مدنية المائدة 5 ثم نسخت بآية السيف
    الآية الثانية قوله تعالى فاعف عنهم 159 آل عمران 13 المائدة نزلت في اليهود ثم نسخت بقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية 29 التوبة 9
    الآية الخامسة قوله تعالى ما على الرسول إلا البلاغ الآية 99 المائدة 5 نسخها آية السيف .
    وفي ص 37 :
    الآية الرابعة قوله تعالى وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا 70 مكية الأنعام 6 يعني به اليهود والنصارى ثم نسخ بعده بقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الآية 29 مدنية التوبة 9 .
    وفي ص 39 :
    الآية الرابعة قوله تعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها الآية 61 مدنية الأنفال 8 منسوخة وناسخها قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر يعني اليهود 29 مدنية التوبة 9
    وفي ص 50 :
    سورة العنكبوت
    نزل من أولها إلى رأس عشر آيات بمكة ونزل باقيها بالمدينة جميعها محكم غير قوله تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن الآية 46 العنكبوت 29 نسخت بالآية التي في سورة التوبة وهي قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر 29 التوبة 9
    وفي ص 54 :
    الآية الثانية قوله تعالى الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل الآية 6 الشورى 42 نسخة بآية السيف الآية الثالثة قوله تعالى فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم الآية 15 الشورى 42 نسخت بقوله تعالى في سورة التوبة قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخرة الآية 20 التوبة
    ------------
    الناسخ والمنسوخ لهبة الله المقري ص 33
    وقال ابن جريج قلت لعطاء إن مجلسك هذا قد يحضره البر والفاجر أفتأمرني أن أغلظ على الفاجر فقال لا ألم تسمع الى قول الله تعالى وقولوا للناس حسنا
    وقال جماعة هي منسوخة وناسخها عندهم قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم الآية
    الآية الرابعة قوله تعالى فاعفوا واصفحوا نسخ ما فيها من العفو والصفح بقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الى قوله وهم صاغرون وباقي الآية محكم
    وفي ص 210 :


    وكل ما كان في القرآن
    من خبر الذين أوتوا الكتاب والامر بالصفح عنهم نسخه قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر الاية

    (تعليق : أقول هذه قضية كلية لنسخ كل ما كان كذلك فتأمل هداك الله)
    ----------------
    الناسخ والمنسوخ لقتادة السدوسي ، ص 33 - 34 :
    وعن قوله جل وعز ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره 14 فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهم ويصفح حتى يأتي الله بأمره ولم يؤمر يومئذ بقتالهم فأنزل الله عز وجل في براءة فأتى الله فيها بأمره وقضائه فقال قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله إلى وهم صاغرون 15 فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وأمر فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يفدوا بالجزية
    وعن قوله جل وعز ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم 17 فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ألا يقاتلهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدأوا فيه بقتال
    وقال في آية أخرى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير 19 كان القتال فيه كبيرا كما قال الله عز وجل فنسخ هاتين الآيتين في براءة فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد 20 وقال عز وجل وقاتلوا المشركين كافة يعني بالكافة جميعا .
    وفي ص 40 - 41 :
    وعن قوله عز وجل إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم إلى قوله وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا 66 ثم نسخ بعد ذلك في براءة نبذ إلى كل ذي عهد عهده ثم أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم و احصروهم واقعدوا لهم كل مرصد 67
    ومن سورة المائدة
    وعن قوله عز وجل يأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا ءآمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا 68 فنسختها براءة فقال الله جل وعز فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم 69 وقال الله عز وجل ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر إلى قوله وفي النار هم خالدون 70 فقال عز وجل إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا 71 وهو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه ونادى علي فيه بالآذان يعني بالآذان أنه قرأ عليهم علي رضي الله عنه سورة براءة
    وعن قوله عز وجل ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح 73 حتى يأتي الله بأمره عز وجل فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهم ويصفح ولم يؤمر يومئذ بقتالهم ثم نسخ ذلك بعد في براءة فقال قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله وهم صاغرون 74 فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية .
    وفي ص 45 :
    ومن سورة العنكبوت
    وعن قوله عز وجل ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن 97 نهاهم عن مجادلتهم في هذه الآية ثم نسخ ذلك بعد في براءة فقال قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر 98 ولا مجادلة أشد من السيف
    ومن سورة الجاثية
    وعن قوله عز وجل قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله 99 وهم المشركون فأنزل الله عز وجل للمؤمنين أن يغفروا لهم ثم نسخ ذلك بعد في براءة فقال فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم 100
    ------------
    أية سيف أخرى هي بين المؤمنين وقد اختلفوا في أنها نفسها منسوخة. وهذا ما يجب أن يدرس بقوة.

    تفسير ابن كثير ج: 2 ص: 338
    والرابع قتال الباغين في قوله وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه فقال الضحاك والسدي هي منسوخة بقوله تعالى فإما منا بعد وإما فداء وقال قتادة بالعكس

    الخلاصة :

    إن الناظر إلى هذه الآيات ناسخها ومنسوخها بعين البصيرة يرى فيها تدرج بالأحكام بحسب الحالات بل يجد اللين بعد الشدة و الشدة بعد اللين بحسب الظرف الآني والمصلحة الإسلامية وحفظ المسلمين ، وهذا هو عين ما قلناه من أن أحكام التقية أحكام انزلها الله . وأما دعاوى النسخ فتلك تبرعات لعل سببها وجود التنافي في المعنى بين الآيات ولعل لبعضها أسباب سياسية وأخرى عدم فهم. فالقول بأن المعصوم لا يجوز له التقية قول مخالف للحقيقة لأن الله نفسه عمل بالتقية وأصدر أحكاما للتقية لحفظ نفوس المؤمنين مع أنه قادر أن يحفظهم تكوينا ولكنه شاء أن يجري الأمور على طبيعتها فحفظهم من جهة التشريع. فكيف لا يعمل النبي أو المعصوم بالتقية وهي دين الله وجوهر من جواهر التشريع الإسلامي بل الإلهي بشكل عام. فتبين أن هذا الإشكال وهذه الدعوى مبنية على سوء فهم بالدرجة الأولى وسوء نية نتيجة الصراعات الطائفية والسياسية.

    أخوكم

    علي الصدر


  15. #95

    الملحق الثاني لشبهة تقية المعصوم. أية التبليغ وملحقاتها

    أية التبليغ وما فيها من الإشارة إلى تريث الرسول مع ملحقين هما موضوع كتمان أسماء المنافقين و نص مقتطع من كتاب الغدير في تعداد من ذكر نزول آية التبليغ في الولاية.


    بسم الله الرحمن الرحيم


    الأخوة الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    الأخ الكريم الأستاذ حسن بن فرحان المالكي حفظه الله.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    لقد تكلمتُ في الملحق الأول لموضوع تقية المعصوم عن تثبيت أن التقية ليست من المعصوم فقط وإنما هي من رب المعصوم وأنه انزل آيات كثيرة فيها مدارات وتخفيف وقد تغيّر الحكم أو قُلْ توضح الحكم بأن هذه الآيات تناسب وقت الشدة والجور على المؤمنين ، وقد اخترت -من بين مئات الشواهد- منسوخات آية السيف والتي أسفَّ فيها المفسرون بحيث جعلوها تنسخ الخُلق الرفيع كالعفو والصفح وما شابه ذلك. وذلك لما رأوه من تعارض بين واقعين هما واقع اللين والمدارات في العهد المكي وبين واقع الحرب والشدة في العهد المدني فتفتقت عبقرياتهم بدعاوى النسخ وما شابه ذلك بلا دليل ولا حجة من الله ورسوله.

    والآن نترقى في النظر حيث نرى أن الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد خاف من أصحابه وراجع ربه في ((التبليغ)) وليس في سواه، وهذا ترقي خطير حيث أن تقيته وخوفه لم يكن من أعداءه الكفار و إنما من صحبه الكرام على نحو العموم. وفي تبليغ أمر من الله .

    هذا الموضوع جسّده نص قرآني بيّن لا شائبة فيه، ولشدّة وضوحه ووضوح خطورته أصبح النص المشار إليه مرتعا للتزوير والتحوير والتطوير بما يخرجه عن نصه وبما يبعده عن مفهومه الأولي. وما ذلك إلا لأن متعلق النص مبغض عند المستلمين للسلطة وهو التبليغ بتعيين الولي بعده وخليفته في أمته. ونحن هنا لا نريد التعمق كثيرا في واقع حال متعلق النص فبحثه ليس هنا. وإنما كل ما نريده هو إثبات تريّث الرسول ص في (التبليغ) (خوفا) من (صحابته ومريديه) . وهذا قمة التقية التي يقولون أنها لا يعقل أن تكون من الرسول وأنه يستحيل ذلك و إلا بطلت الشريعة وما شابه ذلك.. فلماذا لم تبطل الرسالة مع ثبوت هذا الخوف؟ مع أن النص القرآني يشير إلى أنه تخوف من أمته وصحبه في آخر حياته. وكاد أن يمتنع عن (تبليغ) أمر إلهي (خوفا منهم)... هذا السؤال متروك للأذكياء الذين يعرفون معنى الحجة والدليل.

    الآية هي آية التبليغ من سورة المائدة: الآية: 67

    {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين}.

    الآية واضحة وضوح الشمس بأن الله سبحانه وتعالى ينهى الرسول عن التريث في تبليغ أمر أمره الله به ويهدده بتهمة خيانة الرسالة إن لم يبلغ ذلك الأمر الذي نزل من الله ووعده بأن يعصمه من الناس الذين يخاف منهم وعقب بأن الله لا يهدي القوم الكافرين وينبغي بحسب النص والزمن والحال, أن يكون الكفار هنا الكفار في الأمر المخصوص وليس الكفار بالله مطلقا وهذا يمكن فهمه من زمن نزول الآية المتأخر في حياة الرسول قبل أن يفهم من سببها وظرفها الموضوعي.
    والمهم في الموضوع هو أن زمن النزول الحرج لهذه الآية يدل على أنه لم يخف أعداءه فقد أخضعهم الله له في تلك الفترة و إنما كان يخاف من أصحابه أن يكذبوه فيما أمر به. وهذا بيت القصيد أي التقية حتى من الأصحاب.

    والتهديد في هذه الآية من اشد أنواع التهديد فكما قال الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن في باب بلغ: (وقوله عز وجل: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} <المائدة/67>، أي: إن لم تبلغ هذا أو شيئا مما حملت تكن في حكم من لم يبلغ شيئا من رسالته، وذلك أن حكم الأنبياء وتكليفاتهم أشد، وليس حكمهم كحكم سائر الناس الذين يتجافى عنهم إذا خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) وكذا قال في باب فعل: (أي: إن لم تبلغ هذا الأمر فأنت في حكم من لم يبلغ شيئا بوجه) . والتهديد يدل على نية المراجعة والتريث بلا شك.

    نزلت سورة المائدة في أخر سنة من حياة الرسول وهي آخر ما نزل من القرآن وهي مما نزل بعد الفتح قطعا وهذا هو أرجح الأقوال وبه قالت السيدة عائشة وأهل البيت وكثير من الصحابة. وبحسب سبب النزول المتفق عليه عند أهل البيت عليهم السلام والذي وافقهم فيه الكثير من الروايات عن غير طريقهم بأن آية التبليغ نزلت في حجة الوداع من السنة العاشرة للهجرة وهذا يعني بأنها نزلت قبل وفاته صلى الله عليه وآله وسلم بحدود ثلاثة أشهر. وإن أبى المعاندون إلا تعويم سبب النزول والتصديق بالأكاذيب فلا ابعد من كونها قبل أقل من سنة من وفاته صلى الله عليه وآله وسلم فهي لم تسبق سورتها على كل حال.

    يواجه الباحث في هذه الآية غموضا عجيبا ودعاوى متناقضة إلى درجة تثير الدهشة. و قد أتيت بهذه الآية بالإضافة إلى كونها دالة على تقية المعصوم من صحبه في قضية التبليغ. وذلك من أجل إثبات أمرين الأول: هو تريث الرسول في أمر أمره الله مخافة الناس والثاني: هو إثبات أن هناك أسرار لم يفصح عنها الرسول بخلاف من يدّعي بان لا شيء مخفي عند الرسول وانه ما سر ناس دون ناس .

    ولعل الذكي يفهم لماذا يدّعي الكثير من علماء السنة بإصرار بأن رسول الله لم يخص أحدا بعلمه . وهذان أمران غاية في الخطورة وليس من البعيد أن تكون هذه الآية تلمح إلى نوع تخوف وتقية مارسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه بل قل مع خلص أصحابه. وهذا يعطي تصورا جيدا عن نوع من الرقي في تصرف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعدم التعجل بالكشف عن أمور قد لا يقبلها الطرف المقابل مراعاة ودفعا للمشاكل والمفاسد ولكن الآية قالت بأن هذا التريث مرفوع بأمر الله والتعجل هو المطلوب ولعل وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذه الحادثة بثلاثة شهور خير دليل على أن الآمر بالتعجل عالم بالأجل والغيب سبحانه وتعالى.

    و من أجل الزيادة في فهم مجريات الأحداث سأورد نصوصا متباينة حول الآية ونتائجها ليتبين العاقل جوهر القضية من نفسه.

    فعلى القارئ الشهم أن يعرني ذهنه ويصفي فهمه ويقرأ جيدا بعين ذكية تلمح الأمور الخفية. ومن ثَخُن مخه فأنصحه بترك هذا الموضوع من أجل عدم تضييع وقته وتعب عقله.

    النصوص في هذه الآية كثيرة ومتفرقة وقد أحببت اختصارها على شكل عينات من النصوص ، وقد شملت النصوص حول هذه الآية أقولا متعارضة وطروحاً متباينة إلى درجة خطيرة . فعلى كل عاقل أن يفكر في هذا الحجم من التبيان وهذه الدعاوى المتباعدة .
    لِمَ هي؟ وكيف صنعت؟
    وسأعرض الآن ما رأيته من أقوال وروايات في الموضوع وفي ذيل التعداد سأنقل ما قاله الرازي في الأقوال بهذه الآية فإنه عدد معاني لم أجد لها نصوصا على تخصيص الآية بتلك السباب للنزول. فتكون بناءً على نقله هناك أمور مضافة إلى ما وجدته .

    وهذا ما وجدت من المعاني :
    1- أن الآية نزلت في تبليغ أمرٍ تخوف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلّغه على نحو العموم.
    2- أن الآية نزلت في تبليغ الولاية والخلافة لعلي بن أبي طالب عليه السلام .
    3- أن الآية نزلت في تبليغ اليهود والنصارى والمشركين ببطلان دينهم.
    4- أن الآية تعني التحذير من كتمان آية من القرآن.
    5- أن الآية نزلت في تخوف النبي من تبليغ كفار قريش أول البعثة.
    6- أن الآية نزلت لرفع الخوف من الرسول وترك حراسته في زمن أبي طالب سلام الله عليه.
    7- أن الآية نزلت في ترك الحرس لرسول الله في المدينة.
    8- أن الآية نزلت بعد إسلام أبي هريرة في السنة الثامنة للهجرة لأنه يروي حضورها في رجل حاول قتل النبي.
    9- أن الآية نزلت في غزوة بني انمار حين حاول مشرك قتله.
    10- أن الآية نزلت عند محاولة أحد المشركين قتله.
    11- أن الآية نزلت في تبليغ ما يخص زينب بنت جحش.
    12- أن الآية نزلت لبيان أن الرسول لم يتق ولم يكتم شيئا من أمر الدين.

    وهذه هي مجمل ما عثرت عليه من أقوال. ولكن الفخر الرازي كما نقل عنه الأميني في هامش كتابه الغدير يروي غير هذه الوجوه وعلى كل حال فإن ما ذكرته فيه الكفاية . وهذا ما نقله عن وجوه النزول لهذه الآية:
    1 - نزلت في قصة الرجم والقصاص على ما تقدم في قصة اليهود
    2 - نزلت في عيب اليهود واستهزائهم بالدين
    3 - لما نزلت آية التخيير وهى قوله ( يا ايها النبى قل لازواجك الاية ) فلم يعرفها عليهن خوفا من اختيارهن الدنيا
    4 - نزلت في امر زيد وزينب
    5 - نزلت في الجهاد فانه كان يمسك احيانا عن حث المنافقين على الجهاد
    6 - لما سكت النبى عن عيب آلهة الثنويين فنزلت
    7 - لما قال في حجة الوداع بعد بيان الشرايع والمناسك : هل بلغت ؟ قالوا : نعم
    قال : اللهم فاشهد فنزلت الاية
    8 - نزلت في اعرابى اراد قتله وهو نائم تحت شجرة
    9 - كان يهاب قريش واليهود والنصارى فازال الله عن قلبه تلك الهيبة بالآية
    10 - نزلت في قصة الغدير هذه ملخص الوجوه التى ذكرها .

    (أقول: أن خمسة وجوه من هذه الوجوه لم أعثر لها على نصوص تدل على أن الآية نزلت بشأنها ، على العجالة في البحث. ولعل الباحث المجد يجد لكل هذه الأقوال شواهد من نصوص في ذلك. فتضاف إلى ما عثرت عليه من أسباب فتكون المسألة فيها بحدود ثمانية عشر قولا وقد يعثر الإنسان على أقوال أخرى لأن المسألة قابلة للزيادة والبركة في تكثير الأقوال لأنها مسألة تتعلق بأمر الولاية الخطير للغاية وهذا مبرر جيد لتكثير الاحتمالات وتضييع المقاصد. وهنا ملاحظة مهمة وهي أن بعض هذه الأقوال تعتبر دليلا مستقلا على وجود التريث في التبليغ للخشية مثل تريث الرسول في قصة زينب بنت جحش وإذن الرسول لبعض المسلمين المنافقين في الجهاد ونزول العتاب على ذلك فهذه فيها نصوص قرآنية لا تقبل الجدل ولكن ما هو مدى علاقتها في آية التبليغ؟ هذا هو السؤال. وما نفيته إنما هو وجود النص على العلاقة بين قصة السماح للمنافقين مثلا وبن هذه الآية)


    والآن نعود إلى ما عثرت عليه من نصوص مع الاختصار وتغيير الترتيب بحسب المواضيع وعناوينها فإنني لم التزم مثلا نفس تسلسل الروايات في الدر المنثور و إنما أخذت لكل عنوان ما يوافقه من روايات.

    وهذه هي النصوص:

    1- أن الآية نزلت في تبليغ أمرٍ خاف أن يبلّغه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على نحو العموم. وهي روايات تثبت عموم ضيق الرسول من رسالة يعرف بأن قومه سيكذبوه بسببها . توضّح عموم ما نريده من تريث الرسول وخوفه من قومه:

    الدر المنثور في التفسير بالمأثور. للإمام جلال الدين السيوطي المجلد الثالث. 5 - سورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة.

    أخرج أبو الشيخ عن الحسن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ان الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعا، وعرفت ان الناس مكذبي، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني، فأنزل {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك} ".


    2- أن الآية نزلت في تبليغ الولاية والخلافة لعلي بن أبي طالب عليه السلام . وهذا يوافق ما يقول به أهل البيت وهو أساس المشكلة في هذه الآية وفهمها.

    الدر المنثور في التفسير بالمأثور. للإمام جلال الدين السيوطي المجلد الثالث. 5 - سورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة.

    وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت {بلغ ما أنزل اليك من ربك} قال: يا رب، إنما أنا واحد كيف أصنع ليجتمع علي الناس؟، فنزلت {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}؟

    وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك} على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم، في علي بن أبي طالب.

    وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك} ان عليا مولى المؤمنين {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس}.

    وهذه رواية من كتاب الكافي فيها نص من قول أهل البيت في سبب نزول هذه الآية يتطابق مع هذه الروايات وتوجيه معناها:

    كتاب الكافي لثقة الاسلام ابي جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني الرازي رحمه الله المجلد الأول.
    4 - علي بن إبراهيم ، عن ابيه ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن اذينة ، عن زرارة
    والفضيل بن يسار ، وبكير بن أعين ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية وأبي الجارود جميعا عن أبي جعفر عليه السلام قال : أمر الله عزوجل رسوله بولاية علي وأنزل عليه " إنما
    وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة " وفرض ولاية
    أولي الامر ، فلم يدروا ما هي ، فأمر الله محمدا صلى الله عليه وآله أن يفسر لهم الولاية ،
    كما فسر لهم الصلاة ، والزكاة والصوم والحج ، فلما أتاه ذلك من الله ، ضاق بذلك صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وتخوف أن يرتدوا عن دينهم وأن يكذبوه فضاق صدره وراجع ربه عزوجل فأوحى الله عزوجل إليه " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " فصدع بأمر الله تعالى ذكره فقام
    بولاية علي عليه السلام يوم غدير خم ، فنادى الصلاة جامعة وأمر الناس أن يبلغ
    الشاهد الغائب .

    (تعليق : هذا الكلام يتوافق مع زمن النزول ويتوافق مع حال الرسول وكونه قد أخبر الناس برحيله عن هذه الدنيا في أواخر أيامه وقبيل نزول الآية. وهذه الروايات تعني بأنه قد خاف من أصحابه ولم يخف من أعداءه وهذا قمة التقية أي التقية من الأتباع لئلا يتراجعوا نتيجة أمر لا يرغبونه)

    (ملاحظة : سأورد في ذيل الملحق ما حققه الشيخ عبد الحسين الأميني رحمه الله في مَنْ ذكرهم من علماء السنة أن هذه الآية نزلت في يوم الغدير بالأمر في تبليغ ولاية علي بن أبي طالب على الأمة. اعتزازا به وتسهيلا على القارئ حيث يعتبر هذا المستل مهم في فهم هذا الحجم من تشويش الآية وإفساد معناها وتضييع مقاصدها كما هو ظاهر من كثرة هذه الأقوال فهذا المستل يكشف السر في هذا التضييع لمعنى الآية)


    3- أن الآية نزلت في تبليغ اليهود والنصارى والمشركين ببطلان دينهم.

    جامع البيان عن تأويل آي القرآن. للإمام الطبري الجزء السادس. سورة المائدة.
    القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}.
    وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قص الله تعالى قصصهم في هذه السورة وذكر فيها معايبهم وخبث أديانهم واجتراءهم على ربهم وتوثبهم على أنبيائهم وتبديلهم كتابه وتحريفهم إياه ورداءة مطاعمهم ومآكلهم

    4- أن الآية تعني التحذير من كتمان آية من القرآن.

    تفسير الطبري الجزء السادس. سورة المائدة.
    القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}.
    حدثني المثني، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} يعني: إن كتمت آية مما أنزل عليك من ربك، لم تبلغ رسالتي‏

    الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي : الجزء 6
    قال ابن عباس: المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك، فإن كتمت شيئا منه فما بلغت رسالته؛ وهذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم، وتأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته، وقد علم الله تعالى من أمر نبيه أنه لا يكتم شيئا من وحيه

    مختصر تفسير بن كثير للصابوني
    قال ابن عباس: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}: يعني إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته،


    5- أن الآية نزلت في تخوف النبي من تبليغ كفار قريش أول البعثة.

    الدر المنثور في التفسير بالمأثور. للإمام جلال الدين السيوطي المجلد الثالث. 5 - سورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة.

    وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت {بلغ ما أنزل اليك من ربك} قال: يا رب، إنما أنا واحد كيف أصنع ليجتمع علي الناس؟، فنزلت {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}؟


    جامع البيان عن تأويل آي القرآن. للإمام الطبري الجزء السادس. سورة المائدة.
    9577 حدثني الحارث بن محمد، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سفيان الثوري، عن رجل، عن مجاهد، قال: لما نزلت: {بلغ ما أنزل إليك من ربك} قال: "إنما أنا واحد، كيف أصنع؟ تجتمع علي الناس! " فنزلت: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}... الآية‏

    مختصر تفسير ابن كثير. اختصار الصابوني : المجلد الأول. 5 - سورة المائدة
    وعن مجاهد قال: لما نزلت {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} قال: يا رب كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون علي؟ فنزلت: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}‏.

    (أقول: تشعر كلمة (و أنا وحدي) بان الكلام في بداية البعثة وهناك نصوص أكثر صراحة ويضاف إليها ما سيأتي من قضية الحرس فهي مضطربة بين أول البعثة وبين بعد الهجرة. )

    الدر المنثور في التفسير بالمأثور. للإمام جلال الدين السيوطي : المجلد الثالث. 5 - سورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة.
    أخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟ فقال "كنت بمنى أيام موسم واجتمع مشركوا العرب وافناء الناس في الموسم، فنزل علي جبريل فقال {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} قال: فقمت عند العقبة، فناديت: يا أيها الناس من ينصرني على ان أبلغ رسالة ربي ولكم الجنة، أيها الناس قولوا لا إله إلا الله، وأنا رسول الله اليكم، وتنجحوا ولكم الجنة. قال: فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون علي بالتراب والحجارة، ويبصقون في وجهي ويقولون: كذاب صابئ، فعرض علي عارض فقال: يا محمد، ان كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، وانصرني عليهم ان يجيبوني إلى طاعتك، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه، قال: الأعمش فبذلك تفتخر بنو العباس، ويقولون: فيهم نزلت {انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (القصص الآية 56) هوى النبي صلى الله عليه وسلم أبا طالب، وشاء الله عباس بن عبد المطلب".

    وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم يهاب قريشا، فأنزل الله {والله يعصمك من الناس} فاستلقى، ثم قال: من شاء فليخذلني مرتين أو ثلاثا".

    جامع البيان عن تأويل آي القرآن. للإمام الطبري : الجزء السادس. سورة المائدة.

    وهذا أمر من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، بإبلاغ هؤلاء اليهود والنصارى من أهل الكتابين الذين قص الله تعالى قصصهم في هذه السورة وذكر فيها معايبهم وخبث أديانهم واجتراءهم على ربهم وتوثبهم على أنبيائهم وتبديلهم كتابه وتحريفهم إياه ورداءة مطاعمهم ومآكلهم؛ وسائر المشركين غيرهم، ما أنزل عليه فيهم من معايبهم والإزراء عليهم والتقصير بهم والتهجين لهم، وما أمرهم به ونهاهم عنه، وأن لا يشعر نفسه حذرا منهم أن يصيبه في نفسه مكروه، ما قام فيهم بأمر الله، ولا جزعا من كثرة عددهم وقلة عدد من معه، وأن لا يتقي أحدا في ذات الله، فإن الله تعالى كافيه كل أحد من خلقه، ودافع عنه مكروه كل من يتقي مكروهه. وأعلمه تعالى ذكره أنه إن قصر عن إبلاغ شيء مما أنزل إليه إليهم، فهو في تركه تبليغ ذلك وإن قل ما لم يبلغ منه، فهو في عظيم ما ركب بذلك من الذنب بمنزلته لو لم يبلغ من تنزيله شيئا.

    الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي الجزء 6 سورة المائدة.
    الآية: 67 {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين}
    قوله تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك". قيل: معناه أظهر التبليغ؛ لأنه كان في أول الإسلام يخفيه خوفا من المشركين، ثم أمر بإظهاره في هذه الآية، وأعلمه الله أنه يعصمه من الناس. وكان عمر رضى الله عنه أول من أظهر إسلامه وقال: لا نعبد الله سرا؛ وفي ذلك نزلت: "يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين" [الأنفال: 64]


    6- أن الآية نزلت لرفع الخوف من الرسول وترك حراسته في زمن أبي طالب رضي الله عنه وسلامه عليه.

    الدر المنثور في التفسير بالمأثور. للإمام جلال الدين السيوطي : المجلد الثالث. 5 - سورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة. التفسير.
    وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت {والله يعصمك من الناس} فذهب ليبعث معه فقال: يا عم، ان الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث".

    وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس، وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجلا من بني هاشم يحرسونه، فقال: يا عم، ان الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث".


    مجمع الزوائد. للحافظ الهيثمي : المجلد السابع. كتاب التفسير. 6. باب سورة المائدة.
    10981-وعن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم [يحرسونه] حتى نزلت هذه الآية: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس}. فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه فقال: "يا عم إن الله قد عصمني من الجن والأنس".
    رواه الطبراني وفيه النضر بن عبد الرحمن وهو ضعيف.‏

    ( أقول لا يحتاج هذا الحديث لتضعيف النضر بن عبد الرحمن فإن القصة لا يمكن أن تكون صحيحة لأن الآية نزلت بعد وفاة أبي طالب بأكثر من عشر سنين, فكيف نصدق هذا السيناريو المفتعل؟. )

    7- أن الآية نزلت في ترك الحرس لرسول الله في المدينة.

    الدر المنثور في التفسير بالمأثور. للإمام جلال الدين السيوطي : المجلد الثالث. 5 - سورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة. التفسير.

    وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن مردويه عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت {والله يعصمك من الناس} فأخرج رأسه من القبة فقال: أيها الناس، انصرفوا فقد عصمني الله.

    وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يحرسه، فلما نزلت {والله يعصمك من الناس} ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس.

    وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي ذر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام إلا ونحن حوله من مخافة الغوائل، حتى نزلت آية العصمة {والله يعصمك من الناس} ".

    وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عصمة بن مالك الخطمي قال "كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل حتى نزلت {والله يعصمك من الناس} فترك الحرس".

    وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت {يا أيها الرسول} إلى قوله {والله يعصمك من الناس} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحرسوني ان ربي قد عصمني".

    وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن شقيق قال "ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعقبه ناس من أصحابه، فلما نزلت {والله يعصمك من الناس} فخرج فقال: يا أيها الناس الحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمني من الناس".

    وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي "ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يحرس يحارسه أصحابه حتى أنزل الله {والله يعصمك من الناس} فترك الحرس حين اخبره انه سيعصمه من الناس".

    وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن الربيع بن أنس قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرسه أصحابه حتى نزلت هذه الآية {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك...} الآية. فخرج إليهم فقال: لا تحرسوني فإن الله قد عصمني من الناس".

    تفسير الإمام جلال الدين السيوطي 5- سورة المائدة الآية:
    67 - (يا أيها الرسول بلغ) جميع (ما أنزل إليك من ربك) ولا تكتم شيئا منه خوفا أن تنال بمكروه (وإن لم تفعل) أي لم تبلغ جميع ما أنزل إليك (فما بلغت رسالته) بالإفراد والجمع لأن كتمان بعضها ككتمان كلها (والله يعصمك من الناس) أن يقتلوك وكان صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت فقال: "انصرفوا فقد عصمني الله" رواه الحاكم (إن الله لا يهدي القوم الكافرين)‏

    تفسير الطبري الجزء السادس. سورة المائدة.
    9578 حدثنا هناد وابن وكيع، قالا: ثنا جرير، عن ثعلبة، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحرسوني إن ربي قد عصمني"‏

    تفسير الطبري الجزء السادس. سورة المائدة.
    9580 حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن عاصم بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحارسه أصحابه، فأنزل الله: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته}... إلى آخرها‏

    مختصر تفسير ابن كثير.اختصار الصابوني : المجلد الأول. 5 - سورة المائدة.
    كما قال الإمام أحمد عن عائشة رضي اللّه عنها كانت تحدث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت، فقلت: ما شأنك يا رسول اللّه؟ قال: "ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة"، قالت: فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح، فقال: "من هذا"؟ فقال: أنا سعد بن مالك، فقال: "ما جاء بك"؟ قال: جئت لأحرسك يا رسول اللّه، قالت: فسمعت غطيط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نومه، أخرجاه في الصحيحين. وفي لفظ: سهر رسول اللّه ذات ليلة مقدمة المدينة، يعني على أثر هجرته بعد دخوله بعائشة رضي اللّه عنها وكان ذلك في سنة ثنتين منها، وعنها قالت: كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية: {واللّه يعصمك من الناس} قالت فأخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم راسه من القبة وقال: "يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمنا اللّه عزَّ وجلَّ".

    ( أقول هذا النص ينافي الرواية التي ستأتي بأن أبا هريرة حاضر عند نزول الآية لأن هذا النص يقول بأن معنى الرواية أنها نزلت سنة اثنتين للهجرة فتنبه يرحمك الله)

    8- أن الآية نزلت بعد إسلام أبي هريرة في السنة الثامنة للهجرة لأنه يروي حضورها في رجل حاول قتل النبي.

    وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة قال "كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تركنا له أعظم دوحة وأظلها فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله ينمعني منك، ضع عنك السيف فوضعه، فنزلت {والله يعصمك من الناس} ".

    9- أن الآية نزلت في غزوة بني انمار حين حاول مشرك قتله.

    وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: "لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني انمار، نزل ذات الرقاع باعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه فقال غورث بن الحرث: لأقتلن محمد فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له أعطيني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به. فاتاه فقال: يا محمد، اعطني سيفك أشمه، فاعطاه اياه فرعدت يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حال الله بينك وبين ماتريد، فأنزل الله {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك} الآية".

    10- أن الآية نزلت عند محاولة أحد المشركين قتله.

    الدر المنثور في التفسير بالمأثور. للإمام جلال الدين السيوطي : المجلد الثالث. 5 - سورة المائدة مدنية وآياتها عشرون ومائة. التفسير.

    وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة قال "كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تركنا له أعظم دوحة وأظلها فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله ينمعني منك، ضع عنك السيف فوضعه، فنزلت {والله يعصمك من الناس} ".

    وأخرج أحمدعن جعدة بن خالد بن الصمة الجشمي قال: "أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل فقيل: هذا أراد أن يقتلك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الم ترع؟.. ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي".


    وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه اعرابي فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك مني؟ قال: الله، فرعدت يد الاعرابي وسقط السيف منه قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثرت دماغه، فأنزل الله {والله يعصمك من الناس} ".


    11- أن الآية نزلت في تبليغ ما يخص زينب بنت جحش.

    الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي : الجزء 6 سورة المائدة.
    الآية: 67 {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين}
    وقيل: بلغ ما أنزل إليك من ربك في أمر زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها. وقيل غير هذا،


    12- أن الآية نزلت لبيان أن الرسول لم يتق ولم يكتم شيئا من أمر الدين.

    ( أقول هذا المعنى من عجائب الدعاوى ولكن المراقب للأحداث يجد أن أول من قال بهذا المعنى هو السيدة عائشة وقد نسبوا ما يؤيده إلى علي بن أبي طالب والقضية من وجهة نظري تثبت خلاف مدعاها حيث أن هناك دعوى بأن في الصحابة مَنْ يقول بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحدّث كل المسلمين بكل ما يعرف و إنما هناك ما خص به بعض أصحابه كما يدّعي الصحابة وعلي بالخصوص بأن رسول الله علمه ألف باب من العلم في كل باب يفتح ألف باب أو كونه باب مدينة العلم وما شابه ذلك من روايات تدل على أنه كان يسر علي ابن أبي طالب وذلك يدل فيما يدل على خصوصيته العلمية والتشريعية بملاحظة حجم هذه الأسرار وتكرار الاجتماعات الخاصة بين النبي وعلي وغير ذلك مما تتحدث عنه الروايات. على كل هذه بعض النصوص في هذا المعنى وسأعقب عليه بكتمان النبي أسماء المنافقين الذين أرادوا قتله وأمره لحذيفة بن اليمان بكتمانهم. وسأبدأ بنص القرطبي في دعواه مع بعض التعليق على كلامه )

    الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي : الجزء 6 سورة المائدة.
    الآية: 67 {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين}
    قوله تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك". قيل: معناه أظهر التبليغ؛ لأنه كان في أول الإسلام يخفيه خوفا من المشركين، ثم أمر بإظهاره في هذه الآية، وأعلمه الله أنه يعصمه من الناس. وكان عمر رضى الله عنه أول من أظهر إسلامه وقال: لا نعبد الله سرا؛ وفي ذلك نزلت: "يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين" [الأنفال: 64] فدلت الآية على رد قول من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من أمر الدين تقية، وعلى بطلانه، وهم الرافضة، ودلت على أنه صلى الله عليه وسلم لم يسر إلى أحد شيئا من أمر الدين؛ لأن المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك ظاهرا، ولولا هذا ما كان في قوله عز وجل: "وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" فائدة. وقيل: بلغ ما أنزل إليك من ربك في أمر زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها. وقيل غير هذا، والصحيح القول بالعموم؛ قال ابن عباس: المعنى بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك، فإن كتمت شيئا منه فما بلغت رسالته؛ وهذا تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم، وتأديب لحملة العلم من أمته ألا يكتموا شيئا من أمر شريعته، وقد علم الله تعالى من أمر نبيه أنه لا يكتم شيئا من وحيه؛ وفي صحيح مسلم من مسروق عن عائشة أنها قالت: من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من الوحي فقد كذب؛ والله تعالى يقول: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" وقبح الله الروافض حيث قالوا: إنه صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أوحى إليه كان بالناس حاجة إليه.‏)

    (التعليق : اذا كان يقصد بالرافضة الشيعة – وهذا هو المقصود على العموم من هذه اللفظة- فإن الشيعة لا يقولون بأن الرسول كتم أمرا من أمور الدين طلب الله تبليغه بل يقولون بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بلّغ ما أمره الله به ولكن هناك من أخفى ذلك، ولا يمكن أن يخون الرسول الرسالة وهو معصوم والعصمة تأبى ذلك. فالنسبة للشيعة لا صحة لها إطلاقا.
    وأما إذا كان الموضوع عام أي الدعوى بأن الرسول لم يخف شيئا مطلقا وما كتم شيئاً مطلقا، فهذه دعوى تكذبها الأحداث والوقائع التاريخية وطبيعة الحياة والبشر. فقد أمر رسول الله حذيفة بن اليمان أن يكتم أسماء من حاول قتل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهو من كتم سرهم وأمر بالكتمان فكيف تصح دعوى عدم جواز الكتمان؟ فهي شبيهة بدعوى عدم جواز التقية على المعصوم بينما هذه الآية تشير إلى أنه تخوف حتى من أصحابه كما تخوف من أصحابه الذين أرادوا قتله وبقي منهم أربعة إلى زمن عمر بن الخطاب كما يقولون في مروياتهم. على أن الأقوال التي ذكرت في آية التبليغ تدل على الكتمان مثل كونها نزلت في كتمانه آية التخير في نسائه خوفا من اختيارهن الدنيا عليه أو كتمانه أمر الجهاد على المنافقين أو كتمانه حكم زينب بنت جحش مع زيد أو سكوته عن عيب آلهة الوثنيين وما شابه ذلك من موارد الكتمان التي يروونها. فكل ما قاله القرطبي من دلالة هذه الآية على عدم الكتمان وعدم إسرار رسول الله لأحد من أصحابه ما هو إلا وهم منشأه سد الباب على من يريد أن يفهم طبيعة العلاقة الخاصة بين رسول الله وبين بعض أصحابه. خصوصا العلاقة الخاصة بين النبي وعلي بن أبي طالب التي تميزت بكثير من الأسرار التي يحاول أعداء علي نفيها عنه ويحاولون توصيفه بأنه شخص عادي لم يساره الرسول.)

    نكمل بعض النصوص الدالة على دلالة هذه الآية على عدم كتمان رسول الله لشيء من الدين. (وأؤكد بأن الشيعة يرون استحالة كتمانه لأمور الدين الضرورية للعباد أو شيئا مما أنزله الله عليه ولا صحة لما ينسب للشيعة من هذا القول)

    الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي: الجزء 7 من الطبعة. سورة الأنعام.
    الآية: 103 {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}.
    ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما هن؟ قالت من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل "ولقد رآه بالأفق المبين" [التكوير: 23]. "ولقد رآه نزلة أخرى" [النجم: 13] ؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة من سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض). فقالت: أو لم تسمع أن الله عز وجل يقول: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير"؟ أو لم تسمع أن الله عز وجل يقول: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا - إلى قول - علي حكيم" [الشورى: 51] ؟ قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته"
    [المائدة: 67] قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله تعالى يقول: "قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله" [النمل: 65]. إلى ما ذهبت إليه عائشة رضي الله عنها من عدم الرؤية،

    صحيح مسلم. للإمام مسلم : الجزء الأول. 1 - كتاب الإيمان. (77) باب معنى قول الله عز وجل: {ولقد رآه نزلة أخرى}، وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء؟.

    287- (177) حدثني زهير بن حرب. حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن داود، عن الشعبي، عن مسروق؛ قال: كنت متكئا عند عائشة. فقالت: يا أبا عائشة! ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال وكنت متكئا فجلست. فقلت: يا أم المؤمنين! أنظريني ولا تعجليني. ألم يقل الله عز وجل: {ولقد رآه بالأفق المبين} [81/التكوير/ الآية-23] {ولقد رآه نزلة أخرى} [53/النجم/ الآية-13] فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: "إنما هو جبريل. لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين. رأيته منهبطا من السماء. سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض" فقالت: أو لم تسمع أن الله يقول: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} [42/الشورى/ الآية 51] قالت: ومن زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية . والله يقول: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [5/المائدة/ الآية 67] قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية. والله يقول: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} [27/النمل/ الآية-65].

    صحيح البخاري، للإمام البخاري : الجزء الثالث. 68 - كتاب التفسير. 114 - باب: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} /67/. وجدت الكلمات في الحديث رقم:
    4336 - حدثنا محمد بن يوسف: حدثنا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل عليه فقد كذب، والله يقول: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك}. الآية.

    أقول وقد نسبوا لعلي بن أبي طالب القول بعدم تخصيص شيء من العلم لأهل البيت أو لعلي بن أبي طالب . وهذا مما يثبت عكسه بالقطع. وخصوصا وقد ثبت عن الصحابة رجوعهم إلى علي عليه السلام في أمور الدين وعدم معرفتهم للأحكام . فإذا كان لم يخصه بعلم فلماذا يرجعون إليه فمثله مثلهم. والمسألة واضحة للعقلاء فكأنهم يقولون بأن الإمام علي ينفي عن نفسه صفة العلم الخاص والتوسع في الدين. وعلى كل حال إليك هذه الرواية الكوميدية من صحيح البخاري خصوصا ما يتعلق بحرصه على الحمل الدائم لصحيفة فيها ثلاث أمور بديهية وغير ذات قيمة في الفكر الإسلامي)

    صحيح البخاري، للإمام البخاري : الجزء الثاني. 60 - كتاب الجهاد والسير. 168 - باب: فكاك الأسير. رقم:
    2882 - حدثنا أحمد بن يونس: حدثنا زهير: حدثنا مطرف: أن عامرا حدثهم، عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر.

    أقول : لا يحتاج هذا الحديث إلى تعليق.

    وقد رأيت أن من المناسب ذكر ما ثبت من كتمان رسول الله لأسماء القتلة الذين حاولوا الغدر به و أمر حذيفة بن اليمان بكتمان ذلك. وهذا يثبت الخلل في تناول الفكر الإسلامي وتفسير الأحداث بموجب رغبات خاصة بعيدة عن الواقع الإسلامي والتاريخي فقولهم باستحالة وبطلان أن يكون الرسول قد كتم شيئا واستدلالهم بالقرآن بما لا مجال للاستدلال به دليل على عدم انسجام الفكرة وتفككها. فكيف يصح الاستدلال؟ وقد فعل ذلك الرسول بما هو مسلّم عند جميع المسلمين .
    وكيف ينسب للقرآن وقد فعل الرسول خلافه؟
    فهل القرآن خطأ أم الفعل الثابت خطأ ؟
    كلها أسئلة محرجة لا يمكن الوصول لحل لها. ولهذا فدعوى بأن رسول الله لم يكتم شيئا مطلقا أو أن الرسول لم يسر احد بشيء، هي دعوى فارغة وعارية عن الصحة وأما الدعوى بأن رسول الله لم يكتم التنزيل ولم يكتم ضروريات الدين فهذا قولٌ حقٌ، لا أعتقد بأن هناك من يقول بخلافه وقد نُسب كذبا وبهتانا إلى الشيعة أو الرافضة .)

    مقدمة تمهيدية:

    لقد اخترت مسألة كتمان النبي لأسماء المنافقين دون غيرها من القضايا بسبب أن هذه الحادثة تولد منها أمر اشتهر بين المسلمين اشتهار المسلمات وهي اعتبار حذيفة ابن اليمان صاحب سر رسول الله كما يقولون والمقصود بالسر هنا هو المعرفة السرية بهذه الحادثة وبأسماء مرتكبيها قاتلهم الله ولأن الموضوع لم يأتي أمر بتبليغه لا حقا.

    وهذا لا يعني بأنه لا توجد نصوص على كتمان رسول الله لأمر ما حتى أمره الله بإظهار بعضها علنا ، فهناك نصوص قرآنية و أخرى أحاديث تدل على التريث والكتمان ولو لفترة ، وهي بمجموعها قابلة لأن تكون مادة مهمة للبحث.
    إلا أن ما يجب أن أشير إليه بصراحة هو أن بعض من ينفي عصمة الرسول استخدم نفس هذه الحوادث والنصوص فيها. كما هو حال العتاب في موضوع زينب بنت جحش وموضوع السماح للمنافقين في القعود مع القاعدين. ومن المعلوم أن من قال بنفي العصمة هم قسم من أهل السنة ولعل أغلبهم من المعتزلة على تتبعي البسيط، فهذان قولان لا يتفقان وهما نفي التقية واثبات خطأ المعصوم في آن واحد لمن يدرك التشابك بين المفاهيم.
    ولكن المشكلة الحقيقية هي عند من يقول بالعصمة مع وجود هذه الشواهد على الكتمان وغيرها مما عاتب الله عليها. و لا أعتقد بأن من لا يريد أن يفهم معنى أحكام التقية الإلهية يستطيع أن يجيب عن هذا الموضوع إلا تخبطا. فموضوع التقية له أهمية خطيرة في حل أعقد المشكلات على الإسلام ولا يفهم ذلك إلا من يراجع حجج أعداء الإسلام ومقولاتهم الهجومية ويفهم حقيقة الجواب الصحيح والمنطقي.

    والحل الصحيح هو أن الرسول لم يكن قد خالف حكم الله و إنما هناك حكمان أحدهما الأمر بالتبليغ بحسب الحكم الأولي والثاني هو الامتناع عنه بحسب الظروف المحيطة بالتبليغ. والرسول مخير بينهما كمكلف مخير في مواطن التخيير، فحين أخر التبليغ كان بحكم إلهي أيضا وبقاعدة فقهية صحيحة وهو سيد الفقهاء، ولكن نزول الأمر بالتبليغ يضيّق من هذا التخيير ويعيّن التبليغ كما هو حال قصة زينب وقصة الإذن للمنافقين أو تبليغ الولاية، ولكن في أمور أخرى لم يضيق عليه التخير ويعيّن التبليغ كما هو حال إخفاء أسماء المنافقين وأمور أخرى لا نعلمها بالتحديد ولكن نستكشفها من سره مع بعض صحابته. و هنا يكون قد اتبع عين طريق العصمة ولم يخدش ذلك بعصمته.
    و أما بناءً على عدم جواز التقية وعدم فهمها أساسا فيكون الجواب عن هذه المعضلة حرجا إلى درجة يلزم منه أن يقول بضلال رسول الله والعياذ بالله لأنه إذا اعتبر أن الامتناع عن التبليغ هو خلاف أمر الله فقد قال بمعصية الرسول علانية وهذا يعني أنه غير جدير أن يكون رسولا لأنه عاص ظالم لربه ونفسه وشيعته.
    فمن يتشدق بمثل هذه المقولات غير جدير بالدفاع عن الإسلام والدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهو يتهم إسلامه ورسوله بالخروج عن المنطقية والتوازن التشريعي والتطبيقي . بينما الحل بكل بساطة هو كون الحُكمين من الله وهما حكمان شرعيان تماما والرسول مخيّر بينهما وقد ورد تضييق لهذا التخيير في موارد محدودة لا تتجاوز عدد الأصابع كما في هذه النصوص. وهذا هو واقع الحال كما شرحنا ذلك بإيجاز في موضوع تقية المعصوم.

    وفي سبيل التدليل على الكتمان قبل إيراد مسألة كتمان أسماء المنافقين من دون توسع في الموضوع. نضعُ هذه المواضيع بين يدي الباحث عن الحقيقة:

    قصةُ زينب بنت جحش مع زيد ابن حارثة:

    ( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) (الأحزاب:37)
    يقول المفسرون باختصار بأن الرسول أخفى حقيقة أن الله قد زوجه زينب في السماء و أنها في الحقيقة ليست زوجة زيد . و أنا لا يهمني إلا قوله تعالى : (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ) فهو قول صريح بالكتمان حتى نزلت الآية وهذا هو المطلوب.

    قصة السماح للمنافقين في القعود مع القواعد.

    (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) (التوبة:43)
    وهذا نص واضح بأنه مكلف أيضا بالتثبت من صدقهم وقد اختار الرخصة التي يقتضيها الظرف. فاخبر الله بعفوه عن ذلك.

    و من دون الدخول في التفصيلات فهذا يكفي في إثبات المطلوب، فأين من يقول لا تقية ولا كتمان عند المعصوم؟ هل يقرءون النصوص والتأريخ في الأحلام؟.

    الأحاديث في أمر النبي بالكتمان لأبي ذر ولأنس بن مالك.

    صحيح البخاري كِتَاب الْمَنَاقِبِ. باب إِسْلَامُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
    ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: اعرض علي الإسلام، فعرضه فأسلمت مكاني، فقال لي: (يا أبا ذر، اكتم هذا الأمر، وارجع إلى بلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل).

    فتح الباري، شرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد السابع. بقية كِتَاب الْمَنَاقِبِ. باب إِسْلَامُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

    قوله: (ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري) في رواية أبي قتيبة " اكتم هذا الأمر، وارجع إلى قومك فأخبرهم، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل " وفي رواية عبد الله بن الصامت " إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل، فهل أنت مبلغ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك " فذكر قصة إسلام أخيه أنيس وأمه وأنهم توجهوا إلى قومهم غفار فأسلم نصفهم، الحديث.

    مجمع الزوائد. للحافظ الهيثمي : المجلد الأول. 3. كتاب الطهارة. 81. باب الغسل من الجنابة.
    1470-وعن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنا ابن ثمان سنين فأخذت أمي بيدي فانطلقت بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إنه لم يبق رجل ولا امرأة من الأنصار إلا قد أتحفتك بتحفة وإني لا أقدر على ما أتحفك
    به إلا بني هذا فخذه فليخدمك ما بدا لك،فخدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما ضرني ضربة ولا سبني ولا انتهرني ولا عبس في وجهي،وكان أول ما أوصاني به أن قال: "يا بني اكتم سري تكن مؤمناً"،فكانت أمي وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألنني عن سر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أخبرهم به ولا أخبر بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً أبداً


    ===========


    وهذه نصوص قصة حذيفة بن اليمان وأمر رسول الله له بالكتمان لأسماء المنافقين الذين اخبر الله بهم رسوله الكريم.

    (ومما يجب أن نفرح له أن المنافقين تابوا وأصلحوا رغم عدم معرفتنا بهم هكذا تقول الرواية المنتخبة في البخاري فلا حاجة للضجيج حول الموضوع والقضية سهلة مجرد محاولة فاشلة لقتل الرسول فهذا أمر لا يعتنى به حسب ما سنقرأ من نصوص عجيبة غريبة و لم يبق منهم إلا أربعة وكفى الله المؤمنين القتال فلمَ التطبيل والتزمير على أمر التآمر لقتل رسول الله؟ )

    نقرأ جميعا :

    الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي الجزء 8 من الطبعة. سورة التوبة.
    الآية: 12 {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون
    وفى البخاري عن زيد بن وهب قال: كنا عند حذيفة فقال ما بقي من أصحاب هذه الآية - يعني "فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم" - إلا ثلاثة، ولا بقي من المنافقين إلا أربعة. فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد تخبرون أخبارا لا ندري ما هي تزعمون ألا منافق إلا أربعة، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلافنا قال: أولئك الفساق أجل لم يبق منهم إلا أربعة، أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده.

    وفي: الجزء 8 من الطبعة. سورة التوبة.
    الآية: 74 {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير}.

    قوله تعالى: "وهموا بما لم ينالوا" يعني المنافقين من قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك، وكانوا اثني عشر رجلا. قال حذيفة: سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عدهم ولهم. فقلت: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال: (أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيهم الله بالدبيلة). قيل: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: (شهاب من جهنم يجعله على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه). فكان كذلك. خرجه مسلم بمعناه.

    و في: الجزء 8 من الطبعة. سورة التوبة.
    الآيتان: 77 - 78 {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون، ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب}.
    وروى البخاري عن حذيفة أن النفاق كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان. قوله تعالى: "ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم" هذا توبيخ، وإذا كان عالما فإنه سيجازيهم.

    الدر المنثور للسيوطي
    وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {يحلفون بالله ما قالوا} قال "هم الذين أرادوا أن يدفعوا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وكانوا قد أجمعوا أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم معه في بعض أسفاره، فجعلوا يلتمسون غرته حتى أخذ في عقبة، فتقدم بعضهم وتأخر بعضهم وذلك ليلا قالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي، فسمع حذيفة رضي الله عنه وهو يسوق النبي صلى الله عليه وسلم وكان قائده تلك الليلة عمار، وسائقه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، فسمع حذيفة أخفاف الإبل، فالتفت فإذا هو بقوم متلثمين: فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله فأمسكوا. ومضى النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل منزله الذي أراد، فلما أصبح أرسل إليهم كلهم فقال: أردتم كذا وكذا؟ فحلفوا بالله ما قالوا ولا أرادوا الذي سألهم عنه، فذلك قوله {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} الآية وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وهموا بما لم ينالوا} قال: هم رجل يقال له الأسود بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة رضي الله عنه قال "رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا من تبوك إلى المدينة، حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق، فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه، فلما غشيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر خبرهم فقال: من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة، وأخذ الناس ببطن الوادي إلا النفر الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا ذلك استعدوا وتلثموا وقد هموا بأمر عظيم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وعمار بن ياسر رضي الله عنه فمشيا معه شيئا، فأمر عمار أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة بسوقها. فبينما هم يسيرون إذ سمعوا وكرة القوم من ورائهم قد غشوه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر حذيفة أن يردهم، وأبصر حذيفة رضي الله عنه غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع ومعه محجن، فاستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضربا بالمحجن، وأبصر القوم وهم متلثمون لا يشعرون إنما ذلك فعل المسافر، فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة رضي الله عنه وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناس وأقبل حذيفة رضي الله عنه حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أدركه قال: اضرب الراحلة يا حذيفة وامش أنت يا عمار، فأسرعوا حتى استووا بأعلاها، فخرجوا من العقبة يتنظرون الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة: هل عرفت يا حذيفة من هؤلاء الرهط أحدا؟ قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان، وقال: كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثمون. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل علمتم ما كان شأنهم وما أرادوا؟ قالوا: لا والله يا رسول الله...! قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا طلعت في العقبة طرحوني منها. قالوا: أفلا تأمر بهم يا رسول الله فنضرب أعناقهم؟ قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولوا: إن محمد وضع يده في أصحابه فسماهم
    لهما، وقال: أكتماهم .

    وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن إسحق نحوه وزاد بعد قوله لحذيفة "هل عرفت من القوم أحدا" فقال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله قد أخبرني بأسمائهم وأسماء آبائهم وسأخبرك بهم إن شاء الله عند وجه الصبح، فلما أصبح سماهم به: عبد الله بن أبي سعد، وسعد بن أبي سرح، وأبا حاصر الأعرابي، وعامرا، وأبا عامر، والجلاس بن سويد بن صامت، ومجمع بن حارثة، ومليحا التيمي، وحصين بن نمير، وطعمة بن أبيرق، وعبد الله بن عيينة، ومرة بن ربيع. فهم اثنا عشر رجلا حاربوا الله ورسوله وأرادوا قتله، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وذلك قوله عز وجل {وهموا بما لم ينالوا} وكان أبو عامر رأسهم، وله بنوا مسجد الضرار وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة وأخرج ابن سعد عن نافع بن جبير بن مطعم قال: لم يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسماء المنافقين الذين تحسوه ليلة العقبة بتبوك غير حذيفة رضي الله عنه، وهم اثنا عشر رجلا ليس فيهم قرشي، وكلهم من الأنصار ومن حلفائهم.
    وأخرج البيهقي في الدلائل عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم اقود به وعمار يسوقه أو أنا أسوقه وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوا فيها قال: فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم"هل عرفتم القوم؟ قلنا لا يا رسول الله كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب. قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة. هل تدرون ما أرادوا؟ قلنا: لا. قال: أرادوا أن يزحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة فيلقوه منها. قلنا يا رسول الله، ألا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: لا، إني أكره أن تحدث العرب بينها: أن محمدا قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال: اللهم ارمهم بالدبيلة. قلنا يا رسول الله، وما الدبيلة؟ قال: شهاب من نار يوضع على نياط قلب أحدهم فيهلك

    جامع البيان عن تأويل آي القرآن. للإمام الطبري : الجزء 11. سورة التوبة.
    القول في تأويل قوله تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم}.

    13315 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: {سنعذبهم مرتين} عذاب الدنيا وعذاب القبر. {ثم يردون إلى عذاب عظيم} ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أسر إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين، فقال: "ستة منهم تكفيكهم الدبيلة، سراج من نار جهنم يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتا" ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رحمه الله كان إذا مات رجل يرى أنه منهم نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه وإلا تركه. وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشدك الله أمنهم أنا؟ قال: لا والله، ولا أؤمن منها أحدا بعدك !‏

    مختصر تفسير بن كثير للصابوني : المجلد الثاني. 9 - سورة التوبة.
    وقد ورد أن نفراً من المنافقين هموا بالفتك بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وهو في غزوة تبوك في بعض تلك الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلاً، قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الآية، روى الحافظ البيهقي في كتاب "دلائل النبوة" عن حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أقود به، وعمار يسوق الناقة، حتى إذا كنا بالعقبة، فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها، قال: فانتهرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وصرخ بهم، فولوا مدبرين، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "هل عرفتم القوم؟" قلنا: لا يا رسول اللّه قد كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب، قال: "هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة وهل تدرون ما أرادوا؟" قلنا: لا، قال: "أرادوا أن يزاحموا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في العقبة فليقوه منها"، قلنا يا رسول اللّه أفلا نبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: "لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمداً قاتل، حتى إذا أظهره اللّه أقبل عليهم يقتلهم".

    و في: المجلد الثاني. 9 - سورة التوبة.

    وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليها (حذيفة بن اليمان) لأنه كان يعلم أعيان المنافقين، قد أخبره بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ ولهذا كان يقال له: (صاحب السر) الذي لا يعلمه غيره أي من الصحابة، ولما نهى اللّه عزَّ وجلَّ عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم للاستغفار لهم كان هذا الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين فشرع ذلك، وفي فعله الأجر الجزيل، كما ثبت في الصحاح: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان" قيل: وما القيراطان؟ قال: "أصغرهما مثل أُحُد"؛

    صحيح البخاري، للإمام البخاري : الجزء الثالث. 68 - كتاب التفسير.
    105 - باب: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} /145/.

    4326 - حدثنا عمر بن حفص: حدثنا أبي: حدثنا الأعمش قال: حدثني إبراهيم، عن الأسود قال: كنا في حلقة عبد الله، فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم، ثم قال:
    لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم، قال الأسود: سبحان الله، إن الله يقول: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار}. فتبسم عبد الله، وجلسحذيفة في ناحية المسجد، فقام عبد الله فتفرق أصحابه، فرماني بالحصا، فأتيته، فقال حذيفة: عجبت من ضحكه، وقد عرف ما قالت، لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرا منكم ثم تابوا، فتاب الله عليهم

    و في: الجزء الثالث. 68 - كتاب التفسير. 153 - باب: {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم} /12/.
    4381 - حدثنا محمد بن المثنى: حدثنا يحيى: حدثنا إسماعيل: حدثنا زيد ابن وهب قال:
    كنا عند حذيفة فقال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة، ولا من المنافقين إلا أربعة. فقال أعرابي: إنكم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم تخبروننا فلا ندري، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا، ويسرقون أعلاقنا؟ قال: أولئك الفساق، أجل، لم يبق منهم إلا أربعة، أحدهم شيخ كبير، لو شرب الماء البارد لما وجد برده.
    [ش (أصحاب هذه الآية) أي الذين نزلت فيهم من زعماء المشركين وقت نزولها. (ثلاثة) قيل: منهم أبو سفيان وسهيل بن عمرو رضي الله عنهما. (من المنافقين) أي الذين كانوا على عهده صلى الله عليه وسلم. (أربعة) لم يوقف على أسمائهم. (أعرابي) هو من يسكن البادية، قال في الفتح: لم أقف على اسمه. (تخبروننا) عن أشياء. (فلا ندري) أي قد لا تتضح لنا. (يبقرون) ينقبون ويفتحون. (أعلاقنا) نفائس أموالنا، جمع علق وهو الشيء النفيس، سمي بذلك لتعلق القلب به. (أولئك الفساق) أي الذين تذكرهم ليسوا الكفار ولا المنافقين، وإنما هم الفساق. (أجل) نعم. (أحدهم) أي المنافقين الأربعة. (لما وجد برده) لا يحس ببرودته، لذهاب شهوته وفساد ذوقه ومعدته، فأصبح لا يفرق بين الأشياء. قال العيني: وحاصل معنى هذا الحديث: أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، كان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن المنافقين وكان يعرفهم، ولا يعرفهم غيره، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أسر إليه بأسماء عدة من المنافقين وأهل الكفر، والذين نزلت فيهم الآية، ولم يسر إليه بأسماء جميعهم].‏



    ويجب علينا أن نقرأ بتمعن ما قاله القرطبي في تحليل قضية كتمان الرسول لأسمائهم وما فيه من تصورات غريبة وكأن كتمان أسمائهم يعود بالخير مع بيان كيفية مقارنة ذلك بحكم الزنادقة الآن .
    ولعل المهم هو تصور عدم الجواز للرسول أن يقتلهم لأنه لا يجوز له أن يعمل بعلمه، أو لأنه لا يجوز له قتلهم قبل الاستتابة وتألف قلوبهم وهم منافقون وما شابه ذلك من الأقوال. على أننا نقول لا بد من وجود مصلحة في عدم كشفهم وعدم معاقبتهم لعلها تعود إلى أصل بقاء الدين أو أمور أخرى خفية. ولكن ما ذكر من أسباب بعيد جدا .

    الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي : الجزء 1 سورة البقرة.
    الآية 10{في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون}.

    قوله تعالى: "بما كانوا يكذبون" ما مصدرية، أي بتكذيبهم الرسل وردهم على الله جل وعز وتكذيبهم بآياته، قاله أبو حاتم. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف، ومعناه بكذبهم وقولهم آمنا وليسوا بمؤمنين.
    مسألة: واختلف العلماء في إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين مع علمه بنفاقهم على أربعة أقوال:
    القول الأول: قال بعض العلماء: إنما لم يقتلهم لأنه لم يعلم حالهم أحد سواه. وقد اتفق العلماء على بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه، وإنما اختلفوا في سائر الأحكام. قال ابن العربي: وهذا منتقض، فقد قُتِلَ بالمُجذَّر بن زياد الحارثُ بن سويد بن الصامت، لأن المجذر قتل أباه سويدا يوم بُعاث، فأسلم الحارث وأغفله يوم أحد فقتله، فأخبر به جبريلُ النبيَ صلى الله عليه وسلم فقتله به، لأن قتله كان غيلة، وقتل الغيلة حد من حدود الله.
    قلت: وهذه غفلة من هذا الإمام، لأنه إن ثبت الإجماع المذكور فليس بمنتقض بما ذكر، لأن الإجماع لا ينعقد ولا يثبت إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي، وعلى هذا فتكون تلك قضية في عين بوحي، فلا يحتج بها أو منسوخة بالإجماع. والله أعلم.
    القول الثاني: قال أصحاب الشافعي: إنما لم يقتلهم لأن الزنديق وهو الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان يستتاب ولا يقتل. قال ابن العربي: وهذا وهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستتبهم ولا نقل ذلك أحد، ولا يقول أحد إن استتابة الزنديق واجبة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم علمه بهم. فهذا المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال: إن استتابة الزنديق جائزة قال قولا لم يصح لأحد.
    القول الثالث: إنما لم يقتلهم مصلحة لتأليف القلوب عليه لئلا تنفر عنه، وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله لعمر: (معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي) أخرجه البخاري ومسلم. وقد كان يعطي للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم تألفا، وهذا هو قول علمائنا وغيرهم. قال ابن عطية. وهي طريقة أصحاب مالك رحمه الله في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين، نص على هذا محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وابن الماجشون، واحتج بقوله تعالى: "لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض" [الأحزاب: 60] إلى قوله: "وقتلوا تقتيلا" [الأحزاب: 61]. قال قتادة: معناه إذا هم أعلنوا النفاق. قال مالك رحمه الله: النفاق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الزندقة فينا اليوم، فيقتل الزنديق إذا شهد عليه بها دون استتابة، وهو أحد قولي الشافعي. قال مالك: وإنما كف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنافقين ليبين لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه، إذ لم يشهد على المنافقين. قال القاضي إسماعيل: لم يشهد على عبدالله بن أبي إلا زيد بن أرقم وحده، ولا على الجُلاس بن سويد إلا عمير بن سعد ربيبه، ولو شهد على أحد منهم رجلان بكفره ونفاقه لقتل. وقال الشافعي رحمه الله محتجا للقول الآخر: السنة فيمن شهد عليه بالزندقة فجحد وأعلن بالإيمان وتبرأ من كل دين سوى الإسلام أن ذلك يمنع من إراقة دمه. وبه قال أصحاب الرأي وأحمد والطبري وغيرهم. قال الشافعي وأصحابه. وإنما منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم، لأن ما يظهرونه يجُبُّ ما قبله. وقال الطبري: جعل الله تعالى الأحكام بين عباده على الظاهر، وتولى الحكم في سرائرهم دون أحد من خلقه، فليس لأحد أن يحكم بخلاف ما ظهر، لأنه حكم بالظنون، ولو كان ذلك لأحد كان أولى الناس به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حكم للمنافقين بحكم المسلمين بما أظهروا، ووكل سرائرهم إلى الله. وقد كذب الله ظاهرهم في قوله: "والله يشهد إن المنافقين لكاذبون" [المنافقون: 1] قال ابن عطية: ينفصل المالكيون عما لزموه من هذه الآية بأنها لم تعين أشخاصهم فيها وإنما جاء فيها توبيخ لكل مغموص عليه بالنفاق، وبقي لكل واحد منهم أن يقول: لم أرد بها وما أنا إلا مؤمن، ولو عين أحد لما جب كذبه شيئا.
    قلت: هذا الانفصال فيه نظر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أو كثيرا منهم بأسمائهم وأعيانهم بإعلام الله تعالى إياه، وكان حذيفة يعلم ذلك بإخبار النبي عليه السلام إياه حتى كان عمر رضي الله عنه يقول له: يا حذيفة هل أنا منهم؟ فيقول له: لا.
    القول الرابع: وهو أن الله تعالى كان قد حفظ أصحاب نبيه عليه السلام بكونه ثبتهم أن يفسدهم المنافقون أو يفسدوا دينهم فلم يكن في تبقيتهم ضرر، وليس كذلك اليوم، لأنا لا نأمن من الزنادقة أن يفسدوا عامتنا وجهالنا.

    ( أقول وهنا عندي تعقيب على أمرين الأول يقولون بأن النبي أمر حذيفة بكتمان هذا الأمر فكيف يصح سؤاله عنهم؟ وكيف ينتظر منه الصلاة على المسلمين؟ ليعرف المنافق. فلو كان لحذيفة عذر في عدم حضور جنازة فهل يقال عن صاحبها منافق؟ .مجرد سؤال بريء والأكثر منه براءةً هل يصح لحذيفة أن يجيب من يسأله هل أنا منهم بجواب: ( أنت منهم.) فهذا يعني أنه أخبر عنهم ولم يلتزم بكتمان أمر رسول الله فلا بد له عقلا أن يجيب كل من سأله عن نفسه بأنه ليس منهم حتى لو كان منهم وهذا هو مقتضى الكتمان. الأمر الثاني كما ورد ببعض الروايات فإن حذيفة ذكر أسمائهم ، وهذا يعني بأن المسلمين على معرفة بهم وهم موجودون بعد رسول الله فلماذا لم يُتخذ في حقهم الإجراء اللازم؟ هل بسبب توبتهم؟ فإذا كانوا معروفين وقد تابوا فكيف أصبح حذيفة صاحب سر رسول الله؟ وكيف كتم الأمر إذن بعد إعلانه؟ ثم لماذا يقال بإصرار بأنهم غير معروفين؟ أسئلة يولدها التفكر في هذه النصوص بصورة إجبارية. فنحن إما أن نصدق بأنه أُمر بكتمان هذا الأمر فلا يصح ما قيل من تعداد أسمائهم والإخبار عنهم وإما أن لا صحة أصلا بأمر الكتمان و إنما هناك تكميم للأفواه بحيث ضاعت الحقيقة كما هي ضائعة على مر التأريخ حتى في عصرنا الشفاف المتصف بالمعلوماتية. فلا بد من التحقق من الأمر نتيجة هذه الروايات المدعية للكشف عن أسمائهم.

    النتيجة بأن حادثة محاولة قتل الرسول وكتمان الأمر وطلب الكتمان من صحابي جليل لهو أمر جدير بالدراسة خصوصا عند محبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وهي حادثة تثبت بما لا يقبل الشك خطأ الدعوى بأن رسول الله ليس له سر عند أصحابه وأنه لم يكتم شيئا وما شابه ذلك من دعاوى لا تتطابق مع واقع الحال.

    ================

    تذييل : نقل نص ما كتبه المرحوم الأميني في كتابه الغدير في تعداد مَنْ كتب عن آية التبليغ ونزولها في حادثة الغدير في السنة العاشرة للهجرة.

    وهذا نص ما كتبه العلامة الأميني :
    الغدير جزء 1 :

    الغدير في الكتاب العزيز :

    سلف الإيعاز منا إلى أن المولى سبحانه شاء أن يبقى حديث الغدير غضا طريا لا يبليه الملوان ، ولا يأتي على جدته مر الحقب والاعوام ، فأنزل حوله آيات ناصعة البيان ، ترتله الامة صباحا ومساء?ا ، فكأنه سبحانه في كل ترتيلة لاي منها يلفت نظر القارئ ، وينكت في قلبه ، أو ينقر في اذنه ما يجب عليه أن يدين الله تعالى به في باب خلافته الكبرى ، فمن الآيات الكريمة قوله تعالى في سورة المائدة : يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس نزلت هذه الآية الشريفة يوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة حجة الوداع (( 10 هـ لما بلغ النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم غدير خم فأتاه جبرئيل بها على خمس ساعات مضت من النهار ، فقال : يا محمد ؟ إن الله يقرء?ك السلام ويقول لك :
    يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك " في علي " وإن لم تفعل فما بلغت رسالته -الآية - وكان أوائل القوم - وهم مائة ألف أو يزيدون - قريبا من الجحفة فأمره أن يرد من تقدم منهم ، ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان ، وأن يقيم عليا عليه السلام علما للناس ويبلغهم ما أنزل الله فيه ، وأخبره بأن الله عزوجل قد عصمه من الناس .
    وما ذكرناه من المتسالم عليه عند أصحابنا الاماميه ، غير أنا نحتج في المقام بأحاديث أهل السنة في ذلك . فاليك البيان :

    1- الحافظ أبوجعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى 310 ( المترجم ص 100 )أخرج باسناده في - كتاب الولاية في طرق حديث الغدير - عن زيد بن أرقم قال لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بغدير خم في رجوعه من حجة الوداع وكان في وقت الضحى وحر شديد أمر بالدوحات فقمت ونادى الصلاة جامعة فاجتمعنا فخطب خطبة بالغة ثم قال : إن الله تعالى انزل إلي : بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ، وقد أمرني جبرئيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد واعلم كل أبيض وأسود : ان علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والامام بعدي ، فسألت جبرئيل أن يستعفي لي ربي لعلمي بقلة المتقين وكثرة المؤذين لي واللائمين لكثرة ملازمتي لعلي وشدة إقبالي عليه حتى سموني اذنا ، فقال تعالي : ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو اذن قل اذن خير لكم . ولو شئت أن اسميهم وأدل عليهم
    لفعلت ولكني بسترهم قد تكرمت ، فلم يرض الله إلا بتبليغي فيه فاعلموا .
    معاشر الناس ؟ ذلك : فإن الله قد نصبه لكم وليا وإماما ، وفرض طاعته على كل أحد ، ماض حكمه ، جائز قوله ، ملعون من خالفه ، مرحوم من صدقه ، إسمعوا وأطيعوا ، فإن الله مولاكم وعلى إمامكم ، ثم الامامة في ولدي من صلبه إلى القيامة لا حلال إلا ما أحله الله ورسوله ، ولا حرام إلا ما حرم الله ورسوله وهم ، فما من علم إلا وقد أحصاه الله في ونقلته إليه فلا تضلوا عنه ولا تستنكفوا منه ، فهو الذي يهدي إلى الحق ويعمل به ، لن يتوب الله على أحد أنكره ولن يغفر له ، حتما على الله أن يفعل ذلك أن يعذبه عذابا نكرا أبد الآبدين ، فهو أفضل الناس بعدي ما نزل الرزق وبقي الخلق ، ملعون من خالفه ، قولي عن جبرئيل عن الله ، فلتنظر نفس ما قدمت لغد .
    إفهموا محكم القرآن ولا تتبعوا متشابهه ، ولن يفسر ذلك لكم إلا من أنا آخذ بيده وشائل بعضده ومعلمكم : إن من كنت مولاه فهذا فعلي مولاه ، وموالاته من الله عزوجل أنزلها علي . ألا وقد أديت ، ألا وقد بلغت ، ألا وقد أسمعت ، ألا و وقد أوضحت ، لا تحل إمرة المؤمنين بعدي لاحد غيره . ثم رفعه إلى السماء حتى صارت رجله مع ركبة النبي صلى الله عليه وسلم وقال : معاشر الناس ؟ هذا أخي ووصيي وواعي علمي وخليفتي على من آمن بي وعلى : تفسير كتاب ربي . وفي رواية . أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، والعن من أنكره ، وأغضب على من جحد حقه ، أللهم ؟ إنك أنزلت عند تبيين ذلك في على أليوم أكملت لكم دينكم . بامامته فمن لم يأتم به وبمن كان من ولدي من صلبه إلى القيامة فأولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ، إن ابليس أخرج آدم " عليه السلام "
    من الجنة مع كونه صفوة الله بالحسد فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم وتزل أقدامكم ، في علي نزلت سورة والعصر إن الانسان لفي خسر ( 1 ).
    معاشر الناس ؟ آمنوا بالله ورسوله والنور الذي انزل معه من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهم أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت . النور من الله في ثم في علي ثم في النسل منه إلى القائم المهدي . معاشر الناس ؟ سيكون من بعدى أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ، وإن الله وأنا بريئان منهم إنهم وأنصارهم و أتباعهم في الدرك الاسفل من النار ، وسيجعلونها ملكا إغتصابا فعندها يفرغ لكم أيها الثقلان ؟ ويرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران . ألحديث . " ضياء العالمين " .

    2- الحافظ إبن أبي حاتم أبومحمد الحنظلي الرازي المتوفى 327 " المترجم ص 101 " أخرج باسناده عن أبي سعيد الخدري أن الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم في علي بن أبي طالب ( 2 ).

    3- الحافظ أبوعبدالله المحاملي المتوفى 330 " المترجم ص 102 " أخرج في أماليه باسناده عن إبن عباس حديثا مر ص 51 وفيه : حتى إذا كان ( رسول الله ) بغدير خم أنزل الله عزوجل : يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك . الآية . فقام مناد فنادى الصلوة جامعة . ألحديث .

    4- الحافظ أبوبكر الفارسي الشيرازي المتوفى 407 / 11 " المترجم ص 108 " روى في كتابه ما نزل من القرآن في أميرالمؤمنين بالاسناد عن إبن عباس : أن الآية نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب .

    5- الحافظ إبن مردويه المولود 323 والمتوفى 416 " المترجم ص 108 " أخرج باسناده عن أبي سعيد الخدري انها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب . وباسناد آخر عن إبن مسعود انه قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الرسول بلغ ما

    * ( هامش ) * ( 1 ) في الدر المنثور 6 ص 392 من طريق ابن مردويه عن ابن عباس ان قوله تعالى : الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات نزل في على وسلمان ( 2 ) الدر المنثور 2 ص 298 ، وفتح القدير 2 ص 57 .


    انزل اليك من ربك - إن عليا مولى المؤمنين - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ( 1 ).

    وروى باسناده عن إبن عباس قال : لما أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله أن يقوم بعلي فيقول له ما قال فقال : يارب إن قومي حديث عهد بجاهلية ثم مضى بحجه فلما أقبل راجعا نزل بغدير خم أنزل الله عليه : يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك . الآية . فأخذ بعضد على ثم خرج إلى الناس فقال : أيها الناس ؟ ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ؟ قال : أللهم من كنت مولاه فعلي مولاه ، أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأعن من أعانه ، واخذل من خذله ، وانصر من نصره ، وأحب من أحبه ، وأبغض من أبغضه . قال إبن عباس : فوجبت والله في رقاب القوم . وقال حسان بن ثابت : يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديا يقول : فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا : إلهك مولانا وأنت ولينا * ولم تر منا في الولاية عاصيا فقال له : قم يا علي ؟ فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا وروى عن زيد بن علي انه قال : لما جاء جبرئيل بأمر الولاية ضاق النبي صلى الله عليه وآله بذلك ذرعا وقال : قومي حديثوا عهد بالجاهلية فنزلت الآية . ( كشف الغمة 94 )

    6- أبوإسحاق الثعلبي النيسابوري المتوفى 427 / 37 ( المترجم 109 ) روى في تفسيره " الكشف والبيان " عن أبي جعفر محمد بن علي ( الامام الباقر ) إن معناها : بلغ ما انزل إليك من ربك في فضل علي . فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه .

    وقال : أخبرني أبومحمد عبدالله بن محمد القايني ، نا أبوالحسين محمد بن عثمان النصيبي ، نا أبوبكر محمد بن الحسن السبيعي ، نا علي بن محمد الدهان والحسين بن ابراهيم

    * ( هامش ) * ( 1 ) روى الحديثين عنه السيوطى في الدر المنثور 2 ص 298 ، والشوكانى في فتح القدير ، والاربلى في كشف الغمة 94 عنه عن زر عن ابن مسعود .

    الجصاص ، ناحسين بن حكم ، نا حسن بن حسين ، عن حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن إبن عباس في قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك . الآية .
    قال : نزلت في علي ، امر النبي صلى الله عليه وآله أن يبلغ فيه فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي فقال ، من كنت مولاه فعلي مولاه ، أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ( 1 ).

    7- الحافظ أبونعيم الاصبهاني المتوفى 430 ( المترجم ص 109 ) روى في تأليفه ما نزل من القرآن في علي : عن أبي بكر بن خلاد عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن إبراهيم بن محمد بن ميمون عن علي بن عابس عن أبي الحجاف والاعمش عن عطية قال : نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي يوم غدير خم ( الخصايص 29 ).

    8- أبوالحسن الواحدي النيسابوري المتوفى 468 ( المترجم 111 ) روى في " أسباب النزول " ص 150 عن أبى سعيد محمد بن علي الصفار عن الحسن بن أحمد المخلدي عن محمد بن حمدون بن خالد عن محمد بن إبراهيم الحلواني عن الحسن بن حماد سجادة عن علي بن عابس عن الاعمش وأبي الحجاف عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

    9- الحافظ أبوسعيد السجستاني المتوفى 477 ( المترجم 112 ) في كتاب الولاية باسناده من عدة طرق عن إبن عباس قال : امر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ بولاية علي فأنزل الله عزوجل : يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك . الآية . فلما كان يوم غدير خم قام فحمد الله وأثنى عليه وقال صلى الله عليه وسلم : ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم : فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحب من أحبه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، وأعز من أعزه ، وأعن عن أعانه ( الطرائف ).

    10- الحافظ الحاكم الحسكاني أبوالقاسم ( المترجم 112 ) روى في " شواهد

    • ( هامش ) * ( 1 ) روى الحديثين عنه ابن بطريق في العمدة ص 49 ، والسيد ابن طاوس في الطرايف ، والاربلى في كشف الغمة 94 ، ونقل الطبرسى في مجمعه 2 ص 223 ثانى الحديثين عن تفسيره الكشف والبيان ، وابن شهر اشوب عنه اول الحديثين في مناقبه 1 ص 526 .


    التنزيل لقواعد التفصيل والتأويل " باسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن إبن عباس وجابر الانصاري قالا : أمر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم أن ينصب عليا للناس فيخبرهم بولاية فتخوف النبي أن يقولوا : حابى إبن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه فأوحى الله : يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك . الآية . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بولايته يوم غدير خم ( مجمع البيان 2 ص 223 ).

    11- الحافظ أبوالقاسم إبن عساكر الشافعي المتوفى 571 ( المترجم 116 ) أخرج باسناده عن أبي سعيد الخدري انها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب ( 1 ).

    12- أبوالفتح النطنزي ( المترجم ص 115 ) أخرج في الخصايص العلوية باسناده عن الامامين محمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق " صلوات الله عليهم " قالا : نزلت هذه الآية يوم غدير خم ( ضياء العالمين ).

    13 - أبوعبدالله فخرالدين الرازي الشافعي المتوفى 606 ( المترجم 118)قال في تفسيره الكبير 3 ص 636 : ألعاشر ( 2 ) : نزلت الآية في فضل علي ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه . فلقيه عمر رضي الله عنه فقال . هنيئا لك يابن أبي طالب ؟ أصحبت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة . وهو قول إبن عباس ، والبراء بن عازب ، ومحمد إبن علي .

    14- أبوسالم النصيبي الشافعي المتوفى 652 ، تأتي ترجمته في شعراء القرن السابع قال في مطالب السئول ص 16 : نقل الامام أبوالحسن علي الواحدي في كتابه المسمى بأسباب النزول يرفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية يوم غدير خم في علي بن أبي طالب .

    15- ألحافظ عز الدين الرسعني ( 3 ) الموصلي الحنبلي المولود 589 والمتوفى

    * ( هامش ) * ( 1 ) الدر المنثور 2 ص 298 ، وفتح القدير 2 ص 57 .
    ( 2 ) من اسباب نزول الاية وسيوافيك الكلام عليها .
    ( 3 ) بفتح المهملة وسكون السين وفتح المهملة الثالثة ثم النون نسبة إلى مدينة راس عين بديار بكر يخرج منها ماء دجله ( شرح المواهب 7 ص 14 ).

    " المترجم 121 " روى في تفسيره ( مر الثناء عليه عن الذهبي ) عن إبن عباس رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية أخذ النبي بيد على فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ( 1 ).

    16- شيخ الاسلام أبوإسحاق الحمويني المتوفى 722 " المترجم ص 123 " أخرج في فرايد السمطين عن مشايخه الثلاث : السيد برهان الدين إبراهيم بن عمر الحسيني المدني ، والشيخ الامام مجد الدين عبدالله بن محمود الموصلي ، وبدرالدين محمد بن محمد إبن أسعد البخاري باسنادهم عن أبي هريرة : أن الآية نزلت في علي .

    17- السيد علي الهمداني المتوفى 786 " المترجم ص 127 " قال في مودة القربي : عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فلما كان بغدير خم نودي الصلاة جامعة فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة و أخذ بيد على وقال : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا : بلى ، يارسول الله ؟ فقال : ألا ؟ من أنا مولاه فعلي مولاه ، أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه . فلقيه عمر رضي الله عنه فقال : هنيئا لك يا علي بن أبي طالب ؟ أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة . وفيه نزلت : يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك . الآية .

    18- بدرالدين إبن العيني الحنفي المولود 762 والمتوفى 855 " المترجم ص 131 " ذكر في عمدة القاري في شرح صحيح البخارى 8 ص 584 في قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما انزل . عن الحافظ الواحدي مامر عنه من حديث حسن بن حماد سجادة سندا ومتنا ، ثم حكى عن مقاتل والزمخشري بعض الوجوه الاخرى المذكورة في سبب نزول الآية فقال : قال أبوجعفر محمد بن علي بن الحسين : معناه بلغ ما انزل إليك من ربك في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه . فلما نزلت هذه الآية أخذ بيد علي وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه .

    * ( هامش ) * ( 1 ) نقله عنه البدخشانى في مفتاح النجا في مناقب آل العبا . وزميله الاربلى في كشف الغمة ص 92 مرفرعا إلى ابن عباس ومحمد بن على الباقر عليه السلام ، ثم قال في ص 96 : كان صديقنا وكنا نعرفه وكان حنبلى المذهب . وقال في ص 25 : كان رجلا فاضلا أديبا حسن المعاشرة ، حلو الحديث ، فصيح العبارة ، اجتمعت به في الموصل .

    19- نورالدين إبن الصباغ المالكي المكي المتوفى 855 " المترجم ص 131 " ذكر في " الفصول المهمة " ص 27 ما رواه الواحدي في أسباب النزول من حديث أبي سعيد .

    20- نظام الدين القمي النيسابوري قال في تفسيره الساير الداير ج 6 ص 170 عن أبي سعيد الخدري : أنها نزلت في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه . فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه . فلقيه عمر وقال : هنيئا لك يابن أبي طالب ؟ أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة . وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي . ثم ذكر أقوالا اخر في سبب نزولها .

    21- كمال الدين الميبذي المتوفى بعد 908 " المذكور ص 133 " قال في شرح ديوان أميرالمؤمنين عليه السلام ص 415 : روى الثعلبى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما قال في غدير خم بعد ما نزل عليه قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك . ولا يخفى على أهل التوفيق ان قوله تعالى : ألنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم يلائم حديث الغدير . والله أعلم .

    22- جلال الدين السيوطي الشافعي المتوفى 911 " المترجم ص 133 " قال في الدر المنثور 2 ص 298 : أخرج أبوالشيخ عن الحسن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعا وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لابلغن أو ليعذبني فأنزل : يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك . وأخرج عبد بن حميد و إبن جرير ، وإبن أبي حاتم ، وأبوالشيخ عن مجاهد قال : لما نزلت : بلغ ما انزل إليك من ربك قال : يارب ؟ إنما أنا واحد كيف أصنع يجتمع علي الناس ؟ فنزلت و إن لم تفعل فما بلغت رسالته . واخرج إبن أبي حاتم وإبن مردويه وإبن عساكر عن أبي سعيد الخدري : نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك - إن عليا مولى المؤمنين - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس . 23 - ألسيد عبدالوهاب البخاري المولود 869 والمتوفى 932 ( المترجم 134)في تفسيره عند قوله تعالى : قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى . قال : عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال في قوله تعالى : يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك . أي بلغ من فضايل علي . نزلت في غدير خم فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه . فقال عمر رضي الله عنه : بخ بخ يا علي ؟ أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة : رواه أبونعيم وذكره ايضا الثعالبي في كتابه.

    24- ألسيد جمال الدين الشيرازي المتوفى 1000 كما مر ص 137 ، روى في أربعينه نزول الآية في غدير خم عن إبن عباس بلفظ مر في ص 52 .

    25- محمد محبوب العالم ( المذكور ص 140 ) حكى في تفسيره الشهير به ( تفسير شاهي ) : ما مر عن تفسير نظام الدين النيسابوري .
    26- ميرزا محمد البدخشاني ( المذكور ص 143 ) قال في " مفتاح النجا " : الآيات النازلة في شأن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كثيرة جدا لا أستطيع إستيعابها فأوردت في هذا الكتاب لبها ولبابها - إلى أن قال - : وأخرج " إبن مردويه " عن زر عن عبدالله رضي الله عنه قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله . وذكر إلى آخر ما مر عن إبن مردويه ص 216 ثم روى من طريقه عن أبي سعيد الخدري وفي آخره فنزلت : أليوم أكملت لكم دينكم ، وروى ما أخرجه الحافظ الرسعني بلفظه المذكور ص 221 .

    27- ألقاضي الشوكاني المتوفى 1250 " المترجم ص 146 " في تفسيره " فتح القدير " ج 3 ص 57 قال : أخرج إبن أبي حاتم وإبن مردويه وإبن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية : يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك . على رسول الله يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأخرج إبن مردويه عن إبن مسعود قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك - إن عليا مولى المؤمنين - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس .

    28- ألسيد شهاب الدين الآلوسي الشافعي البغدادى المتوفى 1270 ( المترجم ص 147 ) قال في روح المعاني 2 ص 348 : زعمت الشيعة ( 1 ) إن المراد من الآية بما أنزل

    * ( هامش ) * ( 1 ) ليس قوله : زعمت الشيعة : تخصيصا للرواية بهم فقد اعترف بعد ذلك برواية أهل السنة لها وذكر شيئا من ذلك ، وانما الذى حسبه مزعمة للشيعة فحسب هو افاده الاية الكريمة خلافة أميرالمؤمنين عليه السلام ، وبما أنا أرجئنا القول في الدلالة إلى محله من مستقبل كتابنا الكشاف فانا لا نجابهه بشئ من الحجاج وستقف على ما هو فصل الخطاب في المقام انشاء الله تعالى .

    الله إليك خلافة علي كرم الله وجهه ، فقد رووا بأسانيدهم عن أبي جعفر وأبي عبدالله رضي الله عنهما : إن الله تعالى اوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستخلف عليا كرم الله تعالى وجهه فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من اصحابه فأنزل الله تعالى هذه الآية تشجيعا له عليه السلام بما أمره بأدائه ، وعن إبن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت هذه الآية في على كرم الله وجهه حيث أمر سبحانه أن يخبر الناس بولايته فتخوف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا : حابى إبن عمه وأن يطعنوا في ذلك عليه فأوحى الله تعالى إليه هذه الآية فقام بولايته يوم غدير خم وأخذ بيده فقال عليه الصلاة والسلام : من كنت مولاه فعلي مولاه ، أللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه .
    وأخرج الجلال السيوطى في الدر المنثور عن إبن أبي حاتم ، وإبن مردويه ، وإبن عساكر راوين عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم في علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وأخرج إبن مردويه عن إبن مسعود قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك - إن عليا ولي المؤمنين - وإن لم تفعل فما بلغت رسالته .

    29 - ألشيخ سليمان القندوزي الحنفي المتوفى 1293 ( المترجم ص 147 ) قال في ينابيع المودة ص 120 : أخرج الثعلبي عن أبي صالح عن إبن عباس وعن محمد الباقر رضي الله عنهما قالا : نزلت هذه الآية في علي ايضا الحمويني في فرايد السمطين أخرجه عن أبي هريرة ، ايضا المالكي أخرج في " الفصول المهمة " عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية في علي في غدير خم . هكذا ذكره الشيخ محيي الدين النووي .

    30- ألشيخ محمد عبده المصري المتوفى 1323 ( المترجم ص 148 ) قال في تفسير المنار 6 ص 463 : روى إبن أبي حاتم وإبن مردويه وإبن عساكر عن أبي سعيد الخدري : انها نزلت يوم غدير خم في علي بن أبي طالب .

    انتهى ما نقلته من كتاب الغدير.

    الخلاصة:

    إن دعوى عدم جواز تقية المعصوم تتصادم كليا مع حقيقة أن هناك وقائع تاريخية ونصوص بينة على تلك التقية ومنها ما كان منه في آخر حياته في شان نزول التهديد بتبليغ أمر أمره الله به والوعد بأن الله سيعصمه من الناس.
    وآية التبليغ هذه واضحة بنفسها غير محتاجة إلى روايات هادمة لبنية النص وغير ذلك فهي صريحة بأن الله يهدد رسوله في وجوب تبليغ أمر تأخر في تبليغه خوفا من الناس وهذا هو جوهر المقصود. وليس على الباحث من كل تلك المحاولات المدمرة لمفهوم النص، فحتى لو ادعى أحدهم أن هذه الروايات صحيحة كذبا وتزويرا فهي لا تستطيع أن تنفي هذا المفهوم من النص بل أغلبها يؤيد هذا النص ولكنه يحرف المصداق من ذلك المفهوم ونحن نبحث في نفس المفهوم ولا شأن لنا بالمصداق المدعى.

    إن الأقوال التي قيلت في سبب نزولها لا تثبت عند التمحيص والبحث, لا سندا ولا متنا فهي مشوشة إلى درجة كبيرة، وفيها غرابة حتى في التطبيق كما هو الحال في مسألة الحرس عموما فهذا أمر لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا حين يتعرضون لهذه الآية وهذا أمر غريب لأنه يجب أن يكون مما عرف عن سيرته. وحتى لو ثبت بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ظروف معينة ومحدودة حرس نفسه أو حرسه المؤمنون لتهديد وغير ذلك فالآية لا تنفع لأنها نزلت في آخر ثلاثة اشهر من حياته كما هو الصحيح ولأن الروايات أصلا فيها تشويش فالتي قيل عنها بأن مشركا أراد قتل رسول الله كانت روايات صريحة أنه بلا حرس وانه قد علق سيفه على الشجرة ونام تحتها وهذا غاية الآمان وترك الحرس. فكيف نزلت الآية بترك الحرس؟ بينما هو بالفعل كان تاركا للحرس. هذا بالإضافة إلى اضطراب زمن ذلك الحرس الذي اشرنا إليه، والروايات كلها بهذا المستوى من الضعف والاضطراب. ولهذا فإن هذه الأقوال متروكة أو مؤجلة لمن يبحثها بدقة في مشروع بحث كبير. وليس باستطاعتها نفي ما نريده من التريث في التبليغ خوف الناس.

    فتبين أن دعوى عدم تقية المعصوم وما شابه ذلك غير مبنية على واقع عملي ولا على حقيقة علمية و إنما هي مجرد أقوال جاهلة مبطنة بصور الذكاء في التحريف لأجل تحريف التأريخ والشريعة ومن ثم شتم التشيع . وما ألذ شتم التشيع حتى لو كان بتضييع مرتكزات الإسلام وثوابته. وهذا ما نلمسه بصورة جلية في تناول موضوع التقية.

    أخوكم

    علي الصدر

  16. #96

    الملحق الثالث - لشبهة تقية المعصوم - آية التمني وقصة الغرانيق.

    بسم الله الرحمن الرحيم


    الأخوة الكرام حفظكم الله

    الأخ الكريم الأستاذ حسن بن فرحان المالكي حفظك الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    هذا ملحق له أهمية خاصة حيث أنه يتناول جوانب متعددة مثل العصمة وغيرها عند الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
    ولكننا نورده بسبب دعوى من يّدعي بأن التقية تتصادم مع العصمة بينما يوجد في تراثه ما يتصادم مع العصمة من أساسها حيث يدّعون بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رغب في تقريب الكافرين فقال كلمة الكفر أو أن الرسول تلبسه الشيطان فقال كلمة الكفر وما شابه ذلك من أقوال أرجو النظر فيها بموضوعية وتأن شديد. فالموضوع شديد الخطورة عند العارفين ولا أريد التوسع به لما فيه من خطورة.

    --------------------------


    حين يتعرض الكثير من المفسرين لأية كريمة في القرآن وهي :

    ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحج:52)
    نراهم في الغالب يسلّمون بأن الرسول ربما يخطئ في التبليغ حين يلقي الشيطان في أمنيته أو ربما يختلط أمر الله بأمر الشيطان عنده لفظاً، ويعتبرون الآية وما خالطها دليل على عدم عصمة الرسول من السهو والنسيان..

    هؤلاء المفسرون هم من أعداء التقية ويقولون لا تصح تقية المعصوم. حيث يرفضون التقية بزعمهم المزيف أنها تؤدي إلى التضليل ، ويقبلون فكرة اختلاط أمر الله بأمر الشيطان التي هي الضلال بعينه وهدم للرسالة !!.
    فما اشد هذه المفارقة؟ يصححون خطأ وخلط المعصوم ولا يصححون له حكم إلهي بتقية الطغاة بدعوى النقص في العصمة حين ذاك.

    المهم هناك كم كبير من النصوص التي تدعم نظريتهم في اختلاط أمر الله بأمر الشيطان في القرآن، ومع أن بعضهم وصفها بالضعيفة إلا أن البعض الأخر قال بصحة بعض طرقها أو بعض معانيها, والأهم من ذلك فحتى مع القول بضعف طرق هذه النصوص الداعمة لهذه الفكرة الهدامة فإن هناك تسليما واستخداما لهذه النصوص وعلى الأخص قصة الغرانيق. التي يمكنها أن تبطل الرسالة الإسلامية لو صحت (وأنى لها الصحة) .

    قصة الغرانيق يؤتى بها كدليل على أن الشيطان نطق بلسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء بعلمه أو بدون علم منه حسب الروايات المختلفة في هذا وهذا دليل على عدم عصمته من السهو والنسيان والخطأ!! , وقد وصف الرسول أصنام قريش بوصف راقٍ وقال عنها أنها شفيعة مرجوة.
    ولكن جبريل أو المسلمون أو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد تنبه إلى أن هذا الكلام ليس مما انزل عليه (فاغتم لذلك).
    والقصة بجميع أشكالها مرفوضة عندنا وقد قيل عنها أنها من تلفيق الزنادقة ولا يبعد ذلك ولكن المشكلة أن الرواة والمفسرين يضعون سلسلة السند وفيها الكثير من أهل الحديث المعروفين. خصوصا شعبة مستشار الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي العدو الأول للرسالة الإسلامية ولأهل البيت عليهم السلام. كما أن في بعض طرقها محمد بن كعب القرظي الذي لا يبدوا عليه أنه مسلم حقيقة وهذا يبقي ظلالا من الشك حول إسلام أبيه اليهودي وأسرته فمن تتبع أحاديثه يجدها متخصصة في الدس والتحريف.

    لا يهمنا من كذب هذه الكذبة ولا مدى أهميتها ولكن نقول بأن هذا تراث متوفر عند النافين لتقية المعصوم وهم يقولون عمليا بخطأ المعصوم بل إتّباعه للشيطان وسيطرة الشيطان عليه بحسب بعض فروض هذه الرواية وفروض روايات السحر.

    وينبغي أن أشير وأثبت بأن قسما من علماء السنة لم يرتضوا هذه الرواية وقالوا بضعف أسانيدها وقسم قال بمنافاتها لصريح النصوص الإسلامية ودليل العقل ولكن يلاحظ أيضا التذبذب في تناول الموضوع، فالقرطبي بعد أن ينقدها يسلّم بها في مواقع أخرى.
    والطبري يشير إلى تشككه من القصة ولكنه يبني تفسيرا عليها!!
    كما أن الآلوسي بعد نقده اللاذع للقصة واعتقاده استحالة صدقها يؤلها: بأن تلبّس الشيطان يحصل للأولياء ليتأدبوا !!!.
    وهكذا نجد التأرجح ولكن لا شك بأن قسماً من علماء السنة وافقوا علماء الشيعة في رفض هذه الفرية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . رغم إنها موجودة في تراثهم وعن طريق رجالهم.

    من أطرف ما رأيت أن قسماً من المفسرين اعتبروها آيات منسوخة.
    وقد أشكل أحد الباحثين في النسخ فقال: كيف يقال عنها آيات منسوخة؟ وهي من الشيطان وليست قرآنا.. فكيف تنسخ ؟
    وقد أعتذر قسم عن الغرانيق وإلقاء الشيطان الأماني في قلب الرسول على أنها قبل نزول العصمة عليه!! فتنبه لهذا القول.

    فالكلام موجه بصفة خاصة لمن اعتقد وبنى بناءه على رواية الغرانيق وعلى أن الشيطان يلقي في نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم أماني شيطانية (وهذا مما سلم به التفسير السني بصورة عامة) ، بينما يرفض تقية المعصوم بعد ذلك الإيمان. كما أنه كلام موجه بصورة عامة للتراث السني مع التقدير لمن وقف بوجه هذه الرواية. فإن تصحيح بعض الجوانب التي تساند هذه الرؤية هو المشكل الذي يُلزمنا بعدم الاعتناء بتضعيف قصة الغرانيق عند بعضهم وخصوصا المتأخرين منهم، كما هو حال التسليم بما نسب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنه ليغان على قلبي وغيره، وإلقاء الشيطان في قلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وسحر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي يجعله يتخيل أمورا لم يفعلها.

    وهذا كله متروك لفهم القارئ الكريم ممن له ذوق في القراءة والمتابعة في قراءة هذه النصوص المنتقاة .

    النصوص نسختها من برنامج (مكتبة التفسير وعلوم القرآن) بإشراف مركز التراث للحاسب الآلي وهي كثيرة الأخطاء الإملائية ولكنها مغفورة ، وقد اضطررت لوضع نصوص كاملة بسبب اختلاف التناول للقضية بين كتاب وكتاب، كما أنني تعمدت إيراد ما يناقش ويفند قصة الغرانيق كما هو حال ما أورده في كتاب فتح القدير من الهجوم على هذه القصة، وذلك لبيان أن القصة غير متفق عليها، وقد ضعف طرقها ابن كثير، ولكن أساس المعنى مقبول عندهم، وهذا ما أردت أن أنبه عليه،، واقصد بأساس المعنى أي كون الشيطان يلقي بأمنية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رغم وجود احتمالات كثيرة لمعنى الآية ولكن هذا هو المعنى المتوجه عند الأغلب .

    وكملاحظة مهمة فإن بعض الفروض والتوجيهات لآية التمني توافق ما عليه أهل البيت بأن الشيطان ألقى في موضوع الأمنية وهم المشركون والكفار وليس في نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد نقل ذلك القرطبي ، ولهذا اترك الموضوع بين يدي القارئ بعيدا عن التعقيب المستوفي، لأن العاقل يمكنه أن يجمع ويفكك بطريقة علمية تمكنه من فهم الموضوع والمقصود منه.


    ملاحظة مهمة: أوردت هذه النصوص للمتخصصين فقط، فهي قد تكون مملة جدا بتكرارها وزيادة حجمها ، ولكن لأن الفروق بين النصوص لها أهمية في موضوع خطير كهذا في فهم المعنى العام والاتجاهات في القضية مما يحتم على الباحث أن يوفر أغلب النصوص المهمة كأمانة تاريخية وكتسهيل لمن يريد التتبع والتأكد من الموضوع.. فقد وضعت النصوص المختارة, وأعترف انه من الصعب التفريق بين آية التمني وبين قصة الغرانيق، لأنها متداخلة في أغلب النصوص.
    ولهذا فإن التفريق والتعليق يحتاج إلى صفحات كثيرة لا حاجة لنا بها وليست هي محل الشاهد الذي هو إثبات تفسير أية التمني بوقوع إلقاء الشيطان في أماني الرسول ص وهذا وحده كاف فيما نريد. والنصوص ناطقة بلا أدنى شبهة بأن الشيطان يتدخل في أماني النبي ص وفي ما يلقيه إلى الناس من آيات الله بحيث لا يفرّق بين كلام الله وكلام الشيطان في بعض الأحيان.
    ويؤيد هذا المعنى ما يروى عن سحر الرسول وأنه لا يدري ما فعل.
    فقد قال القرطبي انه ثبت في الصحيحين ,,,,,, وذكر ,,, (حتى يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله).
    وكلامنا في هذا الثابت في الصحيحين ، فأين عصمة الرسول؟ وأين مصداقية الرسول؟ مع ثبوت مثل هذا النص.

    أكرر القول أن النصوص غير مرتبة وهي مفيدة للمتتبع فقط ومملة للقارئ السريع القراءة ، فأنصح مثل هذا القارئ بقراءة عينات فقط ليتأكد من صحة الاتجاه في هذا المجال إذا كان ملولا.

    وعلى العموم فالنصوص هنا مادة خام لمن يريد أن يقوم ببحث شامل في هذا الموضوع وتنسيقه وهو موضوع خطير يفهمه من يعرف خطورة المعاني، لأن مجمل الموضوع فضيحة حقيقية.


    ============================
    وهذه هي النصوص أرجو قراءتها جيدا (وقد وضعت بعض الأقواس لبيان أهمية ذلك الموقع من النص):


    ============================



    تذكرة الأريب في تفسير الغريب ج: 1 ص: 11
    52 تمنى تلا، أمنيته تلاوته، نزلت لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ فألقى الشيطان في التلاوة تلك الغرانيق العلى ، فينسخ يبطل، ثم يحكم يمنع من الباطل


    تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 133
    وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها والنبي يعمه ومن بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهم السلام ولذلك شبه النبي صلى الله عليه وسلم علماء أمته بهم فالنبي أعم من الرسول ويدل عليه أنه ( تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 134 ) عليه الصلاة والسلام وإنه ليغان على قلبي فاستغفر الله سبعين مرة فينسخ الله ما يلقي الشيطان فيبطله ويذهب به بعصمته عن الركون عليه والإرشاد إلى ما يزيحه لم يحكم الله آياته ث يبت آياته الداعية إلى الإستغراق في أمر الآخرة والله عليم بأحوال الناس حكيم فيما يفعله بهم ((( قيل حدث نفسه بزوال المسكنة فنزلت وقيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقربهم إليه واستمر به ذلك حتى كان في ناديهم فنزلت عليه سورة والنجم فأخذ يقرؤها فلما بلغ ومناة الثالثة الأخرى {{وسوس إليه الشيطان حتى سبق لسانه سهوا}} إلى أن قال تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ففرح به المشركون)) حتى شايعوه بالسجود لما سجد في آخرها بحيث لم يبق في المسجد مؤمم ولا مشرك إلا سجد ث نبهه جبريل عليه السلام ((فأغتم لذلك)) فعزاه الله بهذه الآية وهو مردود عند المحققين {{وإن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه}} وقيل تمنى قرأ كقوله تمنى كتاب الله أول ليله تمني داود الزبور على رسل ( تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 35 ) وأمنيته قراءته وإلقاء الشيطان فيها أن تكلم بذلك رافعا صوته بحيث ظن السامعون أنه من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وقد رد أيضا بأنه يخل بالوثوق على القرآن ولا يندفع بقوله فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته لأنه أيضا يحتمله والآية تدل على جواز السهو على الأنبياء وتطرق الوسوسة إليهم ليجعل ما يلقي الشيطان علة لتمكين الشيطان منه وذلك يدل على أن المقى أمر ظاهر عرفه المحق والمبطل فتنة للذين في قلوبهم مرض شك ونفاق والقاسية ( تفسير البيضاوي ج: 4 ص: 136 ) قلوبهم المشركين إن الظالمين يعني الفريقين فوضع الظاهر موضع ضميرهم قضاء عليهم بالظلم لفي شقاق بعيد عن الحق أو عن الرسول والمؤمنين ليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك أن القرآن هو الحق النازل من عند الله أو تمكين الشيطان من الإلقاء هو الحق الصادر من الله لأنه مما جرت به عادته في الإنس من لدن آدم فيؤمنوا به بالقرآن أو بالله فتخبت له قلوبهم بالإنقياد والخشية وإن الله لهادي الذين آمنوا فيما أشكل إلى صراط مستقيم هو نظر صحيح يوصلهم إلى ما هو الحق فيه ولا يزال الذين كفروا في مرية في شك منه من القرآن أو الرسول أو مما ألقى الشيطان في أمنيته يقولن ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها حتى تأتيهم الساعة القيامة أو أشراطها أو الموت بغتة فجأة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم يقتلون فيه كيوم بدر سمي به لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كالعقم أو لأن المقاتلين أبناء الحرب فإذا قتلوا صارت عقيما فوصف ايوم بوصفها اتساعا أو لأنه لا خير لهم فيه ومنه الريح القيم لما لم تنشيء مطرا ولم لقح شجرا أو لأنه لا مثل له لقتال الملائكة فيه أويوم القيامة على أن المراد بن الساعة غيره أو على وضعه موضع ضميرها للتهويل الملك يومئذ لله التنوين فيه ينوب عن الجملة التي دلت عليها الغاية أي يوم تزول مريتهم يحكم بينهم بالمجازاة والضمير يعم المؤمنين والكافرين لتفصيله بقوله فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم



    معجم البلدان ج: 4 ص: 116
    وكانت العرب وقريش تسمي بها عبد العزى وكانت أعظم الأصنام عند قريش وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبائح قال أبو المنذر وقد بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها يوما فقال لقد اهتديت للعزى شاة عفراء وأنا على دين قومي وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فإنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى وكانوا يقولون بنات الله عز وجل وهن يشفعن إليه فلما بعث رسوله صلى الله عليه وسلم أنزل عليه أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان وكانت قريش قد حمت لها شعبا من وادي حراض يقال له سقام يضاهئون به حرم الكعبة وقد ذكر سقام في موضعه من هذا الكتاب

    ( أقول : هذا النص يدل على أن هذه الكلمة من قول المشركين لا من قول الرسول فتنبه.. علي الصدر)


    تفسير القرطبي ج: 12 ص: 80

    والجهة الأخرى التي فيها الإشكال وهي الثالثة الأحاديث المروية في نزول هذه الآية وليس منها شيء يصح وكان مما تموه به الكفار على عوامهم قولهم حق الأنبياء ألا يعجزوا عن شيء فلم لايأتينا محمد بالعذاب وقد بلغنا في عداوته وكانوا يقولون أيضا ينبغي ألا يجري عليهم سهو وغلط فبين الرب سبحانه أنهم بشر والآتي بالعذاب هو الله تعالى على ما يريد ويجوز على البشر السهو والنسيان والغلط إلى أن يحكم الله آياته وينسخ حيل الشيطان روى الليث عن يونس عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم والنجم إذا هوى فلما بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ( تفسير القرطبي ج: 12 ص: 81 ) سها فقال إن شفاعتهم لترجى فلقيه المشركون والذين في قلوبهم مرض فسلموا عليه وفرحوا فقال إن ذلك من الشيطان فأنزل الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولانبي الآية قال النحاس وهذا حديث منقطع وفيه هذا الأمر العظيم
    ( تعليق مني : بعد أن أتى بالقصة ليثبت عدم عصمة الأنبياء من السهو يذكر ضعف القصة وهذا تذبذب واضح فإن كانت ضعيفة فلم الاستدلال بها؟ لنقض العصمة من السهو والنسيان، وإن كانت حجة يستدل بها فلم التضعيف؟ ، قلت أن المشكلة التذبذب. علي الصدر... والنص مستمر...)
    وكذا حديث قتادة وزاد فيه وإنهن لهن الغرانيق العلا واقطع من هذا ما ذكره الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله قال سجد المشركون كلهم إلا الوليد بن المغيرة فإنه أخذ ترابا من الأرض فرفعه إلى جبهته وسجد عليه وكان شيخا كبيرا ويقال إنه أبو أحيحة سعيد بن العاص حتى نزل جبريل عليه السلام فقرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما جئتك به وأنزل الله لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا قال النحاس وهذا حديث منكر منقطع ولا سيما من حديث الواقدي وفي البخاري أن الذي أخذ قبضة من تراب ورفعها إلى جبهته هو أمية بن خلف وسيأتي تمام كلام النحاس على الحديث إن شاء الله آخر الباب قال ابن عطية وهذا الحديث الذي فيه الغرانيق العلا وقع في كتب التفسير ونحوها ولم يدخله البخاري ولامسلم ولاذكره في علمي مصنف مشهور بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى ولايعينون هذا السبب ولاغيره (( ولاخلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة بها وقعت الفتنة)) ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء فالذي في التفاسير هو مشهور القول أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بتلك الألفاظ على لسانه وحدثني أبي رضي الله عنه أنه لقي بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال هذا لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم في التبليغ وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي صلى الله عليه وسلم أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وقرب صوته من النبي صلى الله عليه وسلم حتى التبس الأمر على المشركين وقالوا محمد قرأها وقد روى نحو هذا التأويل عن الإمام أبي المعالي .
    { أقول : هذا تفسير تبرعي حسب ما يلزم من نفي لعصمة الرسول كما أخبرهم من في المشرق. علي الصدر.. والنص مستمر..}
    وقيل الذي ألقى شيطان الإنس كقوله عز وجل والغوا فيه قتادة هو ما تلاه ناعسا ( تفسير القرطبي ج: 12 ص: 82 ) وقال القاضي عياض في كتاب الشفا بعد أن ذكر الدليل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأن الأمة أجمعت فيما طريقته البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ماهو عليه لاقصدا ولا عمدا ولاسهوا وغلطا اعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين أحدهما في توهين أصله والثاني على تسليمه أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه بسند سليم متصل ثقة وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم قال أبو بكر البزار وهذا الحديث لانعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا مارواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب الشك في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة وذكر القصة ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد وغيره يرسله عن سعيد بن جبير وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لايعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه الذي ذكرناه الذي لايوثق به ولاحقيقة معه وأما حديث الكلبي فما لاتجوز الرواية عنه ولاذكره لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البزار رحمه الله والذي منه في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ والنجم بمكة فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس هذا توهينه من طريق النقل وأما المأخذ الثاني فهو مبني على تسليم الحديث لو صح وقد أعاذنا الله من صحته ولكن على كل حال فقد أجاب أئمة المسلمين عنه بأجوبة منها الغث والسمين والذي يظهر.
    { تعليق : أقول أن التسليم بهذا الحديث على التفسير الذي تبرع به لا يجوز أيضا ولا يصح التسليم به فتنبه . علي الصدر.. والنص مستمر..)
    ويترجح في تأويله على تسليمه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا ويفصل الآي تفصيلا في قراءته كما رواه الثقات عنه فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكنات ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات محاكيا نغمة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار فظنوها من قول النبي صلى الله عليه وسلم وأشاعوها ( تفسير القرطبي ج: 12 ص: 83 ) ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله وتحققهم من حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعيبها ما عرف منه فيكون ماروي من حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة وقد قال الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الآية قلت {{وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا}} وقد قال سليمان بن حرب إن في بمعنى عند أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم كقوله عز وجل ولبث فينا أي عندنا وهذا هو معنى ماحكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق وإليه أشار القاضي أبو بكر بن العربي وقال قبله إن هذه الآية نص في غرضنا دليل على صحة مذهبنا أصل في براءة النبي صلى الله عليه وسلم مما ينسب إليه أنه قاله وذلك أن الله تعالى قال وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته أي تلاوته فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرته في أنبيائه إذا قالوا عن الله تعالى قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه كما يفعل سائر المعاصي تقول ألقيت في الدار كذا وألقيت في الكيس كذا فهذا نص في الشيطان أنه زاد في الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لا أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم به ثم ذكر معنى كلام عياض إلى أن قال وما هدي لهذا إلا الطبري لجلال قدره وصفاء فكره وسعة باعه في العلم وشدة ساعده في النظر وكأنه أشار إلى هذا الغرض وصوب على هذا المرمى وقرطس بعدما ذكر في ذلك روايات كثيرة كلها باطل لا أصل لها ولو شاء ربك لما رواها أحد ولاسطرها ولكنه فعال لما يريد
    (!!!!!!)
    وأما غيره من التأويلات فما حكاه قوم أن الشيطان أكرهه حتى قال كذا فهو محال إذ ليس للشيطان قدرة على سلب الإنسان الاختيار قال الله تعالى مخبرا عنه وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ولو كان للشيطان هذه القدرة لما بقي لأحد ( تفسير القرطبي ج: 12 ص: 84 ) من بني آدم قوة في طاعته توهم أن للشيطان هذه القوة فهو قول الثنوية والمجوس في أن الخير من الله والشر من الشيطان ومن قال جرى على لسانه سهوا قال لابعد أنه كان سمع الكلمتين من المشركين وكانتا على حفظه فجرى عند قراءة السورة ما كان في حفظه سهوا وعلى هذا يجوز السهو عليهم ولايقرون عليه وأنزل الله عز وجل هذه الآية تمهيدا لعذره وتسلية له لئلا يقال إنه رجع عن بعض قراءته وبين أن بعض قراءته وبين أن مثل هذا جرى على الأنبياء سهوا والسهو إنما ينتفي عن الله تعالى وقد قال ابن عباس إن شيطانا يقال له الأبيض كان قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل عليه السلام وألقى في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى وهذا التأول وإن كان أشبه مما قبله فالتأويل الأول عليه المعول فلا يعدل عنه إلى غيره لاختيار العلماء المحققين إياه وضعف الحديث مغن عن كل تأويل والحمد لله ومما يدل أيضا على ضعفه أيضا وتوهينه من الكتاب قوله تعالى وإن كادوا ليفتنونك الآيتين فإنهما تردان الخبر الذي رووه لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري وأنه لولا أن ثبته لكان يركن إليهم فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفتري وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا فكيف كثيرا وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم وأنه قال عليه الصلاة السلام افتريت على الله وقلت ما لم يقل وهذا ضد مفهوم الآية وهي تضعف الحديث لو صح فكيف ولاصحة له وهذا مثل قوله تعالى ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء قال القشيري ولقد طالبته قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ووعدوه بالإيمان به إن فعل ذلك فما فعل ولاكان ليفعل قال ابن الأنباري ما قارب الرسول ولاركن وقال الزجاج أي كادوا ودخلت إن واللام للتأكيد وقد قيل إن معنى تمنى حدث لا تلا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله عز وجل إلا إذا تمنى قال إلا إذا حدث ألقى الشيطان في أمنيته قال في حديثه فينسخ ( تفسير القرطبي ج: 12 ص: 85 ) الله مايلقي الشيطان قال فيبطل الله مايلقي الشيطان قال النحاس وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدا ماكان كثيرا {{والمعنى عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حدث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيطة فيقول لو سألت الله عز وجل أن يغنمك ليتسع المسلمون}} ويعلم الله عز وجل أن الصلاح في غير ذلك فيبطل ما يلقي الشيطان كما قال ابن عباس رضي الله عنهما وحكى الكسائي والفراء جميعا تمنى إذا حدث نفسه وهذا هو المعروف في اللغة وحكيا أيضا تمنى إذا تلا وروي عن ابن عباس أيضا قاله مجاهد والضحاك وغيرهما {{وقال أبو الحسن بن مهدي ليس هذا التمنى من القرآن والوحي في شيء وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صفرت يداه من المال ورأى ما بأصحابه من سوء الحال تمنى الدنيا بقلبه ووسوسة الشيطان}} وذكر المهدوي عن ابن عباس أن المعنى إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه وهو اختيار الطبري قلت قوله تعالى ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة الآية يرد حديث النفس وقد قال ابن عطية لاخلاف أن إلقاء الشيطان أنما هو لألفاظ مسموعة بها وقعت الفتنة فالله أعلم قال النحاس ولو صح الحديث واتصل إسناده لكان المعنى فيه صحيحا ويكون معنى سها أسقط ويكون تقديره أفرأيتم اللأت والعزى وتم الكلام ثم أسقط والغرانيق العلا يعني الملائكة فإن شفاعتهن يعود الضمير على الملائكة وأما من روى فإنهن الغرانيق العلا ففي روايته أجوبة منها أن يكون القول محذوفا كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة ويجوز أن يكون بغير حذف ويكون توبيخا لأن قبله أفرأيتم ويكون هذا احتجاجا عليهم فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحا في الصلاة وقد روي في هذه القصة أنه كان مما يقرأ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى والغرانقة العلا وأن شفاعتهن لترتجى روى معناه عن مجاهد وقال الحسن أراد بالغرانيق العلا الملائكة وبهذا {{فسرالكلبي الغرانقة أنها الملائكة}} وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون أن الأوثان والملائكة بنات ( تفسير القرطبي ج: 12 ص: 86 ) الله كما حكى الله تعالى عنهم ورد عليهم في هذه السورة بقوله ألكم الذكر وله الأنثى فأنكر الله على كل هذا من قولهم ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم وابس عليهم الشيطان بذلك نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للتلبيس كما نسخ كثير من القرآن ورفعت تلاوته قال القشيري وهذا غير سديد لقوله فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي يبطله وشفاعة الملائكة غير باطلة والله عليم حكيم عليم بما أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم حكيم في خلقه 22 53 قوله تعالى ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة أي ضلالة للذين في قلوبهم مرض أي شرك ونفاق والقاسية قلوبهم فلا تلين لأمر الله تعالى {{قال الثعلبي وفي الآية دليل على أن الأنبياء يجوز عليهم السهو والنسيان والغلط بوسواس الشيطان أو عند شغل القلب حتى يغلط ثم ينبه ويرجع إلى الصحيح}} وهو معنى قوله فينسخ الله مايلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ولكن إنما يكون الغلط على حسب ما يغلط أحدنا فأما مايضاف إليه من قولهم تلك الغرانيق العلا فكذب على النبي صلى الله عليه وسلم لأن فيه تعظيم الأصنام ولايجوز ذلك على الأنبياء كما لايجوز أن يقرأ بعض القرآن ثم ينشد شعرا ويقول غلطت وظننته قرآنا وإن الظالمين لفي شقاق بعيد أي الكافرين لفي خلاف وعصيان ومشاقة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم في البقرة والحمد لله وحده 22 54


    تفسير القرطبي ج: 13 ص: 322
    قوله تعالى ولا يصدنك عن آيات الله بعد أن أنزلت إليك يعني أقوالهم وكذبهم وأذاهم ولا تلتفت نحوهم وامض لأمرك وشأنك وقرأ يعقوب يصدنك مجزوم النون وقرئ يصدنك من أصده بمعنى صده وهي لغة في كلب قال الشاعر أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم صدود السواقي عن أنوف الحوائم وادع إلى ربك أي إلى التوحيد وهذا يتضمن المهادنة والموادعة وهذا كله منسوخ بآية السيف {{وسبب هذه الآية ما كانت قريش تدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تعظيم أوثانهم وعند ذلك ألقى الشيطان في أمنتيته أمر الغرانيق على ما تقدم}} والله أعلم

    {تعليق: أقول هذا النص فيه تسليم بالقصة واستدلال بها من جديد في نفي عصمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ونسي قوله في ضعفها. علي الصدر}

    تفسير القرطبي ج: 15 ص: 264
    وكان المشركون إذا قيل لهم لا إله إلا الله نفروا وكفروا وإذا ذكر الذين من دونه يعني الأوثان حين ألقى الشيطان في أمنية النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءته سورة والنجم تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم ترتجي قاله جماعة المفسرين إذا هم يستبشرون أي يظهر في وجوههم البشر والسرور

    {تعليق: أقول هذا النص فيه تسليم بالقصة واستدلال بها من جديد في نفي عصمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ونسي قوله في ضعفها. علي الصدر}



    تفسير القرطبي ج: 17 ص: 124
    قوله تعالى فاسجدوا لله واعبدوا قيل المراد به سجود تلاوة القرآن وهو قول ابن مسعود وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقد تقدم في أول السورة من حديث ابن عباس أن النبي ص سجد فيها وسجد معه المشركون وقيل إنما سجد معه المشركون لأنهم سمعوا أصوات الشياطين في أثناء قراءة رسول الله ص عند قوله أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وأنه قال تلك الغرانيق العلا وشفاعتهن ترتجى كذا في رواية سعيد بن جبير ترتجى وفي رواية أبي العاليةوشفاعتهن ترتضى ومثلهن لا ينسى ففرح المشركون وظنوا أنه من قول محمد ص على ما تقدم بيانه في الحج فلما بلغ الخبر بالحبشة من كان بها من أصحاب النبي ص رجعوا ظنا منهم أن أهل مكة آمنوا فكان أهل مكة أشد عليهم وأخذوا في تعذيبهم إلى أن كشف الله عنهم وقيل المراد سجود الفرض في الصلاة وهو قول ابن عمر كان لا يراها من عزائم السجود وبه قال مالك وروى أبي بن كعب رضي الله عنه كان آخر فعل النبي ص ترك السجود في المفصل والأول أصح وقد مضى القول فيه آخر الأعراف مبينا والحمد لله رب العالمين

    {تعليق: أقول هذا النص فيه تسليم بالقصة واستدلال بها من جديد في نفي عصمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ونسي قوله في ضعفها. علي الصدر}


    تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 230
    قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح والله أعلم قال ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم فلما بلغ هذا الموضع أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى قال فألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتجى قالوا ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا فأنزل الله عز وجل هذه الآية وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ورواه ابن جرير عن بندار عن غندر عن شعبة به بنحوه وهو مرسل وقد رواه البزار في مسنده عن يوسف بن حماد عن أمية بن خالد عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب الشك في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بمكة سورة النجم حتى انتهى إلى أفرأيتم اللات والعزى وذكر بقيته {{ثم قال البزار لا نعلمه يروى متصلا إلا بهذا الإسناد تفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور}} وإنما يروى هذا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ثم رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية وعن السدي مرسلا وكذا رواه ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس مرسلا أيضا وقال قتادة كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام إذ نعس فألقى الشيطان على لسانه وإن شفاعتها لترتجى وإنها لمع الغرانيق العلى فحفظها المشركون واجترأ الشيطان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قرأها فذلت بها ألسنتهم فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الآية فدحر الله الشيطان ثم قال ابن أبي حاتم حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم وأحزنه ضلالهم فكان يتمنى هداهم فلما أنزل الله سورة النجم أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت فقال وإنهن لهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة وذلت بها ألسنتهم وتباشروا بها وقالوا إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر النجم سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا فرفع ملء كفه ترابا فسجد عليه فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثهم به الشيطان (تفسير ابن كثير ج: 3 ص: 231 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرأها في السورة فسجدوا لتعظيم آلهتهم ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم وصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه وحدثوا أن المسلمين قد آمنوا بمكة فأقبلوا سراعا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته وحفظه من الفرية وقال الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد فلما بين الله قضاءه وبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم المسلمين واشتدوا عليهم وهذا أيضا مرسل وفي تفسير ابن جرير عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه دلائل النبوة فلم يجز به موسى بن عقبة ساقه في مغازيه بنحوه قال وقد روينا عن أبي إسحاق هذه القصة قلت وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا وكلها مرسلات ومنقطعات والله أعلم وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك ثم سأل ههنا سؤالا كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه ثم حكى أجوبة عن الناس من ألطفها أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك فتوهموا أنه صدر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليس كذلك في نفس الأمر بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمن صلى الله عليه وعلى آله وسلم والله أعلم وهكذا تنوعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته وقد تعرض القاضي عياض رحمه الله في كتاب الشفاء 2750 لهذا {{وأجاب بما حاصله وقوله إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته هذا فيه تسلية من الله لرسوله صلوات الله وسلامه عليه أي لا يهيدنك فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء}} قال البخاري بعد4740تعليقا قال ابن عباس في أمنيته إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه فيبطل الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته يقول إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه وقال مجاهد إذا تمنى يعني إذا قال ويقال أمنيته قراءته إلا أماني يقولون ولا يكتبون قال البغوي وأكثر المفسرين قالوا معنى قوله تمنى أي تلا وقرأ كتاب الله ألقى الشيطان في أمنيته أي في تلاوته قال الشاعر في عثمان حين قتل تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر وقال الضحاك إذا تمنى إذا تلا قال ابن جرير هذا القول أشبه بتأويل الكلام وقوله فينسخ الله ما يلقى الشيطان حقيقة النسخ لغة الإزالة والرفع قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي فيبطل الله سبحانه تعالى ما ألقى الشيطان وقال الضحاك نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان وأحكم الله آياته وقوله والله عليم أي بما يكون من الأمور والحوادث لا تخفى عليه خافية حكيم أي في تقديره وخلقه وأمره له الحكمة التامة والحجة البالغة ولهذا قال ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض أي شك وشرك وكفر ونفاق كالمشركين حين فرحوا بذلك واعتقدوا أنه صحيح من عندالله وإنما كان من الشيطان قال ابن جريج الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون والقاسية قلوبهم هم المشركون وقال مقاتل بن حيان هم اليهود وإن الظالمين لفي شقاق بعيد أي في ضلال ومخالفة وعناد بعيد أي من الحق والصواب وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به أي وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل والمؤمنون بالله ورسوله أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك الذي أنزله بعلمه وحفظه وحرسه أن يختلط به غيره بل هو كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد وقوله فيؤمنوا به أي يصدقوه وينقادوا له فتخبت له قلوبهم أي تخضع وتذل له قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم أي في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق وإتباعه ويوفقفهم لمخالفة الباطل وإجتنابه وفي الآخرة يهديهم الصراط المستقيم الموصل إلى درجات الجنات ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات


    تفسير الطبري ج: 17 ص: 186
    القول في تأويل قوله تعالى ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم قيل إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشيطان كان ألقى على لسانه في بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القرآن ما لم ينزله الله عليه {{فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم واغتم به}} فسلاه الله مما به من ذلك بهذه الآيات ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثنا حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس قالا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناد من أندية قريش كثير أهله فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه فأنزل الله عليه والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى عليه الشيطان كلمتين تلك الغرانقة العلى وإن شفاعتهن لترجى فتكلم بها ثم مضى فقرأ السورة (تفسير الطبري ج: 17 ص: 187) كلها فسجد في آخر السورة وسجد القوم جميعا معه ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود فرضوا بما تكلم به وقالوا قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده إذ جعلت لها نصيبا فنحن معك قالا فلما أمسى أتاه جبرائيل عليهما السلام فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال ما جئتك بهاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل فأوحى الله إليه وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره إلى قوله ثم لا تجد لك علينا نصيرا فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم قال فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا هم أحب إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن ابن إسحاق عن يزيد بن زياد المدني عن محمد بن كعب القرظي قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولي قومه عنه وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه وكان يسره مع حبه وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم حين حدث بذلك نفسه وتمنى وأحبه فأنزل الله والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى فلما انتهى إلى قول الله أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتضى فلما سمعت ذلك قريش فرحوا وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم فأصاخوا له والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم ولا يتهمونه على خط ولا وهم ولا زلل فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها فسجد المسلمون بسجود نبيهم تصديقا لما جاء به واتباعا لأمره وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخا كبيرا فلم يستطع فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ثم تفرق الناس من المسجد وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم يقولون قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر وقد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العلي وأن شفاعتهن ترتضى وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل أسلمت قريش فنهضت منهم رجال وتخلف آخرون وأتى جبرائيل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد ماذا صنعت لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله وقلت ما لم يقل لك فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك وخاف من الله خوفا كبيرا فأنزل الله تبارك وتعالى عليه وكان به رحيما يعزيه ويخفض عليه الأمر ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبي تمنى كما تمنى ولا أحب كما أحب إلا ( تفسير الطبري ج: 17 ص: 188 ) والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى على لسانه صلى الله عليه وسلم فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته أي فأنت كبعض الأنبياء والرسل فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته الآية فأذهب الله عن نبيه الحزن وأمنه من الذي كان يخاف ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم أنها الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتضى يقول الله حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى إلى قوله وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه قالت قريش ندم محمد على ما كان من منزلة آلهتكم عند الله فغير ذلك وجاء بغيره وكان ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا في كل مشرك فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه حدثنا ابن عبد الأعلى قال ثنا المعتمر قال سمعت داود عن أبي العالية قال قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جلساؤك عبد بني فلان ومولى بني فلان فلو ذكرت آلهتنا بشيء جالسناك فإنه يأتيك أشراف العرب فإذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك قال فألقى الشيطان في أمنيته فنزلت هذه الآية أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى قال فأجرى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترجى مثلهن لا ينسى قال فسجد النبي صلى الله عليه وسلم حين قرأها وسجد معه المسلمون والمشركون فلما علم الذي أجري على لسانه كبر ذلك عليه فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته إلى قوله والله عليم حكيم حدثنا ابن المثنى قال ثنا أبو الوليد قال ثنا حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن أبي العالية قال قالت قريش يا محمد إنما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس فلو ذكرت آلهتنا بخير لجالسناك فإن الناس يأتونك من الآفاق فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النجم فلما انتهى على هذه الآية أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فألقى الشيطان على لسانه وهي الغرانقة العلى وشفاعتهن ترتجى فلما فرغ منها سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون والمشركون إلا أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ كفا من تراب وسجد عليه وقال قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير حتى بلغ الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين أن قريشا قد أسلمت فاشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ألقى الشيطان على لسانه فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلى آخر الآية حدثنا ابن بشار قال ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال لما نزلت هذه الآية أفرأيتم اللات والعزى قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المشركون إنه لم يذكر ( تفسير الطبري ج: 17 ص: 189 ) آلهتكم قبل اليوم بخير فسجد المشركون معه فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته إلى قوله عذاب يوم عقيم حدثنا ابن المثنى قال ثني عبد الصمد قال ثنا شعبة قال ثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير قال لما نزلت أفرأيتم اللات والعزى ثم ذكر نحوه حدثني محمد بن سعد قال ثني أبي قال ثني عمي قال ثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته إلى قوله والله عليم حكيم وذلك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب فجعل يتلوها فسمعه المشركون فقالوا إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان إن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فجعل يتلوها فنزل جبرائيل عليه السلام فنسخها ثم قال له وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته إلى قوله والله عليم حكيم حدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الآية أن نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنزل الله عليه في آلهة العرب فجعل يتلو اللات والعزى ويكثر ترديدها فسمع أهل مكة نبي الله يذكر آلهتهم ففرحوا بذلك ودنوا يستمعون فألقى الشيطان في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فأنزل الله عليه وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى والله عليم حكيم حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب أنه سئل عن قوله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الآية قال ابن شهاب ثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قرأ عليهم والنجم إذا هوى فلما بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى قال إن شفاعتهن ترتجى {{وسها رسول الله صلى الله عليه وسلم}} فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض فسلموا عليه وفرحوا بذلك فقال لهم إنما ذلك من الشيطان فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي حتى بلغ فينسخ الله ما يلقي الشيطان فتأويل الكلام ولم يرسل يا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم ولا نبي محدث ليس بمرسل إلا إذا تمنى واختلف أهل التأويل في معنى قوله تمنى في هذا الموضع وقد ذكرت قول جماعة ممن قال ذلك التمني (تفسير الطبري ج: 17 ص: 190) من النبي صلى الله عليه وسلم ما حدثته نفسه من محبته مقاربة قومه في ذكر آلهتهم ببعض ما يحبون ومن قال ذلك محبة منه في بعض الأحوال أن لا تذكر بسوء وقال آخرون بل معنى ذلك إذا قرأ وتلا أو حدث ذكر من قال ذلك حدثني علي قال ثنا عبد الله قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته يقول إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم قال ثنا عيسى وحدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله إذا تمنى قال إذا قال حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله حدثت عن الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله إلا إذا تمنى يعني بالتمني التلاوة والقراءة وهذا القول أشبه بتأويل الكلام بدلالة قوله فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته على ذلك لأن الآيات التي أخبر الله جل ثناؤه أنه يحكمها لا شك أنها آيات تنزيله فمعلوم أن الذي ألقي فيه الشيطان هو ما أخبر الله تعالى ذكره أنه نسخ ذلك منه وأبطله ثم أحكمه بنسخه ذلك منه فتأويل الكلام إذن وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله وقرأ أو حدث وتكلم وألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه أو في حديثه الذي حدث وتكلم فينسخ الله ما يلقي الشيطان يقول تعالى فيذهب الله ما يلقي الشيطان من ذلك على لسان نبيه ويبطله كما حدثني علي قال ثنا عبد الله قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس فينسخ الله ما يلقي الشيطان فيبطل الله ما ألقى الشيطان حدثت عن الحسين قال سمعت أبا معاذ يقول أخبرنا عبيد قال سمعت الضحاك يقول في قوله فينسخ الله ما يلقي الشيطان نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وأحكم الله آياته وقوله ثم يحكم الله آياته يقول ثم يخلص الله آيات كتابه من الباطل الذي ألقى الشيطان على لسان نبيه والله عليم بما يحدث في خلقه من حدث لا يخفى عليه منه شيء حكيم في تدبيره إياهم وصرفه لهم فيما شاء وأحب القول في تأويل قوله تعالى ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ( تفسير الطبري ج: 17 ص: 191 ) يقول تعالى ذكره فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته كي يجعل ما يلقي الشيطان في أمنية نبيه من الباطل كقول النبي صلى الله عليه وسلم تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى فتنة يقول اختبارا يختبر به الذين في قلوبهم مرض من النفاق وذلك الشك في صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقيقة ما يخبرهم به وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا ابن عبد الأعلى قال ثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمنى أن لا يعيب الله آلهة المشركين فألقى الشيطان في أمنيته فقال إن الآلهة التي تدعي أن شفاعتها لترتجى وإنها للغرانيق العلى فنسخ الله ذلك وأحكم الله آياته أفرأيتم اللات والعزى حتى بلغ من سلطان قال قتادة لما ألقى الشيطان ما ألقى قال المشركون قد ذكر الله آلهتهم بخير ففرحوا بذلك فذكر قوله ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة بنحوه حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج عن ابن جريج في قوله ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض يقول وللذين قست قلوبهم عن الإيمان بالله فلا تلين ولا ترعوي وهم المشركون بالله وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج عن ابن جريج والقاسية قلوبهم قال المشركون وقوله وإن الظالمين لفي شقاق بعيد يقول تعالى ذكره وإن مشركي قومك يا محمد لفي خلاف الله في أمره بعيد من الحق القول في تأويل قوله تعالى وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم يقول تعالى ذكره وكي يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها لرسوله ونسخ ما ألقي الشيطان فيه أنه الحق من عند ربك يا محمد فيؤمنوا به يقول فيصدقوا به فتخبت له ( تفسير الطبري ج: 17 ص: 192) قلوبهم يقول فتخضع للقرآن قلوبهم وتذعن بالتصديق به والإقرار بما فيه وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحق القاصد والحق الواضح بنسخ ما ألقي الشيطان في أمنية رسوله فلا يضرهم كيد الشيطان وإلقاؤه الباطل على لسان نبيهم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج عن ابن جريج وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك قال يعني القرآن القول في تأويل قوله تعالى ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم يقول تعالى ذكره ولا يزال الذين كفرا بالله في شك ثم اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله منه من ذكر ما هي فقال بعضهم هي من ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ذكر من قال ذلك حدثنا ابن بشار قال ثنا محمد قال ثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير ولا يزال الذين كفروا في مرية منه من قوله تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتجى حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قوله ولا يزال الذين كفروا في مرية منه قال مما جاءك به إبليس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة وقال آخرون بل هي من ذكر سجود النبي صلى الله عليه وسلم في النجم ذكر من قال ذلك حدثنا ابن المثنى قال ثنا عبد الصمد قال ثنا شعبة قال ثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير ولا يزال الذين كفروا في مرية منه قال في مرية من سجودك وقال آخرون بل هي من ذكر القرآن ذكر من قال ذلك حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج عن ابن جريج ولا يزال الذين كفروا في مرية منه قال من القرآن وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته وذلك أن ذلك من ذكر قوله وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك أقرب منه من ( تفسير الطبري ج: 17 ص: 193) ذكر قوله فينسخ الله ما يلقي الشيطان والهاء من قوله أنه من ذكر القرآن فإلحاق الهاء في قوله في مرية منه بالهاء من قوله أنه الحق من ربك أولى من إلحاقها ب ما التي في قوله ما يلقي الشيطان مع بعد ما بينهما وقوله حتى تأتيهم الساعة يقول لا يزال هؤلاء الكفار في شك من أمر هذا القرآن إلى أن تأتيهم الساعة بغتة وهي ساعة حشر الناس لموقف الحساب بغتة يقول فجأة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم واختلف أهل التأويل في هذا اليوم أي يوم هو فقال بعضهم هو يوم القيامة ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب قال ثنا هشيم قال ثنا شيخ من أهل خراسان من الأزد يكني أبا ساسان قال سألت الضحاك عن قوله عذاب يوم عقيم قال عذاب يوم لا ليلة بعده حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثنا أبو تميلة عن أبي حمزة عن جابر عن عكرمة أن يوم القيامة لا ليلة له وقال آخرون بل عني به يوم بدر وقالوا إنما قيل له يوم عقيم أنهم لم ينظروا إلى الليل فكان لهم عقيما ذكر من قال ذلك حدثني يعقوب قال ثنا ابن علية عن ليث عن مجاهد قال عذاب يوم عقيم يوم بدر حدثنا القاسم قال ثنا الحسين قال ثني حجاج عن ابن جريج أو يأتيهم عذاب يوم عقيم قال ابن جريج يوم ليس فيه ليلة لم يناظروا إلى الليل قال مجاهد عذاب يوم عظيم قال ثنا الحسين قال ثنا أبو تميلة عن أبي حمزة عن جابر قال قال مجاهد يوم بدر حدثني أبو السائب قال ثنا أبو إدريس قال أخبرنا الأعمش عن رجل عن سعيد بن جبير في قوله عذاب يوم عقيم قال يوم بدر حدثنا ابن عبد الأعلى قال ثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة قوله عذاب يوم عقيم قال هو يوم بدر ذكره عن أبي بن كعب حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله عذاب يوم عقيم قال هو يوم بدر عن أبي بن كعب وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية لأنه لا وجه لأن يقال لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو تأتيهم الساعة وذلك أن الساعة هي يوم القيامة فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف الألفاظ وذلك ما لا معنى له فإذ كان ذلك كذلك فأولى التأويلين به أصحهما معنى وأشبههما بالمعروف في الخطاب وهو ما ذكرناه من معناه ( تفسير الطبري ج: 17 ص: 194) فتأويل الكلام إذن ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة فيصيروا إلى العذاب الدائم أو يأتيهم عذاب يوم عقيم له فلا ينظروا فيه إلى الليل ولا يؤخروا فيه إلى المساء لكنهم يقتلون قبل المساء



    تفسير الطبري ج: 24 ص: 10
    القول في تأويل قوله تعالى وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون يقول تعالى ذكره وإذا أفرد الله جل ثناؤه بالذكر فدعي وحده وقيل لا إله إلا الله اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالمعاد والبعث بعد الممات وعني بقوله اشمأزت نفرت من توحيد الله وإذا ذكر الذين من دونه يقول وإذا ذكر الآلهة التي يدعونها من دون الله مع الله فقيل تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتها لترتجى إذا الذين لا يؤمنون بالآخرة يستبشرون بذلك ويفرحون كما حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة أي نفرت قلوبهم واستكبرت وإذا ذكر الذين من دونه الآلهة إذا هم يستبشرون حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم قال ثنا عيسى وحدثني الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله اشمأزت قال انقبضت قال وذلك يوم قرأ عليهم النجم عند باب الكعبة حدثنا محمد قال ثنا أحمد قال ثنا أسباط عن السدي قوله اشمأزت قال نفرت وإذا ذكر الذين من دونه أوثانهم



    الدر المنثور ج: 5 ص: 319
    وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال أنزل الله والنجم إذا هوى النجم آية 1 فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية أفرأيتم اللات والعزى النجم آية 19 فألقى عليه الشيطان كلمتين تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي من السورة وسجد فأنزل الله وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك الآية فما زال مغموما مهموما حتى أنزل الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي الحج آية 52 الآية وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ثقيفا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أجلنا سنة حتى نهدي لآلهتنا فإذا قبضنا الذي يهدى للآلهة أحرزناه ثم أسلمنا وكسرنا الآلهة فهم أن يؤجلهم فنزلت وإن كادوا ليفتنونك


    الدر المنثور ج: 6 ص: 65
    أخرج عبد بن حميد وابن الانباري في المصاحف عن عمرو بن دينار قال كان ابن عباس رضي الله عنه يقرأ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث وأخرج ابن أبي حاتم عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال ان فيما أنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث فنسخت محدث والمحدثون صاحب يس ولقمان وهو من آل فرعون وصاحب موسى وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال النبي وحده الذي يكلم وينزل عليه ولا يرسل وأخرج عبد بن حميد من طريق السدي عن أبي صالح قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المشركون ان ذكر آلهتنا بخير ذكرنا آلهته بخير ف ألقى الشيطان في أمنيته أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى النجم آية 19 إنهن لفي الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى قال فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا اذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فقال ابن عباس ان أمنيته أن يسلم قومه وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى ففرح المشركون بذلك وقالوا قد ذكر آلهتنا فجاءه جبريل فقال اقرأ علي ما جئتك به فقرأ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى فقال ما أتيتك بهذا هذا من الشيطان فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا اذا تمنى إلى آخر الآية وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم فلما بلغ هذا الموضع أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى قالوا ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا ( الدر المنثور ج: 6 ص: 66 ) ثم جاءه جبريل بعد ذلك قال اعرض علي ما جئتك به فلما بلغ تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى قال له جبريل لم آتك بهذا هذا من الشيطان فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي اذ نزلت عليه قصة آلهة العرب فجعل يتلوها فسمعه المشركون فقالوا إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى القى الشيطان ان تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فعلق يتلوها فنزل جبريل فنسخها ثم قال وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلى قوله حكيم وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ومن طريق أبي بكر الهذلي وأيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه ومن طريق سليمان التيمي عمن حدثه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم وهو بمكة فأتى على هذه الآية أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فألقى الشيطان على لسانه إنهن الغرانيق العلى فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق يونس عن ابن شهاب حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قرأ سورة النجم فلما بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى قال ان شفاعتهن ترتجى وسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرح المشركون بذلك فقال إلا إنما كان ذلك من الشيطان فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا اذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته حتى بلغ عذاب يوم عقيم مرسل صحيح الإسناد وأخرج ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال لما أنزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقرنناه وأصحابه ولكن لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم وأحزنته ضلالتهم فكان يتمنى كف أذاهم فلما أنزل الله سورة النجم قال أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى القى الشيطان (الدر المنثور ج: 6 ص: 67) عندها كلمات حين ذكر الطواغيت فقال وانهن لهن الغرانيق العلى وان شفاعتهن لهي التي ترتجى فكان ذلك من سجع الشيطان وفتنه فوقعت هاتان الكلمتان في قلب مشرك بمكة وذلقت بها ألسنتهم وتباشروا بها وقالوا ان محمد قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر النجم سجد وسجد كل من حضر من مسلم ومشرك ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي فلما بين الله قضاءه وبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم للمسلمين واشتدوا عليه وأخرجه البيهقي في الدلائل عن موسى بن عقبة ولم يذكر ابن شهاب وأخرج الطبراني عن عروة مثله سواء وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس قالا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناد من أندية قريش كثير أهله فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فيتفرقون عنه فأنزل الله عليه والنجم اذا هوى النجم آية 1 فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى النجم آية 19 ألقى الشيطان كلمتين تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى فتكلم بها ثم مضى فقرأ السورة كلها ثم سجد في آخر السورة وسجد القوم جميعا معه ورضوا بما تكلم به فلما أمسى أتاه جبريل فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال ما جئتك بهاتين الكلمتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افتريت على الله وقلت ما لم يقل فأوحى الله إليه وان كادوا ليفتنونك إلى قوله نصيرا الإسراء آية 73 75 فما زال مغموما مهموما من شأن الكلمتين حتى نزلت وما أرسلنا من قبلك فسري عنه وطابت نفسه وأخرج ابن جرير عن الضحاك ان النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنزل عليه في آلهة العرب فجعل يتلو اللات والعزى ويكثر ترديدها فسمعه أهل مكة وهو يذكر آلهتهم ففرحوا بذلك ودنوا يسمعون فألقى الشيطان في تلاوته تلك الغرانيق (الدر المنثور ج: 6 ص: 68) العلى منها الشفاعة ترتجى فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك إلى قوله حكيم وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم بسند صحيح عن أبي العالية قال قال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو ذكرت آلهتنا في قولك قعدنا معك فانه ليس معك إلا أراذل الناس وضعفاؤهم فكانوا اذا رأونا عندك تحدث الناس بذلك فأتوك فقام يصلي فقرأ والنجم حتى بلغ أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترتجى ومثلهن لا ينسى فلما فرغ من ختم السورة سجد وسجد المسلمون والمشركون فبلغ الحبشة ان الناس قد أسلموا فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك إلى قوله عذاب يوم عقيم وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال نزلت سورة النجم بمكة فقالت قريش يا محمد إنه يجالسك الفقراء والمساكين ويأتيك الناس من أقطار الأرض فان ذكرت آلهتنا بخير جالسناك فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة النجم فلما أتى على هذه الآية أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى النجم آية 19 ألقى الشيطان على لسانه وهي الغرانيق العلى شفاعتهن ترتجى فلما فرغ من السورة سجد وسجد المسلمون والمشركون إلا أبا احيحة سعيد بن العاص فانه أخذ كفا من تراب فسجد عليها وقال قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر آلهتنا بخير فبلغ ذلك المسلمين الذين كانوا بالحبشة ان قريشا قد أسلمت فأرادوا أن يقبلوا واشتد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه ما ألقى الشيطان على لسانه فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام اذ نعس فألقى الشيطان على لسانه كلمة فتكلم بها وتعلق بها المشركون عليه فقال أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فألقى الشيطان على لسانه ونعس وان شفاعتهم لترتجى وإنها لمع الغرانيق العلى فحفظها المشركون وأخبرهم الشيطان ان نبي الله صلى الله عليه وسلم قد قرأها فذلت بها ألسنتهم فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي فدحر الله الشيطان ولقن نبيه حجته (الدر المنثور ج: 6 ص: 69) وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ النجم فألقى الشيطان على فيه أحكم آياته وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك اذا قسمة ضيزى النجم آية 19 23 فألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك إذن في الغرانيق العلى تلك إذن شفاعة ترتجى ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجزع فأوحى الله إليه وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا النجم آية 26 ثم أوحى اليه ففرج عنه وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ألا اذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته إلى قوله حكيم وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ليصلي فبينما هو يقرأ اذ قال أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فألقى الشيطان على لسانه فقال تلك الغرانقة العلى وان شفاعتهن ترتجى حتى اذا بلغ آخر السورة سجد وسجد أصحابه وسجد المشركون لذكره آلهتهم فلما رفع رأسه حملوه فاشتدوا به بين قطري مكة يقولون نبي بني عبد مناف حتى اذا جاءه جبريل عرض عليه فقرأ ذينك الحرفين فقال جبريل معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا فاشتد عليه فأنزل الله يطيب نفسه وما أرسلنا من قبلك وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس اذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته يقول اذا حدث ألقى الشيطان في حديثه وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله اذا تمنى يعني بالتمني التلاوة والقراءة ألقى الشيطان في أمنيته في تلاوة النبي فينسخ الله ينسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد اذا اتمنى قال تكلم في أمنيته قال كلامه وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ليجعل مايلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض قال المنافقون والقاسية قلوبهم يعني المشركين وليعلم الذين (الدر المنثور ج: 6 ص: 70) أوتوا العلم أنه الحق قال القرآن ولا يزال الذين كفروا في مرية منه قال من القرآن عذاب يوم عقيم قال ليس معه ليلة وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في مرية منه قال مما جاء به الخبيث إبليس لا يخرج من قلوبهم زادهم ضلالة




    الناسخ والمنسوخ للمقري ج: 1 ص: 120
    سورة طه نزلت بمكة والإحكام فيها كثير تحتوي من المنسوخ على ثلاث آيات الأية الأولى قوله تعالى ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضي اليك وحيه نسختها سنقرئك فلا تنسى وما في الأصل الى أخره نسخة أخرى وقل رب زدني علما هذا محكم وذلك أن رسول الله صلع لما صلى بأصحابه وقرأ سورة النجم وانتهت قراءته الى قوله تعالى أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة ( الناسخ والمنسوخ للمقري ج: 1 ص: 121) الأخرى اراد أن يقول ألكم الذكر وله الأنثى فقال تلك الغرانيق العلي وشفاعتهن ترتجى ثم مضى في قراءته وختم السورة فقالت قريش قد صبأ الى ديننا فسجد وسجدوا معه حتى لم يبق (الناسخ والمنسوخ للمقري ج: 1 ص: 122) بمكة أحد إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة فإنه أخذ كفا من حصى ورفعه الى وجهه تكبرا {{فأنزل الله تعالى جبريل فقال له ما هكذا أنزلت عليك فقال وكيف أنزلت علي}} فأخبره بالقرآن على حقيقته فاغتم صلى الله عليه وسلم وحزن لذلك فأنزل الله تعالى عليه تسلية فقال وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته أي في قراءته وتلاوته فينسخ الله ما يلقي الشيطان فيرفعه ثم يحكم الله آياته ويبينها والله عليم بأمره حكيم بصنعه وتدبيره فكان النبي صلع إذا جاء جبريل بالقرآن سابقة في لفظه ليقرأ على جبريل مرتين فأنزل الله تعالى هذه الآية ولا تعجل بالقرآن من قبل ان يقضي إليك وحيه ونزل لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه فبقي بين بين لا يقدر أن يقرأه مع جبريل ولا يمكنه أن يخالف الأمر حتى أنزل الله تعالى الأمان (الناسخ والمنسوخ للمقري ج: 1 ص: 123) سنقرئك فلا تنسى فصار هذا ناسخا لما قبله فلم ينسى شيئا حتى لقى ربه تعالى الآية الثانية قوله تعالى فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك وكان هذا قبل أن تنزل الفرائض ثم صار ذلك منسوخا بآية السيف


    الناسخ والمنسوخ للمقري ج: 1 ص: 127
    الآية الأولى قوله تعالى قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين نسخ معنى الأنذار بآية السيف واما قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله الآية وذلك أن رسول الله صلع صلى بأصحابه بمكة فقرأ بهم سورة النجم حتى انتهت قراءته الى أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى واراد أن يقول تلك اذن قسمة ضيزى فقال عليه السلام تلك الغرانيق العلى وشفاعتهم ترتجى {{{نسخها الله}}} بقوله سنقرئك فلا تنسى وقد بينا شرحها في سورة طه



    الناسخ والمنسوخ للكرمي ج: 1 ص: 143
    قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ونبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته منسوخة بقوله تعالى سنقرئك فلا تنسى والمراد بالأمنية القراءة والتلاوة والذي ألقاه الشيطان على لسانه عليه الصلاة والسلام هو قوله تلك الغرانيق العلي وأن شفاعتهن لترتجى {{وذلك فيما قيل قبل العصمة}} بقوله تعالى سنقرئك فلا تنسى فنسخ الله ذلك وأحكم آياته وعصمه من السهو في الوحي ((( وهذا في الحقيقة لا يسمى منسوخا لان ما ألقى الشيطان ليس بقرآن))).



    تفسير أبي السعود ج: 6 ص: 113
    قيل حدث نفسه بزوال المسكنة فنزلت وقيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقربهم إليه واستمر به ذلك حتى كان في ناديهم فنزلت عليه سورة النجم فأخذ يقرؤها فلما بلغ ومناة الثالثة الأخرى {{وسوس إليه الشيطان حتى سبق لسانه سهوا}} إلى أن قال تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى ففرح به المشركون حتى شايعوه بالسجود لما سجد في آخرها بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد ثم نبهه جبريل عليه السلام فاغتنم به فعزاه الله عز وجل بهذه الآية وهو مردود عند المحققين ولئن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه

    الناسخ والمنسوخ للنحاس ج: 1 ص: 66
    قال أبو جعفر ومما يشكل من هذا ما رواه الليث بن سعد عن يونس عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال قرأ رسول الله بمكة والنجم إذا هوى فلما بلغ أفرءيتم اللات والعزى قال فإن شفاعتهن ترتجى فسها (الناسخ والمنسوخ للنحاس ج: 1 ص: 67) فلقيه المشركون والذين في قلوبهم مرض فسلموا عليه وفرحوا فقال لهم إنما ذلك من الشيطان فأنزل الله عز وجل وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ءاياته وقال قتادة قرأ فإن شفاعتهن ترتجى وإنهن لهن الغرانيق العلا قال أبو جعفر الحديثان منقطعان والكلام على التأويل فيهما قريب فقال قوم هذا على التوبيخ أى تتوهمون هذا وعندكم أن ( الناسخ والمنسوخ للنحاس ج: 1 ص: 68) شفاعتهن ترتجى ومثله وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وقيل إن شفاعتهن ترتجى على قولكم ومثله فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي ومثله أين شركاءى أي على قولكم وقيل المعنى والغرانيق العلا يعني الملائكة ترتجي شفاعتهم فسها يدلك على هذا الجواب وقيل إنما قال الله عز وجل ألقى الشيطان فى أمنيته ولم يقل إنه قال كذا فيجوز أن يكون شيطان ألقى هذا من الجن أو من الإنس ومما يشكل من هذا الحديث في أن قوله جل وعز وإن تبدوا ما (الناسخ والمنسوخ للنحاس ج: 1 ص: 69) في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله نسخه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وهذا لا يجوز أن يقع فيه نسخ لأنه خبر ولكن التأويل في الحديث لأن فيه لما أنزل الله عز وجل وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله اشتد عليهم ووقع بقلوبهم منه شيء عظيم فنسخ ذلك لا يكلف الله نفسا إلا وسعها أى فنسخ ما وقع بقلوبهم أي أزاله ورفعه



    الناسخ والمنسوخ للنحاس ج: 1 ص: 571
    باب ذكر الآية الثالثة من هذه السورة قال الله عز وجل وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان الحج 52 قال أبو جعفر حدثنا بكر بن سهل قال حدثنا عبدالله بن صالح قال حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس فينسخ الله ما يلقي الشيطان قال يبطل ما ألقاه الشيطان ثم يحكم الله ءاياته الحج 52 قال أبوجعفر هذا من قول العرب نسخت الشمس الظل أزالته {{ويروى في هذا الذي نسخه الله مما ألقاه الشيطان}} أحاديث فمنها ما رواه الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام قال قرأ رسول الله والنجم إذا هوى النجم 11 فلما بلغ أفرءيتم اللات والعزى النجم 19 119 قال فإن شفاعتهم ترتجى فسها فلقيه المشركون فسلموا عليه فأنزل الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته الآية (الناسخ والمنسوخ للنحاس ج: 1 ص: 572) قال أبو جعفر وهذا حديث منقطع وفيه هذا الأمر العظيم وكذا حديث قتادة وزاد فيه وإنهن لهن الغرانيق العلا ولو صح هذا لكان له تأويل قد ذكرناه في أول هذا الكتاب وأقطع من هذا ما ذكره الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبدالله قال فسجد المشركون كلهم إلا الوليد بن المغيرة فإنه أخذ ترابا من الأرض فرفعه إلى وجهه ويقال إنه أبو أحيحة سعيد بن العاص حتى نزل جبريل فقرأ عليه هذا فقال له ما جئتك به وأنزل الله تبارك وتعالى لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا الإسراء 74 قال أبو جعفر وهذا حديث منكر منقطع ولا سيما وهو من حديث الواقدي {{والدين والعقل يمنعان من هذا لأنه إن كان قال هذا (الناسخ والمنسوخ للنحاس ج: 1 ص: 573) متعمدا ومعاذ الله أن يكون ذلك لأن فيه مساعدة لهم على دينهم لأن هذا قولهم وإن كان ناسيا فكيف صبر ولم يبين لهم ذلك حتى أتاه الوحي من الله عز وجل}} ثم رجعنا إلى الآية فوجدنا فيها قولين لمن يرجع إلى قوله وعلمه كما حدثنا بكر بن سهل قال حدثنا أبو صالح قال حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته الحج 52 قال إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه {{قال أبو جعفر فالتأويل على هذا ألقى الشيطان فى سره وخاطره ما يوهمه به أنه الصواب ثم ينبهه الله عزوجل على ذلك وقد صح عنه أنه قال إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله عز وجل في اليوم والليلة سبعين مرة}} (الناسخ والمنسوخ للنحاس ج: 1 ص: 574) وفي السير أن كبراء قريش جاءوه فقالوا يا محمد قد استغويت ضعفاءنا وسفهاءنا وذلك حين أظهر دعوته وتبينت براهينه فأمسك عنا حتى ننظر في أمرك فإن تبين لنا اتبعناك وان لم يتبين لنا كنت على أمرك ونحن على أمرنا فوقع له أن هذا إنصاف ثم نبهه الله عز وجل بالخاطر والتذكر لما أمره الله به من إظهار الدعوة وأن يصدع بما أمر به ثم نزل عليه الوحي لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا الإسراء 74 وما بعده فيكون على هذا ألقى الشيطان في أمنيته أي في سره والقول الآخر عليه أكثر أهل التأويل قال سعيد بن جبير في أمنيته في قراءته وقال مجاهد في قوله وقال الضحاك الأمنية التلاوة قال أبو جعفر فهذا معروف في اللغة منه لا يعلمون الكتاب (الناسخ والمنسوخ للنحاس ج: 1 ص: 575) إلا أماني البقرة 78 ويكون التقدير على هذا ألقى الشيطان في تلاوة النبي إما شيطانا من الإنس وإما شيطانا من الجن ومتعارف في الآثار أن الشيطان كان يظهر كثيرا في وقت النبي قال الله عز وجل وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه الأنفال 48 فألقى الشيطان هذا في تلاوة النبي من غير أن ينطق به النبي والدليل على هذا أن ظاهر القرآن كذا وأن الثقات من أصحاب السير كذا يروون كما روى موسى بن عقبة عن الزهري ألقى الشيطان في تلاوة النبي فإن شفاعتهم ترتجى فوقرت في مسامع المشركين فاتبعوه جميعا وسجدوا وأنكر ذلك المسلمون ولم يسمعوه (الناسخ والمنسوخ للنحاس ج: 1 ص: 576) واتصل الخبر بالله بالمهاجرين في أرض الحبشة وأن الجماعة قد تبعت النبي فقدموا وقد نسخ الله عز وجل ما ألقاة الشيطان فلحقهم الأذى والعنت قال أبوجعفر فقد تبين معنى الآية بهذا وبغيره وقال ابن جريج ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم الحج 53 قال القاسية قلوبهم المشركون

    فتح القدير ج: 3 ص: 461
    قوله من رسول ولا نبى قيل الرسول الذى أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانا ومحاورته شفاها والنبي الذى يكون إلهاما أو مناما وقيل الرسول من بعث بشرع وأمر بتبليغه والنبي من أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله ولم ينزل عليه كتاب ولا بد لهما جميعا من المعجزة الظاهرة إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته معنى تمنى تشهى وهيأ فى نفسه ما يهواه قال الواحدي {وقال المفسرون معنى تمنى تلا قال جماعة المفسرين فى سبب نزول هذه الآية أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى فى نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم فكان ذات يوم جالسا فى ناد من انديتهم وقد نزل عليه سورة والنجم إذا هوى فأخذ يقرؤها عليهم حتى بلغ قوله أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى وكان ذلك التمني فى نفسه فجرى على لسانه مما ألقاه الشيطان عليه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتها لترتجى} فلما سمعت قريش ذلك فرحوا ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى قراءته حتى ختم السورة فلما سجد فى آخرها سجد معه جميع من فى النادي من المسلمين والمشركين فتفرقت قريش مسرورين بذلك وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر فأتاه جبريل فقال ما صنعت تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله فحزن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخاف خوفا شديدا فأنزل الله هذه الآية هكذا قالوا (فتح القدير ج: 3 ص: 462) ولم يصح شيء من هذا ولا ثبت بوجه من الوجوه ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه قال الله ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعن منه الوتين وقوله وما ينطق عن الهوى وقوله ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم فنفى المقاربة للركون فضلا عن الركون قال البزار هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإسناد متصل وقال البيهقي هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم وقال إمام الأئمة ابن خزيمة إن هذه القصة من وضع الزنادقة قال القاضي عياض فى الشفاء إن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا قال ابن كثير قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح وإذا تقرر لك بطلان ذلك عرفت أن معنى تمنى قرأ وتلا كما قدمنا من حكاية الواحدي لذلك عن المفسرين وكذا قال البغوي إن أكثر المفسرين قالوا معنى تمنى تلا وقرأ كتاب الله ومعنى ألقى الشيطان فى أمنيته أى فى تلاوته وقراءته قال ابن جرير هذا القول أشبه بتأويل الكلام ويؤيد هذا ما تقدم فى تفسير قوله لا يعلمون الكتاب إلاأمانى وقيل معنى تمنى حدث ومعنى ألقى الشيطان فى أمنيته فى حديثه روى هذا عن ابن عباس وقيل معنى تمنى قال فحاصل معنى الآية أن الشيطان أوقع فى مسامع المشركين ذلك من دون أن يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا جرى على لسانه فتكون هذه الآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أى لا يهولنك ذلك ولا يحزنك فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء وعلى تقدير أن معنى تمنى حدث نفسه كما حكاه الفراء والكسائي فإنهما قالا تمنى إذا حدث نفسه فالمعنى أنه إذا حدث نفسه بشئ تكلم به الشيطان وألقاه فى مسامع الناس من دون أن يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا جرى على لسانه قال ابن عطية لا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة وقعت بها الفتنة وقد قيل فى تأويل الآية إن المراد بالغرانيق الملائكة ويرد بقوله فينسخ الله ما يلقى الشيطان أى يبطله وشفاعة الملائكة غير باطلة وقيل إن ذلك جرى على لسانه صلى الله عليه وآله وسلم سهوا ونسيانا وهما مجوزان على الأنبياء ويرد بأن السهو والنسيان فيما طريقه البلاغ غير جائز كما هو مقرر فى مواطنه ثم لما سلاه الله سبحانه بهذه التسلية وأنها قد وقعت لما قبله من الرسل والأنبياء بين سبحانه أنه يبطل ذلك ولا يثبته ولا يستمر تعزيز الشيطان به فقال فينسخ الله ما يلقى الشيطان أى يبطله ويجعله ذاهبا غير ثابت ثم يحكم الله آياته أى يثبتها والله عليم حكيم أى كثير العلم والحكمة فى كل أقواله وأفعاله وجملة ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للتعليل أى ذلك الإلقاء الذى يلقيه الشيطان فتنة أى ضلالة للذين فى قلوبهم مرض أى شك ونفاق والقاسية قلوبهم هم المشركون فإن قلوبهم لا تلين للحق أبدا ولا ترجع إلى الصواب بحال ثم سجل سبحانه على هاتين الطائفتين وهما من فى قلبه مرض ومن فى قلبه قسوة بأنهم ظالمون فقال وإن الظالمين لفى شقاق بعيد أى عداوة شديدة ووصف الشقاق بالبعد مبالغة والموصوف به فى الحقيقة من قام به ولما بين سبحانه أن ذلك الإلقاء كان فتنة فى حق أهل النفاق والشك والشرك بين أنه فى حق المؤمنين العالمين بالله العارفين به سبب لحصول العلم لهم بأن القرآن حق وصدق فقال وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك أى الحق النازل من عنده وقيل إن الضمير فى أنه راجع إلى تمكين الشيطان من الإلقاء لأنه مما جرت به عادته مع أنبيائه ولكنه يرد هذا قوله فيؤمنوا به فإن المراد الإيمان بالقرآن أى يثبتوا على (فتح القدير ج: 3 ص: 463) الإيمان به فتخبت له قلوبهم أى تخشع وتسكن وتنقاد فإن الإيمان به وإخبات القلوب له لا يمكن أن يكونا تمكين من الشيطان بل للقرآن وإن الله لهاد الذين آمنوا فى أمور دينهم إلى صراط مستقيم أى طريق صحيح لا عوج به وقرأ أبو حيوة وإن الله لهاد الذين آمنوا بالتنوين ولا يزال الذين كفروا فى مرية منه أى فى شك من القرآن وقيل فى الدين الذى يدل عليه ذكر الصراط المستقيم وقيل فى إلقاء الشيطان فيقولون ما باله ذكر الأصنام بخير ثم رجع عن ذلك وقرأ أبو عبد الرحمن السملى فى مرية بضم الميم حتى تأتيهم الساعة أى القيامة بغتة أى فجأة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم وهو يوم القيامة لأنه لا يوم بعده فكان بهذا الاعتبار عقيما والعقيم فى اللغة من لا يكون له ولد ولما كانت الأيام تتوالى جعل ذلك كهيئة الولادة ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقم وقيل يوم حرب يقتلون فيه كيوم بدر وقيل إن اليوم وصف بالعقم لأنه لا رأفة فيه ولا رحمة فكأنه عقيم من الخير ومنه قوله تعالى فأرسلنا عليهم الريح العقيم أى التى لا خير فيها ولا تأتي بمطر الملك يومئذ لله أى السلطان القاهر والاستيلاء التام يوم القيامة لله سبحانه وحده لا منازع له فيه ولا مدافع له عنه وجملة يحكم بينهم مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر ثم فسر هذا الحكم بقوله سبحانه فالذين آمنوا وعملوا الصالحات فى جنات النعيم أى كائنون فيها مستقرون فى أرضها منغمسون فى نعيمها والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أى جمعوا بين الكفر بالله والتكذيب بآياته فأولئك لهم عذاب مهين أى عذاب متصف بأنه مهين للمعذبين بالغ منهم المبلغ العظيم وقد أخرج عبد بن حميد وابن الأنباري فى المصاحف عن عمرو بن دينار قال كان ابن عباس يقرأ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى ولا محدث وأخرج ان أبى حاتم عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مثله وزاد فنسخت محدث قال والمحدثون صاحب يس ولقمان ومؤمن آل فرعون وصاحب موسى وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه والضياء فى المختارة قال السيوطي بسند رجاله ثقات من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ففرح المشركون بذلك وقالوا قد ذكر آلهتنا فجاءه جبريل فقال اقرأ علي ما جئت به فقرأ أفرأيتم اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى فقال ما أتيتك بهذا هذا من الشيطان فأنزل الله وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى الآية وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم قال السيوطي بسند صحيح عن سعيد بن جبير قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة النجم فذكر نحوه ولم يذكر ابن عباس وكذا رواه ابن أبى حاتم عن أبى العالية والسدى عن سعيد مرسلا ورواه عبد بن حميد عن السدى عن أبى صالح مرسلا ورواه ابن أبى حاتم عن ابن شهاب مرسلا وأخرج ابن جرير عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه مرسلا أيضا والحاصل أن جميع الروايات فى هذا الباب إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشئ منها وقد أسلفنا عن الحفاظ فى أول هذا البحث ما فيه كفاية وفى الباب روايات من أحب الوقوف على جميعها فلينظرها فى الدر المنثور للسيوطي ولا يأتي التطويل بذكرها هنا بفائدة فقد عرفناك أنها جميعها لا تقوم بها الحجة وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عباس حتى إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته يقول إذا حدث ألقى الشيطان فى حديثه وأخرج ابن أبى حاتم عن الضحاك قال يعنى بالتمني التلاوة والقراءة ألقى الشيطان فى أمنيته فى تلاوته فينسخ الله ينسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبى وأخرج (فتح القدير ج: 3 ص: 464) عبد بن حميد وابن أبى حاتم عن مجاهد إذا تمنى قال تكلم فى أمنيته قال كلامه وأخرج ابن مردويه والضياء فى المختارة عن ابن عباس فى قوله عذاب يوم عقيم قال يوم بدر وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب نحوه وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير عذاب يوم عقيم قال يوم بدر وأخرج ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير وعكرمة مثله وأخرج ابن أبى حاتم عن مجاهد فى الآية قال يوم القيامة لا ليلة له وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير مثله وأخرج عبد بن حميد وابن أبى حاتم عن الضحاك مثله



    روح المعاني ج: 17 ص: 212
    والإشارة في قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته الآيات (((على قول من زعم صحة حديث الغرانيق إلى أنه ينبغي أن يكون العبد فناء في إرادة مولاه عز وجل وإلا ابتلى بتلبيس الشيطان ليتأدب ولا يبقى ذلك التلبيس لمنافاة الحكمة))) والذين هاجروا في سبيل الله عن أوطان الطبيعة في طلب الحقيقة ثم قتلوا بسيف الصدق والرياضة أو ماتوا بالجذبة عن أوصاف البشرية ليرزقنهم الله رزقا حسنا هو رزق دوام الوصلة كما قيل أو هو كالرزق الكريم ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله فيه إشارة إلى نصر السالك الذي عاقب نفسه بالمجاهدة بعد أن عاقبته بالمخالفة ثم ظلمته باستيلاء صفاتها وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون أخذ الصوفية منه ترك الجدال مع المنكرين وذكر بعضهم أن الجدال معهم عبث كالجدال مع العنين في لذة الجماع وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر الآية فيه إشارة إلى ذك المتصوفة الذين إذا سمعوا الآيات الرادة عليهم ظهر عليهم التجهم والبسور وهم في زماننا كثيرون فإنا لله وإنا إليه راجعون

    ===========================
    سحر الرسول وبيان حاله حين سحره اليهودي.

    ===========================

    الجامع لأحكام القرآن، الإصدار 1.49للإمام القرطبي : الجزء 20 من الطبعة.
    سورة الفلق.
    الآية: 1 - 5 {قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد}.

    ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى سحره يهودي من يهود بني زريق، يقال له لبيد بن الأعصم، (((( حتى يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله)))))، فمكث كذلك ما شاء الله أن يمكث - في غير الصحيح: سنة - ثم قال: (يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه. أتاني ملكان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي: ما شأن الرجل؟ قال: مطبوب. قال ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم. قال في ماذا؟ قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، تحت راعوفة في بئر ذي أوران) فجاء البئر واستخرجه. انتهى الصحيح.
    وقال ابن عباس: (أما شعرت يا عائشة أن الله تعالى أخبرني بدائي). ثم بعث عليا والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة وهي الراعوفة - صخرة تترك أسفل البئر يقوم عليها المائح، وأخرجوا الجف، فإذا مشاطة رأس إنسان، وأسنان من مشط، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة مغرزة بالإبر، فأنزل الله تعالى هاتين السورتين، وهما إحدى عشرة آية على عدد تلك العقد، وأمر أن يتعوذ بهما؛ فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد النبي صلى الله عليه وسلم خفة، حتى انحلت العقدة الأخيرة، فكأنما أنشط من عقال، وقال: ليس به بأس. وجعل جبريل يرقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: (باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر حاسد وعين، والله يشفيك). فقالوا: يا رسول الله، ألا نقتل الخبيث. فقال: (أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن أثير على الناس شرا). وذكر القشيري في تفسيره أنه ورد في الصححاح: أن غلاما من اليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فدست إليه اليهود، ولم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلى الله عليه وسلم. والمشاطة بضم الميم: ما يسقط من الشعر عند المشط. وأخذ عدة من أسنان مشطه، فأعطاها اليهود، فسحروه فيها، وكان الذي تولى ذلك لبيد بن الأعصم اليهودي. وذكر نحو ما تقدم عن ابن عباس. وقد تقدم في "البقرة" القول في السحر وحقيقته، وما ينشأ عنه من الآلام والمفاسد، وحكم الساحر؛ فلا معنى لإعادته.


    =========================

    هذا أخر ما اخترته من النصوص والعاقل يفهم.

    أخوكم المخلص

    علي الصدر


  17. #97

    الملحق الرابع لشبهة تقية المعصوم - حذف الصلاة على آل محمد تقية إجماعاً.

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام حفظكم الله


    الأخ الكريم الشيخ حسن بن فرحان المالكي حفظك الله


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


    الإجماع العملي مهم جدا ، فهو على أقل تقدير لا بد أن يدل على التلقي الصحيح إذا كان أهل الإجماع حريصين على الجهة التي يتلقون منها الأوامر.


    هذا أمر لا شك به، والشيعة إنما يقولون بحجية الإجماع فيما إذا كان كاشفا عن أوامر المعصوم عليه الصلاة والسلام.


    وأهل السنة في الغالب يقولون بحجية الإجماع القطعية فيما إذا توفرت شروطه ومنها عدم مخالفة الكتاب والسنة الثابتة وهذا الشرط يعني بأن هناك إجماعات مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ولا حجة فيها فلا بد أن تترك ولا يؤخذ بها حسب الشرط.


    المسألة المهمة هنا هي أن الإجماع يدل بطرف غير خفي على أن من أجمع إنما استند في ذلك إلى بديهة تصرف أخذه عن حجة في الفعل ، وهذا الحجة لا بد أن يكون المعصوم ، و الإجماع قد يدل على الواجب والممنوع منه وقد يدل على المباح والمسكوت عنه ، وعليه فالإجماع بنفسه غير كاشف عن طبيعة الحكم ولكنه كاشف قطعا عن (الوقوع) .


    وكلامنا في (الوقوع) وليس في طبيعة ما يكشفه هذا الإجماع من حكم ، فلا يوجد من يدّعي بأن الإجماع الذي نحن بصدده يدل على حكم إلزامي حتى يناقش الموضوع ، المهم هو الوقوع والإصرار عليه والتسالم عليه وإجماع المذهب على هذا السلوك.


    فالإجماع حين يكون من أمة تدعي الوصل بالمعصوم لا بد أن يكون إجماعها معصوم حين تتوفر الكاشفية حسب دعوى الوصل. وهذا يستدعينا مراجعة مدى أهمية الإجماع عند الأمة لأنها كاشفة عن مدى تلقيها من الحجة.


    ولست هنا لفتح موضوع عن صحة التلقي من المعصوم وخصوصا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حتى اثبت زيف دعاوى الاتصال بالرسول فيما افترقنا فيه فهذا موضوع له مجاله الخاص ويجب أن يدعم بإحصاءات ونصوص كثيرة ، ولكن حتى نثبت أن المنهج السني العام هو مخالفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما يخص أهل بيته بشكل سافر لا غبار عليه وأن الناحية العملية تثبت عكس دعاوى من يدعي حب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والتمسك به .


    الصلاة على محمد منصوصة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة على الآل عليهم السلام ، وقد اجمع كتاب أهل السنة على حذف الآل ، وفي الفترة الأخيرة أراد بعضهم أن يثبت الآل في صلاته على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه لا يثبت الآل وحدهم كما هو مأمور به بل يضيف إليهم الصحابة أجمعين ؛ لأجل تضييع خصوصية الآل التي أرادها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو سألناهم عن سبب هذه الإضافة فسيقولون بأن هناك بعض الروايات تدل على صحة هذه الصلاة ، وهم يعلمون كذب هذه الروايات أو على الأقل ضعفها الذي لا يجاري قوة وقطعية صورة الصلاة على الرسول وآله الكرام.


    هذا الإجماع العملي المخالف لتعاليم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يدل عندي على خلل كبير في منهج التلقي حيث أن التلقي الحقيقي ليس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقدر ما هو عن السلطات ، وهي التي أرادت الأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقدر الذي تسمح به وأما إذا كان الأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتعارض مع أهدافهم ونواياهم فيمنع الأخذ به على مدى الأجيال.


    ولو سألني أحد عن صلة هذا الملحق بشبهة تقية المعصوم فسأقول بأنه ينبغي للإجماع العملي أن يكون معصوما لأنه يفترض أن يستند للمعصوم.


    ولكن كيف نفسر إجماعا عمليا مخالفا للمعصوم وللعصمة مع أن المجمعين يعلمون ذلك ويرون أن ذلك مما يبطل الصلاة ؟؟.


    ابن حجر يعتذر عن هذه المخالفة القطعية والمجمع عليها خلفا عن سلف بأنها كانت بسبب التقية من بني أمية ؛ لأنهم يكرهون أهل البيت وقد أخذ التالي من السابق ذلك وجرى الأمر على هذا المنوال !!

    وكأن هذا العذر أقبح من الفعل ، فإذا كانوا يعلمون بكره بني أمية لآل البيت الذين أمر الله بالصلاة عليهم فلمَ يتمسكون بهم إذن ؟؟.


    أليس ذلك مما هو تمسك بغير سنة الله ورسوله ص ؟


    فكيف يؤخذ الدين وفق رغبة هؤلاء إذا كانوا يعرفون ذلك ؟


    وهل لذلك معنى عند ذوي الألباب ؟


    سأترك الكلام لابن حجر العسقلاني فهو خير ما يوضح أفكاره في الموضوع.


    وسلام على المتقين وأتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحقيقيين.


    ( سبل السلام - ابن حجر العسقلاني ج 1 ص 193 :


    رواه مسلم . وزاد ابن خزيمة : فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا ) . وهذه الزيادة رواها أيضا ابن حبان ، والدارقطني ، والحاكم ، وأخرجها أبو حاتم ، وابن خزيمة في صحيحيهما ، وحديث الصلاة أخرجه الشيخان : عن كعب بن عجرة عن أبي حميد الساعدي ، وأخرجه البخاري : عن أبي سعيد ، والنسائي : عن طلحة ، والطبراني : عن سهل بن سعد ، وأحمد والنسائي : عن زيد بن خارجة . والحديث دليل على وجوب الصلاة عليه ( ص ) في الصلاة ، لظاهر الامر ، أعني : قولوا وإلى هذا ذهب جماعة من السلف ، والائمة ، والشافعي ، وإسحق ، ودليلهم : الحديث مع زيادته الثابتة ، ويقتضي أيضا وجوب الصلاة على الال ، وهو قول الهادي ، والقاسم ، وأحمد بن حنبل ، ولا عذر لمن قال : بوجوب الصلاة عليه (ص ) مستدلا بهذا الحديث من القول : بوجوبها على الال ، إذ المأمور به واحد ، ودعوى النووي ، وغيره ((الاجماع على أن الصلاة على الال مندوبة)) : غير مسلمة ، بل نقول : الصلاة عليه ( ص ) لا تتم ، ويكون العبد ممتثلا بها ، حتى يأتي بهذا اللفظ النبوي الذي فيه ذكر الال ، لانه قال السائل : كيف نصلي عليك فأجابه بالكيفية : أنها الصلاة عليه وعلى اله ، فمن ليأت (لم يأت) بالال ، فما صلى عليه بالكيفية التي أمر بها ، فلا يكون ممتثلا للامر ، فلا يكون مصليا عليه ( ص ) . وكذلك بقية الحديث : من قوله : كما صليت إلى اخره يجب ، إذ هو من الكيفية المأمور بها ، ومن فرق بين ألفاظ هذه الكيفية ، بإيجاب بعضها وندب بعضها ، فلا دليل له على ذلك . وأما استدلال المهدي في البحر على : أن الصلاة على الال سنة : بالقياس على الاذان ، فإنهم لم يذكروا معه ( ص ) فيه ، فكلام باطل ، فإنه كما قيل : لا قياس مع النص ، لانه لا يذكر الال في تشهد الاذان لا ندبا ولا وجوبا ، ولانه ليس في الاذان دعاء له ( ص ) ، بل شهادة بأنه رسول الله ، والال لم يأت تعبد بالشهادة بأنهم اله . ومن هنا تعلم : أن حذف لفظ الال من الصلاة ، (كما يقع في كتب الحديث) ليس على ما ينبغي . وكنت سئلت عنه قديما فأجبت : أنه قد صح عند أهل الحديث بلا ريب كيفية الصلاة على النبي (ص ) ، وهم رواتها ، وكأنهم حذفوها خطأ ، تقية لما كان في الدولة الاموية من يكره ذكرهم . ((ثم استمر عليه عمل الناس متابعة من الاخر للاول)) ، فلا وجه له ، وبسطت هذا الجواب في حواشي شرح العمدة بسطا شافيا .)


    انتهى كلام العسقلاني .


    ويلاحظ على الناشر انه لم يفهم رسالة النص بكل ما ذكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يضع (ص) بدل الصلاة عليه لأن يده لا تطاوعه بالصلاة على محمد وآل محمد بالشكل الصحيح. ولو كان قد ذكر الصلاة مرة واحدة لغفرنا له اختصاره للصلاة بحرف (ص) لأنه سيُعرف عند ذلك أن اختصاره معلوم عن أي شيء هو.


    ويلاحظ بأن العسقلاني يقول (كما يقع في كتب الحديث).. فكتب الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي التي أجمعوا عمليا على حذف الآل منها اتباعا وتقية من آل أمية.


    فأي تقية هذه ؟.
    وفي كتب الحديث عن رسول الله !!! ما أعجب هذا!

    ولو صح أنها تقية فإذن هذا حال أنصار السلطان وأحبابه وتقيتهم منه ، فكيف بأعداء السلطان بتصوره وضحاياه بتصورهم !! هل يحق لهم التقية أم لا ؟؟.


    فما رأي أهل التقوى والدين في ذلك ؟


    هل هذا هو الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟


    وهل هذه هي التقية أن تستمر أكثر من ألف سنة بعد سقوط دولة بني أمية ؟


    فلماذا يشكلون على التقية الآنية المبررة عقلا وشرعاً وهم يعملون بتقية غير مبررة في شكل إجماع ينبغي له العصمة واستناده إلى المعصوم ؟؟ .


    بينما نرى الإجماع هنا مستندا إلى مجموعة من المجرمين والكارهين لرسول الله وأهل بيته صلى الله عليه وآله وسلم!!


    وممن كان ذلك ؟


    إنه وقع عند أشهر علمائهم بل كل من كتب منهم فلا يذكر الآل في كتابته إلا ما ندر . فلا يقولون إلا (صلى الله عليه وسلم ) بدل الصحيح الصريح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . فألف علامة استفهام وتعجب من ذلك ...


    فإن أمة حريصة على مخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليست بجديرة أن توصف باتّباعه بصدق.


    وهذا يكفي ذوي الإيمان والعدل في أحكامهم.


    أخوكم

    علي الصدر

  18. #98

    الشبهة الثالثة- شبهة التقية في الحديث عند الشيعة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وبه نستعين

    الأخوة الكرام حفظكم الله


    الأخ الكريم الشيخ حسن بن فرحان المالكي حفظك الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:



    إن من يرى التبرم والتزاور من التقية للمدّعين حصولها في الحديث الشيعي، يتخيل بأن ما من حديث إلا وهو تقية. وأن التقية جعلت الحديث الشيعي في صورة ضبابية هلامية لا يستطيع أن يُدرَك غورها، وان الفقه الشيعي لا يمكن أن يفهم لاحتمال التقية فيه، وأن الحديث الشيعي مليء بأحاديث تقية وما إلى ذلك.

    هذه التهويلات والخيالات لا تصمد أمام أبسط جرد لأمهات الكتب الشيعية، بل سيصاب المتتبع بالذهول نتيجة قلة أحكام التقية عند الشيعة بل وقلة الروايات التي قيل عنها أنها تقية، حتى ليعجب المرء بأن أهم متون الفقه الشيعي لم يتعرض إلا إلى ثلاثة أحكام فيها تقية ، وهو كتاب شرائع الإسلام للمحقق الحلي رحمه الله وهو كتاب يعتبر متنا لأهم كتب الفقه الشيعي. وسيأتي التفصيل في هذا.

    وهنا لا بد من التوضيح بل لنقل تكرار التوضيح لأنني شعرت بأن هناك من لم يفهم موضوع التقية وكيفيتها:

    التقية التي يحث عليها أهل البيت ويعتبرونها من دين الله ‘ دائما هي في مجال السلوك العملي مع الجائرين الظالمين القتلة، الذين يترصدون بأهل الحق الدوائر في سبيل دوام ملكهم وجورهم للمسلمين.

    فكل التأكيدات هي في هذا المجال، وكلمة (المخالف) التي ترد في لسان المتشرعة المقصود بها (في الغالب) هو الحاكم الجائر المتوحش المحب لدماء المسلمين ومثل هذا الحاكم لا يفهم طبيعته أهل البلادة، وإنما يعرفه من امتصت دمائهم وقُتل وشُرد وعُذب، أو أهل الذكاء والعقل الحر وما أكثرهم ولكنهم مقهورون.
    وقد يقصد به الجائرين من مهيجي الفتن أو المجتمعات المتعصبة التي تجيز قتل الشيعي لمجرد كونه شيعيا متهما بشتى التهم الباطلة.

    ولهذا فإنني اعتب حقيقةً على بعض اخوتنا أهل السنة حين يجرهم اتباع الحركة السلفية الجائرة إلى تفسير مواقف التقية والتخوف الشيعي بأنها تقية من السني أيا كان، وكأنهم يريدون أن يغرسوا فكرة أن كل سني هو وحش قاتل محب للدماء، متحجر الفكر، يقتل المسلم لمجرد أن يراه لا يتكتف في الصلاة، ويتصور أن الشيعي يعتبر كل سني إنما هو حاكم جائر يطلبه تحت كل حجر وشجر.

    وهذا أمر يعيب أن يصوره أهل السنة عن أنفسهم، فضلا عن كونه لا حقيقة له بالنسبة لنظر الشيعة إليهم.

    فالشيعة لا يرون السني مطلقا مما يجب منه التقية، بل يجب النصح له والتقارب معه، إنما يتعاملون تعاملا راقيا من السكوت وعدم المعارضة مع الحكام الجائرين الذين لا ينفع معهم النصح ولا التقرب، والذين خلق الله لهم قلوب الشياطين ممزوجة بدماء السباع، الذين أسسوا و ساهموا مساهمة (مشكورة) في دمار الأمة الإسلامية، وسقوط الإسلام، ودولته في وقت مبكر، هؤلاء الذين سلطهم الشيطان على دماء وأعراض وأموال وثقافة المسلمين، بالمسخ والتدمير والتفقير، في كل شيء مما جعلهم أمة متخلفة وراء جميع الأمم، بينما هم يعيشون في أهم منطقة حيوية وحضارية في العالم.

    وكأن الجذور الحضارية لما قبل الإسلام أشد نبوغا من حضارة هؤلاء الأدعياء القتلة.

    وهؤلاء بلاء على عموم المسلمين، ولم يكن همهم منصبّا على أذى الشيعة فقط، فالسني متضرر بهم ومقتول على أيديهم أكثر من الشيعي في أحيان كثيرة، وهو من أكثر المتضررين في الحقيقة ويستحق شفقة الشيعي عليه، فأنا شخصيا أبكي لما حدث ويحدث لأهل السنة من ظلم فضيع على أيدي هؤلاء الجائرين.

    فلو سألنا عقلاء أهل السنة هذا السؤال فماذا سيكون الجواب؟

    السؤال هو:
    منذ سنة 680 هجري تقريبا ولحين دخول الاستعمار ، ماذا أصلحت الدولة الإسلامية العلية لكم ؟ من تعليم و بنية تحتية، من طرق وصحة وعلوم وأمان تجاري.

    كلنا يعرف الجواب: بأن لا شيء من ذلك قد حصل، إنما الجوع والفقر وتهديم المدن وهجرانها والمرض والطواعين والسلب والنهب في طرق التجارة الرئيسية، وزيادة سعة السجون وتحويل مفهوم الجندي، من حماية الوطن إلى حماية الوالي الأحمق، الذي يقتل على الشبهة والظنة.

    وقد تحولت أهم واحسن الموانئ الإسلامية إلى خرائب كالإسكندرية وصور ويافا وحيفا وبيروت وطرابلس وطرطوس والبصرة وعدن والبحرين ومسقط الخ..

    فأين تلك الفترة من فترة ازدهار بغداد ودمشق وحلب والقاهرة والقدس والمدينة ومكة وغيرها من حواضر الإسلام العظيمة؟ فقد كانت تلك المدن في تلك الفترة بلدان أشباح وانعدام خدمات. بل أن مدنا كاملة هجرت ولم يبق أحد بها كما في بعض مدن الشام الشهيرة بالحضارة.

    والدارس لحال هذه المدن لا يستطيع أن يفهم هذا الانسحاب الحضاري فمدينة مثل البصرة منتجة للعلماء فترة طويلة، لمَ لم نسمع ببروز عالم منها خلال هذه الفترة؟ وكذا الإسكندرية وغيرها.

    فأين المدارس وأين الحياة الحضارية؟؟

    ولكن لا تسأل عن الأوبئة والأمراض وضيق العيش فهي متوفرة بأحسن حالاتها.

    والحال في شمال أفريقيا وغربها على العموم ليس بأحسن من هذا، والكل يعاني من بطش وجور السلطان وامتصاص الجهد والثروات بطريقة غير مدروسة وبتوزيع غير عادل وغير متكافئ واحتقار للإنسان المسلم واضح، من إهماله، وتنمية روح التوكل، والنزوع إلى لجم الطموح وإيقاف عجلة التقدم، ولم تر المنطقة الإسلامية للأسف أي نوع من الرعاية والتقدم إلا على يد الاستعمار الغازي( عدا مصر بشكل جزئي وفي فترة محمد علي باشا وذريته والنهضة أيضا بمساعدة أوربية ولكن الإرادة مصرية وهذا جيد).
    والفضل كل الفضل للاستعمار وجواسيسه بأن شهدت هذه المدن الازدهار من جديد, فيا حسرتنا على تشويه صورة الدولة الإسلامية وتدمير حضارتنا وبنائها بيد أعدائنا، بسبب هؤلاء الجائرين الجاهلين.

    فهل يعقل هذا؟ وأين العقلاء من فهم هذا الواقع الذي لا يحتاج إلى ذكاء كبير حتى يفهم.

    وهل هذا يختص بالشيعة أم هو لكل المسلمين سنة وشيعة؟

    وهل السني يفرح بهذه النتيجة ، ويفرح بأن خمسين سنة على يد الاستعمار وجواسيسه عادلت من الخدمات والبناء الحضاري ما يزيد على ألف سنة من دولة الإسلام وخدماتها؟

    هذا حال حكام المسلمين القتلة، اللاهثين وراء الشهوات والعداوات والظلم والجور.

    وهل ينكر ذلك غير بليد، متحجر الفكر، مليء بالمغالطة من رأسه إلى قدمه؟

    فكيف يتصور مسلم بأن كل ما يفعله الحاكم من جور مبررٌ؟ لأنه موجه إلى الشيعة فقط. فالشيعة لا حرمة لهم بنظره لأنهم أبناء رسول الله و أحبابه.

    فأين حرمة أهل السنة في ذلك؟

    وهل أهل السنة في غنى عن تقية هؤلاء منذ أن كانوا متسلطين بلا شرعية على رقاب المسلمين؟

    وهل ترك أهل السنة التقية أو ما هو أسوء منها، التبرير للحاكم ومسايرته على ظلمه وجهله وتخريبه لبلاد المسلمين؟.

    كل ما فعله شيوخ الإسلام والمرتبطين بالولاة هو الإرضاء والمداهنة والتبرير لما يقومون به، و تعس الفعل هذا، فإن التقية أن لا تخالفه وتبتعد عنه قدر الإمكان، ولكن أن تبرر فعله وتمشي معه في ظلمه ثم تدعو الله عليه أن ينتقم منه لأنه جبار بطاش ، فهذا خنوع وصغار لا يستحق أي احترام.

    وهناك من استخدم التقية منهم لعلمه الحقيقي بالوضع.

    وهل سَلِمَ على مر التأريخ مسلم حاول نصيحتهم أو مناهضتهم؟

    أم كانت أعواد المشانق متوفرة بكثرة في كل المدن.

    المهم أن تصوير أهل السنة كلهم سلطان جائر يجب على الشيعة تقيتهم والتوقي منهم، ظلم لأهل السنة أنفسهم. وجهل بمنطق الواقع ومنطق الشيعة، الذين يرون أن أهل السنة ما هم إلا من عموم الشعب المقهور المظلوم الذي أبيحت مقدساته وثرواته من أجل تخمة الحاكم وشهواته، وهم يشاركون الشيعة في البلاء ولكنهم لا يشعرون ، ولا يخلو من شعور بعض الأباة الأحرار مما عليه الحال.

    ولعل الشيعة أفضل حالا منهم لأنهم يحترمون ذاتهم ودينهم وفقههم، ويبتعدون عن السلاطين والظلمة، ويحاولون بناء نظام اجتماعي شعبي منفصل عن خدمات السلطان‘ فقد أنتجوا في نفس الفترة (من العلماء في مدينتين فقط) أضعاف ما أنتجته كل الدولة العثمانية الشاسعة الأطراف من علماء ذوي مستوى سطحي.

    الحكام الجائرون والسلطويون يفعلون أي شيء حين يشعرون بوجود البديل الذي يفضلهم، وقد كان هذا الوضع المأساوي بالنسبة للشيعة في الغالب هو في زمن الأئمة الطاهرين، وكانت الملاحقة الأمنية على أشدها للأئمة خصوصا في مجال تحصيل الزكاة المفروضة على المؤمنين وفي مجال الترابط مع الأتباع، فكان الأئمة في الغالب محاطون بكمية كافية من الجواسيس والمخربين والمفتنين بدعم من الدولة لأجل إيقاف نموهم بل قتل نموهم نهائيا فإذا كان هناك أي شعور بالخطر منهم ولو زورا يتم استدعائهم وتوجيه التهم لهم ، كما يتم ملاحقة شيعتهم وقتلهم بشكل وحشي والتأريخ الشيعي يروي الفظائع التي وقعت عليهم.

    في زمن العباسيين، وهم من بني هاشم، حصل إن تم الحظر على الإمام الصادق وقد استدعي عدة مرات لتوبيخه من استلام أموال الخمس وتكوين الجماعات الاجتماعية والسياسية، وكل مرة كانت التهمة غير صحيحة، لأن الأمام كان يعرف نية هؤلاء، ويأمر أتباعه بوجوب اتقائهم وحقن دمائهم ودماء أئمتهم .

    ولكن الرشيد حين رأى تنامي الفكر الشيعي والتفاف الناس حول الإمام زج الإمام الكاظم بالسجن ثلاث مرات وفي المرة الثالثة لم يخرجه إلا ميتا، وقد كانت فترة الملاحقة والسجون بحدود 15 سنة .

    ثم جاء دور الإمام الرضا الذي صرّح لأتباعه بأن هذا سجن من نوع ثانٍ ، وطلب عدم الاندفاع في الأمر، غير أن بعض الشيعة اندفع حتى أن أحد اخوة الإمام أظهر العصيان مما استوجب غضب الإمام منه، لأن المأمون كلف الإمام بأن يعاقب أخاه من أجل أنه خرج على السلطان.

    والنتيجة أن قتل الإمام مسموما وبعد ذلك بدأ عصر الحبس في بيت الخليفة (الإقامة الجبرية) فكان كل من الإمام الجواد ثم الهادي ثم العسكري يقيمون جبريا أينما حل الخليفة وارتحل، فإن كان في بغداد فهم معه ومع عياله وأن كان في (سر من رأى) فهم معه ومع عياله ويمنع الشيعة من الصلة بهم إلا بتلطف عجيب غريب. وعبر وكلاء وشبكة من المريدين الفدائيين الأوفياء رحمهم الله. وقد أضطر الإمام الحسن العسكري أن يخفي ولادة ابنه محمد حتى عن كثير من المقربين، مما خلق بلبلة مقصودة في شأن ابنه ولولا الأثر الملموس من وجوده لما آمن بوجوده الكثير ممن لا يستطيع تمييز الحقائق، ولكن لأن تكوين المنظومة السرية للوكلاء كان قد تكوّن من زمن الإمام الجواد وهي فترة طويلة أعطت خبرة في الممارسة الشيعية، وزادت من اعتماد الشيعة على هذه المنظومة ومراقبتها وامتحانها وتمحيصها على مر الزمن حتى وصلبت إلى زمن الإمام المهدي عليه السلام.

    هذا الوضع دام بحدود 120 سنة، وهذا في زمن بني العباس، أبناء عمومتهم، والمطالبين بدم الحسين، والناصرين للقائم من آل محمد كما يدّعون.

    فكيف الحال أيام حكم بني أمية، فالتقية عمل طبيعي لمن هذا حاله، والتقية كانت في أغلبها متمحورة حول عدم كشف أي ارتباط بهذا الإمام، أو ادّعاء عدم الصلة به، و معرفة حقه، بل قد يصل الحال إلى تضييع الدليل على القناعة به ، وهذا ما حدث فعلا وهو ما يفسر الكثير من التناقضات من إنكار قسم من المؤمنين لولاية الأئمة وادعاء التوقف، ثم بعد مدة نراهم منهم قلبا وقالبا، سواء يظهر ذلك بهم أو بأبنائهم، مما يدل على التزامهم بتضييع الدليل على الظالمين فيما يدل عليهم بكونهم من أتباع الإمام الحق ، ولو فهم أقزام البحوث السلفية هذا لما أشكلوا على غموض سيرة بعض أصحاب الأئمة، مع ظاهرة الاعتماد عليهم في الرواية، بل لفهموا حقيقة التشاتم العلني بينهم وبين الأئمة، فكان هذا مما ينبغي أن يكون، حقنا لدمائهم وحبا ببقائهم وزيادة إنتاجهم العلمي والديني. فهو عمل من اعمال التمويه السياسي والأمني الذي يقتضيه الموقف الحرج.

    هذا هو المجال الرئيسي للتقية ، وليس هناك ما يمسخ الدين لأجل التقية كما يحاول تصويره أعداء أهل البيت عليهم السلام ويردده المغفلون الذين لا يعرفون ما يقولون. بل التقية لتثبيت الدين من الضياع بالتبرير والتنازل كما يفعل أعداء التقية، ولأجل حماية أهل الدين من التلف.

    وستأتي بعض الأحاديث فيما أوردته من نماذج لأحاديث التقية، ما يبين أن التقية كانت في عدم ذكر الإمام بالإمامة بل حتى عدم السلام عليه في الشارع، وأن هذا كان ناتجا طبيعيا لحجم الترصد لقتل أئمة أهل البيت عليهم السلام بعد تطور مؤسسات الرعب والمتابعة، لقتل كل من يقول للحاكم: من أين لك هذا؟. أو يعتقد الحاكم أنه البديل الحقيقي له. ولا ننسى أن أغلب أئمتنا مات مسموما.

    وستأتي بعض النصوص الدالة على الحث على حفظ الإمام وتضييع الدليل على القول بإمامته أو معرفته، ووجوب بقاء ذلك سرا بين المؤمنين.

    ومن جهة ثانية فهناك بعض المظاهر والممارسات الاجتماعية والعبادية، التي تكون كاشفة للانتماء لمذهبي أو المدرسي أو المرجعي فقل ما شئت، وهذه أمور خطرة على مجموعة يترصد بها الدوائر.
    فإن الأئمة أمروا اتباعهم بعدم التظاهر بها وإن كانت هي الحق كموضوع غسل الرجلين في الوضوء والتكتف في الصلاة وقول آمين والتعييد يوم عيد الحاكم وبعض مسائل تكفين الجنازة و لبس الخز (جلد الفقمة حسب ما يظهر لي) والثعالب وما إلى ذلك من مظاهر يمكن أن تدل على هوية الشيعي في زمن يستسهل الناس قتل الشيعي وتعذيبه، و إلا ففي غير هذا الحالة لا يجوز فعل ذلك جميعا.

    إن موضوع المؤشرات على كشف هوية الشيعي كانت مشكلة كبيرة في كثير من أزمان الجور والاستهتار بحرية المسلم ، وكانت بعض مظاهر التمسك بالفقه الشيعي وخصوصياته سببا في قتل المؤمنين في بعض الأزمان، وهذا ما وردت فيه الروايات التي تبيح ترك ما هو الحكم الحق والتماشي مع أحكام اتباع الجائر وأهل الفتن والضلال.

    إن أفضل تصوير لهذه الحالة هي الرواية الشهيرة التي يتناقلها الشيعة جيلا بعد جيل وبالروايات المتسلسلة حتى وصلت إلينا ، وهي رواية وضوء علي بن يقطين الموظف في البلاط العباسي، وكيف أن الإمام أمره أن يتوضأ بوضوء أتباع السلطان في ذلك الوقت ولكن بعد امتحانه بواسطة الوضوء للكشف عن هويته ونجاحه في الامتحان، أمره الإمام بالعودة إلى وضوءه الأول.

    فهل هناك قباحة أشد من أن تستكشف هوية الإنسان من أسلوب عبادته لله، ومعاقبته على أساس الهوية المذهبية؟؟

    سوف انقل الرواية حسب ما وردت ، وسوف اعتمد نص ما نقله المجلسي عن الإرشاد مع المطابقة مع إعلام والورى والمناقب والفصول والخرائج:

    (إعلام الورى للطبرسي ص 293 بتفاوت ) و (المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 407 بتفاوت ) و ( ابن الصباغ في الفصول المهمة : 236) و (الراوندي في الخرائج والجرائح 1 : 334 / 25 ) (والمفيد في الإرشاد ص 314) :
    روى محمد بن إسماعيل (بن بزيع) ، عن محمد بن الفضل ( لعل الأصح بن الفضيل) قال :
    اختلفت الرواية بين أصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء هو من الأصابع إلى الكعبين ؟ أم هو من الكعبين إلى الأصابع ؟
    فكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى عليه السلام:
    إن أصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين فان رأيت أن تكتب إلي بخطك ما يكون عملي عليه فعلت إن شاء الله.
    فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام : فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء ، والذي آمرك به في ذلك أن تتمضمض ثلاثا وتستنشق ثلاثا ، وتغسل وجهك ثلاثا وتخلل شعر لحيتك وتمسح رأسك كله وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا ولا تخالف ذلك إلى غيره .
    فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجب بما رسم فيه ، مما أجمع العصابة على خلافه ، ثم قال : مولاي أعلم بما قال وأنا ممتثل أمره ، وكان يعمل في وضوئه على هذا الحد ، ويخالف ما عليه جميع الشيعة ، امتثالا لأمر أبي الحسن عليه السلام .
    و سعي بعلي بن يقطين إلى الرشيد ، وقيل : إنه رافضي مخالف لك . فقال الرشيد لبعض خاصته : قد كثر عندي القول في علي بن يقطين والقرف له ( 1 ) بخلافنا وميله إلى الرفض ولست أرى في خدمته لي تقصيرا ، وقد امتحنته مرارا فما ظهرت منه على ما يقرف به واحب أن أستبرئ أمره من حيث لا يشعر بذلك ، فيتحرز مني .
    فقيل له : إن الرافضة يا أمير المؤمنين تخالف الجماعة في الوضوء فتخففه ولا ترى غسل الرجلين فامتحنه يا أمير المؤمنين من حيث لا يعلم ، بالوقوف على وضوئه ، فقال : أجل إن هذا الوجه يظهر به أمره .
    ثم تركه مدة وناطه بشيء من الشغل في الدار ، حتى دخل وقت الصلاة ، وكان علي بن يقطين يخلو في حجرة في الدار لوضوئه وصلاته ، فلما دخل وقت الصلاة، وقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ، ولا يراه هو .
    فدعا بالماء للوضوء ، فتمضمض ثلاثا ، واستنشق ثلاثا ، وغسل وجهه ثلاثا ، وخلل شعر لحيته ، وغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ، ومسح رأسه وأذنيه ، وغسل رجليه والرشيد ينظر إليه .
    فلما رآه وقد فعل ذلك لم يملك نفسه حتى أشرف عليه بحيث يراه .
    ثم ناداه : كذب يا علي بن يقطين من زعم أنك من الرافضة .
    وصلحت حاله عنده .
    وورد عليه كتاب أبي الحسن عليه السلام : ابتداءً : من الآن يا علي بن يقطين فتوضأ كما أمر الله ، واغسل وجهك مرة فريضة ، وأخرى إسباغا ، واغسل يديك من المرفقين كذلك وامسح مقدم رأسك ، وظاهر قدميك بفضل نداوة وضوئك ، فقد زال ما كان يخاف عليك والسلام.
    ( هامش )
    ( 1 ) القرف : الاتهام . " الصحاح - قرف - 4 : 1415 " .


    انتهت الرواية ذات المغزى العميق.

    فيا سادتي الكرام هذا هو حال المسلمين مع الطواغيت، يمتحنوهم بالصلاة والوضوء وغير ذلك ليقتلوهم أو يتخلصوا منهم .

    وببركة هذا العمل وإجادة التقية بقي علي بن يقطين موظفا مأذونا من الإمام عليه السلام لخدمة المؤمنين ودفع الظلم عنهم حتى بعد دخول الإمام السجن بأربع سنوات وحين توفي علي بن يقطين صلى عليه ولي العهد محمد بن الرشيد.

    هناك بعض الروايات المفردة توفر لنا رؤية مشابهة كما هو حال التشاتم بين الإمام و بعض أصحابه كزرارة (ولم يثبت عندنا أن زرارة شتم الإمام مطلقا ولكن الثابت أن الإمام شتم زرارة) وتبليغ الإمام عليه السلام سر ذلك لابن زرارة ، كما توجد روايات في المجالس العامة أو الخاصة يحض فيها الإمام المؤمنين أن يلتزم بما عليه اتباع الظالم، وقد لا يعرف سر ذلك إلا الخاصة. وهو كما قلنا من أعمال التمويه السياسي والإمني تفاديا لخطورة موقف معين.

    وقد يسأل أحدهم لماذا هذه السرية؟
    ولماذا لا يبلغ أصحابه عامة بذلك؟
    وهذا السؤال بتقديري يفتقر إلى الذكاء، لأن لا معنى للسرية مع الإشهار والتعميم، وليس كل الناس تحفظ السر، وهذه أرواح المؤمنين تعرّض لخطر القتل والإعدام وهي ليست بهذه السهولة.

    وإذا كان يشك أحد في أهمية أرواح المسلمين فليسأل الفقه السني: هل يجوز أكل جسد النبي الميت حين يحتاج إليه المسلمون، وهل يجوز لهم ذبح الكافر ومهدور الدم وأكله حين الضرورة، لأهمية نفس المسلم الحي!!! وسيجد العجب.

    وبعد ذلك ليفكروا بمثل هذه الأسئلة الغبية.

    إن الكثير من الإشكالات عبارة عن استحسانات وأذواق شخصية بنظرة قاصرة وغير شاملة لموضوع الإشكال.
    وهذه ظاهرة في التفكير غير العميق، التي يمتاز به الفكر العربي والإسلامي ورثها المسلمون جيلا بعد جيل من أيام عدم التفريق بين الناقة والجمل، وذلك لنمو مبدأ تسطيح المعلومات والتساهل في ولوج المثقف فيما لا يعرف وبدون دراسة مستوعبة لما يقول.
    وقد ابتلينا بتجهيز مقالات مليئة بالكذب يعتمد عليها من يسمّون أنفسهم بالباحثين ويدّعون بأنهم هم أصحاب البحث بلا بحث حقيقة، ويدعون أنهم يعرفون كل شيء، بينما لا هم يعرفون شيئا ولا الذي كذّب وجهّز هذه البحوث يعرف شيئا، وهذا في غالب العلوم ولا يختص بالعلم الديني، ولعل هذا من أسباب سقوط العلوم وتخلفها في العالم العربي ، ولا نستطيع أن ننكر المعوقات الكثيرة الأخرى بل والأسباب وراء هذه الظاهرة فنحن لا نريد اختزال الأسباب وتسطيح النظر.

    ومن هذا الباب نفهم قول الإمام بوجوب الأخذ بالتقية في الرواية التالية الضعيفة عند بعضهم ولكنها مجبورة:

    الكافي - الشيخ الكليني ج 1 ص 65 :
    4 - علي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن ابن محبوب ، عن علي بن رئاب ، عن أبي عبيدة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : قال لي : يا زياد ما تقول لو أفتينا رجلا ممن يتولانا بشيء من التقية ؟ قال : قلت له : أنت أعلم جعلت فداك ، قال : إن أخذ به فهو خير له وأعظم أجرا . وفي رواية أخرى إن أخذ به اوجر ، وإن تركه والله أثم .

    انتهى الحديث وهو مبني بلا إشكال على أن ترك التقية هو مخالفة صريحة لما تقتضيه مصلحة بقاء المؤمنين ودفع هلاكهم. خصوصا أيام خسارة كرامة المسلم وهدر حقوقه الشخصية.ولهذا فإن ترك التقية إثم لا شك فيه. والعمل بحكم التقية مبرئٌ للذمة، وهو حكم ثان لحالة خاصة يجب التقيّد بها.

    ومما يمشي على نفس المنوال هذا الحديث الموضِح :

    7 - محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن هشام بن سالم . عن أبي عمرو الكناني قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : يا أبا عمرو أرأيتك لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيهما كنت تأخذ ؟ قلت : بأحدثهما وأدع الآخر ، فقال : قد أصبت يا أبا عمر وأبى الله إلا أن يعبد سرا ، أما والله لئن فعلتم ذلك إنه [ ل ] خير لي ولكم ، [ و ] أبى الله عز وجل لنا ولكم في دينه إلا التقية .


    وكان الأمر مريعا مع الكتب والحديث الشيعي بشكل اضطر فيه الكثير إلى إخفاء كتبهم حتى الوفاة وضياع بعضها -حين لم يكن لهم ورثة يعون قيمتها- ، وهذا الحديث دال على نوع المعاناة .

    الكافي - الشيخ الكليني ج 1 ص 53 :
    15 - عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن الحسن بن أبي خالد شينولة قال : قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام : جعلت فداك إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (( وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم ولم ترو عنهم)) فلما ماتوا صارت الكتب إلينا فقال : حدثوا بها فإنها حق .

    وهذا حديث يصور حجم العداء والترصد لأهل البيت وشيعتهم ومحاولة إبادتهم ، وهو يدل على عظيم المحنة في ذلك الوقت:

    5 - أبو علي الاشعري ، عن الحسن بن علي الكوفي ، عن العباس بن عامر عن جابر المكفوف ، عن عبد الله بن أبي يعفور ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : اتقوا على دينكم فاحجبوه بالتقية ، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له ، إنما أنتم في الناس كالنحل في الطير لو أن الطير تعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شئ إلا أكلته ولو أن الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لاكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية ، رحم الله عبدا منكم كان على ولايتنا .

    وهذا الحديث يدل على التستر في نقل أحاديث أهل البيت عليهم السلام وإن الإذاعة خطر عليهم وعلى المؤمنين بهم:

    23 - أبو علي الاشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن محمد بن إسماعيل ، عن علي ابن النعمان ، عن ابن مسكان ، عن عبد الله بن أبي يعقور قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : التقى ترس المؤمن والتقية حرز المؤمن ، ولا إيمان لمن لا تقية له ، إن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيدين الله عز وجل به فيما بينه وبينه ، فيكون له عزا في الدنيا ونورا في الآخرة وإن العبد ليقع إليه الحديث من حديثنا فيذيعه فيكون له ذلا في الدنيا وينزع الله عز وجل ذلك النور منه .



    -----------------



    ولو أتينا لنسأل الفقه الشيعي عن كمية أحكام التقية فيه وما هو نوع الأحكام، وطبعا كل من أخذ معلوماته عن أعداء التشيع سوف يعتقد بأن القضية تجل عن الحصر لأن تمسك الشيعة بالتقية وهجوم أعدائهم عليهم ينبغي أن تكون أحاديث التقية بحجم كبير جدا بل مهول.

    ولماذا نسأل الفقه؟ وحديثنا عن الحديث الشيعي.
    الجواب أن الفقه هو المرآة الثابتة للحديث الشيعي والتي لا يمكن أن يمرر الحديث إلا من خلاله. لأن فيه تمحيص سري وعلني على الروايات.

    فما هو حقيقة الأمر :

    لنأتي إلى كتاب مهم جدا وهو من كتب الدراسات الأساسية في مدارس العلوم الدينية عند الشيعة.

    وهو كتاب شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام للمحقق الشيخ أبي القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى بن الحسين بن سعيد الهذلي الحلي. (602-676هـ ) وهو خال العلامة الحلي.

    وهذا الكتاب يعتبرا أساسا للكثير من الدراسات العليا في الفقه الشيعي.

    لقد قمت بجرد الكتاب (بشكل شبه كامل) فوجدت أن المتن يحتوي على ثلاث مسائل فقهية تنص على حالة التقية، وفي الهامش ( وهو للسيد صادق الشيرازي) هناك خمس مسائل أخرى وهذا كل ما في الأمر .

    وهذه عناوين مسائل التقية في المتن:

    1- المسح على الخف للتقية أو الضرورة.
    2- قبول تولي أعمال السلطان للتقية والضرورة.
    3- قبول تولي القضاء للتقية والضرورة بشرط عدم إقامة حد القتل .

    وهذه عناوين مسائل التقية في الهامش:


    1- ترك وضع الجريدتين على صدر الميت تقية.
    2- كيفية الصلاة خلف الجائر تقية.
    3- التقية في متابعة الجائر في الصيام والإفطار.
    4- ترك العمل برواية توزيع الوصية على الأعمام والأخوال كما هو في الإرث واحتمال أنها تقية لأن المفروض هو التساوي في الوصية لأنهل خارج أحكام الإرث.
    5- حكم المرتد الذي يدعي التقية حين ردته ، وتفصيل القول فيه بين ما إذا أمكن الصلاة في بلاد الكفر فترفض دعواه وبين ما إذا لم يتمكن من الصلاة فتقبل.

    وهذا ما وجدته في البحث، ولا أدعي الكمال.

    والحقيقة أنني كرجل شيعي استغربت قلة موارد التقية في هذا الكتاب، فثلاثة مسائل فقط شيء غريب!!!! لأن هناك بعض الأحكام الواردة في الروايات لم يذكرها! ولهذا قمت بفحص كل كتب الفقه الشيعي القديمة من أوائلها إلى ما بعد العلامة الحلي، المتوفرة على أقراص الليزر.

    فوجدت الموارد التالية:

    1- جواز تأخير الميقات في الحج للتقية.
    2- عدم وضع الجريدتين على صدر الميت تقية.
    3- جواز أن يحكم القاضي الشيعي بخلاف مذهبه تقية بشروط.
    4- التظاهر بقبول ذبائح أهل الكتاب تقية.
    5- التختم بالشمال بدل اليمين تقية.
    6- عدم جواز قبول مناصب السلطان وجوائزه إلا لتقية.
    7- ترك البسملة في الصلاة تقية.
    8- حكم المرتد الذي يدعي التقية حين ردته ، وتفصيل القول فيه بين ما إذا أمكن الصلاة في بلاد الكفر فترفض دعواه وبين ما إذا لم يتمكن من الصلاة فتقبل.
    9- (التكتف) وقول (آمين) في الصلاة لغير تقية مبطل للصلاة مع اعتقاد الجزئية.
    10- ترك التسمية على الذبيحة تقية في بلاد الشرك .
    11- الصلاة في فراء السمور والخز والسنجاب والثعلب تقية.
    12- جواز عدم الرد على من يشتم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب تقية.
    13- الصلاة خلف الفاسق الجائر تقية.
    14- طلاق المكره بالثلاث تقية، ولم أجد طلاق المكره بصورة عامة ولعلي لم ألتفت إلى ذلك.
    15- لا تعطى تركة من لا وارث له إلى الحاكم الجائر إلا تقية.

    فهذا كل ما وجدته في هذا الكم الكبير جدا من الكتب الفقهية القديمة. وهذا بنفسه عدد قليل جدا.

    ولو راجعنا هذه الأحكام لوجدنا أن أغلبها يعني بكل وضوح مواجهة أحكام تكشف الهوية الشيعية حين الظلم والجور وتكشف مسايرة عموم المسلمين في الحياة.

    وهي بشكل عام نفس أحكام الإكراه والتقية عند السنة . .

    وبهذا العرض ينكشف مقدار التهويل والمزايدة على الشيعة في موضوع التقية. وينكشف أن كثيرا مما قيل في زمن الظلم والجور من التقية إنما هو معروف ومتروك ولم يعمل به فقها، ولهذا فإن ما ثبت في الفقه الشيعي إنما هو من مسلمات مطلق الفقه الإسلامي بل وغير الإسلامي لأنها أمور عقلائية ثابتة.

    وكما قلت قبل قليل فإن اختياري لكتب الفقه إنما هو بسبب كونها مرآة ، ولأن الفقه عند الشيعة له خصوصية بيان المطروح من الأحاديث عمليا فهو مصفاة للحديث في الغالب، وهذا يدل على أن الفكر الشيعي قد أخذ بهذا القدر من أحكام التقية لا غير.

    بقي أمر شرحته مختصرا في بداية الحديث عن شبهة التقية التي طرحها فضيلة الشيخ حسن المالكي ، وقلت أن واحدا من كواشف التقية في الحديث هو تعارض حديثين (صحيحين) ويعمل بأحدهما بينما يترك الآخر، وهذا ما يكشف عن التقية فيه.
    وقد قام قسم من المعلقين على الأحاديث بالتذكير عند أي حديث متروك بأن تركه يحتمل للتقية وقد تجاوز بعضهم فقال عن أحاديث ضعيفة بأنها قد تكون للتقية وهذا يدل على ضعف التحقيق وليس على حجم ما يقال عن التقية، وهذه التعليقات تعبر عن رأي المحققين المتأخرين المحكومين لمبانيهم أو لتساهلهم.

    وهذه المعلومة ليست حديثة وليس مما يجهله أي دارس في الفكر الشيعي، وقد نص على ذلك علماء قدماء كما أن علماء الشيعة القدماء لم يقبلوا من الشيعي أصلا العمل بالأحاديث الواردة في الكافي وغيره، والعمل بها غير مبرئ للذمة إلا بعملية اجتهاد، وقد أورد السيد المرتضى نصا مطولا في هذا سأضطر إلى جعله ملحقا خاصا من أجل تواصل الحديث بعنوان ملحق1.

    ومن أجل بيان أنه حتى مع حالة وجوب تفحص الأحاديث واحتمال أن تعارضها لتقية ما شابه ذلك، فإننا سنرى بأن ما تم التعليق عليه على أنه تقية صغير نسبيا مع حجم كتاب مثل كتاب الكافي.
    فلو راجعنا كتاب الكافي الحاوي على 16199 حديث تقريبا، فأن كمية التعليقات على الأحاديث بالتقية لم تتجاوز 115 تعليقة التي حمل فيها محقق الكافي الروايات على التقية سواء منه أو من احتمالات فقهاء آخرين.

    (ملاحظة: إنما أخذت الكافي فقط لكونه أقدم الكتب الجامعة الأربعة ولاعتبارات شيعية تخص الجمع والتأليف الشيعي للأحاديث.)

    وهذه أيضا مفاجئة أخرى لمن يتصور الحجم الهائل للتقية في كتب الحديث ككتاب الكافي.

    على أن قسما منها كان مجرد احتمال ضعيف كما يشير المحقق، وقد شككت أنا في هذا الرقم حين عددته أول الأمر لاحتمال الخطأ في العد، ولكنني حين عدت إليه من جديد في كل الكافي وجدت العدد أقل لأن قسما مما قاله عن احتمال التقية كان من قبيل السكوت وغيره وهذا فعل التقية وليس في مجال تعارض الحديث والحمل على التقية ولكن مع ذلك فإن هذا العدد يعد أقل بكثير مما يرتكز في الأذهان من حجم التقية كما يهولون به.

    إن عملي في جرد هذه الأعداد كان كما يلي :
    1- قمت بنسخ كل ما رأيته يتعلق بالتقية في كتاب الشرائع وكتب الفقه الشيعية القديمة وكتاب الكافي كل على حدة.
    2- فرزت المتون عن الهوامش.
    3- فرزت أحكام التقية عن الحث على التقية أو وصفها أو كيفية العمل بها عمليا أو نظريا.
    4- قمت بتعداد كلٍ على حدة.

    ولا شك كان هذا عملا مرهقا وطويلا بعض الشيء، ولا أدعي فيه الكمال.
    فالأرقام المعروضة تمثل بحث كامل من أجل بيان الحقيقة، ولكن وجدت من الصعب أن أدرج كل النصوص من جهة إرهاق القارئ بمكررات اختصاصية لا تعني غير المختصين. ولا يصعب على من يجد ضرورة ملحة عنده لجرد هذه الأمور أن يجردها لنفسه. وقد يأتي يوم تنشر هذه الأبحاث الجانبية.

    وبهذا الإحصاء ينكشف بأن التقية محدودة عند الشيعة وإن ما بقي من أحاديث وردت تقية قليلة جدا.

    ولكن الآن نعالج بعض الأحاديث التي تحث على التقية وتصف فعلها وكيفيته وهي بعدد 34 حديث أغلبها يحث الشيعة على التوقي من ذكر الإمام المنصوص وإخفاء إمامته وإخفاء ما يحاسب عليه السلطان من أفكار وأحكام من أجل حفظ الإمام بشخصه ومن أجل حفظ المؤمنين وإدامة جماعتهم من الفناء على يد الطغاة المجرمين.

    وفي بعض الأحاديث نفي الإمامة أو نفي إمامة إمام محدد أو عدم معرفة الشيعة لإمام إمام معين، وكل ذلك يدل على الخشية والتوقي من السلطان الجائر وعيونه المنتشرة . وسوف لن أنقل أحاديث تخص هذا الجانب لأنه جانب خاص يحتاج إلى معالجات معمقة وبيان الترابط بين الأحداث والأقوال. وهذا يطيل بنا المقام, ولكن لا بأس بذكر ما يدل على ذلك إجمالا.

    وسوف أنقل عدة نماذج منها لبيان مدى المعاناة وهي روايات تعطي صورة إجمالية للموضوع (وكل النصوص مأخوذة من كتاب الكافي) مع ملاحظة إنني حين لا اذكر المصدر فذلك يعني أنه مأخوذ من كتاب الكافي باب التقية والرقم الموجود قبل الحديث هو رقم الحديث في ذلك الباب وموضوع التقية بدأ في الكافي - للشيخ الكليني ج 2 ص 217 : ( باب التقية ) فأرجو التنبه لذلك وهذه هي بعض الأحاديث المختارة معنونة بما يبيّن مضمونها الإجمالي:

    الأحاديث وتبويب قبلها:

    موضوع التقية ووقتها: هو الإمرة الصبيانية وقد قلنا في تعقيبات سابقة بأن المقصود بها الإمارة المخالفة للشرع والمبنية على الشهوات والنزوات، وأن التقية عبارة عن الموافقة والمخالطة الظاهرية مع الاحتفاظ بالمبادئ والقيم والشرائع على حقيقتها، والحديث يدل على أن التقية هي وقت الحاكم الجائر المخالف للشرع:

    الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 219 :
    20 - الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن محمد بن جمهور ، عن أحمد بن حمزة ، عن الحسين بن المختار ، عن أبي بصير قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية.


    وجوب الأخذ بأحكام التقية حتى مع العلم بأنه مخالفة للحكم المعروف في الحالات العامة، لأن أحكام التقية أحكام واقعية في الحالة الخاصة:
    7 - محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن هشام بن سالم . عن أبي عمرو الكناني قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : يا أبا عمرو أرأيتك لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك بخلاف ذلك بأيهما كنت تأخذ ؟ قلت : بأحدثهما وأدع الآخر ، فقال : قد أصبت يا أبا عمر وأبى الله إلا أن يعبد سرا ، أما والله لئن فعلتم ذلك إنه [ ل ] خير لي ولكم ، [ و ] أبى الله عز وجل لنا ولكم في دينه إلا التقية .


    وصل الحال إلى استحسان أن لا يسلّم المؤمن على الإمام في الشارع وان لا يتظاهر بمعرفته إنكارا له وتضييعا للدليل على الارتباط به:
    الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 218 :
    9 - عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي بن فضال ، عن حماد بن واقد
    اللحام قال : استقبلت أبا عبد الله ( عليه السلام ) في طريق فأعرضت عنه بوجهي ومضيت ، فدخلت عليه بعد ذلك ، فقلت : جعلت فداك إني لألقاك فأصرف وجهي كراهة أن أشق عليك فقال لي : رحمك الله ولكن رجلا لقيني أمس في موضع كذا وكذا فقال : عليك السلام يا أبا عبد الله ، ما أحسن ولا أجمل.


    من امتحانات المؤمنين قهرهم على السب والتبرؤ من أمير المؤمنين عليا وفيه نكتة مهمة:
    10 - علي بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة قال : قيل لابي عبد الله ( عليه السلام ) : إن الناس يروون أن عليا ( عليه السلام ) قال على منبر الكوفة : أيها الناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ، ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تبرؤوا مني ، فقال : ما أكثر ما يكذب الناس على علي ( عليه السلام ) ، ثم قال : إنما قال : إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني ، ثم ستدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد ، ولم يقل : لا تبرؤوا مني . فقال له السائل : أرأيت إن اختار القتل دون البراءة ؟ فقال : والله ما ذلك عليه وماله إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان ، فأنزل الله عز وجل فيه " إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " فقال له النبي ( صلى الله عليه وآله ) عندها : يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عز وجل عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا .

    رجلان امتحنا فأحدهم تبرأ من الإمام والآخر لم يتبرأ والمتبرئ فقيه في دينه وغير المتبرئ تعجل إلى الجنة:
    الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 221 :
    21 - محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن زكريا المؤمن ، عن عبد الله ابن أسد ، عن عبد الله بن عطاء قال : قلت لابي جعفر ( عليه السلام ) : رجلان من أهل الكوفة اخذا فقيل لهما : ابرئا من أمير المومنين فبرئ واحد منهما وأبى الآخر فخلي سبيل الذي برئ وقتل الآخر ؟ فقال : أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه وأما الذي لم يبرء فرجل تعجل إلى الجنة .




    عبادة السر والإيمان السري بالإمام أفضل من عبادة العلن والإيمان العلني بالإمام:
    الكافي - الشيخ الكليني ج 1 ص 333 :
    2 - الحسين بن محمد الاشعري ، عن معلى بن محمد ، عن علي بن مرداس ، عن صفوان بن يحيى والحسن بن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن عمار الساباطي قال : قلت لابي عبد الله عليه السلام : أيما أفضل : العبادة في السر مع الامام منكم المستتر في دولة الباطل ، أو العبادة في ظهور الحق ودولته ، مع الامام منكم الظاهر ؟ فقال يا عمار الصدقة في السر والله أفضل من الصدقة في العلانية وكذلك والله عبادتكم في السر مع إمامكم المستتر في دولة الباطل وتخوفكم من عدوكم في دولة الباطل وحال الهدنة أفضل ممن يعبد الله عزوجل ذكره في ظهور الحق مع إمام الحق الظاهر في دولة الحق وليست العبادة مع الخوف في دولة الباطل مثل العبادة والامن في دولة الحق واعلموا أن من صلى منكم اليوم صلاة فريضة في جماعة ، مستتر بها من عوده في وقتها فأتمها ، كتب الله له خمسين صلاة فريضة في جماعة ، ومن صلى منكم صلاة فريضة وحده مستترا بها من عوده في وقتها فأتمها ، كتب الله عزوجل بها له خمسا وعشرين صلاة فريضة وحدانية ، ومن صلى منكم صلاة نافلة لوقتها فأتمها ، كتب الله له بها عشر صلوات نوافل ، ومن عمل منكم حسنة ، كتب الله عزوجل له بها عشرين حسنة ويضاعف الله عزوجل حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله ، ودان بالتقية على دينه وإمامه و نفسه ، وأمسك من لسانه أضعافا مضاعفة إن الله عزوجل كريم . قلت : جعلت فداك قد والله رغبتني في العمل ، وحثثتني عليه ، ولكن احب أن اعلم كيف صرنا نحن اليوم أفضل اعمالا من أصحاب الامام الظاهر منكم في دولة الحق ونحن على دين واحد ؟ فقال : إنكم سبقتموهم إلى الدخول في دين الله عز وجل وإلى الصلاة والصوم والحج وإلى كل خير وفقه وإلى عبادة الله عز ذكره سرا من عدوكم مع إمامكم المستتر ، مطيعين له ، صابرين معه ، منتظرين لدولة الحق خائفين على إمامكم وأنفسكم من الملوك الظلمة ، تنتظرون إلى حق إمامكم وحقوقكم في أيدي الظلمة ، قد منعوكم ذلك ، واضطروكم إلى حرث الدنيا وطلب المعاش مع الصبر على دينكم وعبادتكم وطاعة إمامكم والخوف مع عدوكم ، فبذلك ضاعف الله عزوجل لكم الاعمال ، فهنيئا لكم . قلت : جعلت فداك فما ترى إذا أن نكون من اصحاب القائم ويظهر الحق و نحن اليوم في إمامتك وطاعتك أفضل أعمالا من أصحاب دولة الحق والعدل ؟ فقال : سبحان الله أما تحبون أن يظهر الله تبارك وتعالى الحق والعدل في البلاد ويجمع الله الكلمة ويؤلف الله بين قلوب مختلفة ، ولا يعصون الله عزوجل في أرضه ، وتقام حدوده في خلقه ، ويرد الله الحق إلى أهله فيظهر ، حتى لا يستخفي بشئ من الحق مخافة أحد من الخلق ، أما والله يا عمار لا يموت منكم ميت على الحال التي أنتم عليها إلا كان أفضل عند الله من كثير من شهداء بدر واحد فابشروا .



    مدح العاملين بالتقية حين الظلم والجور (حديث عن أمير المؤمنين علي عليه السلام) :
    الكافي - الشيخ الكليني ج 1 ص 335 :
    3 - علي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، بن محبوب ، عن أبي اسامة ، عن هشام ، ومحمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن هشام بن سالم ، عن أبي حمزة عن أبي إسحاق قال : حدثني الثقة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام أنهم سمعوا أمير المؤمنين عليه السلام يقول في خطبة له : اللهم وإني لاعلم أن العلم لا يأزر كله ، ولا ينقطع مواده وإنك لا تخلي أرضك من حجة لك على خلقك ، ظاهر ليس بالمطاع أو خائف مغمور ، كيلا تبطل حججك ولا يضل أولياؤك بعد إذ هديتهم ، بل أين هم وكم ؟ اولئك الاقلون عددا ، والاعظمون عند الله جل ذكره قدرا ، المتبعون لقادة الدين : الائمة الهادين ، الذين يتأدبون بآدابهم ، وينهجون نهجهم ، فعند ذلك يهجم بهم العلم على حقيقة الايمان ، فتستجيب أرواحهم لقادة العلم ، ويستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم ، ويأنسون بما استوحش منه المكذبون ، وأباه المسرفون اولئك أتباع العلماء صحبوا أهل الدنيا بطاعة الله تبارك وتعالى وأوليائه ودانوا بالتقية عن دينهم والخوف من عدوهم ، فأرواحهم معلقة بالمحل الاعلى ، فعلماؤهم وأتباعهم خرس صمت في دولة الباطل ، منتظرون لدولة الحق وسيحق الله الحق بكلماته ويمحق الباطل ، ها ، ها ، طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنتهم ، وياشوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم وسيجمعنا الله وإياهم في جنات عدن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم .



    الحث على المجاملة وكظم الغيظ:
    الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 109 :
    4 - عنه ، عن محمد بن سنان ، عن ثابت مولى آل حريز ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال كظم الغيظ عن العدو في دولاتهم تقية حزم لمن أخذ به وتحرز من التعرض للبلاء في الدنيا ومعاندة الاعداء في دولاتهم ومماظتهم في غير تقية ترك أمر الله فجاملوا الناس يسمن ذلك لكم عندهم ولا تعادوهم فتحملوهم على رقابكم فتذلوا .



    بعض معايير معرفة المؤمنين بأمر الإسلام والتشيع:
    الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 168 :
    1 - علي بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول وسئل عن إيمان من يلزمنا حقه واخوته كيف هو وبما يثبت وبما يبطل ؟ فقال : إن الايمان قد يتخذ على وجهين أما أحدهما فهو الذي يظهر لك من صاحبك فإذا ظهر لك منه مثل الذي تقول به أنت ، حقت ولايته واخوته إلا أن يجيئ منه نقض للذي وصف من نفسه وأظهره لك ، فإن جاء منه ما تستدل به على نقض الذي أظهر لك ، خرج عندك مما وصف لك وأظهر ، وكان لما أظهر لك ناقضا إلا أن يدعي أنه إنما عمل ذلك تقية ومع ذلك ينظر فيه فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك ، لان للتقية مواضع ، من أزالها عن مواضعها لم تستقم له وتفسير ما يتقى مثل [ أن يكون ] قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله فكل شئ يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لايؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز ( 1 ) .



    نصيحة خاصة إلى معلى بن خنيس ولكنه لم يلتزم ويبدوا أنه كان يبلّغ الأخبار ويميل إلى جهة النفس الزكية، رغم أنه ملازم للإمام، كما هو معروف في سيرته فأعدم من قبل العباسيين، وما ذلك إلا لأنه ترك ما ينبغي أن يكون منه.
    الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 223 :
    8 - عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن يحيى ، عن حريز ، عن معلى بن خنيس قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : يا معلى اكتم أمر ولا تذعه ، فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا وجعله نورا بين عينيه في الآخرة ، يقوده إلى الجنة ، يا معلى من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا ونزع النور من بين عينيه في الآخرة وجعله ظلمة تقوده إلى النار ، يا معلى إن التقية من ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له ، يا معلى إن الله يحب أن يعبد في السر كما يحب أن يعبد في العلانية ، يا معلى إن المذيع لامرنا كالجاحد له ( 1 ) .


    الإشكال ليس على من يستعمل التقية وإنما الإشكال على من يفعل ما يوجب التقية منه ( حديث قدسي) :
    الكافي - الشيخ الكليني ج 2 ص 299 :
    1 - محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن سنان ، عن إسماعيل بن جابر ، عن يونس بن ظبيان قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إن الله عز وجل يقول : ويل للذين يختلون الدنيا بالدين ، وويل للذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ، وويل للذين يسير المؤمن فيهم بالتقية ، أبي يغترون أم علي يجترؤون ، فبي حلفت لاتيحن لهم فتنة تترك الحليم منهم حيران ( 3 ) .

    التقية دين الله وأحكام الله كما بينا في ملحق تقية المعصوم سابقا( ومما لا شك به أن التقية من الدين المنزل وليس فقط من ضرورات التعامل الحياتي رغم أنه واقع عملي وهذا شرحناه سابقا) :
    2 - ابن أبي عمير ، عن هشام بن سالم ، عن أبي عمر الاعجمي قال : قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : يا أبا عمر إن تسعة أعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا تقية له والتقية في كل شئ إلا في النبيذ والمسح على الخفين ( 2 ) .

    3 - عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد بن خالد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي بصير قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : التقية من دين الله . قلت : من دين الله ؟ قال : إي والله من دين الله ولقد قال يوسف : " أيتها العير إنكم لسارقون " والله ما كانوا سرقوا شيئا ولقد قال إبراهيم : " إني سقيم " والله ما كان سقيما .
    12 - عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن معمر بن خلاد قال : سألت أبا الحسن ( عليه السلام ) عن القيام للولاة ، فقال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : التقية من ديني ودين أبائى ولا إيمان لمن لا تقية له .




    تقية أصحاب الكهف كانت تصل إلى حد التشبه بالكفار وحضور أعيادهم:
    8 - عنه ، عن أحمد بن محمد ، عن الحسن بن علي ، عن درست الواسطي قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف إن كانوا ليشهدون الأعياد ويشدون الزنانير ، فأعطاهم الله أجرهم مرتين .

    يجب على الشيعي أن يكون صورة حسنة عن أئمته من أخلاق وتواصل مع الناس حتى أيام اجتماعهم على ظلم أهل البيت، والعمل بالتقية معهم (حسب تصوري فإنهم مضللون من قبل السلطان وأتباعه فينبغي إعطائهم صورة صحيحة وجميلة عن أهل البيت عليهم السلام لأجل أن يفكروا في حقيقة ما يسمعون من دعايات) :
    11 - محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم ، عن هشام الكندي قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) يقول : إياكم أن تعملوا عملا يعيرونا به ، فإن ولد السوء يعير والده بعمله ، وكونوا لمن انقطعتم إليه زينا ولا تكونوا عليه شينا صلوا في عشائرهم ( 2 ) . وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شئ من الخير فأنتم أولى به منهم والله ما عبد الله بشئ أحب إليه من الخبء قلت : وما الخبء ( 3 ) ؟ قال : التقية .

    التقية إنما هي لحفظ دم المسلم فلا يمكن أن تصل إلى هدر دم المسلم (حديث لوضع معيار إلى حد التقية فلا يجوز المشاركة في دم المسلم بحجة التقية):
    16 - أبو علي الاشعري ، عن محمد بن عبد الجبار ، عن صفوان ، عن شعيب الحداد عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية .

    هذا ما اخترته من أحاديث التقية وغير ذلك قد يكون مكررا.


    أقول فهذا هو حال التقية وحقيقتها في التراث الشيعي، ولو نظر العاقل بعينة مجموع ما قيل فيها في الحديث الشيعي، لاكتشف أمرين مهمين وهما صعوبة ظروف الشيعة وشدة الظلم عليهم والثاني هو رقي التعامل الشيعي مع الأحداث لحفظ النفس ولاستقامة السلوك.

    والممارسة الشيعية الحقيقية للتقية كانت في زمن وجود الأئمة لأنهم هم المقصودون بالدرجة الأولى.

    ولا يعني هذا عدم وجود فترات من الإرهاب والذبح للشيعة كفترات فتن أهل الحديث أيام العباسيين فيما بعد زمن الأئمة، وفترة السلاجقة وفترة ابن تيمية وبعض فترات العثمانيين. وهذا كله بالنظر إلى القتل والذبح للشيعة وأما إعطائهم حقوقهم كبشر فهذا يجب أن نحدث عنه ولا حرج، وعلى اقل تقدير فإن في زمن الأتراك (600 سنة تقريبا) كان الشيعي لا يملك أرضا في بلاد الشام بفرمان من الباب العالي (كما روى لي بعض المؤرخين ولم أطلع على المرسوم ولكن الواقع العملي لملكية الأراضي في لبنان يشهد على ذلك فمن العجيب أن كل الأراضي في لبنان هي ملكية للمسيحيين والسنة والدروز حتى الأماكن الشيعية الخالصة ما عدا ملكية بعض الزعماء الشيعة فقد كانت هبات من الولاة والسلاطين لظروف استرضائية خاصة، ولا نحدث عن الأماكن التي أجلي عنها الشيعة بالقتل والحرق والتخريب كما هو الحال أيام ابن تيمية وبعده وتسليم الأراضي للمسيحيين)، وفي العراق لا يوجد في مجالس الولاية أي شيعي بينما فيه ممثلون عن اليهود والمسيحيين، وقد منع الشيعة من التعليم والوظيفة ولكن يؤخذ منهم الجنود إلى جبهات القتال النائية ويؤخذ منهم الأتاوات والضرائب المختلقة والمختلفة.

    فهذا هو الحال، وحال اليوم ليس بأفضل من السابق، فقد دخلنا عهد الاستعمار الذي لم يزل ولن يزول على المدى المنظور، ولكن تحوّل الإنجليز والفرنسيين إلى معايير الدولة العثمانية نفسها واستخدموا نفس كوادرها الحاقدة على الشيعة واستلم منهم الأمريكان الآن نفس القضية وبنفس الامتداد. ومع كل الأسف أن يحدث هذا في زمن يقال عنه بأنه زمن كرامة الإنسان وحقوقه المشروعة.

    بقي أن نشير إلى ما ورد من عدم احتمال بعض العقول للحقائق ويجب كتمان ذلك إلا لأهلها، وهذا مما لا يمتري فيه عاقل، وقد قلنا بأن رسول الله كتم عن غير الخاصة أمورا كثيرا ولا ينبغي الإعادة، كما أن طبيعة ما وصلنا إليه من تطور في المعرفة كشف لنا بأن الكثير مما نقبله اليوم كان ضربا من الجنون في السابق، ونحن نجزم بأن الكثير مما يعد ضربا من الوهم والخيال اليوم سيكون حقيقة غدا، والإشكال على هذه الحقيقة إنما هو إشكال العاطل عن العلم.
    فلا شبه بأن علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام يجل عن أفهامنا، ومن يدّعي القدرة على بلوغ مبالغهم نوجّه له سؤلا بسيطا وهو: إذن لماذا لم يخترك الله بدلهم؟.

    فهذه هي التقية ، وهذا حقيقة ما يقال عنها من تهويلات ، وما هي إلا حكم إسلامي إلهي متفق عليه فقهيا وعقلائيا، وقد كان من الواضح أن يجبر الشيعة على استعمالها امتدادا لجهاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع المشركين والظالمين، وكل ما قيل عنها من انتقادات ما هي إلا معلومات سطحية، وأحكام حاقدة، وجهل فضيع بكل المقاييس، وقد وقع بهذا الجهل كل السطحيين ممن يسمون أنفسهم باحثين ويضفون على أنفسهم حالة كاذبة ليبرزوا أنفسهم كشخصيات باحثة مجردة ، ولكن في الحقيقة بعد غربلتهم لا يبقى في الغربال أحد منهم، بخلاف الباحثين المنصفين الذين لم يتعرضوا لمثل هذه التفاهات والنقول غير الدقيقة. ومعيار معرفة التافه من الرصين أن تختبره بمثل هذا الموضوع وما يقول فيه. وستعرف إن كان تافها فقيرا في علمه أو كان حقيقا ثبتا في اختياراته العلمية. ولا يهمنك الاسم وطنطنته.

    أخوكم

    علي الصدر



  19. #99

    شبهة التقية في الحديث عند الشيعة- ملحق 1

    عنوان الملحق : طريقة علماء الشيعة في التعامل مع نصوص الأحاديث وتمييز التقية فيها- نصوص منتقاة دالة.


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام حفظكم الله


    الأخ الكريم الشيخ حسن بن فرحان المالكي حفظك الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:




    لقد قلنا بتكرار ممل لنا بصورة خاصة، بأن التشيع لا يُـبنى على النص فقط، ولا يُـبنى على نظرية صحة الإسناد، و إنما يُـبنى على منظومة معقدة من المعرفة والتمحيص بإجماعات خاصة، التي يمثلها الاجتهاد والتمحيص الدائم والتحليل المنطقي والعقلي والمزاوجة بين المعلومات الظاهرة والمعلومات الخفية والمعلومات التفصيلية الآتية من طرق عقلية ونقلية.

    وهذا ليس طريقا حديثا عند الشيعة كما يعتقد البعض حيث يتصور بأن التعامل من النص الشيعي بهذه الطريقة المعقدة إنما هو نتيجة التطور في الفكر الشيعي، فهذا لا علاقة له بالواقع، لأن هذا التعامل هو في زمن الأئمة أنفسهم، و هو معروف ومن المسلمات عند فقهاء الإمامية وكل الذين يعرفون أسرار التشيع.

    وفي سبيل وضع النقاط على الحروف فقد أحببت أن انقل لكم نصا من سؤال وجواب في كتاب السيد المرتضى رحمه الله فيه نص على عدم جواز التعامل والتعبد على ما في أحاديث الكافي وغيره من كتب الحديث، (وببساطة فنحن لسنا من أصحاب الحديث واتباع السند الموصوفين بالحشو وعدم التفكير)، وهذا ما يؤكده نص كلام السيد المرتضى وهو من أكبر مراجع الشيعة في النصف الأول من القرن الخامس الهجري.

    وقد ألحقت كلام المرتضى بنص للمفيد الذي يفيد بأن الأحاديث التي وردت تقية لا يعمل بها أغلب الفقهاء وهذا كاشف عن التقية في الحديث، وألحقته بنص في مقدمة كتاب المهذب للقاضي ابن البراج يبيّن سلوك الفقهاء في ترك الأحاديث التي وردت تقية وانهم يميزونها بطرقهم الخاصة {وفيه تفصيلات في بعضها نظر}. وعقبت بنصوص من جواهر الكلام تفيد التطبيق العملي لهذه المقولة في الفقه بشكل محدد.

    وهنا عندي سؤال لعامة علماء أهل السنة رعاهم الله، وهو:

    هل يقول علمائكم ((بعدم جواز)) أخذ المكلَّف الأحكام مباشرة من البخاري ومسلم وغيرهما؟ كما يقول بذلك صراحة علماء الشيعة من قديم الزمان.

    فإذا كان لا يوجد من يقول بذلك، فما هي خصوصية المذاهب عندكم أذن؟

    وإذا كان يوجد مثل هذا النص ، فنرجوا بيانه أولا، ومن ثم نرجوا أن نفهم كيف يتفق هذا مع الصحة المطلقة التي يوصف بها البخاري ومسلم، وهل الصحيح عندكم لا يعمل به؟ وفي هذه الحالة لا بد أن نكون قد تساوينا في التعامل مع الأحاديث الصحيحة. ولكننا نعلل ذلك بأن صدورها هو عن تقية في حال صحة الصدور، فما تقولون أنتم عن ترككم لها.
    فهل هي لكذب من الرواة؟ وهذا خلاف الصحة!
    أم هو كذب من النبي والعياذ بالله؟ وهذا خلاف الإسلام! .
    أفيدونا أفادكم الله.


    وهذا نص كلام السيد المرتضى:


    رسائل المرتضى - الشريف المرتضى ج 2 ص 331 :

    المسألة الخامسة [ الرجوع إلى الكافي وغيره من الكتب المعتبرة ] :

    هل يجوز لعالم أو متمكن من العلم أو عامي الرجوع في تعرف أحكام ما يجب عليه العمل به من التكليف الشرعي إلى كتاب مصنف ، ك ( رسالة المقنعة ) و ( رسالة ابن بابويه ) أو كتاب رواية ك ( الكافي للكليني ) أو كتاب أصل ك ( كتاب الحلبي ) أم لا يجوز ذلك ؟ فإن كان جائزا فما الوجه فيه ؟ مع أنه غير مثمر لعلم ، ولا موجب ليقين ، بل الفقهاء العاملون بأخبار الآحاد لا يجيزون ذلك . وإن كان غير جائز فما الغرض في وضع هذه الكتب ؟ وهي لا تجدي نفعا . وما الوجه فيما علمناه من رجوع عامة طائفتنا على قديم الدهر وحديثه إلى العمل بهذه الكتب ، وارتفاع التكبر من العلماء منا على العامل بها ، بل نجدهم يدرسونها مطلقة من جهة خليه من تقية على ترك العمل بمتضمنها ، بل يكاد يعلم من قصدهم إيجاب التدين بها .

    الجواب : إعلم أنه لا يجوز لعالم ولا عامي الرجوع في حكم من أحكام الشريعة إلى كتاب مصنف ، لأن العمل لا بد من أن يكون تابعا للعلم على بعض الوجوه ، والنظر في الكتاب لا يفيد علما ، فالعامل بما وجده فيه لا يأمن من أن يكون مقدما على قبيح .

    · ( هامش ) * 1 ) ظ : وبما . ( * ) . / صفحة 332 /

    ولا يلزم على هذه الجملة جواز العمل بالفتيا وتقليد المفتي ، لأن هذا العمل مستند إلى العلم ، وهو قيام الحجة على المستفتي ، بأن له أن يعمل بقول المفتي ، فيأمن لهذا الوجه من أن يكون فاعلا لقبيح . وليس كل هذا موجودا في تناول الأحكام من الكتب .
    فإن قيل : فعلى هذا يجب أن يجوزوا التعبد لنا بأن نرجع في الأحكام إلى الكتب ، كما نرجع إلى العلماء ونأمن من القبيح ، لأجل دليل التعبد ، كما قلتم في المفتي .
    قلنا : لما تعبد العامي بالرجوع إلى من له صفة مخصوصة يتمكن من معرفتها وتمييزها ويثق ، لأجل دليل التعبد ، بأن ما يفتيه به يجب علمه 1 عليه .
    وإذا قيل له ارجع في الأحكام إلى الكتب من غير تعيين ولا صفة مخصوصة ، لم يكن للحق جهة معينة متميزة مثمرة .
    ولكن لو قيل له ارجع إلى الكتاب الفلاني وسمى الكتاب وعين أو وصف بوصف لا يوجد إلا فيه يجري مجرى الفتيا في جواز العبادة به ، وحصول الأمن من الإقدام على القبيح . . . .

    وأما الالزام لنا أن لا تكون في تصنيف هذه الكتب فائدة إذا كان العمل بها غير جائز . فليس بصحيح ، لأن مصنف هذه الكتب قد أفادنا بتصنيفها حصرها وترصيفها وجمعها مذاهبه التي يذهب إليها في هذه الأحكام ، وأحالنا في معرفة صحتها وفسادها على النظر في الأدلة ووجوه صحة ما سطره في كتابه .
    ولو لم يكن في هذه الكتب المصنفة إلا أنها تذكرة لنا يجب أن ننظر فيها من أحكام الشرعيات ، لأن من لم تجمع له هذه المسائل حتى ينظر في كل واحدة منها ودليل صحته تعب وطال زمانه في جمع ذلك ، فقد كفى بما تكلف له من جمعها مؤنة الجمع وبقي عليه مؤنة النظر في الصحة أو الفساد

    . * ( هامش ) * 1 ) ظ : عمله . ( * ) . / صفحة 333 /

    ونرى كثيرا من الفقهاء يجمعون ويربون للمتعلمين ولنفوسهم على سبيل التذكرة رؤوس مسائل الخلاف مجردة من المسائل والعلل ، ويتدارسون ذلك ويتلقونه ، ونحن نعلم أن اعتقاد ذلك بغير حجة .
    وليس إذا لم يجز ذلك لم يكن في جمع ذلك وتسطيره فائدة ، بل الفائدة ما أشرنا إليه . فأما ما مضى في أثناء الكلام من أن قوما من طائفتنا يرجعون إلى العمل بهذه الكتب مجردة عن حجة ، ولا ينكر بعضهم على بعض فعله .
    فقد بينا في جواب مسائل التبانيات الجواب عن هذا الفصل ، وبسطناه وشرحناه وانتهينا فيه إلى الغاية القصوى وقلنا : إنا ما نجد محصلا من أصحابنا يرجع إلى العمل بما في هذه الكتب من غير حجة تعضده ودلالة تسنده بقصده ودلالته .
    ومن فعل ذلك منهم فهو عامي مقلد في الأصول ، وكما يرجع في الأحكام إلى هذه الكتب ، فهو أيضا يرجع في التوحيد والعدل والنبوة والامامة إلى هذه الكتب ، وقد علمنا أن الرجوع في الأصول إلى هذه الكتب خطأ وجهل ، فكذلك الرجوع إليها في الفروع بلا حجة .
    وما زال علماء الطائفة ومتكلموهم ينكرون على عوامهم العمل بما يجدونه في الكتب من غير حجة مشافهة ومما يصفونه في كتبهم ، وردهم على أصحاب التقليد ، فكيف يقال : إن النكير غير واقع ، وهو أظهر من الشمس الطالعة . اللهم إلا أن يراد أن النكير من بعض أهل التقليد على بعض ارتفع ، فذلك غير نافع ، لأن المنكر لا ينكر ما يستعمل قبله ، وإنما ينكر من الأفعال ما هو له بجانب ولا اعتبار بعوام الطائفة وطغامهم ، وإنما الاعتبار بالعلماء المحصلين.

    · ( هامش ) * 1 ) ظ : وفيما . ( * ) . / صفحة 334 /


    انتهى نص السيد المرتضى رحمه الله.
    ...............



    وقد أشار الشيخ المفيد بأن الأحاديث التي وردت تقية لا يعمل بها الفقهاء (أو أكثر الفقهاء). وهذا ما نردده دائما بأن الحديث الشيعي قد غُربل عمليا وتَرك ما قد ورد تقية من الزمن الأول، وهو نتيجة عمليات فاحصة و وتمحيص متتال للحديث، فكان الفقه هو مرآة الحديث، وكذا بعض الأصول المتبعة هي المرآة الحقيقية للحديث، ولا يجوز مناقشة الشيعة مطلقا بناءً على المنظومة الحديثية، فهذا قياس ما لا يقاس وهذا قصور في النظر، وفي فهم أساليب الطرف المقابل وطرق تلقيهم. وكل ما رأيناه من نقد للحديث ودعاوى الانحراف في الفكر الشيعي، مبني على مساحة لا يدخلها الشيعة، وهي ساحة نفس الناقدين وليست ساحة الشيعة في الأخذ الفكري والعقائدي.

    فيكون النقد موجّه إلى الناقدين قبل أن يوجّه إلى الشيعة، لأن الشيعة لا يؤمنون بهذه الأصول البحثية مطلقا فلا يتوجه لهم أي أشكال من أي نوع كان، بموجب النقد الحديثي وما شابه ذلك من نقود بعيدة عن مباني الشيعة، بينما من يؤمن بهذا عليه الالتزام به وعليه أن يقف لآخر لحظة مع كل مبانيه التي بنى عليها.

    وهذا هو نص ما أفاده شيخنا المفيد رحمه الله تعالى:

    جوابات أهل الموصل- الشيخ المفيد ص 5 :

    5- إن أحاديث الأحكام الواردة تقية لا يمكن أن ترد بطرق معروفة ، وإنما ترد على الشذوذ لا فيما ينقله جمهور الفقهاء ويعمل به أكثر العلماء.


    انتهى ما أورده الشيخ المفيد رحمه الله . وهنا أحب أن أعيد صياغة جملة الشيخ المفيد لمن لا يعلم الصياغات المعقدة التي يلقيها العلماء حسب إتقانهم اللغوي، يقول النص: (أن الأحاديث المختصة بالأحكام التي ترد مورد التقية لا ينقلها العلماء كنصوص أصلية وإنما كنصوص شاذة، لأن الفقهاء والعلماء لا يعملون بها ولذلك ترى جمهور الفقهاء لا يوردها في نصوص الأحكام والعمل بها). وهذا يكشف كشفا واسعا عن أن الفقهاء واقعون تحت تأثير عمليات التمحيص واستبعاد روايات التقية من الأساس فتكون روايات التقية لا قيمة لها من ناحية عملية في الفقه والعقيدة، و إنما قيمتها آنية لمناورة القتلة ، وتشويش فكر المهاجمين وصرف أنظارهم عن ظلم المظلومين، وهذه دبلوماسية سياسية رفيعة حيث الاحتفاظ بما يرونه من حق مع تشويش فكر المتربصين بما لا يستطيعون تمييزه، وهذه حالة عظيمة تسجل لأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم حيث قاموا بهذا العمل الجبار الذي يبعث على الفخر والإعجاب. خصوصا وان حالة التشويش لا زالت بحمد الله مسيرة على عقول أتباع الظلمة القتلة لحد هذا اليوم بحيث تراهم لا يفهمون ما يقال ويكادون يصدرون أحكامهم كما أصدرها أسلافهم من واقع الجهل وتشوش الفكر وعدم القدرة على التمحيص وهذا فخر لأهل البيت أن يستطيعوا تشويش عقول الظالمين إلى هذا اليوم والى ما شاء الله مما يكشف عن قدرة هائلة لأهل البيت من جهة وعن سطحية متوارثة عند أعداهم بحيث لا يستطيعون فهم الواقع مع كل ما لديهم من قدرات وأموال ودول وحشد بشري كبير. فلو سكتوا عن التقية وأحاديثها كان أقل كشفا لهم عن جهلهم وسطحيتهم وفشلهم في تناول الأفكار.


    ولزيادة البيان فقد أشار أحد الأفاضل في مقدمة كتاب المهذب للقاضي ابن البراج إلى سلوك الفقهاء وكشفه ترك الخبر حين طرحه والإعراض عنه رغم صحة طريقه وذلك لتقية أو لأنهم يعلمون بأن ذلك الحديث لم يصدر من الإمام بطرق معرفةٍ خاصة:

    - المهذب - القاضي ابن البراج ج 2 ص 7 :

    إذا تسالم جميع الفقهاء على حكم مخالف للخبر الصحيح أو الموثق في نفسه يحصل العلم أو الاطمئنان بسبب ذلك بأن هذا الخبر لم يصدر من المعصوم أو صدر عن تقية فيسقط الخبر المذكور عن الحجية .

    انتهى النص


    ومن الفقه التطبيقي اخترت بعض النصوص من كتاب جواهر الكلام للشيخ محمد حسن النجفي المعروف بصاحب الجواهر، فهو ينص عند معالجة النصوص الصحيحة الصريحة المرفوضة في الفقه من أجل إعراض أصحابنا عنها، وهذه النصوص ناطقة بما نريد من دون شرح، وهي مقتطعة من موضوعاتها بما يجعلها غير محددة الباب ولكن المهم هو جوهر التصريح:

    - جواهر الكلام - الشيخ الجواهري ج 3 ص 244 :
    إن الأخبار كل ما كثرت وصحت وصرحت وكانت من الأصحاب بمرأى ومسمع ومع ذلك فقد أعرض عنها الأصحاب وأفتوا بخلافها قوي الظن بعدم الاعتماد عليها والركون إليها .



    - جواهر الكلام - الشيخ الجواهري ج 21 ص 265 :
    فالتحقيق حينئذ أنه كلما كثرت الأخبار وازدادت صحة ومع ذلك أعرض الأصحاب عنها ولم يلتفتوا إليها مع أنها بين أيديهم بمنظر منهم ومسمع تزداد وهنا ، ويضعف الاعتماد عليها لحصول الظن بل القطع بعدم كونها على ما هي ظاهرة فيه .



    - جواهر الكلام - الشيخ الجواهري ج 31 ص 175 :
    خصوصا مع ملاحظة الشهرة العظيمة بين الأصحاب التي كادت تكون إجماعا ، بل هي كذلك في ظاهر معقد إجماع إرشاد الجعفرية المتقدم وغيرها ، وإعراضهم عن هذا الصحيح مع أنه بمرأى منهم ومسمع وبين أيديهم.



    - جواهر الكلام - الشيخ الجواهري ج 31 ص 339 :
    والنصوص يكفي في ردها إعراض الأصحاب عنها مع كثرتها وصحتها ووضوح دلالتها وكونها بمرأى منهم ومسمع ، بل في المنتهى أنه لم يعمل بها أحد من علمائنا.



    - جواهر الكلام - الشيخ الجواهري ج43 ص 269 :
    والحكم فيها ذلك كما في نصوص التفصيل ، فليس بينهما معارضة ، لكن إعراض الأصحاب عنها مع أنها بمرأى ومسمع يمنع من العمل بها .


    انتهى ما أردت إيراده من كلام الشيخ محمد حسن النجفي رحمه الله.



    قد يبدو هذا الكلام واضحا لنا ولكن من انغمس في الحشو ومتابعة السند بلا فهم لطبيعة العلوم وطبيعة الحياة، يبدو عليه هذا الأمر غريبا، ولا يستطيع أن يفهم ذلك. فيبقى يثير الإشكالات الحديثية على مَنْ لا يؤمن بهذا الطريق أساسا، فهو كمن يغني لنفسه ويعتقد بأن صوته جميل مطرب بينما هو من أنكر الأصوات عند أهل الذوق.

    ولا اعتقد أنهم يفهمون ما نقول.

    أخوكم

    علي نعمان الصدر

  20. #100

    شبهة التقية في الحديث عند الشيعة- ملحق 2

    ملحق خاص برسالة الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام يعلّم المؤمنين كيفية التعامل مع الشريعة ومع الأعداء وكيفية التقوى والتقية. وهي رسالة طويلة أوردها بشكل خاص للأخوة المؤمنين الذين يرغبون باتباع خطى أهل البيت.

    فيها الكثير من العبر التي يمكن أن تستخلص، وقد رغبت أن يستوعب هذه المعاني أهل الإيمان وان يفكروا فيها جيدا. وإن كان القصد الأساسي من وضع هذا الملحق إنما هو ملاحظة تعليمات أهل البيت في السلوك الدبلوماسي الراقي مع الالتزام التام بالإسلام وتعاليمه وكيفية تطبيق وجوه التقية، ولكن لا شك بأن الكثير من الأخوة المؤمنين يحتاجون إلى فهم وتحقيق هذه المعاني الجميلة في الالتزام والسلوك الأخلاقي الراقي.
    فهذه الرسالة جديرة بالمطالعة المتأنية بل ادّعي أنه لا ينبغي للمؤمن أن يمر عليها سريعا.

    مع ملاحظة مهمة وهي أن هذه الرواية ليست في الأصل في كتاب الكافي و إنما أوردها المحقق من الوافي للتذكير والعبرة جزاه الله خيرا:


    وهذا هو النص:




    - الكافي - الشيخ الكليني ج 8 ص 397 :

    عن كتاب الوافي في آخره. علي ، عن ابيه ، عن ابن فضال ، عن حفص المؤذن ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، وعن ابن بزيع ، عن محمد بن سنان ، عن إسماعيل بن جابر ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) أنه كتب بهذه الرسالة إلى أصحابه وأمرهم بمدارستها والنظر فيها وتعاهدها والعمل بها وكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها ، وعن ابن سماعة عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي عن القاسم بن الربيع الصحاف عن إسماعيل بن مخلد السراج قال : خرجت هذه الرسالة من أبي عبد الله ( عليه السلام ) إلى أصحابه :

    بسم الله الرحمن الرحيم

    أما بعد فاسألوا الله ربكم العافية ، وعليكم بالدعة ( 1 ) والوقار والسكينة ، و عليكم بالحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون قبلكم ، وعليكم بمجاملة أهل الباطل ، تحملوا الضيم منهم ، وأياكم ومماظتهم ( 2 ) ، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام فانه لا بد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقية التي أمركم الله أن تأخذوا بها ( 3 ) فيما بينكم وبينهم فإذا ابتليتم بذلك منهم فإنهم سيؤذونكم وتعرفون في وجوههم المنكر ولولا أن الله تعالى يدفعهم عنكم لسطوا بكم ( 4 ) وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدون لكم ، مجالسكم ومجالسهم واحدة وأرواحكم وأرواحهم مختلفة لا تأتلف ، لا تحبونهم أبدا ولا يحبونكم غير أن الله تعالى أكرمكم بالحق وبصركموه ولم يجعلهم من أهله فتجاملونهم وتصيرون عليهم وهم لا مجاملة لهم ولا صبر لهم على شئ من أموركم ، تدفعون انتم السيئة بالتي هي أحسن فيا بينكم وبينهم تلتمسون بذلك وجه ربكم
    ( هامش ) * ( 1 ) الدعة : خفض العيش والطمأنينة . ( 2 ) المجاملة : المعاملة بالجميل . والضيم : الظلم . والمماظة : - بالمعجمة - : شدة المنازعة والمخاصمة مع طول اللزوم . ( 3 ) " بالتقية " متعلق بدينوا وما بينهما معترض . ( 4 ) السطو : القهر بالبطش . ( * )
    / صفحة 398 /
    بطاعته وهم لا خير عندهم ، لا يحل لكم أن تظهروهم ( 1 ) على أصول دين الله فإنه إن سمعوا منكم فيه شيئا عادوكم عليه ورفعوه عليكم ( 2 ) وجاهدوا على هلاكهم واستقبلوكم بما تكرهون ولم يكن لكم النصف منهم في دول الفجار ، فاعرفوا منزلتكم فيما بينكم وبين أهل الباطل فانه لا ينبغي لاهل الحق أن ينزلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل لان الله لم يجعل أهل الحق عنده بمنزلة أهل الباطل ، ألم تعرفوا وجه قول الله تعالى في كتابه إذ يقول : " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار " أكرموا أنفسكم عن أهل الباطل فلا تجعلوا الله تعالى - وله المثل الاعلى - وإمامكم ودينكم الذي تدينون به عرضة لاهل الباطل ( 3 ) فتغضبوا الله عليكم فتهلكوا ، فمهلا مهلا ( 4 ) يا أهل الصلاح لا تتركوا أمر الله وأمر من أمركم بطاعته فيغير الله ما بكم من نعمه ، أحبوا في الله من وصف صفتكم وابغضوا في الله من خالفكم وابذلوا مودتكم ونصيحتكم لمن وصف صفتكم ( 5 ) ولا تبذلوها لمن رغب عن صفتكم وعاداكم عليها وبغا لكم الغوائل ( 6 ) ، هذا ادبنا ادب الله فخذوا به وتفهموه و اعقلوه ولا تنبذوه وراء ظهوركم ، ما وافق هداكم أخذتم به وما وافق هواكم اطرحتموه ولم تأخذوا به ، وإياكم والتجبر ( 7 ) على الله واعلموا أن عبدا لم يبتل بالتجبر على الله الا تجبر على دين الله فاستقيموا لله ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ، أجارنا الله وإياكم من التجبر على الله ، ولا قوة لنا ولا لكم إلا بالله . وقال : إن العبد إذا كان خلقه الله في الاصل أصل الخلقة مؤمنا لم يمت حتى يكره الله إليه الشر ويباعده منه ومن كره الله إليه الشر وباعده منه عافاه الله من الكبر أن يدخله و الجبرية فلانت عريكته وحسن خلقه ( 8 ) وطلق وجهه وصار عليه وقار الاسلام

    صفحة 399 /

    سكينته وتخشعه وورع عن محارم الله واجتنب مساخطه ورزقه الله مودة الناس و مجاملتهم وترك مقاطعة الناس والخصومات ولم يكن منها ولا من أهلها في شئ ، و إن العبد إذا كان الله خلقه في الاصل أصل الخلق كافرا لم يمت حتى يحبب إليه الشر ويقربه منه ، فإذا حبب إليه الشر وقربه منه ابتلى بالكبر والجبرية فقسا قلبه وساء حلقه وغلظ وجهه وظهر فحشه وقل حياؤه وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها وركب معاصي الله وأبغض طاعته وأهلها ، فبعد ما بين حال المؤمن وحال الكافر ، سلوا الله العافية واطلبوها إليه ولا حول ولا قوة الا بالله . صبروا النفس على البلاء في الدنيا فان تتابع البلاء فيها والشدة في طاعة الله وولايته وولاية من أمر بولايته خير عاقبة عند الله في الاخرة من ملك الدنيا وإن طال تتابع نعيمها وزهرتها وغضارة ( 1 ) عيشها في معصية الله وولاية من نهى الله عن ولايته و طاعته فإن الله أمر بولاية الائمة الذين سماهم في كتابه في قوله : " وجعلناهم ائمة يهدون بأمرنا ) وهم الذين أمر الله بولايتهم وطاعتهم والذين نهى الله عن ولايتهم و طاعتهم وهم أئمة الضلال الذين قضى الله أن يكون لهم دول الدنيا على أولياء الله الائمة من آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) يعملون في دولتهم بمعصية الله ومعصية رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ليحق عليهم كلمة العذاب وليتم أمر الله فيهم الذي خلقهم له في الاصل أصل الخلق من الكفر الذي سبق في علم الله أن يخلقهم له في الاصل ومن الذين سماهم الله في كتابه في قوله : " وجعلنا منهم أئمة يدعون إلى النار " فتدبروا هذا واعقلوه ولا تجهلوه فان من جهل هذا وأشباهه مما افترض الله عليه في كتابه مما أمر به ونهى عنه ترك دين الله وركب معاصيه فاستوجب سخط الله فأكبه الله على وجهه في النار . وقال : أيتها العصابة المرحومة المفلحة إن الله تعالى أتم لكم ما آتاكم من الخير واعلموا أنه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأي ولا مقائيس ، قد انزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ وجعل للقران وتعلم القران أهلا لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه أن ياخذوا فيه بهوى ولا
    ( هامش ) * ( 1 ) زهرة الدنيا : حسنها وبهجتها . وغضارة العيش طيبها ولذتها . ( * )

    صفحة 400 /
    رأي ولا مقائيس اغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصهم به ووضعه عندهم و كرامة من الله تعالى أكرمهم بها وهم أهل الذكر الذين أمر الله هذه الامة بسؤالهم وهم الذين من سألهم وقد سبق في علم الله أن يصدقهم ويتبع أثرهم ، أرشدوه واعطوه من علم القرآن ما يهتدي به إلى الله بإذنه والى جميع سبل الحق وهم الذين لا يرغب عنهم وعن مسألتهم وعن علمهم الذي أكرمهم الله به وجعله عندهم الا من سبق عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق تحت الاظلة ( 1 ) فأولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر والذين آتاهم الله تعالى علم القرآن ووضعه عندهم وأمر بسؤالهم ، فأولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم حتى دخلهم الشيطان لانهم جعلوا أهل الايمان في علم القران عند الله كافرين وجعلوا أهل الضلالة في علم القران عند الله مؤمنين وحتى جعلوا ما أحل الله في كثير من الامر حراما وجعلوا ما حرم الله في كثير من الامر حلالا فذلك أصل ثمرة أهوائهم وقد عهد إليهم رسول الله ( عليه السلام ) ( 2 ) قبل موته فقالوا : نحن بعدما قبض الله رسوله يسعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس بعد قبض الله تعالى رسوله وبعد عهد الذي عهده إلينا وأمرنا به ، مخالفة لله تعالى ولرسوله ( صلى الله عليه وآله ) فما أحد أجرء على الله ولا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك وزعم أن ذلك يسعه والله إن لله على خلقه أن يطيعوه ويتبعوا أمره في حياة محمد ( صلى الله عليه وآله ) وبعد موته ، هل يستطيع اولئك أعداء الله ( 3 ) أن يزعموا أن أحدا ممن أسلم مع محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أخذ بقوله ورأيه ومقائيسه فإن قال : نعم فقد كذب على الله وضل ضلالا بعيدا وإن قال : لا ، لم يكن لاحد أن يأخذ برأيه وهواه ومقائيسه فقد أقر بالحجة على نفسه وهو ممن يزعم أن الله يطاع ويتبع أمره بعد قبض الله رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقد قال الله تعالى - وقوله الحق - : " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين " وذلك ليعلموا أن الله تعالى يطاع ويتبع أمره في حياة محمد ( صلى الله عليه وآله ) وبعد قبض الله محمدا ( صلى الله على وآله وسلم ) وكما لم يكن لاحد من الناس

    ( هامش ) * ( 1 ) أي أظلة العرش يوم الميثاق ولعله أشير به إلى عالم القدر . ( 2 ) يعني بالنص على الوصي صلوات الله عليهما . ( 3 ) الغرض من هذا الكلام إلى آخره أن يبين أنه لا فرق بين زمان حياته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وموته في عدم جواز العمل بالرأي كما أنه لا فرق بينهما في وجوب طاعة الله واتباع أمره . ( * )
    / صفحة 401 /
    مع محمد ( صلى الله عليه وآله ) أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه خلافا لامر محمد ( صلى الله عليه وآله ) فكذلك لم يكن لاحد من الناس من بعد محمد ( صلى الله عليه وآله ) أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه . وقال : دعوا رفع أيديكم في الصلاة ( 1 ) إلا مرة واحدة حين تفتتح الصلاة فان الناس قد شهروكم بذلك والله المستعان ولا حول ولا قوة الا بالله . وقال : أكثروا من أن تدعوا الله فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه و قد وعد عباده المؤمنين بالاستجابة والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملا يزيدهم به في الجنة فأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار فإن الله تعالى أمر بكثرة الذكر له والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين ، واعلموا أن الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين الا ذكره بخير فاعطوا الله من أنفسكم الاجتهاد في طاعته فإن الله لا يدرك شئ من الخير عنده الا بطاعته واجتناب محارمه التي حرم الله تعالى في ظاهر القران وباطنه ( 2 ) فان الله تعالى قال في كتابه وقوله الحق : " وذروا ظاهر الاثم وباطنه " واعلموا أن ما أمر الله أن تجتنبوه فقد حرمه الله واتبعوا آثار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وسنته فخذوا بها ولا تتبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلوا فإن أضل الناس عند الله من اتبع هواه ورأيه بغير هدى من الله واحسنوا إلى أنفسكم ما استطعتم فإن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها ، وجاملوا الناس ولا تحملوهم على رقابكم تجمعوا مع ذلك طاعة ربكم وإياكم وسب أعداء الله حيث يسمعونكم فيسبوا الله عدوا ( 3 ) بغير علم وقد ينبغي لكم أن تعلموا حد سبهم لله كيف هو ، إنه من سب أولياء

    (هامش ) * ( 1 ) انما أمر ( عليه السلام ) أصحابه بالتقية في رفع الايدي في الصلاة لانه كان يومئد من علامات التشيع . ( 2 ) لعل المراد مما حرم الله تعالى في باطن القرآن مخالفة ولي الامر ومتابعة أهل الضلال و اتباع آرائهم واعتقاد الولاية فيهم وذلك لان ثلث القرآن ورد فيهم كما ورد عنهم ( عليهم السلام ) وهو المراد بباطن الاثم أو هو أحد أفراده . ( 3 ) عدوا أي تجاوزا عن الحق إلى الباطل . " بغير علم " أي على جهالة بالله ، أشار بذلك إلى قوله سبحانه : " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم " .
    / صفحة 402 /

    الله فقد انتهك سب الله ومن أظلم عند الله من استسب لله ولاوليائه ، فمهلا مهلا فاتبعوا أمر الله ولا قوة الا بالله . وقال : أيتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم ( 1 ) عليكم بآثار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وسنته وآثار الائمة الهداة من أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من بعده وسنتهم فإنه من أخذ بذلك فقد اهتدى ومن ترك ذلك ورغب عنه ضل لانهم هم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم وقد قال أبونا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " المداومة على العمل في اتباع الاثار والسنن وإن قل أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الاهواء " الا إن اتباع الاهواء واتباع البدع بغير هدى من الله ضلال وكل ضلال بدعة و كل بدعة في النار ولن ينال شئ من الخير عند الله الا بطاعته والصبر والرضا لان الصبر والرضا من طاعة الله . واعلموا أنه لن يؤمن عبد من عبيده حتى يرضى عن الله فيما صنع الله إليه وصنع به على ما أحب وكره ولن يصنع الله بمن صبر ورضي عن الله إلا ما هو أهله وهو خير له مما أحب وكره وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم وأياكم وعليكم بحب المساكين المسلمين فإنه من حقرهم وتكبر عليهم فقد زل عن دين الله والله له حاقر وماقت وقد قال أبونا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " أمرني ربي بحب المساكين المسلمين منهم " واعلموا أنه من حقر أحدا من المسلمين ألقى الله عليه المقت منه والمحقرة حتى يمقته الناس والله له أشد مقتا فاتقوا الله في إخوانكم المسلمين المساكين منهم فان لهم عليكم حقا أن تحبوههم فان الله أمر نبيه ( صلى الله عليه وآله ) بحبهم فمن لم يحب من أمر الله بحبه فقد عصى الله ورسوله ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات وهو من الغاوين . وإياكم والعظمة والكبر فإن الكبر رداء الله تعالى فمن نازع الله رداءه قصمه الله وأذله يوم القيامة .

    ( هامش ) * ( 1 ) لعل المراد به حفظ أمر دينهم باقامة إمام لهم بعد إمام ومع غيبة إمامهم بتبليغ كلام أئمتهم إليهم وإبقاء آثارهم لديهم لئلا يحتاجوا إلى الاراء والاهواء والمقائيس . ( * )
    / صفحة 403 /

    وإياكم أن يبغي بعضكم على بعض فإنها ليست من خصال الصالحين فإنه من بغى صير الله بغيه على نفسه وصارت نصرة الله لمن بغي عليه ومن نصره الله غلب و أصاب الظفر من الله . وإياكم أن يحسد بعضكم بعضا فإن الكفر أصله الحسد . وإياكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعو الله عليكم فيستجاب له فيكم فان أبانا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يقول : " إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة " وليعن بعضكم بعضا فإن أبانا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يقول : " إن معونة المسلم خير وأعظم أجرا من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام " . وإياكم واعسار أحد من إخوانكم المؤمنين ( 1 ) أن تعسروه بالشئ يكون لكم قبله وهو معسر فإن أبانا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يقول : " ليس لمسلم أن يعسر مسلما ومن أنظر معسرا أظله الله يوم القيامة بظله يوم لا ظل إلا ظله " . وإياكم أيتها العصابة المرحومة المفضلة على من سواها وحبس حقوق الله قبلكم يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة فإنه من عجل حقوق الله قبله كان الله أقدر على التعجيل له إلى مضاعفة الخير في العاجل والاجل وإنه من أخر حقوق الله قبله كان الله أقدر على تأخير زرقه ومن حبس الله رزقه لم يقدر أن يرزق نفسه ، فأدوا إلى الله حق ما رزقكم يطيب لكم بقيته وينجز لكم ما وعدكم من مضاعفته لكم الاضعاف الكثيرة التي لا يعلم بعددها ولا بكنه فضلها إلا الله رب العالمين . وقال : ( 2 ) اتقوا الله أيتها العصابة وإن استطعتم ( 3 ) أن لا يكون منكم محرج للامام وإن محرج الامام هو الذي يسعى بأهل الصلاح ( 4 ) من أتباع الامام ، المسلمين لفضله الصابرين على أداء حقه العارفين بحرمته .

    ( هامش ) * ( 1 ) إعسار الغريم أن يطلب منه الدين على عسرته . ( 2 ) كذا . ( 3 ) جواب ( أن ) محذوف يدل عليه ما بعده . وإحراج الامام : إلجاؤه إلى ما لا يريد من الحرج بمعنى الضيق . ( 4 ) يعني إلى الامام من السعاية يقال : سعى به إلى الوالى إذا وشئ به إليه . ( * )

    / صفحة 404 /
    واعلموا أن من نزل بذلك المنزل عند الامام فهو محرج للامام فإذا فعل ذلك عند الامام أحرج الامام إلى أن يلعن أهل الصلاح من اتباعه ، المسلمين لفضله ، الصابرين على أداء حقه ، العارفين بحرمته ، فإذا لعنهم لاحراج اعداء الله الامام صارت لعنته رحمة من الله عليهم وصارت اللعنة من الله ومن الملائكة ورسوله على أولئك . واعلموا أيتها العصابة أن السنة من الله قد جرت في الصالحين ( 1 ) قبل وقال : من سره أن يلقى الله وهو مؤمن حقا حقا فيتول الله ورسوله والذين آمنوا وليبرأ إلى الله من عدوهم وليسلم لما انتهى إليه من فضلهم لان فضلهم لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك ، ألم تسمعوا ما ذكر الله من فضل اتباع الائمة الهداة وهم المؤمنون قال : " أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين و حسن اولئك رفيقا " فهذا وجه من وجوه فضل أتباع الائمة فكيف بهم وفضلهم ومن سره أن يتم الله له إيمانه حتى يكون مؤمنا حقا حقا فليف لله بشروطه التي اشترطها على المؤمنين فإنه قد اشترط مع ولايته وولاية رسوله وولاية أئمة المؤمنين ( عليهم السلام ) إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإقراض الله قرضا حسنا واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن فلم يبق شئ مما فسر مما حرم الله الا وقد دخل في جملة قوله ، فمن دان الله فيما بينه وبين الله مخلصا لله ولم يرخص لنفسه في ترك شئ من هذا فهو عند الله في حزبه الغالبين وهو من المؤمنين حقا . وإياكم والاصرار على شئ مما حرم الله في ظهر القرآن وبطنه وقد قال الله : " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " ( إلى ههنا رواية القاسم بن الربيع ( 2 ) يعني المؤمنين قبلكم إذا نسوا شيئا مما اشترط الله في كتابه عرفوا أنهم قد عصوا الله في تركهم ذلك الشئ فاستغفروا ولم يعودوا إلى تركه فذلك معنى قول الله تعالى : " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون " .

    ( هامش ) * ( 1 ) يعني أن هذه السنة قد جرت فيهم قبل ذلك فيمن سلف من الامم بأن يسعى بهم إلى الامام فيلعنوا فإذا لعنوا صارت اللعنة عليهم رحمة . ( 2 ) " إلى هنا رواية قاسم بن الربيع " قال المجلسي - رحمه الله - : أي ما يذكر بعده لم يكن في رواية القاسم بل كان في رواية حفص واسماعيل . ( * )
    / صفحة 405 /
    واعلموا أنه إنما أمر ونهى ليطاع فيما أمر به ولينتهي عما نهى عنه ، فمن اتبع أمره فقد أطاعه وقد أدرك كل شئ من الخير عنده ومن لم ينته عما نهى الله عنه فقد عصاه فإن مات على معصيته أكبه الله على وجه في النار . واعلموا أنه ليس بين الله وبين أحد من خلقه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك من خلقه كلهم الا طاعتهم له ، فجدوا في طاعة الله إن سركم أن تكونوا مؤمنين حقا حقا ولا قوة الا بالله . وقال : ( 1 ) عليكم بطاعة ربكم ما استطعتم فإن الله ربكم واعلموا أن الاسلام هو التسليم والتسليم هو الاسلام فمن سلم فقد أسلم ومن لم يسلم فلا إسلام له ومن سره أن يبلغ إلى نفسه في الاحسان فليطع الله فإنه من أطاع الله فقد أبلغ إلى نفسه في الاحسان . وإياكم ومعاصي الله أن تركبوها فإنه من انتهك معاصي الله فركبها فقد أبلغ في الاساءة إلى نفسه وليس بين الاحسان والاساءة منزلة فلاهل الاحسان عند ربهم الجنة ولاهل الاساءة عند ربهم النار ، فاعلموا بطاعة الله واجتنبوا معاصيه واعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه شيئا لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك فمن سره أن تنفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب إلى الله أن يرضى عنه . واعلموا أن أحدا من خلق الله لم يصب رضا الله الا بطاعته وطاعة رسوله وطاعة ولاة أمره من آل محمد ( صلى الله عليهم ) ومعصيتهم من معصية الله ولم ينكر لهم فضلا عظم ولا صغر . واعلموا أن المنكرين هم المكذبون وأن المكذبين هم المنافقون وأن الله تعالى قال للمنافقين وقوله الحق : " إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا " ولا يفرقن أحد منكم ( 2 ) ألزم الله قلبه طاعته وخشيته من أحد من الناس أخرجه الله من صفة الحق ولم يجعله من أهلها ، فإن من لم يجعله الله من أهل صفة الحق فأولئك هم شياطين الانس والجن ( 3 ) فان لشياطين الانس حيلا ومكرا وخدائع

    ( هامش ) * ( 1 ) كذا . ( 2 ) " يفرقن " من الفرق - بالتحريك - بمعنى الخوف . ( 3 ) يعني شياطين الانس إن كانوا من الانس ، وشياطين الجن إن كانوا من الجن .

    / صفحة 406 /

    ووسوسة بعضهم إلى بعض يريدون إن استطاعوا أن يردوا أهل الحق عما أكرمهم الله به من النظر في دين الله الذي لم يجعل الله شياطين الانس من أهله أرادة أن يستوي أعداء الله وأهل الحق في الشك والانكار والتكذيب فيكونون سواءا كما وصف الله في كتابه من قوله سبحانه : " ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء " ثم نهى الله أهل النصر بالحق أن يتخذوا من أعداء الله وليا ولا نصيرا فلا يهولنكم ولا يردنكم عن النصر بالحق الذي خصكم الله له به من حيلة شياطين الانس ومكرهم وحيلهم و وساوس بعضهم إلى بعض فإن أعداء الله إن استطاعوا صدوكم عن الحق فيعصمكم الله من ذلك فاتقوا الله وكفوا السنتكم إلا من خير وإياكم أن تذلقوا السنتكم ( 1 ) بقول الزور والبهتان والاثم والعدوان فإنكم إن كففتم السنتكم عما يكره الله مما نهاكم عنه كان خيرا لكم عند ربكم من أن تذلقوا ألسنتكم به فإن ذلق اللسان فيما يكره الله وفيما ينهى عنه لدناءة ( 2 ) للعبد عند الله ومقت من الله وصمم وعمى وبكم يورثه الله إياه يوم القيامة فيصيروا كما قال الله : " صم بكم عمي فهم لا يرجعون ( يعني لا ينطقون ) ولا يؤذن لهم فيعتذرون ( 3 ) " . وإياكم وما نهاكم الله عنه أن تركبوه وعليكم بالصمت إلا فيما ينفعكم الله به في أمر آخرتكم ويؤجركم عليه . وأكثروا من التهليل والتقديس والتسبيح والثناء على الله والتضرع إليه و الرغبة فما عنده من الخير الذي لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه أحد فاشغلوا ألسنتكم بذلك عما نهى الله عنه من أقاويل الباطل التي تعقب أهلها خلودا في النار لمن مات عليها ولم يتب إلى الله منها ولم ينزع عليها ، وعليكم بالدعاء فإن المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بأفضل من الدعاء والرغبة إليه والتضرع إلى الله والمسألة

    ( هامش ) * ( 1 ) ذلق اللسان : حدته . ( 2 ) في بعض النسخ [ لذراءة ] بالذال المعجمة والراء بمعنى الغضب . ( 3 ) " فيعتذرون " عطف على يؤذن ليدل على نفي الاذن والاعتذار عقيبه مطلقا ولو جعل جوابا لدل على أن عدم اعتذارهم لعدم الاذن فأوهم ذلك أن لهم عذرا لكن لا يؤذن لهم فيه . ( * )

    / صفحة 407 /

    له فارغبوا فيما رغبكم الله فيه وأجيبوا الله إلى ما دعاكم إليه لتفلحوا وتنجوا من عذاب الله . وإياكم أن تشره أنفسكم ( 1 ) إلى شئ مما حرم الله عليكم فإنه من انتهك ما حرم الله عليه ههنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لاهل الجنة أبد الآبدين . واعلموا أنه بئس الحظ ( 2 ) الخطر لمن خاطر بترك طاعة الله وركوب معصيته فاختار أن ينتهك محارم الله في لذات دنيا منقطعة زائلة عن أهلها على خلود نعيم في الجنة ولذاتها وكرامة أهلها ويل لاولئك ما أخيب حظهم وأخسر كرتهم ( 3 ) وأسوء حالهم عند ربهم يوم القيامة ، استجيروا الله أن يجريكم في مثالهم أبدا وأن يبتليكم بما ابتلاهم به ولا قوة لنا ولكم إلا به . فاتقوا الله أيتها العصابة الناجية إن أتم الله لكم ما أعطاكم فإنه لا يتم الامر حتى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم وحتى تبتلوا في أنفسكم وأموالكم وحتى تسمعوا من أعداء الله أذى كثيرا فتصبروا وتعركوا بجنوبكم وحتى يستذلوكم أو يبغضوكم وحتى يحملوا عليكم الضيم فتحتملوه منهم تلتمسون بذلك وجه الله والدار الاخرة وحتى تكظموا الغيظ الشديد في الاذى في الله يجترمونه إليكم وحتى يكذبوكم بالحق ويعادوكم فيه ويبغضوكم عليه فتصبروا على ذلك منهم ومصداق ذلك كله في كتاب الله الذي أنزله جبرئيل على نبيكم ( صلى الله عليه وآله ) سمعتم قول الله تعالى لنبيكم ( صلى الله عليه وآله ) : " فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم " ثم قال : " وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا " فقد كذب نبي الله والرسل من قبله وأوذوا مع التكذيب بالحق ، فإن سركم أن تكونوا مع نبي الله محمد ( صلى الله عليه وآله ) والرسل من قبله فتدبروا ما قص الله عليكم في كتابه * ( هامش ) * ( 1 ) الشره : غلبة الحرص . ( 2 ) في بعض النسخ [ بئس الخطر الخطر ] ولعله أصوب . ( 3 ) يعني رجوعهم إلى الله تعالى . ( * )

    / صفحة 408 /

    مما ابتلى أنبياءه وأتباعهم المؤمنين ثم سلوا الله أن يعطيكم الصبر على البلاء في السراء والضراء والشدة والرخاء مثل الذي أعطاهم . وإياكم ومماظة أهل الباطل وعليكم بهدي الصالحين ووقارهم وسكينتهم وحلمهم وتخشعهم وورعهم عن محارم الله وصدقهم ووفائهم واجتهادهم لله في العمل بطاعته فإنكم إن لم تفعلوا ذلك لم تنزلوا عند ربكم منزلة الصالحين قبلكم ، واعلموا أن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا شرح صدره للاسلام ، فإذا أعطاه ذلك نطق لسانه بالحق وعقد قلبه عليه فعمل به فإذا جمع الله له ذلك تم إسلامه وكان عند الله إن مات على ذلك الحال من المسلمين حقا وإذا لم يرد الله بعبد خيرا وكله إلى نفسه وكان صدره ضيقا حرجا فإن جرى على لسانه حق لم يعقد قلبه عليه وإذا لم يعقد قلبه عليه لم يعط الله العمل به ، فإذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال كان عند الله من المنافقين وصار ما جرى على لسانه من الحق الذي لم يعطه الله أن يعقد قلبه عليه ولم يعطه العمل به حجة عليه . فاتقوا الله وسلوه أن يشرح صدوركم للاسلام وأن يجعل ألسنتكم تنطق بالحق حتى يتوفاكم وأنتم على ذلك وأن يجعل منقلبكم منقلب الصالحين قبلكم ولا قوة إلا بالله والحمد لله رب العالمين . ومن سره أن يعلم أن الله عز وجل يحبه فليعمل بطاعة الله وليتبعنا ألم يسمع قول الله تعالى لنبيه ( صلى الله عليه وآله ) : " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " والله لا يطيع الله عبد أبدا إلا أدخل الله عليه في طاعته اتباعنا ولا والله لا يتبعنا عبد أبدا إلا أحبه الله وإلا والله لا يدع اتباعنا أحد أبدا إلا أبغضنا ولا والله لا يبغضنا أحد أبدا إلا عصى الله ومن مات عاصيا لله أخزاه الله وأكبه على وجهه في النار والحمد لله رب العالمين

    انتهى نص الرسالة:


    أخوكم

    علي نعمان الصدر

موضوع مغلق
صفحة 5 من 6 الأولىالأولى ... 2 3 4 5 6 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك


ما ينشر في شبكة هجر الثقافية لا يمثل الرأي الرسمي للشبكة ومالكها المادي
بل هي آراء للكتاب وهم يتحملون تبعة آرائهم، وتقع عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وكلماتهم
تصميم قلعة الإبداع Designed by innoCastle.com