موضوع مغلق
صفحة 4 من 6 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 6 الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 80 من 104

الموضوع: الحوارالفكري مع فضيلة الشيخ حسن بن فرحان المالكي

  1. #61

    أرجو التريث ريثما انتهي من تعقيباتي على مقدمة المشاركة الأساسية للأخ المالكي.




    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام هداكم الله

    الأخ الكريم المالكي وفقك الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    سادتي الكرام

    لم انتهي بعد من تعقيبي على مقدمة الأخ المالكي في مشاركته الرئيسية، و لا زلت في أواسطها، ولهذا أقترح على الفاضل المالكي أن تكون مداخلته بعد الانتهاء من كامل التعقيبات على المقدمة وهذا تأييد مني لما أشار به في مداخلته الأخيرة، لأنني سوف لن أجيب على ما هو خارج عن محاور المقدمة لما يقتضيه منهج البحث العلمي، و أرجو من الأخ المالكي أن يلتفت إلى نقطة مهمة جدا وهي عدم جواز إنزال نقاط أخرى بحجة التوضيح وزيادة البرهان. لإغراق البحث بطريقة كمية، وله كل الحق أن ينزل ما يشاء بعد الإجابة عن هذه النقاط بكاملها وعليه أن يأخذ بأسس الإجابة تلك في طرحه لأي نقاط أخرى لئلا تكون من المكررات المجاب عليها قواعديا.

    أرجو من الأخوة الكرام الاستمتاع بالحوار وبطريقة مرتبة موضوعا وزمنا، مع عدم تعجل النتائج والانفعالات. والدعاء لي وللأخ المالكي بالتوفيق .

    أخوكم

    علي

  2. #62
    محرر الواحات الإسلامية
    تاريخ التسجيل
    04-10-2001
    الدولة
    وادي السلام
    الجنس
    --
    المشاركات
    529

    تعجب من أجل تواصل أفضل لحلقات هذا اللقاء ... !!

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأستاذ الفاضل « حسن فرحان المالكي »

    الأستاذ الفاضل « علي نعمان الصدر »

    الأخوة القراء الأفاضل ..

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    من خلال متابعتي لمداخلات الأخ الفاضل « الصدر » الأخيرة، فقد لاحظت أنها تركزت على استعراض تحليلي لمقدمة الأخ الفاضل « المالكي » التي سبقت عرضه للنقاط الـ289 والتي تحمل مجمل إداناته للشيعة ..

    وقد أجاب الأخ الصدر فيها على نقاط عديدة وأثار الكثير من علامات الإستفهام على أغلب أفكارها ورؤاها !

    وانطلاقا من حرصنا على اتصال حلقات الحوار وتتابعها بشكل يستوعبه القارئ المحترم، وحتى لا تترك بعض الكلمات عائمة لا ندري ماهو رأي الطرف الآخر فيها، ولأن مقدمة الأستاذ « المالكي » وفقه الله تكاد تكون منفصلة عن نقاط الإدانة التي طرحها وفي الوقت ذاته تشكل بعض ملامح إدانته ، .. فإني أرى أنه يجدر بالأخ « المالكي » أن يرد على إثارات الأخ « الصدر » حول تلك المقدمة ففيها ما لابد من الوقوف عنده وتوضيح ما خفي منه ..

    لا يخفى عليكم أن القصد من وراء إدراج هذا الحوار في (واحة اللقاءات الخاصة) لم يكن إلا لإتاحة الفرصة لطرفي النقاش ليستوعبا موضوع بحثهما كاملا دون أن تضيع منه حلقات تفقده مصداقية الحوار الحضاري المتزن الذي لا يغفل ضروريات البحث بل يوازن بين رؤى طرفي الحوار ورؤى المتطلعين لنتائجه وإرهاصاته الفكرية وما قد يترتب عليها من وضوح أو غبش في مسلمات وعقائد الطرفين والقراء

    ولهذا فإني أتوقع أن يرد الأخ الفاضل "المالكي" على تلك المداخلات (( بعد أن ينتهي الفاضل « الصدر » من إتمام رده على جميع الإثارات التي تضمنتها المقدمة )) آملا ألاّ يؤخرها لما بعد انتهاء الفاضل "الصدر" من الرد على نقاط الإدانة ففي ذلك ما لا يخفى من البعثرة للجهد السابق والذي نرجوا أن يستمر على نسقه الأول من الرد على كل فكرة يثيرها أحد طرفي الحوار أولا بأول لئلا يبقى للطرفين أي حجة للعودة إليها ..

    هذا وأسأل الله جل وعلا أن يوفق الأخوين لما فيه رضاه ورضا رسوله صلى الله عليه وآله

    أخوكم الداعي لكم : « محمد سعيد آل صالح »

  3. #63

    المحور الرابع من محاور مقدمة الشيخ حسن المالكي

    الأخوة الكرام وفقكم الله

    الأخ الفاضل الشيخ حسن بن فرحان المالكي وفقه الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    تلخيص هذا التعقيب:

    الفقرات التي وردت فيها شواهد هذا المحور هي: 4،5، 6، 9، 10، 13،16، 17، 25،26، 29

    المحور يتعلق حول تساؤل المالكي حول إمكانية إثبات بعض مما قلته وأهمها إثبات الكذب في المنهج السني. وبعض الموارد الأخرى.

    وقد كان الجواب بشكل تفصيلي لخصوص ثلاث محاور في هذا الموضوع ولكنني تراجعت وقمت بما يلي:

    1- ملاحظات عامة للمثقفين

    2- ملاحظات سريعة إلى الشيخ المالكي

    وكانت الملاحظات العامة وهي تمثل قراءة في مجريات الكثير من المحاورات ومنها هذا الحوار و تحتوي ما يلي :

    1- قراءة في ظاهرة نسبة ما به الاشتراك بين المذاهب إلى مذهب المحاور ومحاسبة الطرف الآخر على خصوصيات ذلك المذهب بمعايير مذهب المحاور. وهذا خطا منهجي.

    2- ضرورة إيجاد قواسم مشتركة ليكون الحوار ناجحا وسائرا نحو التوافق والتوضيح والتعاذر.

    3- منهجيا لا يمكن بحث الكثير من القضايا ما لم يتم التحقق من القواعد العامة التي على أساسها تتم الأحكام.

    4- إمكانية تحريف قراءة التأريخ ولكن لا تنجح القراءة الخاطئة إلا مع قليلي الخبرة وعديمي المعرفة.

    5- وفي ختام الملاحظات أضفت ملاحظة عن استخدام الفاضل المالكي معايير مزدوجة في موضوع واحد بين سطور ومن ثم استخدام معايير لا يمكن التسليم بها لأنه تقلب على المستخدم سلبا فتعكس كل برهانه.

    وأما الملاحظات الموجهة إلى الشيخ المالكي وهي ملاحظات عن عناوين بعض التساؤلات والجواب عليها على أساس الإشارة فقط بدل التفصيل والبرهنة.

    وكانت تدور حول مواضيع إمكانية إثبات الكذب في التراث السني وحول إمكانية إثبات أمور أخرى . مما تساءل عنها الشيخ حفظه الله .




    بسم الله الرحمن الرحيم


    (كتبت هذا المحور عدة مرات وحذفته لسبب بسيط هو عدم الرغبة بتوسيع المواضيع وحرف مسيرة الحوار. والزهد بالإثارة و الحرص على العلم السليم والمعلومة الثمينة. )

    الأخوة الكرام وفقكم الله

    الأخ الفاضل الشيخ حسن بن فرحان المالكي وفقه الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


    الفاضل الشيخ حسن بن فرحان المالكي

    أنت تساءلت وطالبت في موارد عديدة بأمور اعتقدتَ أن من الصعب إثباتها. وقد أوافقك على صعوبة إثبات أي أمر حين نلغي المنحة الإلهية للإنسان المسماة العقل وعلى الأخص الذكاء منه وحين نحّكم قواعد نبذ الذكاء أو استخدام الذكاء المعاكس للذكاء لتدمير المعرفة وذلك حين افتراض انتفاء الذكاء الفطري في معالجة المعلومات عند طرف التلقي.

    وعلى العموم فإن ما طالبت بإثباته هو خارج موضوع دعوى البحث. خصوصا بعد وضوح الرؤية من النقاط التي حددتها حيث تبيّن ما تقصده تماما من الغلو الذي آخذت به الفكر الشيعي.


    ____

    وهذه بعض الملاحظات العامة الموجهة إلى عموم المثقفين. حول خصوصيات بعض الحوارات وبعض خصوصيات هذا الحوار.

    1- هناك ظواهر غريبة في الحوار بين المذاهب الإسلامية خصوصا بين السنة والشيعة (هداهم الله جميعا لسبل النجاة ومتعهم برؤية الحق والحقيقة). ومن أهم هذه المظاهر هو الحوار بمعايير لا يعترف بها الطرف الآخر . ولكن هناك ظاهرة تستحق الإشارة إليها وهي حين يحاول السني بالذات (في الغالب) محاورة الشيعي يحاول أن يجد طريقا لبحث الفلتات ( أو بعض الخصوصيات) بينما حين يعرض فكره يعرض عموم الفكر الإسلامي. وهذا خطأ منهجي كبير، لأن التحاور داخل الإطار الإسلامي يحتم على الجميع أن تكون المبادئ العامة حاصلة عند الجميع فلا يجوز أن يتشدق أحد بالمبادئ العامة ويعتبرها خصوصية لمذهبه. كما لا يجوز إلغاء المبادئ العامة الإسلامية من المذهب الآخر. فإذا كان الحوار بين أي مذهبين داخل إطار دين واحد ينبغي أن يكون حول ما به الاختلاف.

    وهذا يقتضي أولا عمل جدول تفصيلي لما يتميز به كل مذهب، فإذا أردنا الحكم على هذه الفوارق فينبغي عرض الفكرة ونقيضها على الدليل وإثبات مقدار ملاءمتها للمبادئ العامة التي تحكم المذهبين كمبادئ الإسلام العامة بالنسبة لمذهبين إسلاميين. وبحث صحة الصدور. والقائمة ينبغي أن يراعى فيها الأولويات ابتداء من سبل المعرفة وطرق ثبوتها إلى الموارد الخاصة. فنحن حين نحكم على قرب مذهب من الأصل علينا أن نبحث في خصوصياته من الطرفين وليس بالطريقة المعهودة التي نراها فعليا في الحوارات، حيث ينسب السلفي لنفسه التوحيد ويناقش الشيعي على العصمة أو ينسب لنفسه القول بأركان الإيمان من صلاة وصوم وحج وجهاد ويناقش الشيعي على مسائل فقهية مختلف فيها كالتقية ومسح الخف في الوضوء والمتعة. بينما لا شك في منافحة الشيعي عن التوحيد وأركان الإيمان والواجبات الإسلامية الكاملة بشكل لا يزايد عليه.

    فكان من الحري منهجيا أن يكون الحكم على مذهبين متخالفين على أساس بحث الفوارق و أدلتها، ومن فضل القول أن إثبات قول هو عين عدم إثبات مخالفه ما لم يكونا متداخلين. ولا يمكن إثبات القولين إلا باختلاف المعيارين أو بوجود حالة من التداخل بين المعنيين كالعموم والخصوص وحين ذاك نلغي كون تلك النقطة من الاختلاف أساسا. كما لا يجوز أن يدّعي أحد بأن خصوصياته هي الإسلام بعينه ما لم يقم دليلا يقينيا كاشفا عن هذه الحقيقة. هذه ملاحظة مهمة أرجو تذكرها دائما. ولها علاقة فيما أريد قوله في هذا المحور.

    2- مقتضى الإخلاص في أي حوار هو إيجاد وسائل التفاهم لا إيجاد وسائل التخاصم. واهم وسائل التفاهم هو الاتفاق على القواسم المشتركة والقواعد الكلية الحاكمة على الطرفين وتفسيرها المشترك، وكل محاور يرفض المماسة مع القواسم المشتركة يكشف عن نية مسبقة لعدم التفاهم وإرادة التبكيت بالحق أو بالباطل، وفي بداية حوارنا طلبت من الأخ الشيخ حسن أن نقف على أرضية مشتركة ولو في حدها الأدنى وذلك بتحديد ألفاظ المبحث وتعريفها تعريفا مشتركا، فذهب إلى عدم أهمية التحديد المشترك مشيرا إلى أن التعريف سيكون من خلال بيان نماذج، وهذا ليس مقبولا فيما لم يقدم الباحث نموذجا مدروسا يستنبط منه التعريف بشكل واضح وبمداليل مطابقية أو التزامية ناتجة من استخدام نفس اللفظ المبحوث عنه. ومن ثم استخراج مفهوم عام مستنبط بأحكامه وخصوصياته اللغوية والمعنوية والحكمية وتطبيقها على ما لم يكن فيه نص، فلو جئنا للغلو كمفهوم علينا أن نبحث في ما ورد لكلمة الغلو من معاني واستعمالات لغوية وشرعية. وفي خصائصها، ومن ثم نستخرج قواعد عامة يقينية الانطباق لنستطيع تطبيقها على ما يُدّعى انطباقها عليها، ولكننا قد واجهنا عملا معكوسا لا أستطيع تفسيره، فأصبح تعريف الغلو مثلا بذكر مصاديق لم يُحَقَق في قاعدتها وليست هي مما يعلم انطباقها عليها لأنها تحتاج إلى مرحلة مسبقة من مراحل التكوين الفكري. بل هي محل رفض للانطباق عند الطرف الثاني وذلك باعتراف الشيخ حسن نفسه ففي عدة مواضع قال وهذا لا ينطبق على مفهوم الغلو عند الصدر، واستنكر في مواقع أخرى عدم انطباقها على الغلو كما يراه الصدر. وهذا خلل في طريقة تأتي المعاني وفي منهج التفكير، فلا يجوز استنباط تعريف من نصوص لا علاقة لها باللفظ إلا من خلال افتراض معنى أعم من اللفظ وغيره ينطبق على محوري اللفظ والنص المدعى تطابقه مع النص في الدلالة. وهذا لا علاقة له بشيء اسمه علم أبدا. وهو أقرب لما يقوم به أصحاب المغالطات المحضرة مسبقا.

    ولهذا فأنا أكرر طلبي بكل صدق ووفاء للحقيقة أن نجتمع على خوان واحد وهو القواسم المشتركة ليكون كل خلاف بيننا ليس خلافا مذهبيا و إنما هو خلاف في تفسير تطبيقات القاعدة وهذا أمر يحدث بين أقرب المقربين في الفكر الواحد والمذهب الواحد. وهو مما لا يفسد الود ولا يحوّل الخلاف إلى عداوة بل هو الخلاف الفعال الذي يجوهر المعاني ويجلي التصورات ويثري الفكرة بنظرات مختلفة. والمهم في هذا المحور هو أننا حين نطالب بإثبات شيء يمكننا أن نقول بأن كل ما سنقوم بإثباته إنما هو وفق بيانات وقواعد كوّنّاها بمسيرة معرفية طويلة. وهذا اعتراف لن يضيرنا، فلو رأى أي أحد عدم صحة هذه القواعد فيمكنه بكل سرور طلب القواسم المشتركة وتحديد هذه القواعد بناءً على تحديد التعاريف أولا والبناء عليها. وليس في ذلك ظلم لأحد.

    فحين يطلب مني إثبات غلو أهل السنة المنافي للشرع الشريف فسأثبت ذلك بكل يسر وسهولة بناء على القواعد العلمية اليقينية التي هي حجة عليّ وعلى كل من يصل إليها. فحين يثبت عندي بالنص القرآني وبالقطع من النصوص الأخرى الداعمة بأن التشريع بغير ما انزل الله وإدعاء أنه من الله وأن الله يغير حكمه وفق ذلك الحكم. فهذا يعني عندي وبكل تأكيد بأن من يقول بهذا فهو غال شرعا ولا فرق بينه وبين غلاة أهل الكتاب، وهذا ينطبق على المنهج السني الفقهي من جذوره حيث وضع مسألة اتحاد الحكم لوحدة المناط المستنبط. والأكثر صراحة هو نظرية التصويب التي لا ينفيها إلا ابن حزم الأندلسي ويعتبرها خروجا على الشرع وتأليها للفقيه بمعنى مقابلته مع الله. وهي عند الأحناف أساس عمل الحاكم الشرعي. فلو اعترض المحاور على مثل هذا الفهم عليه أن يحدد من الأساس القاعدة المشتركة المبرهن عليها يقينيا بكامل البرهان الشرعي على حدود الغلو المنهي عنه شرعا لأجل التخلص من هذا التطبيق الخطير، ولهذا فلا شك عندي بأن من يقول بتثبيت حكم الله شرعا ونفي حكم حاكم مسلم مخالف لحكم الله بدعوى التصويب أو غيره فهو كمن يعبد الله في عرشه وهو ممن نال شرف طاعة الله بخلاف من غالى بالمخلوق إلى درجة التشريع مقابل الله. وهذا أمر طبيعي، ولا يجب النظر إليه بحساسية. فمقتضى الإخلاص في الحوار هو حين لا يكون هناك قواسم مشتركة فلا لوم على من يتبع ما لديه من الحجة ولا يعتبر ذلك من الغلو ولا من الكذب ولا من أي شيء آخر ممجوج عقلا وشرعا. وهذا مهم جدا.

    3- مسألة البحث في الأصول المنهجية الأساسية: فإن بعض ما طولبتُ بإثباته يحتاج إلى مراجعة شاملة للفكر ولطرق معالجة البيانات وغير ذلك من أوليات الأدلة ومن أدلة خاصة . وعلى قدر استعدادي للغوص في هذا بكامل جوانبه فأنا غير مستعد لتضييع جوهر البحث المخصص في بيان أن الموارد التي اعتقدها الشيخ حسن المالكي وفقه الله بأنها مصاديق للكذب والغلو. حيث انه أتى بها لأمرين الأول بيان تعريفه للكذب والغلو بهذه المصاديق، والثاني هو إثبات مقولته بكذب الشيعة وأن كذبهم يفوق كذب بقية الطوائف.

    و لهذا فإن مطالبتي بإثبات أمور جانبية لا يمكن أن تجرني إلى خارج حدود البحث رغم استعدادي لها وإثباتها. وينبغي أن تتوفر جملة أمور سأفترض بأنها موجودة على العموم، منها الذكاء ومنها معرفة طرق الاستدلال العلمي ومنها الإخلاص في طلب الحقيقة. وإن كان قد شاب هذا الفرض عموما بعض الشوائب حيث أنني أجبت بطرق علمية مختصرة عن كثير من الموارد لكن تم إعادة السؤال عنها وكأنها لم تكن. و ما يمنعنا من فرض وجود الشروط أعلاه وإبداء غيرها لمصلحة خاصة بمن يتغافل عنها. سأعمل على افتراض وجود هذه الشروط في تكوين إشارات مختصرة لبعض ما طولبت به. من دون دخول في تفصيلات المنهج وطرق التعامل مع البيانات. وهذا ما يقتضيه المنهج العلمي في البحث، فرغم احتياجنا للنقاش حول أساسيات تكوين المعرفة إلا أن خصوصية الموضوع تمنعنا عن الابتعاد عنها. فالمنهج هنا هو النظر إلى الخصوصية بعد فرض التسليم بالطرق المعرفية الأساسية أو تغافلها. وحين يصل الحوار إلى نقطة ضرورة الرجوع إلى الوراء. فيجب الإعلان عن ضرورة ذلك الرجوع والبحث على أساس التسليم باختلاف الأسس العلمية.

    4- الموارد التي طولبت بها تتراوح بين مسائل تاريخية وأخرى استقراء لواقع فكرى وبعضها يعتمد على فهم المعايير بطريقة برهانية. و أنا اعترف بإمكانية تحريف أوليات هذه الموارد العلمية. ولكن إثبات تلك المعايير والتحريفات معي ليس سهلا ومن يفعل ذلك يحتاج إلى جهد خارق ليستطيع تغميض عيني على حقيقة أو مأخذ فكري.

    فالمسألة ليست بهذه البساطة كأن تُنفى حقائق تاريخية بمعايير اصطناعية. أو أن يُستخدم معيار موروث يبعد عن الحقيقة كما تبعد السماء عن الأرض. فليس من السهل أن يثبت القائل بعدالة الصحابي الفاسق بأنه يقدّس المؤمن المتقي من الصحابة لأنه يدعي بأنه يقدس حتى فاسقهم . فهذا عندي كمن يقول لي بأنني أحب وأقدس البلد الفلاني لأنني أحب وأقدر حتى العواهر في ذلك البلد. لأن المعيار واحد وإن اختلفت صورة القباحة بين مكشوف من جهة ومغطى من جهة أخرى، وبين معلوم من جهة وبين منسي ومغْفَل من جهة ثانية. ولكن اختلاف الصورة لا تنفي وحدة المعيار الساري بين الموضوعين. وهذا في الحقيقة إهانة للمؤمن المتقي من الصحابة لأن تقديس وتعديل الفاسق منهم بالضرورة يفقد ميزة الطاعة عند المتقي. وهل هناك إهانة أعظم من إزالة ميزة الالتزام والطاعة والتطبيق الدقيق ومساواتها بالمعصية والاستهتار بالقيم والضوابط؟.

    إن مثل هذا المعيار يمكن استخدامه مع الغافلين أما مع غيرهم فلا يمكن أن يجدي أبدا كمعيار. وما اكثر مثل هذه المعايير الموروثة التي عبرت على الدهماء. ألم يطرح قاتلي عمار رضوان الله عليه بأن قاتل عمار هو من أخرجه لجهاد البغاة ليقتل. فأصبح أداء الواجب الشرعي إثماً، وهو المنهي عنه عند رسول الله ص كما يروّجون!. إن مثل هذا المعيار مهما دافع عنه المدافع لن يدخل حيز الحقيقة ولن يقبل البرهنة عليه. وليس من السهل استعماله مع العارفين.

    ملاحظة طريفة: لقد ناقش الأخ المالكي في النقطة 17 بعض المعايير فرد على قولي الذي أتمنى فيه أن لا يصل الأمر إلى كشف قوائم الكذب والكذابين. برد من ثلاث نقاط الأول هو أنه ليست قوائم الكذابين وقوائم الكذب دليلا على الكذب! والثاني اختلاف منهج الجرح والتعديل بين طرفينا وانتقد ما يعتقد أنه المنهج الشيعي. والثالث وجود الروايات المتعارضة عند الشيعة والتعارض في الروايات دليل الكذب. وهذا تضارب في المنهج فمن ناحية يعتبر من غير السليم تطبيق النقد للحديث السني لأننا نختلف في منهج الجرح والتعديل وهذا يعني أنه لا يقبل إلا بمعياره لنقد المنهج السني الحديثي، وفي نفس الوقت يطبق فهمه الخاص للحديث ولمنهج الحديث على الحديث الشيعي ويرى أنه لم تسلَم رواية من المعارض حسب فهمه. فكيف تم هذا الكيل بمكيالين في خمسة أسطر أو أقل. مع أن ادعاء عدم سلامة رواية واحدة من روايات الشيعة عن المعارض يحتاج إلى استقصاء كل الروايات الشيعية واحدة واحدة، ولا أظن أن الشيخ المالكي قد كلف نفسه ذلك، ولا سيما أنه قال: إن مكتبته لا تحوي أكثر من خمسين عنواناً من الكتب الشيعية.

    ولكن الذي يثير الاستغراب هو القولان الغريبان.

    الأول: عدم كون قوائم الكذابين الذين تعتمد روايتهم في كتب الفقه والتفسير دليلا على كذب الأفكار المطروحة وفق هذا الكذب المنهجي. وهذا أمر يجب أن يعيد النظر فيه الفاضل المالكي لأنه فضيحة حقيقية حيث يعد عدم دخالة وجود الكذابين المعتمدين في كذب المنهج وخدشه. لأنه إذا لم يكن للكذابين دخالة في الكذب فمن هو المتهم به ، هل هم الصادقون أو الثقات؟؟

    والثاني: كون التعارض دليل الكذب !!! وهذا يعني انتفاء جوهر الإسلام. لوجود التعارض بالمعنى الإصطلاحي حتى في القرآن بين الخاص والعام وبين المجمل والمبين وغيرها. بل إن موارد التقية في بعض الأحاديث التي قد يحصل فيها التعارض مع النصوص الصحيحة الأخرى، فإن ما صدر تقية يكون صادرا عن قائله حقيقة ، وليس مكذوباً عليه، وبذلك يتحقق التعارض بلا كذب في البين، إلا إذا اعتبر فاعل التقية أثماً، فيعتبر عماراً حين اتقى منهم أثماً، فيكون الأذن له والسماح القرآني بمعزل عن الحق . وهذا مبحث آخر نأتي إليه.

    فهل نطبق هذا المقياس على الأحاديث المتعارضة في كتب أهل السنة؟

    فماذا سيكون عند ذلك؟

    وهذا ما يجب أن يفكر به الفاضل الشيخ حسن المالكي. فهو غير صحيح بكل المقاييس من جهة ويلزم منه تهديم مبانيه نفسها من جهة اخرى.

    واعتقد أن مشكلة ازدواجية المعايير تكمن في تغميض العين عن الحقائق واتهام الآخرين من دون التفات إلى الجوانب. كما هو تغميض العين عن شخص كذاب لا يصلي (كما شهدوا عليه) ، مثل عكرمة، ولا يعرف صلاة رسول الله ص، كما يعترف هو في حديثه، ويتمنى قتل جميع المصلين المسلمين وحين يموت لم يحضر المسلمون جنازته بينما حضروا جنازة شاعر غزلي في نفس الوقت، وهو ثقة يروي عنه البخاري كثيرا فقد وجدت له أكثر من 165 تكرارا لاسمه في صحيح البخاري والعمدة بأن البخاري يروي عنه عشرات الروايات موقوفة عليه وبعضها فتاوى وتفسير قرآن وغير ذلك وهو يروي أمورا حدثت مع رسول الله وكأنه كان معه وليس بلسان القطع الاصطلاحي في الرواية. فالمشكلة هنا بتغميض العين عن كل المعايير التي تدّعى للصدق والصحة والاعتمادية. فتربع عكرمة ومجاهد المجسم على قلب أصح كتاب بعد كتاب الله في الفكر السني و الأخبار الكثيرة المروية في مختلف كتب أهل السنة عن كعب الأحبار مع أن البخاري يروي عن معاوية أنه عثر على كذب له وإن كان غيره أكذب منه. لا ينظر إليه أبدا كصورة ناشزة من صور التخلي عن المعايير. بل ولا ينظر إلى هذا الأمر كنقطة استفهام خطيرة عن مدى صحة الصحيح. ومدى قبول الكذابين واعتمادهم كمرجع ديني للمذهب.

    -----------

    والآن أتوجه إلى الفاضل الشيخ حسن المالكي وفقه الله

    شيخي الفاضل لقد تساءلت في نقاط متعددة عن إمكانية إثبات بعض الموارد.

    لقد فصلت الأمور و وأجبت وفق ترتيبها، ولكن كما قلت لك بأنني تراجعت عن ذلك للأسباب التي ذكرتها في هذا التعقيب والتعقيب الذي قبله.

    ولهذا سأشير إلى بعض تلك التساؤلات إجمالا، والتي تمثل في جوهرها مطالبة بإثبات محتواها. وسوف لن آتي بكامل النصوص للسبب نفسه.

    لقد تساءلت كيف يمكن إثبات بعض الأمور. وهذه هي الملاحظات إجمالا:

    1- تساءلت عن مقدرتي لإثبات الكذب عند أهل السنة : والجواب قد كان منا سابقا ، وهو بإختصار لكثرة الرواية عن الكذابين واعتماد الرواية عنهم كدين يدان به أو المكذوبات الواضحة الكذب المخالف للقرآن والواقع، المعتَمَدة كأساس للمذهب. واما حين يكون التضعيف هو التكذيب كما يحلو للبعض أن يدعيه في التراث الشيعي فما يقول بتضعيف حفاظ أهل السنة للكثير من مروياتهم.

    ولو أخذنا أصح الكتب عندهم وهي الكتب الستة لوجدنا كثيرا من أحاديثها ضعيفة عندهم فضلا عن غيرهم، فقد كتب الألباني أربعة مجلدات في تعداد الحديث الضعيف في كتب السنن الأربعة، فحكم بضعف 1127 حديثاً من سنن ابي داود البالغ أحاديثه 5274 وهي أكثر من خمسها، وحكم بضعف 832 حديثا من سنن الترمذي الذي تبلغ أحاديثه 3955، وهي أكثر من خمسها أيضاً، وحكم بضعف 948 حديثا من سنن ابن ماجة البالغ عددها 4341، وهي أيضا أكثر من خمسها، وحكم بضعف، وألف ستة مجلدات ضمنها 3500 حديثا ضعيفا ولولا أن موته لكتب مجلدات أخرى والله العالم، وضعف الذهبي كثيرا من أحاديث المستدرك للحاكم ، وحكم بعضهم بأن أكثرها ضعيف، وألف السيوطي وابن الجوزي والقاري وغيرهم كتبا ضمنوها كثيرا من الأحاديث المكذوبة، واشتمل كنز العمال على آلاف الأحاديث المكذوبه، وكذا الفردوس بمأثور الخطاب وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد آلاف الأحاديث الضعيفة المروية في معاجم الطبراني ومسند أحمد والبزار وغيرهم، ولقد كنت اطالع في برنامج الحديث لشركة صخر لفت نظري وجود تصنيف لكامل روايات البخاري وتصنيف آخر للمرويات عن الثقات فإذا بها تقل عن كاملها بحوالي الخمس وقد قالوا بأنهم اعتمدوا الفحول في الجرح والتعديل ومنهم الألباني.

    وإذا أضفنا إلى ذلك إسقاط جملة وافرة من الأحاديث التي رواها من حكم بعدالته من الصحابة غير العدول لتنامى عدد الحديث المكذوب على النبي ص عند أهل السنة كثيراً، وذلك لأن المعروف بينهم قبول كل رواية لكل صحابي والحكم بضعف الرواية من جهة رواتها من غير الصحابة ، فإذا التزمنا بالنظر في توثيق وتضعيف الصحابة فإن موازين الحديث الصحيح عند أهل السنة تتأرجح وتتهاوى كثيرا. خصوصا بعدما نقل لي أحد الأخوة – والعهدة عليه- رأيك بنفي عدالة بعض الصحابة وعدم صحة بعض ما في البخاري ومسلم. و على ما توصلتم إليه في كتابكم (قراءة في كتب العقائد: المذهب الحنبلي نموذجا) يكون الكذب في كتب العقائد عند أهل السنة كثيرا فقد قلتم في كتابكم المذكور في ص 187 رقم 8ـ معظم ما سطرته كتب العقائد مما ليس في القرآن وصحيح السنة مستحدث ما أنزل الله به من سلطان، ولا بعث به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم... وفي ص 191: معظم الكتب المؤلفة في العقائد عند غلاة العقائديين ، الباطل فيها أكثر من الحق، لاحتوائها على البدع والأحاديث الموضوعة والتكفير والظلم والجهل... الخ .

    فهل ترى كذباً أكثر من هذا الكذب الذي اعترف به جملة من حفاظ أهل السنة، بينما ما ذكرته يا شيخنا مما ادعيته من كذب عند الشيعة إنما هو كذب بمعيارك الخاص وهو بلحاظ المتون غير المقبولة عندك فقط فحكمت بكذبها. بل قد أشرنا إلى أن الأسس مبنية على الكذب وهناك مجال طويل عريض للحديث عن هذا الباب. و أنا غير مصر على الحديث عنه والإصرار على بحث هذا الموضوع يعطيني المبرر لبحثه.

    وقد تساءلت بقولك : ألا يخشى أن يجد صعوبة في إثبات هذه الدعاوى العريضة. فأقول لفضيلتك . صدقني لا أجد صعوبة أبدا في إثبات أن ما تفرد به الفكر السني يعتمد على الكذب الشرعي على الله ورسوله والواقع والعقل. ولكن التزاما مني بمنهج الإجابة عن اشكالاتك سأضع هذا الموضوع في طور السبات.

    2- تساءلت عن مقدرتي على إثبات كذب السلفية . فهذا حدّث به ولا حرج . فأهل السنة أنفسهم كتبوا عشرات الكتب لإثبات كذب دعاوى السلفية كدعوى الإجماع على ما يقولونه كذبا وبهتانا على السلف الصالح وعلى الصحابة والتابعين. ففي كل قول باطل يدّعون أنه مذهب السلف إجماعاً وأنه مما صدر عن الله ورسوله كدعوى إثبات صفات الجسم لله. وكتكذيب الوقائع المسلمة عند المسلمين وغيرها كثير.

    ولو أردنا الخوض في هذا لوجدنا أن كل ما يختص به السلفية ويتفردون به، ما هو إلا كذب شرعي بكل معنى الكلمة ليس فيه حقيقة واحدة. ابتداء من دعوى التوحيد التثليثي ومرورا بزيف المداخلات بين تعاريف العبادة والتوسل والشرك من غير شرك بالله وبزيف بناء المنهج الانتقائي للأحكام العقلية والشرعية وانتهاء بمعالجة الحديث بصورة شوهاء لا تملك أبسط قواعد الصدق في التعامل ووحدة المعيار. وهذا الموضوع الأخير أغنانا عنه الكثير من علماء السنة الأفاضل كالشيخ حسن السقاف السني الأشعري ليثبت بأن حجة السلفية في هذا العصر الشيخ الألباني قد أحصى عليه سبعة آلاف تناقض في التقييم الحديثي مما يدل على الكذب القطعي في التعاطي مع الحديث بطريقة انتقائية شديدة البعد عن الحقيقة. وأن الأمر ليس من باب مجرد الخطأ وقد اثبت السقاف تعمد التضعيف والتصحيح حسب ما يوافق مذهبه بخلاف ما يدّعيه من قواعد يلتزم بها في الحديث. وأما غير الألباني فحدث ولا حرج. و هذا باب مفتوح على مصراعيه لو أردنا الدخول فيه لوجدنا العجب العجاب. ولهذا حذفنا كل الشواهد عليه. والحر تكفيه الإشارة.

    3- تساءلت بتهكم عن صحة دعواي بأننا نكرم الصحابة ، وقلت عنها بأن هذه (طريفة من الطرائف! التي تليق بكتب الفكاهة والسمر لا أبحاث الحوار العلمي والمناظرة). و أنا اكتفي بما أوضحته في تعليقي العام أعلاه . بل وأضيف إلى دعواي، بأننا نرى بحسب القواعد الفكرية السليمة بأن من يدّعي التكريم للصحابة بناء على تكريمه للفاسق منهم و الإغضاء عن فسقه فقد أهان الإسلام والرسالة المحمدية وقيمها الإلزامية وأهان الرسول ص وصحبه الكرام المطيعين لله ولرسوله وذلك لتعطيل قيمة الالتزام وقيمة الصواب في فعل من أصاب. ولتدمير حجية الطريق إلى رسول الله ص ومن ثم تدمير حجية الطريق إلى الشريعة.

    قد تقول لي بأنك لم تقبل فكرة عدالة الصحابة المطلقة وقد رددتها على دعاة السلفية فأقول لك صحيح أنا رأيت لك إشكالك بالرد عليهم في خرم القاعدة المذكورة بالنص القرآني بفسق بعضهم، ببعض الحوادث والنصوص. ولكنك لم تتجرأ لتقول بأن هذه قاعدة عامة تشمل كل من خالف وثبتت مخالفته القطعية لتعاليم الرسول ص ولحكم الله المنزل. ولهذا فقد اكتفيت بمورد تلك النصوص الصريحة في التفسيق في زمن رسول الله وجعلتها عائمة. ولم تستنبط منها أي قاعدة وكأن الحقيقة قد توقفت عند تلك الحدود. فبقي الأمر على حاله.

    4- اعتبرت قولي بأن الشيعة على الإسلام المحمدي ، هو نوع من التعويم والمراوغة والدعوى الكبيرة. على أن حكمك هذا سابق لأوانه ودعواي يجب أن تسألني عنها لا أن تصفها بالمراوغة وتعتبرها كبيرة لا يصح البرهنة عليها. فإنك بدراسة ما اختص به الفكر الشيعي بمعنى ما رفضه الفكر الآخر من الفكر الشيعي ودراسة مقدار صلته بتعاليم الرسول الكريم ص تثبت دعواي أو تفشلها . فما قولك لو ثبت أن جميع هذه الخصائص لا تخالف تعاليم الرسول بل هي عينها في كثير من الأحيان . فماذا ستسمي مذهبا لا يخالف رسول الله ص ؟

    هل ستصفه بأنه خارج عن (الإسلام المحمدي) بينما ستصف من خالف بالقطع واليقين وبالدليل الشرعي، بأنه داخل في ( الإسلام المحمدي).

    واكتفي بهذا.

    5- وأخيرا كررت يا شيخنا تحديك أن اثبت ما تقوله عني بأنني قلت بأن ( السنة أو السلفية أكذب الخلق وأخس الفرق) . والحقيقة بأنني لم أقل هذا بل قلت هذا: (والسلفية هم أخس اتباع السلطان قدرا لأنهم مصنفون سياسيا بالعملاء العميان المطيعين بوحشية. )

    وشتان بين القولين. وهذا موضوع طويل وهو لا يحتاج إلى إثبات لأنه يثبت نفسه بمجرد مراجعة طفيفية لكل الأحداث التي ارتفع فيها نجم السلفية. ولكن وقبل كل شيء أقول بأن قراءة كهذه تحتاج إلى ذكاء، وهذا شيء مضر بصحة الإنسان العربي كما يبدو. ويحتاج إلى إذن من الباب العالي ليتمتع به الإنسان.

    إن ابسط الأسئلة الذكية هي التي تجيب على أكثر التساؤلات خطورة.

    لو وجهت لك هذا السؤال فماذا سيكون جوابك عليه.

    لقد افتخر الشيخ ابن تيمية أنه قتل الألوف من الروافض وسفرهم عن أماكنهم من جبل لبنان وطهر تلك الأرض الطاهرة منهم. وهذا يقتضي بأنه أعطى هذه الأرض التي طهرها إلى أقرب المقربين إليه السلفية مثلا أو السنة على العموم. (وبالعافية عليهم). ولكن..

    لماذا تسلمها منه الموارنة المسيحيون؟

    هل تعرف يا شيخنا ما هي الأراضي التي قتل فيها الشيعة وهجرهم منها؟. إنها جبال المتن وكسروان وجبيل وشرق المكمل من بشري وإهدن وغيرها من الأماكن التي عجز الغرب المسيحي في حروبه الصليبية من الاستقرار بها في حرب طولها 200 سنة تقريبا. ولكنه استقر بها بعد ذلك بالإبادة الجماعية على يد مؤمني السلفية ابن تيمية وحزبه والنصارى فيها إلى يومنا هذا منذ ذلك اليوم.

    فما تقول بهذا ؟

    كم أتمنى أن تزور لبنان لتر بعينك أن الشيعة في لبنان كان لهم مواقع مهمة في ثلاث مناطق وهي شرق جبل المكمل وشرق جبل صنين من جبال المتن وجبال عاملة وكل ما حدث في تلك الإبادة الجماعية أن قُتل المؤمنون الأتقياء المسيطرون على منابع المياه والأراضي الخصبة التي تعاني من كثرة الماء. وتُرك الآخرون من الشيعة في عاملة الذين يجمعون المطر في الخزانات. وتهجير الشيعة من غرب المكمل وغرب صنين والمتن إلى شرقها من مواقع المسيحيين السابقة في بقاع كلب. وتتحول المعادلة فيكون الغرب المليء بالماء للمسيحيين المارونيين والشرق الجاف القاسي للشيعة والسنة المسلمين. فكانت حملة نتائجها واضحة من تطهير الأرض من رجس الرافضة الذين أبادوا الحملات الصليبية وتحوّلها إلى جنود الصليبين ومَنْ على دينهم. فأصبح دير مار مارون في العاصي شرق المكمل بين يدي الشيعة. وجوامع الشيعة أصبحت كنائس في بشري وإهدن وغيرها من المدن.

    فما تفسر هذا يا شيخ؟

    هل الخسة لها معان خفية؟

    أعتقد بأن تفسير هذا يحتاج إلى ذكاء وهذا ما لا يقبله من يريد منا أن لا نفرق بين الناقة والجمل، إمام السلفية الأكبر.

    ولو استرسلت في هذا الأمر لزعلت مني حيث سترى بأن هذا تثخين للقضية وأنك لا تريد الوصول لهذا. فإن كنت تريد الوصول لما هو أبعد، فلك مني ذلك من العجائب. التي تشيب الرؤوس لمن يعي القول.

    على كل هذا ما أردت قوله وقد حذفت كل ما كنت قد أحضرته وكررت الكتابة، لأجل العبور عن نقطة قد يطول بنا المقام فيها لوفرة البيانات حولها. فقد كانت هذه المقالة على غير هذا الثوب تماما وهي مليئة بالشواهد والردود التفصيلية. وقد أعاذنا الله من التفصيلات ببركة الفضلاء وتحكيم المصالح الإسلامية العامة في الحوار.

    تقبلوا تحياتي وحبي

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أخوكم

    الصدر



  4. #64

    اتصال من صديق يطلب توضيحا



    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام

    الأخ الفاضل الشيخ حسن المالكي وفقك الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    اتصل بي أحد الأصدقاء مندهشا مما قلته في تعقيبي على المحور الرابع.

    فقال لي:

    المعروف عندنا بأن هجوم ابن تيمية ومذابحه كان في بلاد حمص والساحل السوري. فما علاقة ابن تيمية بجبل لبنان؟ هذه المنطقة التي يعيش فيها النصارى ويدّعون بأنها لهم من قبل الإسلام ولم يتنازلوا عنها بعد الإسلام ولم يتزحزحوا عنها شبرا.

    فقلت له:

    ما شأننا نحن بدعاوى أصحاب المصالح الحزبية لتزوير التأريخ؟. فليقولوا بأن كل بلاد المسلمين لهم لأن دينهم اسبق في هذه المنطقة ولكن هذا لا يغيّر الحقائق التاريخية.

    وليس من المستبعد تعدد جهات المعركة. ولكن ما أورده التأريخ هو الساحل الغربي من جبل لبنان المسمى بجبال كسروان باعتراف ابن تيمية نفسه وهذه المنطقة كانت شيعية قبل هجوم ابن تيمية قطعا وبنص كتابه (منهاج السنة) و إنما هجم عليها لأن ساكنيها شيعة روافض أسوء من أظلم ملك في الدين والدنيا كما يقول، و من بعد ذلك أصبحت مسيحية لحد الآن فهذا مما لا شك فيه. لأنهم ليسوا بسوء الشيعة كما يبدوا لأن أظلم ملك في الدين هو من على شاكلة فرعون وأمثاله ممن يقتل الناس على تدينهم وعبادتهم، فالشيعة أسوء منه عنده.

    و إسهام ابن تيمية لم يكن فقط بقيادة الحرب عليهم بالجيوش بل هي الفتوى بوجوب قتلهم وتحريك الحكام من أصدقائه . وهكذا استمرت حروب الإبادة من حدود سنة 700 هـ إلى ما بعد ذلك بستين سنة أي بعد وفاة ابن تيمية بحدود الثلاثين سنة. حينما أحرقت بلاد الشيعة بأكملها. حريقا لكل الغابات من طرابلس إلى بيروت ولجميع جبل كسروان. فلم يبق فيه أحد. حتى الوحوش.

    فكل ما أدعيه هو أن هذه المنطقة كانت شيعية وهي منطقة غابات وخيرات ومياه. هجم عليها الشيخ ابن تيمية واتباعه واستمرت حرب الإبادة مدة من الزمن ولعلها تجاوزت فترة الحريق العام سنة 757 هـ و فأفرغت المنطقة من الشيعة بمختلف أنواعهم (حسب دعواهم) وتسلمها النصارى بعد ذلك كمنطقة فارغة بسياسة الأرض المحروقة . وهي نفس السياسة التي تستخدمها إسرائيل وغيرها من دول الاعتداء على الشعوب المقهورة بحرق الأرض وتدميرها لتكون غير صالحة لسكنى الفقراء ومن ثم تأتي المستعمرات الاستيطانية. وهذا ما حدث على ارض الواقع .

    والأمر الذي يحتاج إلى ذكاء هو الربط بين الأحداث .

    وهذا هو نقطة الفراغ في العقل العربي حيث لا يتسائل عن المجريات وعن الربط بين النتائج


    وها أنا انقل ثلاثة نصوص تكفي العاقل بل تتخمه معرفة في هذا الشأن. مع معرفتنا بأن كل أدلة الدنيا لا تعني شيئا عند الأغبياء.

    وهذه هي النصوص الثلاثة :


    -------------------

    النص الأول:

    من كلام ابن تيمية نفسه يصف فيها بلاد الجبل وكسروان بأنها من بلاد الشيعة السيئين. وأن أظلم الملوك في الدين والدنيا أفضل منهم. ( علينا التركيز على كلمة [أظلم الملوك في الدين] لمن يفهم كيف تسير الأمور الآن من أن اليهود والنصارى أفضل عندهم من شيعة آل رسول الله ص ) :

    منهاج السنة النبوية ج: 6 ص: 418
    (وهذا الذي ذكرته كل من استقرأة في العالم وجده وقد حدثني الثقات الذين لهم خبرة بالبلاد الذين خبروا حال أهلها بما يبين ذلك ((( ومثال ذلك أنه يوجد في الحجاز وسواحل الشام من الرافضة من ينتحلون المعصوم وقد رأينا حال من كان بسواحل الشام مثل جبل كسروان وغيره وبلغنا أخبار غيرهم فما رأينا في العالم طائفة أسوأ من حالهم في الدين والدنيا))) ورأينا الذين هم تحت سياسة الملوك على الإطلاق خيرا من حالهم فمن كان تحت سياسة ملوك الكفار حالهم في الدين والدنيا أحسن من أحوال ملاحدتهم كالنصيرية والإسماعيلية ونحوهم من الغلاة الذين يدعون الإلهية والنبوة في غير الرسول أو يتخلون عن هذا كله ويعتقدون دين الإسلام كالإمامية والزيدية فكل طائفة تحت سياسة ملوك السنة ولو أن الملك كان أظلم الملوك في الدين والدنيا حاله خير من حالهم)

    --------------------

    النص الثاني:

    يرويه صديق ابن تيمية الذي رثاه مر الرثاء بقصيدته على حرف الطاء وهو عمر ابن الوردي. ويورد فيه أنه سمع من الشيخ وقعته وبطولاته في كسروان. والنص نقله صاحب أبجد العلوم من الدرة اليتيمية في السيرة التيمية للامام الحافظ شمس الدين محمد الذهبي .

    أبجد العلوم ج: 3 ص: 136
    (وكنت اجتمعت به بدمشق سنة 715 بمسجده بالقصاعين وبحثت بين يديه في فقه وتفسير ونحو فأعجبه كلامي وقبل وجهي واني لارجو بركة ذلك ((وحكى لي عن واقعته المشهورة في جبل كسروان )) ....... انتهى كلام الامام زين الدين عمر بن الوردي المتوفى بحلب سنة 749 رحمه الله تعالى بعبارته)

    -------------------
    النص الثالث:

    الحريق المفتعل في جبل لبنان سنة 757 هـ الذي شمل كل بلاد الشيعة من طرابلس إلى بيروت بمحاذاة الساحل من الجبل. ومن يعرف جغرافية المنطقة يعرف ما معنى هذا. (وهنا ينص على أن المنطقة هي منطقة روافض ودروز). والملاحظ من نص الرسالة بأن الكلمة المستخدمة (أحرق) وليست (أحترق) . وقد آثرت أن انقل نصوصا متعددة من نفس الصفحة لتصوير حجم المشاكل والحرائق في شهر واحد والتي تبعها بعد شهور حريق الساحل. وفي مقدمة النص دلالة واضحة بأن الصلاة بيد أكبر أصحاب ابن تيمية.

    ملاحظة: هذه الواقعة حدثت بعد وفاة ابن تيمية بـ 29 ولكن يجب ملاحظة أن القيادات والفتن كانت تدور حول قضايا من مذهب ابن تيمية وأشخاص من مؤيديه مع مناوئيهم ، ووفاة الأمير وهو من اكبر أصحابه (إذن كان الأمير صديقه!!) . وفجأة تنتشر الحرائق في الشام وتحرق أسواق كاملة. ثم تحترق غابة جبل لبنان. والنصارى يهاجمون السواحل غير هذا الساحل المحروق. في صيدا وفي صفد وإناس (هل هي بانياس؟). هذه الأمور تحتاج إلى عقل محلل وفكر ثاقب ليحل لغزا كهذا.

    ‏البداية والنهاية، للإمام إسماعيل بن كثير الدمشقي. المجلد الثالث عشر الجزء الرابع عشر .

    ثم دخلت سنة سبع وخمسين وسبعمائة .

    (وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة صلّي على (الأمير سيف الدين براق أمير أرجو بجامع تنكز)، ودفن بمقابر الصوفية، وكان مشكور السيرة كثير الصلاة والصدقة محباً للخير وأهله، (من أكبر أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى.).)

    (ووقع في هذا الشهر { يوم الخميس رابع شهر جمادى الأولى} نزاع بين الحنابلة في مسألة المناقلة، وكان ابن قاضي الجبل الحنبلي يحكم بالمناقلة في قرار دار الأمير سيف الدين طيدمر الإسماعيلي حاجب الحجاب إلى أرض أخرى يجعلها وقفاً على ما كانت قرار داره عليه، ففعل ذلك بطريقة ونفذه القضاة الثلاثة الشافعي والحنفي والمالكي.
    فغضب القاضي الحنبلي وهو قاضي القضاة جمال الدين المرداوي المقدسي من ذلك، وعقد بسبب ذلك مجالس، وتطاول الكلام فيه، وادّعى كثير منهم أن مذهب الإمام أحمد في المناقلة إنما هو في حال الضرورة، وحيث لا يمكن الانتفاع بالموقوف، فأما المناقلة لمجرد المصلحة والمنفعة الراجحة فلا، [[وامتنعوا من قبول ما قرره الشيخ تقي الدين ابن تيمية في ذلك.]])

    (وفي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من جمادى الأولى وقع حريق عظيم ظاهر باب الفرج احترق فيه بسببه قياسير كثيرة لطاز ويلبغا، وقيسرية الطوشاي لبنت تكز، وأخر كثيرة ودور ودكاكين، وذهب للناس شيء كثير من الأمتعة والنحاس والبضائع وغير ذلك، مما يقاوم ألف ألف وأكثر خارجاً عن الأموال، فإنا لله وإنا إليه راجعون. (ج/ص: 14/292)
    وقد ذكر كثير من الناس أنه كان في هذه القياسير شر كثير من الفسق والربا والزغل وغير ذلك.) .

    < مداخلة مني: يبدوا بأن الحريق كان لتوفير طاعة الله>

    (وفي السابع والعشرين من جمادى الأولى ورد الخبر بأن الفرنج لعنهم الله استحوذوا على مدينة صفد: قدموا في سبعة مراكب وقتلوا طائفة من أهلها ونهبوا شيئاً كثيراً وأسروا أيضاً، وهجموا على الناس وقت الفجر يوم الجمعة، وقد قتل منهم المسلمون خلقاً كثيراً، وكسروا مركباً من مراكبهم، وجاء الفرنج في عشية السبت قبل العصر، وقدم الوالي وهو جريح مثقل، وأمر نائب السلطنة عند ذلك بتجهيز الجيش إلى تلك الناحية فساروا تلك الليلة ولله الحمد.)

    (وجاء الخبر في هذا الوقت بأن إيناس قد أحاط بها الفرنج، وقد أخذوا الربيض وهم محاصرون القلعة، وفيها نائب البلد، وذكروا أنهم قتلوا خلقاً كثيراً من أهلها فإنا لله وإنا إليه راجعون.
    وذهب صاحب حلب في جيش كثيف نحوهم والله المسئول أن يظفرهم بحوله وقوته، وشاع بين العامة أيضاً أن الإسكندرية محاصرة ولم يتحقق ذلك إلى الآن، وبالله المستعان.)

    (وفي ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من جمادى الآخرة وقع حريق عظيم داخل باب الصغير من مطبخ السكر الذي عند السويقة الملاصقة لمسجد الشناشين، فاحترق المطبخ وما حوله إلى حمام أبي نصر، واتصل بالسويقة المذكورة وما هنالك من الأماكن، فكان قريباً أو أكثر من الحريق ظاهر باب الفرج فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحضر نائب السلطنة وذلك أنه كان وقت صلاة العشاء ولكن كان الريح قوياً، وذلك بتقدير العزيز العليم. (ج/ص: 14/293)) .

    (ووقع حريق عظيم ليلة الجمعة خامس عشر رجب بمحلة الصالحية من سفح قاسيون، فاحترق السوق القبلي من جامع الحنابلة بكماله شرقاً وغرباً، وجنوباً وشمالاً.فإنا لله وإنا إليه راجعون.)

    (والعجب أني وقفت في شهر ذي القعدة على كتاب أرسله بعض الناس إلى صاحب له من بلاد طرابلس وفيه: والمخدوم يعرف الشيخ عماد الدين بما جرى في بلاد السواحل من الحريق من بلاد طرابلس إلى آخر معاملة بيروت إلى جميع كسروان، أحرق الجبال كلها ومات الوحوش كلها مثل النمور والدب والثعلب والخنزير من الحريق، ما بقي للوحوش موضع يهربون فيه، وبقي الحريق عليه أياماً وهرب الناس إلى جانب البحر من خوف النار واحترق زيتون كثير، فلما نزل المطر أطفأه بإذن الله تعالى - يعني الذي وقع في تشرين وذلك في ذي القعدة من هذه السنة - قال: ومن العجب أن ورقة من شجرة وقعت في بيت من مدخنته فأحرقت جميع ما فيه من الأثاث والثياب وغير ذلك، ومن حلية حرير كثير، وغالب هذه البلاد للدرزية والرافضة.نقلته من خط كاتبه محمد بن يلبان إلى صاحبه، وهما عندي بقبان فيالله العجب.)

    ----------------

    وأكتفي بهذه الإشارات. فالموضوع له شواهد تاريخية كثيرة.

    ومن يريد الاستزادة فعليه بقراءة محاكمات ابن تيمية في مصر وجولاته الكلامية وافتخاره بقتل الروافض في الجبل،

    وان يقرأ تأريخ تلك الفترة المظلمة من حياة المسلمين وحجم الفتن والاعتداءات على الأرواح والممتلكات.

    وأن يقرأ كتاب مستدركات أعيان الشيعة للسيد حسن الأمين في 1\57 وما بعدها فسيجد القارئ عجائب في تحديد الخيانات ومن هم الأبطال الذين دافعوا عن حياض تربة الوطن؟ ومن الذي باع وخان لأجل تثبيت حكمه؟.

    ونسأل الله أن يرزقنا ذكاءً يعرّفنا كيف نقرأ النصوص والتواريخ.

    ونستغفر الله ونستعيذ به من مضلات الفتن.

    أخوكم

    علي الصدر

    [edited][حرر بواسطة علي نعمان الصدر بتاريخ: 12-11-2001 م - في الساعة: 01:58 AM][/edited]

  5. #65

    التعقيب مستمر في رمضان



    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته

    أعاد الله عليكم شهر الصيام بالمغفرة والطاعة

    أعلم الأخوة جميعاً بأنني سأستمر بإنزال التعقيبات الواحد تلو الأخر في شهر رمضان . بحسب قدرتي .. والله ولي التوفيق .

    أخوكم علي نعمان الصدر


  6. #66

    ملحق المحور الرابع




    بسم الله الرحمن الرحيم


    الأخ الكريم الفاضل الشيخ حسن بن فرحان المالكي حرسك الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    كلما قرأت لك شيئاً زاد احترامي لك. وزادت محبتي لطبعك ، وهذا لا يعني بأن احترامي لك كان دون المطلوب بل هو في قمته كان ولا زال ولا أعتقده يتغير. ولكن الخصوصيات تنمو مع نمو المعرفة. و أنا ممن يرى بأن المعرفة لا تتوقف عند الإنسان وينبغي أن تكون متجددة دائما حتى اللحد. فلا بأس بزيادة الاحترام مع زيادة المعرفة بك.

    في الأيام القلائل الماضية. أهداني صديق لي، محب لك، نسخة من مقال لك بعنوان : ( قراءة في التحولات السنية للشيعة ) في مجلة : ( المجلة- العدد 1082 5-11/11/2000).

    أشار عليّ الصديق بأن أقرأ هذا المقال لأرى الاعتدال بعيني.
    وقال: إن في المقال شيئاً كثيراً من الحس المرهف والشعور بالمسؤولية والتناول المعتدل للخلاف. وهذا ما يدعو إلى أخذ هذه الحقائق بالاعتبار.

    قرأت المقال بلذة. ووجدته لطيف اللهجة غير أنه ينهج نفس نهج الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير في معالجته للنص والسند وهو على العموم يعتمد نظاما استحسانياً انتقائياً في الإسناد واستنباطياً للعلل وتحديد المواضيع. وهو منهج يعتمد الذكاء والقدرة على تحريك المعاني بطرق انتقائية. ولكنه مع الأسف ذكاء ناجح مع غير أهل البصر والبصيرة. ولست بصدد تقييم المقال.

    وفي المقال..

    عثرت على بعض النصوص من سيادتك أثارت اهتمامي. وهي مهمة جدا في حوارنا.

    حوارنا يدور حول دعواك بأن الكذب عند الشيعة يفوق كذب بقية الطوائف (أو ما في معناه). وهذا يقتضي بأنك جردت الكذب عند جميع الطوائف ولو إجمالاً واكتشفت نتيجة هذا الاستقراء لحكمك الحصيف. فكان ينبغي أن تكون نسبة ما عند الشيعة من الكذب يفوق الكذب عند غيرهم.

    فلنلاحظ ما عندك....

    لقد أتيتنا في حوارك معنا بما يقل عن 80 موردا من كتاب لا نصفه بالصحيح أبداً وهو كتاب الكافي وهو ما نقر بأنه جزء مهم من التراث الشيعي بشكل رسمي مع أننا سنثبت عدم كذب أغلب تلك الموارد أو الغلو فيها في مبحث تلك الموارد وان أغلبها مكرر في نفس الموضوع . والكافي فيه أكثر من 16190 مورد فينبغي أن تكون النسبة عندك مع التسليم بكل نقدك تقارب نصف الواحد في المائة وحتى لو سلمنا بكل مواردك من جميع ما أتيت به من كتب وزيادة فهي لا تتجاوز 1.5% من مجموع كتاب واحد فقط وهو الكافي. فكيف بمجمل الأحاديث الشيعية فكتاب بحار الأنوار وحده قد يزيد عن 70 ألف حديث و عشرات ألوف التعليقات.

    ومع ذلك فهذه نسبة تزعجنا إذا ثبتت على الفكر الشيعي لأننا لا نقبل بالكذب وأشباهه. فكيف نجد 1% في كتاب الكافي مما وصفته بالكذب. فهذا ما لا نقبله في تراثنا.

    ولكن ما هو رأيك في التراث السني وكم نسبة المكذوب فيه؟

    إليك نصك من مقالك: ( قراءة في التحولات السنية للشيعة ) في مجلة : ( المجلة- العدد 1082 5-11/11/2000).



    ((( 1- كثرة الأحاديث الضعيفة
    من أسباب الاختلاف أو التحول المذهبي كثرة الأحاديث عند السنة، فوجد الشيعة في مصادر السنة أحاديث كثيرة ضعيفة أو موضوعة أعتبرها حجة على السنة بحكم وجودها في مصادرهم ! وهذه مغالطة لأن أهل السنة والحديث أنفسهم لا يقرون بكل ما ورد في مصادرهم من أحاديث. وكتب أهل الحديث أو أهل السنة مجمعات كبيرة للأحاديث الصحيحة والضعيفة والمكذوبة ولعل الضعيف والمكذوب أكثر بكثير من الصحيح . )))


    هل التفت إلى قولك:
    ولعل الضعيف والمكذوب أكثر بكثير من الصحيح.

    والأكثر يعني يزيد عن 50%

    والأكثر بكثير قد يزيد عن الثلثين.

    أليس كذلك؟

    فكيف أصدرت حكمك بأن التراث الشيعي فيه من الكذب ما يفوق التراث السني ؟.

    هل نسيت قولك ذاك؟

    فكيف يمكن أن تنسى ما أوردته في كتابك؟ : (قراءة في كتب العقائد: المذهب الحنبلي نموذجا ) في ص 187 رقم 8ـ معظم ما سطرته كتب العقائد مما ليس في القرآن وصحيح السنة مستحدث ما أنزل الله به من سلطان، ولا بعث به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم... وفي ص 191: معظم الكتب المؤلفة في العقائد عند غلاة العقائديين ، الباطل فيها أكثر من الحق، لاحتوائها على البدع والأحاديث الموضوعة والتكفير والظلم والجهل.)

    لا يخفى على فاضل مثلك أن كلمة معظم تعني بحدود الثلثين وأكثر كما يتبادر إلى الذهن .

    وقولك صريح بأن : (معظم ما سطرته كتب العقائد مما ليس في القرآن وصحيح السنة مستحدث ما أنزل الله به من سلطان، ولا بعث به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم).

    ومع أننا فهمنا بأن قصدك من الغلو هو ما يخالف ما تراه (من خلال الممارسة) ولا نعرف مقدار تلك المخالفة مع الفكر السني لتعتبرهم غلاة. ولكن الإطلاق يجعل النسبة إلى الأطراف متساوية. إلا أن المهم أن كتب العقائد لهم : (الباطل فيها أكثر من الحق، لاحتوائها على البدع والأحاديث الموضوعة والتكفير والظلم والجهل.)

    فكيف قمت بالحساب؟؟

    هل عندك نصف الواحد يساوي خمسين والواحد يساوي ستين؟؟

    يا أخي الكريم أن من عنده الضعيف والمكذوب أكثر من الصحيح، كيف ينتقد الناس؟

    وهو لا يعرف منهجهم! ولا يدري بأسلوب التثبت عندهم!

    هل صدقت البحوث المعلبة الجاهزة التي تقول بأن أغلب التراث الشيعي يعتمد على المجاهيل ؟

    هناك محاولات جاهلة لتمرير دراسات صورية لا قيمة لها يمكن الرد عليها بسهولة تعطي انطباعا بوجود خلل في الحديث الشيعي. وهو من حياكة الجهلة والمغرضين.

    وما لنا ولجهلهم وكذبهم. فهم عندي بلا قيمة أبدا، موضوعا ومحمولا. ولكن ما نقول لفاضل مثلك، يقارن بين ما لم يعثر إلا على القليل من الكذب الذي يدّعيه، مع ما أكثره كذب وضعيف ويقارن أفكارا أكثرها مبرهن عليه بالعقل والنصوص مع أفكار لم ينزل الله بها سلطانا ولم يبعث لها الرسول الكريم ص. ويرجح المرجوح على الراجح.

    كيف يتسنى لنا الدفاع عن تراث أكثره مكذوب؟

    وكيف ندعو إلى هكذا تراث هزيل؟.

    ولماذا نحن حريصون على منع التحول من تراث أكثر من نصفه مكذوب.

    وما الدليل على أن النصف الثاني من الصدق التام؟


    هذه حالة تدعونا لتعلم فن التأمل الشرقي لنفك رموزها ..


    وقد لا تُحل.

    ولا أظنها تُحل.


    يجب أن تتذكر دائما بأننا لم نقل إطلاقا بأن جميع ما في كتبنا المعتمدة صحيح وهذا قلناه بصراحة. فنحن لا نحتاج لنفي ما به الغلو والكذب في تراثنا لأننا لم نقل بصحته على الإطلاق حتى نطالب بإعلان خلافه. والعاقل يفهم.


    أتمنى مراجعة قولك أعلاه فهو يحتم عليك تخطئتك لنفسك فيما ادعيته علينا، لأنك ذو فكر حر فلا شك بأنك تلتزم بكلامك.


    مع تحياتي للجميع


    علي الصدر


    [edited][حرر بواسطة علي نعمان الصدر بتاريخ: 18-11-2001 م - في الساعة: 06:56 AM][/edited]

  7. #67

    المحور الخامس من المقدمة


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

    كل عام وأنتم في رحاب شهر رمضان كريم وبخير عميم .

    السادة الكرام وفقكم الله

    الأخوة الكرام مسئولي هجر ومدير الحوار وفقكم الله

    الأخ الكريم الفاضل حسن بن فرحان المالكي وفقه الله .

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أعاد الله علينا جميعا شهر رمضان بالخير واليمن والبركة ورزقنا فضله وثوابه وأنعم على قلوبنا بمعرفته ولذة الحضور في ساحة قدسه والتمتع بأنواره البهيجة.

    مختصر ما في هذا المحور:

    في هذا المحور تتجه أنظارنا إلى حقيقة طءحها الشيخ حسن حفظه الله. وهي عدم تحديد معنى السب، واستنكار الشيخ بأن يكون قوله بأن الكذب في الشيعة يفوق الكذب في الطوائف الأخرى، هو من السب. وقد كانت هذه أهم النقاط التي طرحناها.

    1- لا نعرف كيف نصنف مثل هذا القول ... هل نصنفه مدحاً وحباً؟

    2- التسليم بأننا جميعا لم نحدد السب .

    3- دعوة صادقة لتحديد مفهوم السب والتفريق بينه وبين النقد وبينه وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهناك تساؤل حول إنكار المنكر هل هو من السب والشتم؟

    ========
    التفصيل
    ========


    قلت في الفقرة 15 :
    ( 15- ذكر أن (سبي!) للشيعة سيرجع على السلفية ولن يعود على الشيعة ! هكذا يسميه سباً!، وهذا يدل على أنه لم يحدد معنى السب ولا السلفية وإنما استثارة للأخوة الشيعة فقط، ).


    أقول :

    الجواب الأولي لهذا التساؤل هو بأن وصفك للشيعة بأن كذبهم يفوق كذب الطوائف الأخرى . إنما هو تقبيل وجناتٍ، ومدحٌ وعواطفُ عالية.

    وهكذا يجب أن لا نسميه سباً.

    ولهذا فأنا مدين لك بالاعتذار على وصفه بالسب فهو قد لا يفيه حقه.

    وأما استثارة الشيعة فهذا أبعد ما يكون من مذهبي وطريقي.


    وقولك : ( وهذا يدل على أنه لم يحدد معنى السب ) .

    الحقيقة نعم لم يحدد أي منا معنى السب. وحقك علينا وعلى جميع المسلمين.

    فالسب والشتم هما من الألفاظ التي دارت عليها الخلافات الاجتماعية والعقائدية بل لقد وصل الأمر إلى القتال والحروب بين الأمم بدعوى السب، الذي لم يعرّف بشكل دقيق. و أنا اعترف بأنني وجدت صعوبة في فهم هذه اللفظة.

    هناك دعاوى متبادلة بين المسلمين حول السب والشتم ولم يتبرع أحد منهم لبيان حقيقة موضوع السب والشتم.

    من أوائل ما يواجهك في أي حوار شيعي سني - حتى لو كان عقلانيا- هو اتهام الشيعة بالسب والشم خصوصا ما يدّعى من سب الصحابة وهذا كفر كما صرح به بعضهم أو قريب منه، بينما على طول الخط نرى شتى التهم ونسبة الفضائع والنقص إلى الشيعة ظلما وعدوانا وتسمى عند أهل السنة حقيقة ووصف على الحقيقة وليس شتما ولا سبا ولا هم يحزنون.
    وسبب هذه المفارقة هو ما ذهبت إليه شيخنا الفاضل . وهو عدم تحديد معنى السب. لا عندي ولا عند المفكرين.

    فلا أنا حددته
    ولا أنت حددته
    ولا غيرنا حدده

    ولم نعرف ما هي القيم الحقيقية لهذا المفهوم.

    وهو أداة من أدوات الإساءة حين لا يكون له معنى محدد. وقد قرأنا كثيرا في حياة الشعوب، حيث وجدنا نشوء معارك وقتال دام سنين وفقدت آلاف الأرواح ويتم الأطفال نتيجة سب وشم.

    فما حقيقة هذا الأمر المريع؟

    وكيف نحدده ؟

    وما هي أحكامه؟

    وهل هو مدعاة للقتال والخلاف ؟

    هل يقام لهذا الأمر وزنا ؟

    الحقيقة إن مما يعكر صفو الكثير من أخوّات البشر هو موضوع التحسس الزائد من موضوع السب والشتم . وهذا يحتاج إلى تكوين صيحة حقيقية لتحديد ما هو السب؟ وهل فعلا تعد بعض الممارسات الإنسانية سبا وشتماً.
    وهنا أسئلة لا بد من مواجهتها:

    هل المطالبة بالالتزام بالشرع لمن بيدهم مقاليد القوة يعتبر سبا وشتما.

    هل توصيف المخالفة للقوانين يعتبر سباً؟

    هل توصيف المخالفة للأخلاق يعتبر سباً؟

    هل توصيف الأخطاء العلمية والعملية يعتبر سباً؟

    هل اللعن الذي هو دعاء على من خالف الأوامر يعتبر سباً؟

    هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتبر سباً وشتماً؟

    وما هي العلاقة بين السب والشتم والعيب والعار والنقص ؟

    ما هي العلاقة بين هذه جميعاً وبين الذم؟

    ما هي العلاقة بين الذم والقبح العقلي والشرعي؟

    هذه أمور يجب تحديدها.

    وهذه دعوة مخلصة إلى كل مثقف واع أن يساهم في تحديد هذا المفهوم وتطبيقاته.

    ولا يجوز أن نقول بأن هذا مفهوم ثانوي غير مهم.

    لأن بسببه أريقت دماء بريئة و غير بريئة.

    وبسببه انفصلت مجتمعات إنسانية إلى درجة القطيعة بين الأخوة.

    وبسببه تكونت قشرة حاجبة بين المذاهب.

    ألم يقل أهل السنة بأن قول الشيعة بخطأ ومخالفة بعض الصحابة لتعاليم الرسول صلى الله عليه وآله والقرآن هو سب لأقدس المقدسات ففارقوهم ووصفوا الشيعة بأنهم قوم سبابون لا يجوز مخالطتهم والتعايش معهم.

    ألم يقل الشيعة بأن أهل السنة من اتباع بني أمية بالخصوص بدءوا بسب أمير المؤمنين علي عليه السلام على المنابر وفي خطب الصلوات و اخترعوا شتى الأساليب لشتم رجال الشيعة وسبهم بالخروج عن الجماعة بينما هم الخارجون، وبالكذب بينما هم من فتح دكاكين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كدكان سيف ابن عمر التميمي وغيره، وشتموا الفكر الشيعي على أنه باطل لأنه لا يوافق ما ذهبوا إليه فقالوا عنه أنه فكر كاذب باطل كفري شركي باطني إلى آخره. ولذلك رأى الكثير من الشيعة اعتزال من يظهر منه السوء من أهل السنة وقالوا عنهم بأنهم قوم شتامون معتدون يجب العزلة منهم.

    فهل هذا الأمر يسير ولا قيمة له في حياتنا العملية؟.

    هذه دعوة مخلصة لكل مفكر حر، لأن نتجاوز جميعا قوانين الحظر على التعريف والتحديد. وأن ننهض بمهمة رفع التشويش ورفع أسباب الخلاف وأسباب القطيعة ببيان الحدود الحقيقية ... لنحدد هذه المفاهيم بشكل لا خلاف فيه. و سيظهر عند ذلك كل أصحاب الأغراض والمعدتين الحقيقيين والسبّابين الواقعين. وسنفرّق بين السب والنقد البنّاء... وبين الشتم والدعوة إلى الشرعية والانتظام بسلك الشرع والقانون. ...وهنا جوهر التفريق بين الرقي الإنساني بنقد القبيح وبين المخالفة بإلصاق التهم بالنقيصة والمذمة على من لا يستحقها.

    قد يقول لي البعض : كيف تقول بأن هذا المفهوم غير محدد وهو موجود في كتب اللغة والفقه والعقائد؟

    فأقول: نعم هذا صحيح ، ولكن لو نظر العاقل بعين العقل لوجد التحديد غير متوفر لا في تحديد المصطلح ولا في الإستخدام. و في كل ما ذكر في كتب اللغة والفكر والعقائد والتأريخ. وكأن الأمر متروك للمستخدم يوسعه ويضيقه متى شاء. فكتب اللغة تتأرجح بين الإهمال للتعريف وبين التوصيف بفاحش القول أو ذكر المعايب أو ذكر ما به العار. وهذه تحتاج الى جمع وتحديد. فذكر فاحش القول يعني البذاءة وهذا لا يعرف منه .. هل القبح من الشاتم أم من المشتوم. و أما ذكر العيب فهذا يشمل ما كان عيبا حقيقيا فيكون الساب هو على الصراط المستقيم والمشتوم هو من عليه الخطأ. وكذا العار. ولهذا يجب تحقيق الأمر جيدا.

    وكمثال على إهمال التعريف. ناخذ مختار الصحاح للرازي لنراه بماذا يعرف السب والشتم حتى نفهمهما .. فتفضل واقرأ هذا:

    مختار الصحاح لأبي بكر الرازي. باب السين [ ص 280 ] - [ص 326 ].

    [سبب] س ب ب: السَّبُّ الشتم


    مختار الصحاح لأبي بكر الرازي. باب الشين [ ص 326 ] - [ص 354 ].

    [شتم] ش ت م: الشَّتْمُ السب .


    هل فهمت شيئاً؟


    على كل لقد جهزت بحثاً لطيفاً في موضوع السب والسباب، تعريفا واستخداما وأحكاما، و أثره في تكوين الفكر الديني والسياسي. وإدارة الأحداث، وتحديد الفروق الاجتماعية والدينية النابعة منه والأساليب التي يمارس بها سياسيا ودينياً.

    ولكن بما أنني اشعر من خلال النقد السابق بوصفي بأنني رجل احب الكلام الكثير، تركت هذا الموضوع، لحين طلبه. لنختصر الكلام. ولكنني لم اترك الإلماع إلى أهمية وخطورة هذا الموضوع. وجزاك الله خيرا ياشيخنا الشيخ حسن المالكي حيث ذكرتنا بهذا الأمر الخطير الذي أسيء استخدامه. فأرجو من المؤمنين العقلاء من هذه الأمة بذل الوسع والهمة لتحصيل العلم بهذا الموضوع والخروج بنتيجة محددة تفيد الأمة الإسلامية وترفع عنها قيود العبودية للطغاة الذين يكبلونها بإثارة النعرات بحجة السب والشتم ومن ثم تنمية السب والشتم. ليتحول إلى حالة من العداء المستحكم.

    فما اجتمعت بقوم عرب إلا ووجدتهم يشتمون أعراض ونفوس جزء آخر من الوطن العربي. بل الكل يشتم الكل. ببذيء الكلام وقبيح التصوير بالعِرض والشرف والدين والعدالة والاستقلال. وهذا خطر حقيقي على هذه الأمة المهزومة حضاريا على يد الغرب. ولو بقينا هكذا من دون معرفة حقيقة السب والشتم وحكمهما . فما نحن إلا أفغانستان في واقعنا ولكن بلا حرب ظاهرية. لأن المشاعر واحدة. إن مشاعر العربي تجاه أخيه العربي هي نفس مشاعر الأخوة الأعداء في أفغانستان فكل يجيز قتل أخيه وكرهه إلى درجة ركله بالرجل حين يراه قتيلا سابحا بدمه. وكلاهما مسلم يدّعي انه من الفرقة الناجية. وما أن ينتصر أخ على أخيه إلا وينهب منه كل وسائل عيشه ويشرده وحين يضطر إلى الانسحاب عن أرض أخيه بالقوة يهدّم له دياره ويحرق له ثروته قبل أن ينسحب.
    فنعم الأخوة التي ننعم بظلها!!.

    وكل هذا هو نتيجة تنمية روح السباب والشتائم الداعية إلى الكره والحقد والعداوة القلبية المستحكمة. نعوذ بالله من هكذا نتائج.

    وهذا موضوع مفتوح لا يجب أن يغلق ما لم يصل المثقفون المسلمون إلى حل لهذه المعضلة.

    أخوكم

    علي نعمان الصدر



    [edited][حرر بواسطة مدير الحوار بتاريخ: 20-11-2001 م - في الساعة: 10:58 PM][/edited]

  8. #68

    توضيح حول المحور السادس

    .


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام وفقكم الله

    الأخ الكريم الأستاذ حسن بن فرحان المالكي وفقه الله

    السلام عليكم ورحمة اله وبركاته

    المحور السادس يدور حول التأويل ومشاكله . وهذا موضوع مهم جدا في حياتنا الثقافية بل أستطيع أن أقول بأن نجاح أي حوار إسلامي يتوقف على فهم طبيعة التأويل والتفريق بين استخدامات هذا المصطلح.

    يجب أن لا ننسى بأن هناك مقولات متضاربة جدا في هذا الموضوع والأخطر فإن تطبيقات هذا الموضوع هي التي كونت الكثير من المذاهب الفكرية فضلا عن المذاهب العقائدية.

    ولهذا قد عزمت على تكوين صورة واضحة عن الموضوع .

    و بعد أن تم التجهيز والكتابة للموضوع وجدته طويلا قد يمل منه القارئ إذا قرأه . فقررت أن أنزله على حلقات . ولم أشأ اختصاره لسببين الأول: لأنه قائد في عمليات الحوار الإسلامي بشكل عام وهو ما يفتقر إليه المفكر الاسلامي المعاصر . والثاني: لأن القصد من حوارنا هو توضيح وجهة نظرنا والاستماع إلى الآخرين وليس بقصد الإفحام وما شابه ذلك من أغراض لا نعتني بها فهذا ما يعطي الأولوية لبسط الكلام في موضوع له أهمية كبرى في الحوار وبيان مستند الدليل.

    وإن كان الموضوع مما أشار إليه الأخ المالكي وهو مما قد نختلف به معه. ولكن ليس مما يلام عليه المالكي لأنه مفترق طريق ثقافي ويناقش كفكرة محددة. من دون لوم على الأخ المالكي فيما ذهب إليه. وإن طرح قسما كبيرا من نقاطه على أساس نقده للتأويل وقد أشار إلى وجود تأويل صحيح و آخر غير صحيح. وطبق الموضوع وفق منهجه هذا. ولكن ليس اللوم على مسلكه بقدر اللوم على التيار والمدرسة التي ركن إليها الأخ الأستاذ المالكي حفظه الله .

    فالمناقشة هي مع مجمل الفكر الاسلامي بسنيه وشيعيه. ولهذا فإنني رأيت أن ما كتبته يعتبر اختصارا غير مخل رغم طوله لأن الموضوع دقيق وحساس. وقد تناوله الكثير بالقصور والتقصير. بينما هو من المفاتيح الفعلية لكثير من الأبحاث الإسلامية.

    وهنا اوجه كلامي إلى القراء والمحاورين بشكل عام سنة وشيعة. وأقول لهم: يا أخوتي الكرام أرجو أن تمعنوا النظر في أهمية هذا الموضوع. لأن اغلب الأدلة والبراهين المتقابلة في الحوار محكومة إلى (تحليل النصوص) وتحليل النصوص لا يمكن ن يكون صحيحا ما لم يستند إلى ضوابط في معرفة طرائق فهم النص وما وراءه. وهذا يحتاج لدراسة شخصية واعية لفهم الفروق الدقيقة في طرق التحليل (للدلالة) فإذا أضفنا إليها ضوابط ومناهج الاستدلال والاستنتاج العلمي فستضيق هوة الفوارق بين أي متحاورين لأن الضوابط العلمية تقلل من زاوية الخلل المعرفي ويحصل لقاء اكبر حول المبادئ بوضوح تام وهذا بالتالي يحسّن من أداء الحوار ويجعل من الحوار ذو قابلية للوصول إلى نتائج فعلية فيه. وانصح كل محاور -أي كان- أن يلتفت إلى مسألة علم الدلالة خصوصا إذا كان يشعر بأن الطرف المقابل يتلاعب بالفكرة واللفظ ويحاول أن يخلط الحق بالباطل متعمدا فهنا يمكن بالمران أن يميز المحاور مواطن الخلل في حوار صاحبه بأي مجال كان في الحياة . وليس من الذكاء أن التقليل من أهمية هذا الموضوع على أي محاور.

    اعتذر على التأخير في تجهيز المحور السادس لأسباب كثيرة ليس اقلها شأنا موضوع المحور نفسه وزيادة التأمل فيه. ولا ادّعي بأن البحث مشبع . ولكن توضيح صورة البحث و أهميته مقدمة أساسية لأن تدفع كل من أراد الزيادة إلى دراسة الموضوع في كتب أصول الفقه والبلاغة والمنطق والفلسفة فإن الموضوع له تعلق بعلوم اللغة والمنطق بشكل عام. وأهم علم اهتم ببحث هذا الموضوع هو علم أصول الفقه. وعلى الأخص الدراسات الشيعة الدقيقة في هذا المجال. وكل من يقرأ دورة كاملة لعلم الأصول يعرف أسرار لطيفة في القدرة على تحليل النصوص و إنتاجها للأفكار. ولعل حلقات المرحوم الشهيد السيد محمد باقر الصدر في علم الأصول تعطي فكرة ابتدائية جيدة عن طرق التحليل للنصوص وعلم الدلالة. ولكن من أراد التعمق ليس له بد من دراسة أبحاث تخصصية في علم الأصول. ويبدأ بكتاب نهاية الدراية في شرح الكفاية. فهو كتاب متميز في دراسة الضوابط . ولا مجال لفهم هذه الدراسات ما لم تتوفر لدى الباحث قدرات منطقية وبلاغية كافية لمعرفة هذا الفن.

    وسيكون بحثنا على حلقات

    أخوكم

    علي نعمان الصدر






  9. #69

    المحور السادس من موارد المقدمة ----الحلقة الأولى

    بسم الله الرحمن الرحيم



    الأخوة الكرام وفقكم الله

    الأخ الكريم الأستاذ حسن بن فرحان المالكي وفقه الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تلخيص هذه الحلقة من المحور السادس:

    أشار الأستاذ الشيخ حسن المالكي حفظه الله بأن الكتب الشيعية مليئة بالتأويل. وهذه من التهم القديمة على التشيع والتي يرددها كثيرا من يرد على التشيع ولكن من يحقق فيها يجد تباينا كبيرا في واقع الأمر. وقد كتبت هذا الموضوع كـ (تبيان) على ما ورد في المقدمة و كـ (تأسيس) لفهم حقيقة النقاط الأساسية التي طرحها الشيخ حسن فإنه أشار إلى أنها تأويلات تدخل في إطار الكذب أو الغلو.

    وشروح هذا المحور ليس ردا على الشيخ حسن بقدر ما هو إيجاد قاسم مشترك للفكر الإسلامي. وطرح رؤية إسلامية لأرضية مهمة في الفكر الإسلامي ألا وهي اتجاهات علم الدلالة ([مباحث الألفاظ – مبحث الدلالة] في الأصول والمنطق. و [نظرية المعرفة] في الفلسفة. و [علم البيان] في علم البلاغة).

    والمبحث بصورته الكاملة سيضع النقاط على الحروف ليبيّن أين موارد التبرير والتحوير والتزوير التي يتراشق بتهمتها الخصوم.

    وقد احتوت هذه الحلقة على ما يلي:

    1- بيان أن التأويل هو موضوع للتشاتم بين الخصوم الفكريين . ولكن في الغالب من دون ضوابط أو تحديد لما هو التأويل وأين يصح وأين لا يصح.
    2- بيان ارتباط اللغة بالفكر وتبادل التأثير بينهما.
    3- بيان أن التأويل في علم الدلالة مهم جدا وبدونه لن يكون هناك أي معرفة إنسانية. وعليه لا بد من معرفة حدوده و أهميته وهل هناك اشتراك لفظي في التأويل؟ بين معان مختلفة في علوم واتجاهات مختلفة. فلا بد من تحديده وبيان كل جهة منه وحكمها. لأن وضعه متباين من حيث الاستخدام ومن حيث إمكانية العلم به فمرة يكون ضروري العلم به ومرة لا يكون إلا من الله فما الضابط لهما وما هي حقيقة الأمر.
    4- التأويل يطلق أيضا على ما وراء المعاني اللغوية العادية كبواطن المعاني والعلل الأساسية الخفية وقد يطلق على معاني الجمل الاصطلاحية المضغوطة. وهذا هو ما يختلط على الباحثين ويدمج بينه وبين التأويل في مبحث الدلالة وقد يعطى نفس حكمه بينما لا علاقة بينهما إلا بالمعنى العام وهو الرجوع والمآل. فلا بد من تحديد كل نوع من التأويل وحكمه وقابلية العثور عليه.
    5- التأويل بمعنى العنصر الفعال في (مبحث الدلالة) بقدر ما هو مهم وضروري فهو بنفس الوقت خطِر حين يكون مركبا لذوي الجهالات والأغراض وذلك باستخدامه كأحد طرق التزوير بالإضافة إلى ما يقومون به من تزوير الأحداث والكذب حولها وإنكار الحقائق وخلق حقائق وهمية كاذبة لأجل تحقيق أغراضهم.




    والبقية في الحلقة القادمة





    --------
    التفصيل:

    الأخوة الأكارم

    الأخ الكريم الأستاذ حسن المالكي

    حفظكم الله جميعا

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    اخترت أن ابحث في هذا المحور التهمة الجاهزة التي وصم بها التشيع (بكل فرقه) بعيدا عن الحقيقة وهي تهمة (التأويل) و (التأويل الباطل) كما يقال. وبما أن هذا المحور مهم جدا فقد تحررت من إلزام نفسي بالاختصار الشديد لأن الاختصار بأقل من هذا مخل بالمطلب ويسئ إلى المعرفة وتحقيق الأمر بصورة جلية.

    والموضوع موجه أساسا لكل من يحاور على أساس النصوص وبالخصوص لكل من يحاور التشيع (شيعيا كان أو سنيا) لأنه المقصود الأكبر من هذه التهمة ويمارس معه اكبر قدر من التزوير والتأويل الباطل بحجة بيان الحقيقة.


    قبل كل شيء أرد ما أورده الفاضل المالكي :


    قال :
    17 - ...... وكان لهذه الآلاف من المرويات أثرها الكبير على العقل الشيعي عند كثير من الشيعة الذين يتعسفون في الدعاية والتبرير والتأويل لما هو معلوم البطلان بالإضطرار عند سائر العقلاء.

    وقال:
    - 18ذكر الأخ الصدر أنه يرفض رفضاً قاطعاً استخدام القرآن الكريم أداة تطويع!! والتعسف في استغلال تأويله لنصرة باطل..!!!! أو بمعناه وهذا الكلام كأنه لا يصدر من شيعي إمامي ، فغلاة الشيعة الإمامية قد ألف بعضهم المؤلفات في أسماء الإمام علي وأهل البيت القرآنية! حتى جعلوا من أسمائهم الحشرات المذكورة في القرآن الكريم كـ(البعوض والذباب) ! فالأخ الصدر كأنه لا يعرف الثراث الشيعي الإمامي، أو أنه يسابق في الدعاية وإستباق التهم السنية للشيعة بقلبها إلى اتهامات شيعية للسنة، لكنني أوافق على شرطه هذا وأرفض التطويع السني والشيعي للقرآن الكريم ، وسنرى من يتخذ القرآن الكريم أداة تطويع لتبرير الكذب أو الغلو!.

    وقال:

    40- الغلو في التأويل ودعاوى الباطن (وسترون نماذج ضمن الموضوعات الأولى)


    بحث عام:

    في هذا المحور أتطرق لقضية مهمة غاية في الأهمية وقد عانى منها الفكر الإسلامي كثيراً وهي التأويل والتشاتم عليه ورفض الحجج بناء على أنها من التأويل والرد بتأويل ظواهر النصوص على أنها من التفسير بالظاهر الجلي. وإدراج التشكيك في دلالة النصوص على أنها توجيه للنص بشكل صحيح. وحسب اعتقادي بأن أساس القضية هو أن أذكياء قادة الحكم وجهوا الدراسات الإسلامية منذ بداياتها في سبيل القدرة على التحكم بالنص مهما كان مهماً، ومهما كان واضح الدلالة. لأجل السيطرة على مقاليد الشريعة والفكر والتأريخ ومن ثم اتهام أي طرف يريد تصحيحا بأنه يعتمد التأويل الباطن الباطل ويتم الهجوم عليه شخصياً لمنع العقول من محاولة تفهم ما يقول. وهذا سلوك مهم مورس على كل الأصعدة وليس مع الشيعة فقط . ففي الفتن دائما تظهر سيول من التلاعب بالألفاظ واختلاق معاني لألفاظ ما انزل الله بها من سلطان ويدّعى بأن هذه هي المعاني المقصودة والتي عليها تشخيص هوية الناس والقتل على أساسها. وليس أدل على هذا التلاعب بالمعاني وتأويلها من موضوع خلق القرآن الذي أسست عليه المنظمة السلفية ( بل السنية بالمعنى الحِرَفي) في عصور بني العباس تحت إشراف قصور الخلافة. حيث قلبوا جملة (أن القرآن ليس بمخلوق) التي قالها بعض الصحابة كأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام ، والمأخوذة من القرآن نفسه بمعنى الكذب والإختلاق، إلى معنى القدم والأزلية. وجعلوا يميّزون الأنصار والأعداء على هذا الميزان فمرة يكون الخليفة يريد قتل جماعة تجمعوا حول قدم القرآن فيقول بأنه مخلوق ويقتلهم ومرة يريد قتل الجهة المنافسة حين تستأثر بالسلطة وتتكاثر، فيقوم الخليفة بتهزيرها وينتقل إلى القول بقدم القرآن ويستغفر ربه من قوله الشنيع السابق وهكذا يحتم عليه إيمانه أن يميز الناس على هذه الفكرة الإلهية التي نزل جبرئيل عليه السلام على صدر محمد ص ليبشر بها بشكل أساسي. كما يحلو لهم تصويرها متى أرادوا ذلك. ( وأنا أخالف كل باحث يرى بأن الخلفاء كانت لهم قناعات أرادوا فرضها على الشعب و إنما هذه الفكرة و أمثالها أداة من أدوات التبرير للقمع باسم الدين)

    والمشكلة ليست فيهم بقدر ما هو في جانب المتلقي وعدم قدرته على فهم القضية. وعدم قدرته على التمييز. حيث تختلط الأمور وتمتزج كغش الحليب بالماء. لعل البناء الثقافي الأساسي للمتعلم المسلم هو ما سمح بهذا الخلل الغريب. وهذا ما دعا إلى تجنبه أئمة أهل البيت.

    هذه المآسي التي لا ينقضي عجب الدارس لها، من التعجب في انسياق الناس إليها. وكيف مُررت على المسلمين وجعلتهم شيعاً على أسس ليس لها علاقة بالرسالة المحمدية أساساً.

    إن الكثير من المثقفين لحد هذا الزمن لا يستطيعون تمييز هذه الأمور بوضوح لأن المهاد الأساسي للمعرفة لا تمكنهم من تمييز الفارق بين التأويل والتفسير وبين التأويل بمعنى والتأويل بمعنى آخر . وبين فهم النص وبين تزوير النص. وبين فهم الحدث وبين تزوير الحدث.

    من أهم ما يواجه التشيع من حرب فكرية هو ممارسة التأويل بلا ضوابط ضده واتهامه بالتأويل فيما هو خارج حدود التأويل الذي يفهمه السني بالذات.

    سأعطي صورة خرائطية مرتبة لبحث هذا الموضوع لأجل بيان أين وقع الفضلاء منهم في الخطأ القاتل.

    اللغة والفكر:

    اللغة هي الوجه الخارجي للتفكير وهي المعبر عن المفاهيم التي بداخلنا. ولعل من الصعب أن نصوّر فكرة بلا لغة. ولا يمكن تحديد المقدار الكمي والنوعي للعلاقة التأثيرية بين اللغة [كصوت مسموع أو مؤشر مرئي لذلك الصوت كالكتابة] وبين الفكرة المرتبطة بها. لأن من غير المعقول خضوع اللغة والفكر لعنصر التحديد الميت. فهما في نمو دائمين والنامي يفقد أبعاده كلما فقد زمنه.

    ولكن يمكن تصوير أصل علاقة التأثير وقواعدها الحاكمة العامة لمجمل العلاقة بدراسة العلاقة من خلال اتجاهين متعاكسين للغة والفكر.

    فمما لا شك فيه أن الأفكار هي مصدر من مصادر اللغة فتكون مؤثرة بها من دون شك، ولكن هل اللغة تؤثر في الأفكار وما هي قيمة هذا التأثير وحدوده.

    هذا السؤال نجيب عليه الآن. ومن حقه أن يكون متأخرا ولكن مقتضى المنهج أن يكون متقدما.

    علماء اللغة اختلفوا في هذا الموضوع بين (مغرق) في دعوى التأثير وبين (متوسط) وبين (ناف).

    و(النافون) على راحة. فهم يقولون بأن لا علاقة عكسية في التأثير بين اللغة والأفكار أبدا و إنما اللغة ناقل والباقي يقوم به العقل. فلا يمكن إنتاج أفكار أو نتائج فكرية من اللغة نفسها.
    و (المغرقون) يقولون أن اللغة أساس التفكير وهي المنتج للأفكار وليس العكس. وهذا الرأي والذي قبله قديمان لا يعلم من القائل بهما و إنما يذكرها المؤلفون كاطروحات قديمة. ولعل المتبحر في فلسفات الوجوديين يجد شيئا شبيها بهذه الأقوال من دون مطابقة.
    و (المتوسطون الواقعيون في مقولتهم) يقولون بأن الترابط بين اللغة والرياضيات والمنطق موجود فعلي وهو ما يجعل من اللازم تبادل التأثير بينهما. وعملوا على هذا الأساس نظم البيانات الجدولية اللغوية ولا يمكن حصر اتجاهات أصحاب هذه المقولة لأنها تتسع وتضيق. من الغوص في العلاقات الرياضية المنطقية اللغوية (كما يفعل مهندسي بيانات الحاسوب حيث التبادل بين الحرف والرقم والفيزياء والفلسفة داخل الشريحة) إلى من يقول بالترابط الحاصل بين المنطق واللغة ليؤثر أي أحد منهما في الأخر. وعند جميع من يقول بهذا المذهب يرى بأن اللغة محكومة بقوانين المنطق وأن المنطق محكوم ببعض قوانين اللغة ولا يمكن التفريط بهذه العلاقة. فحين تكون المعاني متعلقة بالخيال ينبغي على اللغة أن تكون طيعة لذلك الخيال في سعة زوايا إشعاعها بينما حين يكون الكلام في العلوم الاصطلاحية لا بد للغة أن تكون صارمة التحديد. وهذا يؤدى إلى دراسة العلاقة بين (الدال والمدلول) وهو موضوع لغوي منطقي يربط بينهما خيط رفيع من الفن والغرض مما يتكفل به علم البلاغة.

    الحقيقة أن العلاقة بين الدال والمدلول كما قلت هي علاقة تبادلية ولا يمكن نزع هذه العلاقة لأن الفكر لا يمكن تحديده بأطر جامدة ولهذا فهو دائما يطوّر الدلالة في المفردات اللغوية مع تحركه المستمر. كما أنه يتأثر بقوانين اللغة نفسها وحدود الدلالة لها على المدلول الذي هو المعنى المرتبط بالصياغات اللغوية. وليس من مهمتي في بحث شبه جماهري أن أبحث عن طبيعة الرابط بين الدال والمدلول وبين المداليل. ولكن مما لا شك فيه فإن الفكر الإنساني يستخدم نفس اللغة لإنتاج أفكار جديدة وهذا نتيجة طبيعية لمرونة اللغة نفسها في تبادل المواقع في الدلالة حيث يمكن استخدام طرف من المناسبات أو العلاقات لنقل الألفاظ في استخدامات جديدة لم تكن سابقا. وأهم هذه الصور هو (المجاز) وهناك صور أخرى كالتورية والاستعارة والتشبيه والتمثيل وغيرها من استخدامات فنية للغة. وحين نصل إلى هذه المرحلة فينقسم طبيعة تشخيصنا ( للبيان) اللغوي إلى قسمين أساسيين هما (النص) و (التأويل) .. ( وهذا التقسيم لا علاقة له بالتقسيم الآخر وهو المجمل والمبين... والمبين ينقسم إلى (نص) بمعنى ما لا يقبل احتمال الخلاف و (ظاهر) بمعنى ما يقبل احتمال الخلاف فهذا التقسيم لا علاقة له بتقسيمنا الآن رغم أهميته، لأننا سنستخدم الظاهر بمعنى المبيّن والباطن بمعنى المجمل أو ما لم يوضع له اللفظ). حيث أن الأول ( النص) يحاول أن يكون في صف الدلالات المطابقية أو التطابقية بقوانينها المعروفة، بينما يتفرع الثاني (التأويل) إلى الدلالات اللا تطابقية . بل هي الدلالات الإيحائية والترابطية و التلازم العقلي أو اللغوي بين الدوال أو المداليل.

    التأويل في علم الدلالة:

    فالتأويل (بالمعنى الذي ذكرته في مجال التحليل للنص على أساس قواعد البيان(علم الدلالة) وليس على معاني سنأتي إليها) هو أساس كل إبداع لغوي وهو أساس كل تقدم علمي مبني على (خيال متحرك فاعل) لما لتبادل التأثير بين الفكر واللغة كما قلنا. ( بل يمكن أن يقال أن التأويل هو حالة اضطرارية يصنعها (الملقي) المتكلم أو المشرّع عن قصد من أجل المحافظة على النص من الضياع أو لتجنب المؤاخذات التي تحصل بسبب التصريح قبل أن نفسره من جهة تحليل (المتلقي) أصلا وهذا بحث آخر).
    و يوفر -هذا القسم من الدلالة- المساحة المناسبة من الإبداع في إنتاج المعاني وتحريك اللغة والمصطلحات الخاصة بذلك الإبداع وبالتالي بذلك العلم الذي يسير بساحته هذا الإبداع.

    والتأويل كطريقة في تحليل النصوص وفق ضوابطه المنطقية واللغوية والرياضية . الرديف الحقيقي لعمود علم الدلالة الذي هو (ظاهر النص). وبدونه لا يمكن اكتمال فهم أي نص مهما كان محدد المعالم ما لم يكن نصا اصطلاحيا أو تشريعا أو تقرير نظرية بحتة. ومع ذلك فإن أي علم في سبيل التوسع به لا بد فيه من تجاوز التحرك في (ظواهر) النصوص إلى (بواطن) النصوص الموازية. وهنا نحن لم نخرج إلى ساحة غير الساحة العادية في التعامل الإنساني. حيث التأويل هو ضرورة إنسانية مرتبطة بعناصر اللغة والفكر من خلال توأمة الدال والمدلول في الأهمية والترابط.


    ولكن ماذا لو تعمد أصحاب العلم اختصار مدوناتهم بالطرق الرمزية والمصطلح الخاص جدا لتكون الصفحة هي مفتاح كتاب . وقد لا يكون بداعي الاختصار و إنما بداعي السرية الأمنية للمعلومات. في هذه الحالة يلبس التأويل لباسا آخر هو لباس (نظام اللغز العلمي) أو (الشيفرة). والذي يستخدمه أذكياء البشر لغرض عقلائي بارقى المستويات وهو يختلف عن المراد في علم الدلالة لأن لمثل هذه الحالات دلالتها الخاصة. وهذا الموضوع يتفرع منه أمر فلسفي قد يترابط به وجودا، ولكنه لا يرتبط به في عالم العلل . وهو العلاقة التكوينية بين الحرف والمفردات الكون والتأثير المتبادل. وهذا أيضا لا علاقة له بعلم الدلالة بقدر ما هو مرتبط بعلوم أخرى تحتاج إلى وسائل برهنة مختلفة عن البرهان الدلالي. ولقد أخذت هذه الممارسة اسم التأويل أيضا كما أخذت ممارسة تفكيك رمز الرؤيا المنامية والعلوم الغيبية وفك المداليل البعيدة للحديث ( تأويل الأحاديث.. على اختلاف في تفسيرها) نفس الاسم (التأويل).

    ولعل الإبداع اللغوي شمل ذات لفظ التأويل حيث جعله قابلا للدلالة العامة على المعاني الخفية التي لا تعلم بطرق عادية أو قد لا تعلم أصلا. وهذا كما قلنا خارج علم الدلالة ولا يحكم بموازينها. وإثبات مضمونه يكون شخصياً لكل قضية بما لها من البراهين. وهي غير قابلة أبدا للخضوع لمنطق التقويم اللغوي أو الحكم عليها من خلال علاقات حكمية أو علمية لا علاقة لها بمضمونها وبشخصيتها المستقلة كقضية ذات خصوصية. وهذا يجب أن يحفظ جيدا لأن الخلط حاصل بالضرورة في الأحكام على القضايا المؤولة. وسيأتي بعض الحديث عنها.


    خطورة التأويل

    التأويل الذي هو الرديف الأوسع طيفا لعمود علم الدلالة الذي هو (النص) أو بتعبير آخر (ظاهر النص). لا يمكن أن يتصور في حقه بأنه (ملقط) عشوائي أو انتقائي للمعاني بحيث ما دمنا خارج حَرَم النص فلا حدود ولا ضوابط. لأن المعاني هي مقاصد والألفاظ دوال على تلك المقاصد فلو استخدمنا آلية التحليل اللغوي (التأويل) بما يضيّع المقاصد نكون قد نقضنا الغرض من اللغة ومن طبيعة التواصل المعرفي بين العاقل الكائن اللغوي. ولهذا فإن أي إساءة منا لاستخدام هذه الآلية المعرفية للتحليل اللغوي نكون قد دمرنا المعرفة وحطمنا بنية المفاهيم. وهذا ما يدركه جيدا أصحاب المقاصد المضادة للمعرفة بحسب مقاصدهم. ولذلك يلجئون إلى سلوك طريقين متوازيين

    الأول هو تسليط آلية التحليل (التأويل) مع التخلي عن الضوابط .

    والثاني هو اتهام الطرف المقابل (بالتأويل).

    مع نشر معلومات مكثفة ومشوهة عن هذا المصطلح وكأن من يستخدمه يضاد جميع المقدسات ويرتقي إلى رتبة الدجل والشعوذة و الدعاوى الهدامة. وحين تتركز في النفوس هذه الصورة عن هذا اللفظ يكون من الميسور وصم أي برهان لقضية مقابلة بـ (التأويل) فيصبح عرضة للهجران والهجوم والاعتداء على أصحابه من دون فهم الحقيقة. وقد تكون المفارقة أن صاحب الغرض يستخدم متكأ التأويل الذي هو المجاز بلا مناسبة مجازية أو بمناسبة مفتعلة بخلاف كل الضوابط . بينما يتهم خصمه بالتأويل حين لا يستخدم المجاز أصلا. فيحاول المداخلة بين المشترك والمجاز مثلا ويدعي أن استخدام المشترك حتى مع القرينة الصارفة المحددة للاستخدام هو من التأويل بينما في علم الدلالة فإن هذا من (النص) وليس من (التأويل) بشيء .

    كما حدث تماماً في معالجة نص حديث الغدير الثابت صدورا فإن النافي يحاول أن يظهر أن المثبت لمضمون الولاية الشرعية من خلال هذا النص يستخدم التأويل المفرط اللا عقلائي. ويهجم عليه من جهة وجود الاشتراك اللفظي في لفظ الولاية ولا يقبل أبد كل القرائن الصارفة ويدّعي عدم رؤياها تماما كأن مسحا لذاكرته يحدث كلما رأى هذا اللفظ أو يصاب بعمى وقتي.
    ليس المحل هنا تحديد الصواب ولكن المقصود هو استخدام التأويل في غير التأويل موضوعا . حيث أن تحليل اللفظ المشترك وتحديده بالقرائن الصارفة ليس من التأويل بشيء و إنما هو من النص لأن اللفظ لم يستخدم بخلاف معناه الموضوع له وكل ما في الأمر هو أن اللفظ له حصص متعددة من المعاني ولا يمكن أن يكون غير محدد الحصة كما لا يمكن أن يكون مقصد القائل غير محدد أساسا بدعوى أنه استخدم لفظا له حصص معنوية متعددة فلا يمكن إحراز المقصود. خصوصا إذا كان القائل الرسول ص . فهذه تهمة له بالهذيان –حاشاه- إن قيل بأن لا وسيلة لتحصيل الحصة المحددة من المعنى. فلا بد من أن يكون المقصود محددا وهذا التحديد لم يكن باستخدام أطياف المعاني المتداخلة أو استخدام تقاطع البيانات المعرفية التي هي عمود التأويل كالمجاز والتورية والتمثيل والتشبيه أو استخدام العلاقات بين المعاني نفسها كالعموم والخصوص و إنما هو النص بذاته فلا تأويل.

    فهذا المثال التاريخي العقائدي الشرعي أفضل مثال بيننا لخطورة التلاعب بمصطلح التأويل ولخطورة استخدامه بلا ضوابط حيث كانت التهمة هنا لاستخدام (التأويل) في مورد (النص) الذي هو خارج منطقة التأويل حقيقة. ولو نظرنا بعين الحقيقة فإن توجيه النص المشترك نحو المعنى الذي تأبى القرائن إرادته إنما هو استخدام الفظ في غير معناه من جهة الاستخدام وليس من جهة الوضع. فيكون النافي هو المؤول المتحذلق وتأويله من غير ضوابط علمية وهو خارج الممارسة العلمية والفنية.

    وفي مثال حديث الغدير تتكشف حقيقة ناصعة وهي :

    أولا: بطلان الصغرى حيث لا تأويل وقد يكون العكس هو الصحيح بمعنى من المعاني.
    وثانيا: بطلان الكبرى وهذا المهم حيث لا حقيقة لهذا العداء الشديد للتأويل فبدون التأويل تتوقف الحياة أصلا لتوقف المعاني وموت اللغة والمنطق. فكيف يهجم على عنصر هو من ركائز وجود الإنسان.

    فكيف نركن إلى قضية باطلة بمقدمتيها؟. بل كيف ينتج قياس من مقدمتين باطلتين لولا التعمية وغسل الأدمغة؟

    وكل هذا ناتج من التلاعب الخطر في مفهوم التأويل.

    وهذا المثال هو واحد من أهم الإشكاليات بين السنة والشيعة بينما يجب أن لا يكون كذلك حين نميز جيدا دقائق علم الدلالة .

    فالعارف بأهمية التأويل وضرورته الإنسانية يقف مدهشا من الممارسات الثقافية ضد التأويل. تلك الممارسات التي لم تقف عند حدود وصف التأويل بقبيح الصفات بل يتعدى الأمر إلى تحطيم آلياته الفنية. كما هي الدعوة بين أعداء التأويل إلى نبذ الشعر والأدب من جهة ونبذ علم المنطق من جهة ثانية. والتعبير عنهما بالضلال وخسران الوقت وما شابه ذلك. وفي نفس والوقت نرى الذهاب إلى الدراسات الحديثية والتمحيص بالسند من دون مبان سندية علمية وبطرق غاية في التحرك الانتقائي والعشوائي ومن دون تحصين بعلم الدلالة. فيبقى المتعلم بلا آليات حقيقية للفهم المستقيم ولا الضوابط لتأتي المعاني والتحقق منها. فهذا يعني فقد أهم ركائز الفهم الإنساني الراقي للنصوص. لأن عقل الإنسان يفهم الدلالات بمراحل متفاوتة وفق الحصيلة اللغوية المنطقية بشكلها الفني والعلمي معا. ولا تتكون هذه الحصيلة أبدا من دون تلقي صياغات متكاثرة ومتنامية من المتشابهات النصية والمعنوية خصوصا في حال الاستخدام المتقارب زمنا بين النصين الكاشف والمكشوف.

    اللغة والدين:

    بعد ما قلناه لا يبقى مجال للتشكيك في أهمية اللغة في فهم الدين . ولكن بعض المغرضين يحاولون أن يفرضوا على المسلمين فهما (كاثوليكيا) للنص الإلهي أو الديني بأنه غير قابل للخضوع لقواعد اللغة البشرية وهو من اختصاص القائلين أنفسهم فقط. من دون تفريق بين ما هو قابل للفهم البشري كنصوص خاضعة لكل قواعد اللغة والمنطق . وبين أسرار الكون التي تنطلق منها بعض النصوص والتي لا يمكن حل رموزها إلا بعلم من الله.
    إن سلوك كهذا لا ينبغي الشك بأنه من وسائل الضحك على الأغبياء. أو أنه نتيجة الغباء الشديد للتصديق بمقولة المصنعين لهذه المقولة. وهي من أخبث المقولات التي تريد تحطيم النص الإلهي أو الديني بشكل عام والإمساك بزمام تحريف النص الإلهي وممارسة دور الكهنوت على البشر بطرق فنية ديمقراطية.

    فنصوص القرآن فيها (المحكم) الذي لا مجال فيه للفهم الإنساني للاحتمالات المتعددة. وفيها (المتشابه) الذي لا يعلم المراد منه على وجه الدقة. وهو خارج مرحلة (التكليف به) بجميع أطراف العلم الإجمالي . والجمع بينهما بنفي الجميع مشابه للجمع بينهما بالقول بان الجميع خاضع للمعرفة الإنسانية . ولكن يجب الملاحظة بأن المتشابه لا يفقد عناصره اللغوية التي هي ظاهر النص، نعم كل ما في الأمر انه يفقد الدقة المقصودة والعلل الخفية والمعاني الاستثنائية التي أرادها الشارع المقدس وجعلها بيد أهل ولايته ليكرمهم من جهة وليسوّدهم على الأمة من جهة ثانية ولأن الواقع الفعلي بعدم حدوث أن الناس جميعا على صلة بالعلم الإلهي فلا بد من توفر حَمَلَة لسره وهم من أطلق عليهم أسم الراسخين في العلم.

    فلا مجال لنكران خضوع النص الإلهي لقواعد ومعطيات اللغة والفكر بشكل عام . كما انه من المكابرة أن نعتبر كل النصوص الإلهية قابلة للفهم المباشر ومعرفة الحقائق منها من دون تعليم خاص من واضعها. وكم نواجه دائما في اللقاءات الفكرية من يدّعي بالجزم واليقين بأن الإسلام واضح وانه مكتمل وانه لا سرية فيه وانه لا باطن لمعانيه ولكن حين نحول الموضوع (عن قصد) إلى مسألة خضوع النص الإلهي إلى قوانين الفكر واللغة يتحول الحديث إلى الاتجاه المعاكس فيصير القرآن غير خاضع للفهم البشري ومن قال بذلك فقد كفر وأنه لم يوضع على نسق بشري وإنما هو قديم كتب على اللوح والقلم من الأزل يعبر عن نسق إلهي للكلام ويعبر عن قوانين لا علاقة لها بعقولنا القاصرة الخ .. وكأننا لم نسمع تلك الدعاوى القائلة بوضوح القرآن وتمام الشريعة وأن القول بوجود الأمور السرية في الإسلام تهمة للرسول بالتقصير ولا يوجد في أصحاب الرسول طبقات متفاوتة في العلم والفهم وان الرسول لا يستطيع عقلا أن يعطي أحد ما لا يعطيه لآخر. وهذا التحول المتناقض بين الفكرتين هو وليد مشترك (للغباء) و (الغرض) و (نصرة المذهب على كل حال) حتى لو أدى إلى التقلب المهين في القرار وفي التصريحات بلا خجل أو رادع من احترام الذات. وما عليه إذا كان للدفاع عن (الحق المزعوم) أن يهان المرء!!!! ....هل هناك حق يعرض صاحبه للإهانة وتحقير الذات؟

    على كل فلا بد من الموازنة بين محكم القرآن ومتشابهه وما هو التكليف لكل منهما وهذا يحتاج إلى بيان حقيقة الأمرين ودراسات تفصيلية واعية لهما.

    فالعلاقة بين اللغة والمنطق والدين هي علاقة الهواء والماء بحياة الإنسان. ولذلك لا يجوز التفريط بخصائص اللغة والمنطق لأنه تفريط بالدين نفسه ومن ثَم فهو تفريط بالعقل والعلم قبل ذلك. ولا يُغفر لمن يرتكب هذا باسم الدين. فـ (الدين) براء ممن يقلبه إلى (لا دين) لأنه يحجر على جوهر التدين وهو العقل فينقلب الدين إلى لا دين وينقلب الحجر والورق إلى صنم. وينقلب الفكر إلى آلة بيد الطواغيت تهدّم كل فكر وكل خير وكل جمال في الإنسان ليعيش الطاغية عيشة مترفة فوق التساؤل عن المسؤولية وفوق القانون. وعلى المثقفين أن يكونوا أداة التبرير والجنود المتقدمين لحراسة نومه الهانئ مهما حمّلوا أنفسهم مذلة احتقار الذات لتزوير الحقائق.


    الباقي في الحلقة القادمة

    أخوكم

    علي نعمان الصدر


    [edited][حرر بواسطة علي نعمان الصدر بتاريخ: 30-11-2001 م - في الساعة: 04:24 AM][/edited]

  10. #70

    تصحيح خطأ في الكتابة

    الأخ مدير الحوار حفظك الله
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    لقد عثرت على أخطاء مطبعية ولكن أغلبها يفهمها اللبيب. غير أن نقصا في الكتابة وجدته مما يخل بالمعنى . أرجو من جنابك أن تصححه وتحذف هذا التعقيب .
    في الفقرة الثانية من (اللغة والدين) وجدت الخطأ.
    وهذا هو النص :

    فنصوص القرآن فيها المحكم الذي لا مجال فيه للفهم الإنساني وفيها المتشابه الذي لا يعلم المراد منه على وجه الدقة وهو خارج مرحلة التكليف بجميع أطراف المجمل المشتبه.

    والتصحيح هو :

    فنصوص القرآن فيها (المحكم) الذي لا مجال فيه للفهم الإنساني للاحتمالات المتعددة. وفيها (المتشابه) الذي لا يعلم المراد منه على وجه الدقة. وهو خارج مرحلة (التكليف به) بجميع أطراف العلم الإجمالي .


    وقد رأيت قبل عنوان (اللغة والدين) بفقرة كلمة (ظلال) تبدل إلى (ضلال).


    وهناك أخطاء معروفة

    تحملنا أيدك الله
    أخوكم علي

  11. #71

    الحلقة الثانية من المحور السادس


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام حفظكم الله

    الأخ الفاضل الأستاذ الشيخ حسن بن فرحان المالكي حفظك الله

    السلام عليكم ورحمة الله

    في هذه الحلقة استمر في بيان موضوع التأويل وقد خصصتها لتعريف التأويل وبدأت بالتعريف اللغوي ومشاكله مع بيان بعض المناهج في الدلالة ومشكلة عدم الاهتمام في هذا المصطلح رغم أنه مدار تشاتم. وهذه خلاصة لأهم ما ورد فيها :

    1- التأويل يواجه مشكلة في تحديده لغويا.
    2- يتخلص اللغويون من المشكلة بحمله على المعنى العام وهو الرجوع والمآل.
    3- طرح موجز لبعض مشكلات المنهج في الدلالة. وبيان مبسط لفكرة التفريق بين المحكم والمتشابه في جانب محدود.
    4- المشكلة في غالب الأحيان تنشأ حين يكون معنى التأويل هو حل اللغز (الشيفرة) وهذا ما ينطبق عليه التأويل لغة أيضا ولعله هو الأكثر استخداما في القرآن الكريم من التأويل بمعنى ما يراد في علم الدلالة واللغة لا تأبى من استخدام المعنيين. ويجمعهما الكشف والبيان. والإشارة إلى أن هذا الموضوع خارج موضوعا عن النقد لوجوب توفر آلياته المنفية بإخبار الله.
    5- بيان عدم اعتناء اللغويين بهذا المصطلح في الوقت الذي ظهرت بوادر أهميته مبكرة في حياة المسلمين حين بدأت معركة التأويل العسكرية على يد الإمام علي عليه السلام وحين عرفت أحكام المسلمين البغاة إذا حاربوا مؤولين.
    6- نتيجة للبحث اللغوي . لا بد من بحث المعاني للتأويل مع بيان القيمة والحكم لها في مرحلة تختلف عن مرحلة التقييم اللغوي.

    ================
    وهذا هو التفصيل
    ================


    بسم الله الرحمن الرحيم

    --------
    تعريف التأويل
    ---------

    يواجه الدارس مشكلة تشويش معنى التأويل في كتب اللغة والتفسير والمدونات الخاصة. وفي سبيل فصل المعاني وتمحيص المراد قمت بهذا التحقيق. وأنبه إلى أنني لا أستطيع نقل كل ما قيل في هذه المسألة هنا لأنها تعادل كتاب وهذا غير معقول. وسأعمد إلى نقل خلاصات وقدر معين من النصوص المناسبة في المقام.

    وأبدأ في :

    التأويل في اللغة

    ----------
    جذر التأويل

    ----------


    التأويل من الجذر (آل) ولكن اختلف أهل اللغة وأرباب التفسير في موضعها من هذا الجذر. واكثر كتاب مرتب في تحديد المعنى وفق الفصائل هو كتاب المنجد في اللغة ولكنه في مسألة التأويل فصل بين معنيين يصر أهل اللغة والمفسرون على أنهما واحد. وهذا بعض التفصيل

    (آل) حسب المنجد في اللغة:

    لها أربع فصائل للمعاني
    1- آل = رجع – عاد
    2- أَوَلَ = فسر- قدر- عبر- بيّن – المآل = المعاد – المُشاهد
    3- آل = ساس – دبّر- وَلِيَ- آل الرجل = أهله للتشريف
    4- الآلة= الأداة المصنوعة – الحالة- الشدة

    والمشكلة بأن أهل اللغة يرون أن (أَوَلَ) ترجع إلى (آل) وهي بنفس معناها... فهي بمعنى رجع.. وكل مفردات (أولَ) هي تطبيق لمعنى رجع وعاد. فيكون تفريق صاحب المنجد غير دقيق.

    وكان ينبغي على صاحب المنجد أن يضع المآل في (آل) وليس في (أوَلَ) لأنه منه اشتقاقا ومعنى. ولا يعلم هل التبس عليه الأمر أم عنده حجة في هذا التفصيل. ولعله استأنس بتفصيل الفيروزآبادي في القاموس المحيط وقد قمت باقتطاع كلامه و تغيير مواقع الجمل لتتناسب مع ما طرحه المنجد. وهذه نصوص أقواله المناسبة للمقام :

    1- آلَ إليه أوْلاً ومَآلاً: رَجَعَ،

    2- وأوَّلَ الكَلامَ تَأْويلاً، وتَأَوَّلَه: دَبَّرَهُ وقَدَّرَهُ وفَسَّرَهُ. والتأويلُ: عبارَةُ الرُّؤْيا، وبَقْلَةٌ طَيِّبَةُ الرِّيحِ، من بابِ التَّنْبيتِ.


    3- وـ المَلِكُ رَعِيَّتَهُ إيالاً: ساسَهُمْ، وـ على القومِ أوْلاً وإِيالاً وإيالَةً: ولِيَ، وـ المالَ: أصْلَحَهُ وساسَهُ،

    4- والآلَةُ: الحالَةُ، والشِّدَّةُ، وسَريرُ المَيِّتِ، وما اعْتَمَلْتَ به من أداةٍ يكونُ واحداً وجَمْعاً، أَو هي جمعٌ بِلا واحدٍ أو واحدٌ، ج: آلاتٌ.

    انتهى الاقتباس من القاموس.

    ولكن لا ننسى انه قال أيضا :

    وأوَّلَهُ إليه: رَجَعَهُ.
    أول: الأَوْلُ: الرجوع. آل الشيءُ يَؤُول أَولاً ومآلاً: رَجَع. وأَوَّل إِليه الشيءَ: رَجَعَه. وأُلْتُ عن الشيء: ارتددت. وفي الحديث: من صام الدهر فلا صام ولا آل أَي لا رجع إِلى خير، والأَوْلُ الرجوع.


    وهذا يعني بأنه يرى أن (أول) أيضا (رجع). وهذا يعني عدم الجزم بالتفريق بين الفصيلين عند الفيروزآبادي ولا يحتج به في هذه الحال. وكذلك يلاحظ أن تعسفا بينا كان في المادة الرابعة عند لويس معلوف في المنجد حيث يصعب جمعها بفصيل واحد وكذا ما ورد في القاموس المحيط إن كان يقصد من الدمج في الجملة كونها من فصيل متقارب.

    وأما في لسان العرب فقد فصل أكثر في الموضوع، وبين اختلاف وجهات النظر في عود لفظ التأويل إلى الأصل وقد نقل أنه من الرجوع ويبدو أنه يميل إليه من خلال كثرة النقل لهذا المعنى. فقال :

    وأَما التأْويل فهو تفعيل من أَوَّل يُؤَوِّل تأْويلاً وثُلاثِيُّه آل يَؤُول أَي رجع وعاد.

    قال ابن الأَثير: هو من آلَ الشيءُ يَؤُول إِلى كذا أَي رَجَع وصار إِليه، والمراد بالتأْويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأَصلي إِلى ما يَحتاج إِلى دليل لولاه ما تُرِك ظاهرُ اللفظ؛ ومنه حديث عائشة، رضي الله عنها: كان النبي،صلى الله عليه وسلم، يكثر أَن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك يَتَأَوَّل القرآنَ، تعني أَنه مأْخوذ من قوله تعالى: فسبح بحمد ربك واستغفره

    ونقل أن التأويل يأتي بمعنى (التفسير) وبمعنى (الإصلاح) :

    وسئل أَبو العباس أَحمد بن يحيى عن التأْويل فقال: التأْويل والمعنى والتفسير واحد. قال أَبو
    منصور: يقال أُلْتُ الشيءَ أَؤُوله إِذا جمعته وأَصلحته فكان التأْويل جمع معاني أَلفاظ أَشكَلَت بلفظ واضح لا إشكال فيه.


    ولكنه عاد ونقل نقلا مطولا على تأييد ما بدأه من أن التأويل هو العود والرجوع فقال:


    وروي عن مجاهد: هل ينظرون إِلا تأْويله، قال: جزاءه. يوم يأْتي تأْويله، قال: جزاؤه. وقال
    أَبو عبيد في قوله: وما يعلم تأْويله إِلا الله، قال: التأْويل المَرجِع والمَصير مأْخوذ من آل يؤول إِلى كذا أَي صار إِليه. وأَوَّلته: صَيَّرته إِليه. الجوهري: التأْويل تفسير ما يؤول إِليه الشيء، وقد أَوّلته تأْويلاً وتأَوّلته بمعنى؛ ومنه قول الأَعْشَى:
    على أَنها كانت، تَأَوُّلُ حُبِّها
    تَأَوُّلُ رِبْعِيِّ السِّقاب، فأَصْحَبا
    قال أَبو عبيدة: تَأَوُّلُ حُبِّها أَي تفسيره ومرجعه أَي أَن حبها كان صغيراً في قلبه فلم يَزَلْ يثبت حتى أَصْحَب فصار قَديماً كهذا السَّقْب الصغير لم يزل يَشِبُّ حتى صار كبيراً مثل أُمه وصار له ابن يصحبه.

    وأكتفي بهذا القدر من النص اللغوي وهو طويل جدا.

    -------------------------------------
    ملاحظة منهجية في دراسة الدلالة اللغوية
    -------------------------------------

    وهنا أشير إلى قضية مهمة جدا وهي إن صح بأن أهل اللغة يأخذون بالقدر المتيقن الجامع بين جميع معاني الاستعمال ليكون فصيلا واحدا. كما فعلوا في معنى التأويل حين جعلوا الجامع المشترك هو (الرجوع) الذي يجمع التفسير والتبيين والتقدير وما تؤول إليه الأمور وغيرها مما استعمل فيها كلمة تأويل في القرآن الكريم. ففي هذه الحال يمكن تأييد ما يذهب إليه بعض الفضلاء من أن القرآن عديم المجاز أو أنه قليل فيه فحتى كلمات اليد والعين والوجه وغيرها مما ورد في القرآن منسوبا إلى الله يمكن أخذ الجامع فيها للاستعمال والبحث عن مصداقها الخاص الذي لا يتعارض مع النصوص الأخرى,. وبهذا لا تكون اللفظة مما استعمل في غير معناها بل هي في معناها... ودلالتها على نحو (التطبيق) وليس على نحو (الحصة المخصصة) من اللفظة بحكم الاشتراك. وهذا يعني بأن الألفاظ (أجناس) و (أنواع) منطقية لما تدل عليه في الغالب سواء بـ (الوضع الأولي) أو بـ (النقل والحقيقية اللغوية والشرعية و المتشرعية). ولهذا ترى بعض المفسرين المعاصرين كالسيد الطباطبائي في الميزان يصرح في أغلب المعاني بأنها من (التطبيق) وليس من التفسير. وهذه النظرية رغم عدم نضوجها الفني والعلمي – لحاجتها لدراسات مكثفة - ولكنها تحل الكثير من المشاكل اللغوية وتقرب مفاهيم القرآن كثيرا وتدافع عن القرآن بعلم وحيوية فكرية. وبعض الدراسات أنتجت فهما جديدا في اللغة وفي منهج التفسير. كمحاولة الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر لتحديد معنى المحكم والمتشابه. وأعتبر (المتشابه) هو المعنى اللغوي لأنه مفهوم عام قابل للتطبيق على مصاديق متفاوتة فوصفه بـ:
    (ما يدل على مفهوم معين تختلط علينا صورته الواقعية ومصداقه الخارجي) {محاضرات في علوم القرآن: 135،136}
    بينما أعتبر (المحكم): (ما يدل على مفهوم معين لا نجد تردداً أو صعوبة في تجسيد صورته في مصداق معين).
    أي أن المحكم هو ما دار بين أحد أمرين إما وضوح التخصيص بمصداق معين أو أن المفهوم نفسه يخلو من مصاديق موهمة.

    وهذا اتجاه جديد يحتاج إلى غوص في فلسفة اللغة وفي العلوم العقلية الراقية. لأنه اتجاه يقلب مفهوم التفسير ظهرا لبطن. خصوصا مع ذهاب ثلة من العلماء الآن إلى ما قلته من الجامع المشترك للمعاني في تحديد اللفظ فيحول دلالة المدلول إلى مفهوم كلي في الغالب كما ذهب السيد محمد باقر الصدر في شرحه لهذا الفهم : فيقول:

    أن تفسير النص القرآني تارة يكون بتحديد المفهوم اللغوي العام الذي وضع له اللفظ، وتارة يكون بتجسيد ذلك المعنى في صورة معينة، ومصداق خارجي خاص، والتشابه الوارد لا يقع في تحديد المفهوم اللغوي للنص أي لا يقع في نطاق العلاقة بين اللفظ والمعنى إذ أن المعاجم اللغوية للغة العرب كفيلة ببيان ذلك، والقرآن أنزل عربياً، ولكن التشابه يقع في تجسيد صورة المعنى وتحديد مصداقه الخارجي الموضوعي، فحين نأتي إلى قوله تعالى، (الرحمن على العرش استوى)، نجد للفظ الاستواء مفهوماً لغوياً معيناً اختص به، وهو الاستقامة والاعتدال مثلا، وليس بينه وبين معنى آخر في علاقته، باللفظ تشابه، هو كلام قابل للاتباع، ولكن التشابه في التردد والاختلاط في تحديد صورة هذا الاستواء في الواقع وتجسيد المصداق الخارجي بشكل يتناسب والخالق سبحانه الذي ليس كمثله شيء.
    ويقابل ذلك تفسير المحكم الذي لا تشابه ولا تردد في تعيين وتجسيد صورة المعنى في الواقع وتحديد مصداقه الخارجي، ففي قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) نجد الصورة الواقعية لهذا المفهوم متعينة فهو ليس كالإنسان ولا كالسماء ولا كالأرض ولا كالجبال... الخ.) المصدر السابق .

    ويمكن الاطلاع على خلاصة لهذا في دراسة عن (الامام الصدر وعلوم القرآن لشمران العجلي). ويجب أن اثبّت أن لدي بعض الإشكالات على هذا الاتجاه وعلى الاتجاهات التي نقدها نقدا تحليليا سيدنا الصدر رحمه الله بسبب غياب بعد معرفي آخر يتعلق بمنهج اللغة واللغويين وغياب هذه المعايير منهم ومن الصعب الرجوع بالحكم بأثر رجعي على الزمن السابق. وفي سبيل تحصيل أطراف المنهج يجب عمل قاعدة بيانات بأكبر قدر ممكن يتصوره الإنسان لإنتاج معرفة حقيقية وفق هذا المنهج ولكن سوف تحدث ثغرات كبيرة نتيجة الإغفال اللغوي لكثير من الحقائق المهمة التي تبنى عليها هذه النظرية فتبقى نظرية محدودة التطبيق من جهة. إضافة إلى إشكالات لا مجال لها هنا من جهة ثانية. وتبقى حقيقة مهمة وهي إن هذا المنهج الحديث يحل الكثير من مشكلات الدلالة. وهذه الحلول الرائعة فيها عيب و عيبها أنها مبنية على دراسات معمقة قد لا تتوفر للمثقف العادي وبالتالي لا يتوفر إدراك دقائقها الجزئية وهذا واضح من كتابات الكثير من المثقفين الغير مختصين فبعضهم أجده يفهم كلام سيدنا الصدر رحمه الله بصورة لا يريدها. وذلك بسبب أن هذه الدراسات مبنية على تفريق دقيق جدا مستندة إلى علوم فلسفية رائعة.

    وقد وقع بين يدي بحث في كتاب باسم ( النظام القرآني ... مقدمة في المنهج اللفظي) يذهب إلى أبعد من هذا فهو يرى بأن جميع ألفاظ القرآن منقولات لفظية لا يصح اكتشافها بالدقة من مجاميع اللغة و إنما يجب وضع الألفاظ والمعاني بمخطط ديكارتي ليكتشف العلاقات اللغوية الخاصة المستخدمة في القرآن (أبعد مما قرره في الميزان من حمل القرآن على القرآن). حيث يقرر بأن المعنى القرآني نسيج مستقل بذاته وهو كائن فكري حي يؤثر ولا يتأثر (مولد للمعنى) ولا تنطبق عليه كامل قوانين لغة المخلوقين لأن له قوانين إضافية خاصة به. وبهذا نفى أن يكون الاستعمال القرآني للفظ يحمل معان كثيرة أو يكون منه أكثر من مراد. كما أن أي لفظين في القرآن مهما كانا قريبين فهما لم يستعملا استعمالا مترادفا. وقد حاول الكتاب إيجاد نسق من العلاقات وجملة من القواعد للطريقة الهندسية للكشف عن المعاني لأنه يرى بأن المعاني متشكلة هندسيا على شكل نسيج (رياضي – لغوي – معنوي – هندسي) متقاطع في نقاط لقاء مشتركة. يؤخذ منه نقاط اللقاء في نقطة ديكارتية معينة تفرض نفسها. وقد جاء بأمثلة غاية في الطرافة وطرح آية قرآنية لا يصح فهمها وفق قواعد لغة المخلوقين وقوانينهم وهي قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ {11} فصلت. فقد حار المفسرون فيها فقالوا عنها بأنها مجازية لم تحقق في الخارج، كما هو نسقها اللغوي خصوصا في قوله تعالى (قالتا) وفي قوله (طوعا). وعرض طريقة هندسية لكشف الخطأ الذي وقع فيه المفسرون . ( أقول للطرفة : ينبغي عند المتشددين تطليق كل زوجات المفسرين لأنهم يقولون بما قال الكاتب المصري نصر حامد أبو زيد من وجود الأسطورة التمثيلية لبيان المقاصد. و الكاتب ينقل أن جميع المفسرين يرون ذلك ولم أتأكد.). وقد عرض مشكلة حقيقية في معنى المحكم والمتشابه. حيث أن تعريفهم المتردد (للمحكم) ينطبق عليه قشريا (تعريف المتشابه) فيكون نفس (المحكم) من (المتشابه) الذي لم يحدد، وعرض مشكلة العرض القرآني لهذين الوصفين فقد ورد في ثلاث أطوار 1- القرآن كله محكم 2- القرآن كله متشابه 3- القرآن فيه محكم ومتشابه. فكيف تجمع هذه المتضادات؟ وهذه هي الآيات الكريمة: 1- كِتَابٌ (أُحْكِمَتْ آيَاتُه)ُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ {1} هود 2- اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا (مُّتَشَابِهًا) مَّثَانِيَ {23} الزمر 3- هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ (مُّحْكَمَات)ٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ (مُتَشَابِهَاتٌ) فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ {7} آل عمران .. وهذه ثلاث آيات يبدو بينها تعارض ولكن الكاتب رأى بأنه لا تعارض و إنما يجب جمعها وخرج بنتيجة جديدة تماما. وعلى كل يمثل هذا الطرح دعوة للتأمل أكثر مما يقرر حقيقة مطلقة. فهناك تصادم واضح بين أطروحة الكتاب وبين المستقر من معلومات في العلوم اللغوية والتفسيرية. وهذا يحتاج إلى تحقق من المراد ومطابقته مع المعارف.

    وأقول بأن أهل التفسير قد مارسوا فعلا دورا عجيبا في التفسير من تكثير المحتملات بحيث أصبح بحسب تعريفهم المشهور للمحكم (ما كان لا يحتمل المعاني الكثيرة) فلا يوجد في القرآن آية محكمة. وهذه ممارسة غريبة فحتى في البسملة هناك احتمالات في معنى كل كلمة بل المشهور هو أن كلمة اسم لا يقصد منها اسم عند بعضهم بل يقصد منها الذات. والرحمن الرحيم لا يعلم بالضبط ما هو التمييز بينهما ويجمعون بأنهما ليسا مترادفين ولهما خصوصية مستقلة ولكن حاروا في بيان معناهما. وهذا ما يدعوا المخلصين إلى زيادة التدقيق في الدراسات القرآنية وفرز الدعوات وفق قواعد العلوم اللغوية والعقلية المتطورة.

    ------------------


    وقدمت هذا هنا لما أريد قوله في الفقرة التالية:

    من هذا... يتضح أساس ما ذهب إليه المفسرون من أن التأويل استخدم في القرآن بمعنى الرجوع عموما وكل ما ورد هو من هذا الباب. كما حاول إثبات ذلك جملة من المفسرين ويحضرني منهم العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره الميزان. وهذا يثبت أمرا مهما وهو أن استخدامات كلمة (التأويل) يحكمها معنى عام (كنوع) له تطبيقات متعددة المستويات. ومتفاوتة أيضا في القيمة والأحكام والواقع التطبيقي سواء في الذهن أو الخارج.

    و على هذا من خلال نمو الدلالة لهذا اللفظ ارجّح أن مستويات الاستخدام لم تكن بلا أصل بل كانت هناك علاقات متحركة على طول الزمن وهي الجامع الحقيقي بين الجميع. فالتأويل بمعنى التبيين غير التأويل بمعنى (مآل الحدث) أو لنَقُل النتيجة. فإما أن تكون هذه (تخصيصات) من قبل عشائر عربية مختلفة المذاق فكل جهة أو عشيرة ذهبت باللفظ إلى مستوى محدد ومن خلال الجمع العام تبين الفارق. أو أن الزمن طور الدلالة في اتجاهات متقاربة وبدأت تبتعد مع مرور الزمن كما هو ضلعي المثلث كلما قربا من الزاوية كانا قريبين وكلما ابتعدا كانا متباعدين.

    وهنا نتوجه إلى جهة أخرى فقد يكون التأويل بمعنى (البيان) من سنخ التأويل بمعنى (كشف السر) ولكن المستويين مختلفين من حيث الشدة ومن حيث العمل.

    فالأول هو (للظاهر) والثاني (للباطن). وهذان مستويان مختلفان تماما في الواقع الخارجي والذهني. ولا يمكن المبادلة بينهما.

    فالتأويل بمعنى البيان هو نفس ما يراد بعلم الدلالة سواء ببيان النص أو ببيان ما وراء النص.
    بينما التأويل إذا كان بمعنى (كشف السر) فهو لا يعتمد اللغة التخاطبية الإنسانية العادية بل لا علاقة له باللغة في كثير من الأحيان إلا شكلها فالألفاظ فيه رموز لمعاني رمزية اصطلاحية لا يعرفها إلا أربابها . كما هو حال التشفير للمعلومات والبيانات في المخاطبات السرية السياسية والعسكرية وأمن المعلومات. فقول العسكري : ( الخرفان الثلاثة بيضاء) لا علاقة لها بنفس الجملة ولا بمفرداته و إنما قد تعني (حرك اللواء رقم تسعة نحو الهدف الوهمي) فلا علاقة لغوية بين الجملتين جملة وتفصيلا.

    وهذا النوع هو الأكثر ورودا لاستخدام التأويل في القرآن الكريم (سنأتي في الحلقة القادمة لشرح ذلك) فليس هناك من علاقة بحلم الفرعون وبين ما عبره يوسف عليه السلام إلا بمقدار حل الرموز، وليس هناك علاقة بين ما فعله صاحب موسى وبين مفهوم نصوص إلا بمقدار حل الأسرار المعرفية الخفية. ونفي قدرة الناس على تأويل كتاب الله وحصره بالله (وبالراسخين في العلم على اعتبار إخبارهم بالسر) لا علاقة له بدلالة الظاهر من النص بقدر ما هو تشخيص المعنى المطلوب (بشكل سري) من قبل القائل سبحانه وتعالى. وإلا لما نفى الله ذلك العلم. ونفي هذا النوع من الدلالة نوع تمحل وزيادة خطأ.

    ولعل التشاتم ينشأ من وجود مثل هذا النوع من استخدام التأويل ولكن سنبين أن النقد على هذا النوع يحتاج إلى آليات وهي منعدمة تماما في الناقدين بلا استثناء. إلا في موارد خاصة كالنقاش النقدي بين علماء الرياضيات لحل الشيفرة السياسية والعسكرية.

    --------------------------------------------
    هل تعامل اللغويون بجدية مع لفظ (التأويل) ؟ :
    --------------------------------------------



    من الواضح أن اللغويين والمفسرين لم يعيروا اهتماما لتحديد هذا اللفظ في الاستخدام الاسلامي في المجالين المستخدم بهما فكريا و هما أولاً: (الدلالة غير التطابقية ) وثانيا: (بيان السر والعلل). بينما كان من شبه المؤكد أن هذه اللفظة أخذت قيمة استثنائية في بداية العصر الإسلامي بل كانت قيمتها واضحة منذ عصر نزول الرسالة ولها دوي هائل. فمن منا ينكر ما دار بين الصحابة ووصف ذلك بحرب التأويل نقلا عن رسول الله ص الذي بيّن أن ذلك امتدادا لحرب التنزيل التي خاضها رسول الله ص. و هذا له دلالته الخاصة حين يحدث في فترة متقدمة من بداية الإسلام. وهو مرتبط بالصراعات الفكرية والعسكرية الداخلية بين المسلمين. وينبغي أن يكون الفرق واضحا بين فريق (التأويل) وبين فريق (أضداد التأويل) أو قل بين الدعوة (لملكية التأويل) وبين الدعوة (لتعويم التأويل والتأويل المضاد). وأغلب من انبرى لتشويه هذا اللفظ هو من المعسكر المضاد للتأويل أو أصحاب التأويل المضاد وتم فرز الناس عليه فوصفوا مخالفيهم بالباطنية والمؤولين وغير ذلك. ولهذا ضاع علينا حقيقة التأويل. وبقيت سبة وأداة من أدوات ظلم الحكام لمثقفي المسلمين الكبار والمتوسطين .. وأما الصغار فهم إمعة لا قيمة لهم في الوزن الثقافي رغم أهميتهم العددية وذلك لأنهم متلقون للمصطلح والمعلومة بلا تمحيص وأغلبهم أرباب حديث وتأريخ وعلوم نقْلية وعلاقتهم بالعلوم العقلية كعلاقة المرحومة جدتي بها رحمة الله عليها. .

    ومن العجيب أن معركة التأويل لها أحكام شرعية في مجالات خطيرة منها على سبيل المثال لا الحصر حكم السبي للمقاتل (المؤول) وقد قيل بأن هذه الأحكام علّمها علي ابن أبي طالب للناس ولم تكن قبل ذلك بهذا الوضوح لأنه قاد معركة التأويل عن علم وأصول معرفية.

    وهذه بعض النصوص على حرب التأويل وبعض أحكامها لا على الاستقصاء للموضوع فهو أمر آخر. (مع غض النظر عن أساليب الجرح والتعديل المجروحة. فالمقصود من هذه النصوص هو وجود هذا المفهوم في زمن متقدم من الإسلام حتى لو كان الموضوع من اختراع الراوي فهو أحد أطراف المجتمع المسلم المتقدم زمنا بلا شك.).

    الإصابة، لابن حجر : الجزء الرابع : حرف العين المهملة. القسم الأول: من ذُكِرَ له صحبة، وبيان ذلك. العين بعدها الباء. ذكر من اسمه عبدالرحمن [ص:282].
    5090 عبد الرحمن بن بشير أو بشر الأنصاري ذكره الباوردي وابن منده وأخرجا من طريق سيف بن محمد عن السري بن يحيى عن الشعبي عن عبد الرحمن بن بشير قال كنا جلوسا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال (((ليضربنكم رجل على تأويل القرآن كما ضربتكم على تنزيله))) فقال أبو بكر أنا هو يا رسول الله قال لا فقال عمر أنا هو يا رسول الله قال لا ولكن خاصف النعل فانطلقنا فإذا علي يخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة فبشرناه.


    وهذا أحد أحكام الباغي المؤوِل وهو عدم ضمان الباغي المؤوِل لما اتلف من نفس ومال وحكمه حكم المسلمين من مصدر واحد هو:

    المبسوط للإمام السرخسي : المجلد الخامس (الجزء 10). كتاب السير. باب الخوارج.

    (((
    والذي روي أن ابن عمر - رضي الله عنهما - وغيره لزم بيته تأويله أنه لم يكن له طاقة على القتال، وهو فرض على من يطيقه، (((والإمام فيه علي - رضي الله عنه - فقد قام بالقتال، وأخبر أنه مأمور بذلك بقوله - رضي الله عنه - أمرت بقتال المارقين والناكثين والقاسطين،))) ولهذا بدأ الباب بحديث كثير الحضرمي حيث قال: دخلت مسجد ص (125) الكوفة من قبل أبواب كندة، فإذا نفر خمسة يشتمون علياً - رضي الله عنه - وفيهم رجل عليه برنس، يقول: أعاهد الله لأقتلنه فتعلقت به، وتفرق أصحابه، فأتيت به علياً - رضي الله عنه - فقلت إني سمعت هذا يعاهد الله ليقتلنك، قال: ادن ويحك من أنت، قال أنا سوار المنقري، فقال علي - رضي الله عنه - خل عنه فقلت أخلي عنه وقد عاهد الله ليقتلنك، فقال أفأقتله ولم يقتلني، قلت: وأنه قد شتمك، قال فاشتمه إن شئت أو دعه، وفي هذا دليل على أن من لم يظهر منه خروج فليس للإمام أن يقتله.

    (قال) (وبلغنا عن علي - رضي الله عنه - أنه بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ حكمت الخوارج من ناحية المسجد، فقال علي - رضي الله عنه - كلمة حق أريد بها باطل، لن نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولن نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولن نقاتلكم حتى تقاتلونا ثم أخذ في خطبته) ومعنى قوله إذ حكمت الخوارج أي نادوا الحكم لله، وكانوا يتكلمون بذلك إذا أخذ علي - رضي الله عنه - في خطبته ليشوشوا خاطره

    (قال) (وبلغنا عن علي - رضي الله عنه - أنه قال يوم الجمل لا تتبعوا مدبراً، ولا تقتلوا أسيراً، ولا تدففوا على جريح، ولا يكشف ستر، ولا يؤخذ مال) وبهذا كله نأخذ.


    حديث الزهري، قال: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا متوافرين، فاتفقوا على أن كل دم أريق بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل فرج استحل بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل مال أتلف بتأويل القرآن فهو موضوع، وما كان قائماً بعينه في أيديهم فهو مردود على صاحبه، لأنهم لم يملكوا ذلك بالأخذ كما أنا لا نملك عليهم مالهم، والتسوية بين الفئتين المتقاتلتين بتأويل الدين في الأحكام أصل
    ))))


    انتهى ما أردت اقتطاعه من المبسوط. وهو يبيّن بوضوح أن المسألة وصلت إلى حد المعركة وأحكامها بين التأويل والتأويل المضاد أو قل بين التأويل وخلاف التأويل. وهذا يعطينا الحق من وضع علامات الاستفهام على كل هذه الأبحاث الناقصة والقاصرة حول الموضوع.

    فلصالح من هذا التعتيم؟

    ولماذا لم يستوف البحث في قضية التأويل التي خاض بها ربيب الرسول صلى اله عليه وآله وسلم معارك دامية؟.

    أليس غريبا هذا؟

    ================================
    نتيجة بحث المعنى اللغوي للتأويل
    ================================

    التأويل مفهوم عام للرجوع والعودة وهو غير محدد الملامح عند الغويين. وقد طرحوا معان كثيرة للتأويل بعضها غير داخل في التأويل كمصطلح علمي عليه الخلاف، حسب استخدامه اللغوي، وهو خارج تخصصا. ويبدو من بعض اللغويين التفريق بين التأويل في مجال الدلالة فهو (التفسير والبيان) وبين التأويل عموما وهو (الرجوع والمآل). ولا يوجد دليل حاسم على هذا التفريق. ولعله ينظر إلى مستويات تطبيق اللفظ لا إلى فصائل المعنى.

    وعلى هذا فإن المعنى اللغوي للتأويل لا يصلح مادة للهجوم التكفيري على المسلمين بل كما أشرنا بأنه مادة لعذر المسلم في بغيه. و أما التشاتم على أساس استخدام التأويل بمعنى (حل اللغز) فهذا خارج موضوعا عن محل الحكم وسيأتي بيانه. وهو غير مقصود في اغلب استخدام التأويل وهو محدود جدا لا يتعدى قضايا محددة رغم انه اغلب ما استخدم في القرآن الكريم. بينما التأويل كمصطلح دلالي هو خبز حياة الإنسان الثقافية.

    وهذا عمودٌ أساسٌ من أعمدة هذا المصطلح لا يساعد على فهم هذه الهجمة الواسعة النطاق لشتم المسلمين وتكفيرهم . ووصمهم بالخروج عن الفكر السليم والعقيدة السليمة وما شابه ذلك. بل التأويل حسب اللغة ضرورة إنسانية لأنه يشمل إرجاع الألفاظ إلى معانيها وتبيانها.

    فهل الشاتمون يريدون عدم البيان؟

    سوف نتبين ذلك من الحلقة الأخرى.

    فإلى حلقة ثالثة في الموضوع تتعلق بمعنى التأويل بعنوان: (معنى التأويل في المصطلح والاستخدام ) .


    أخوكم

    علي نعمان الصدر




    [edited][حرر بواسطة علي نعمان الصدر بتاريخ: 02-12-2001 م - في الساعة: 05:33 PM][/edited]

  12. #72

    الحلقة الثالثة من المحور السادس – محور التأويل


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الأخوة الكرام وفقكم الله

    الأخ الكريم الأستاذ حسن بن فرحان المالكي وفقه الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    قد يجد غير المعتاد على البحوث في هذه الحلقة بعض الجفاف في الطرح وذلك لسببين الأول كونها تتعرض لتعريف وتوصيف جامد. والثاني كوني لم ارغب بالتعليق والمناقشة للأقوال المطروحة لعدم دخولها في مقصدي الذي هو عبارة عن إثبات وجود مستويين من مستويات تطبيق التأويل. وهذا كل ما أريده وأترك الأمر إلى الحلقة القادمة.أعان الله من جاهد نفسه.

    تلخيص ما في هذه الحلقة.

    1- الإشارة إلى وجود مستويين كما قلت سابقا في استخدام التأويل.
    2- عرض مقطع كامل مما أورده الحاج خليفة في معنى التأويل و أقوال أهل السنة فيه. وهو يتأرجح بين جميع الاستخدامات على صورة قيل وقيل.
    3- عرض ما أورده الإمام الطبري في تفسيره من اعتبار التأويل بثلاث مستويات وهي 1-ما لا يعلمه إلا الله 2- وما لا يُعلم إلا بواسطة الرسول ص 3- وما يمكن معرفته لأهل اللسان.
    4- مسرد باستخدامات القرآن لكلمة التأويل بشكل فهرسة مع بعض الملاحظات.
    5- تعرض لموضوع مدى معرفة الراسخين في العلم بالتأويل.
    6- التأويل بمعنى كشف السر له وجود وله خصائص.
    7- الإشارة إلى وجود باطن للقرآن ورواية أهل السنة لذلك الأمر عن رسول الله ص وبيان المقصد من ذلك الباطن بشكل إجمالي.


    وقد كشف النصّان -لخليفة والطبري- أمرا في غاية الأهمية وهو الإشارة أو التسليم بوجود مستويات مختلفة للتأويل، كما كشف بأن هناك تسليما بين العلماء بوجود تأويل يمكن معرفته وتأويل لا يمكن وهو توقيفي. وهذا المقدار يجعل كل الشاتمين للتأويل والمتهِميِن للآخرين به تحت دائرة الضوء المنبعث من علامات الاستفهام الخطيرة. وهم يواجهون إشكالا خطيرا يتعلق بنفي ما لا يعرفون. أو نفي ما يمارسونه في كل حياتهم العادية. و المصيبة أنهم لا يفرقون بين تأويل وتأويل.

    -------------------------

    التفصيل:

    ------------
    معنى التأويل في المصطلح والاستخدام
    ------------

    لعل التأويل حسب المصطلح المتأخر يختلف عما ورد في القرآن الكريم بالذات من استخدام لهذه اللفظة. وقد يختلف تماما عما هو موجود في أذهان أعداء التأويل الفطريين.

    بعد أن عرفنا بأن التأويل عند أرباب اللغة يشمل كل ما هو رجوع بما يؤول إليه. وهذا ليس من شأنه أن يفرّق بين أي اتجاه من اتجاهات استخدام التأويل. ولهذا سأبسط القول في معاني التأويل واستخداماته.

    التأويل في المصطلح والاستخدام -كما قلنا سالفاً- له اتجاهان . و يصعب المداخلة بين أحكامهما و واقعهما رغم الجامع اللغوي بينهما وهو الرجوع والتبيان. ولهذا فيلزم ملاحظة الاستخدام والأحكام وكيفية التفريق ....... والاتجاهان هما:

    الأول: في علم الدلالة بمعنى بيان النص ولوازمه. أو بمعنى بيان ما وراء النص من مجاز وغيره؟

    والثاني: هو بمعنى كشف السر واللغز أو بيان الأمر الواقعي.


    و أما كيف نفرق بينهما؟ فهو من خلال قيد كل منهما فما كان قيده الدلالة الطبيعية وخصائص اللغة فهو من مختصات علم الدلالة و أما ما كان بقيد كشف الأسرار والعلل الخفية فهو بمستوى ثان من التأويل يختلف بجوهره عن علم الدلالة وهذا لا ضابط له إلا السرّية والإغلاق. وكل ما يهم الباحث الإسلامي في هذا الاتجاه هو ما يتعلق بكلام الله ومراده الفعلي من الأحكام وكيف نتعامل مع التأويل فيه.

    وهنا مشكلتان:

    الأولى: الخلط بين الاستخدامين في التعاريف وعدم التفريق بين المستويين .

    الثانية: رفض كل واحد منها عند رافضي التأويل. وقد يمارسون طريقة الاستدلال ببطلان واحد من خلال امتناع الثاني أو بأدلة سطحية غير واقعية مثل قدم كلام الله وغيره من المقولات.

    وسنحاول إثبات الخلط بينهما من خلال النصوص .

    بعد أن جمعت نصوصا وتعريفات كثيرة وجدت نصا مضغوطا للحاج خليفة (موسعا ما ورد في الفصل السادس من مقدمة ابن خلدون في أسماء العلوم وتعاريفها وقد تعرض لعلم التأويل). فوجدته خير من يمثل اتجاه الخلط بين المعاني مع بيان طيف واسع من التأويلات. ولذلك اعتمده كطرح للآراء المتعددة. مع ملاحظة أن التعريفات لم تدع معنى للبيان وغيره إلا وأدخلته في تعرف التأويل.

    إلا أنني رأيت من الواجب أن اردفه بفهم الإمام الطبري للتأويل لأهمية ذلك حيث سمى كتابه (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) وقدم له مقدمة بيّن فيها أن التأويل له ثلاث مستويات حيث فصّل في استخدام واحد للتأويل وهو ما كان بمعنى كشف السر وبيان العلل الخفية للنصوص والأحكام فجعلها بمستويين وهما ما اختص به الله والثاني ما اختص ببيانه الرسول وجعل الثالث لمعنى الدلالة. وهو يغنيني عن إثبات المستويين للتأويل وهذا أوضح ما رأيت عند علماء السنة في التفريق بين مستويات التأويل وهو مهم جدا.


    وهذا قول الحاج خليفة أرجو ملاحظة التردد في المعاني والمبادلة في التعاريف. وسوف لن اعلق عليه شيئا لأنه في نظري واضح جدا لا يحتاج إلى تفسير، وقد وضعت أقواس لإبراز التعاريف:


    -------------------

    كشف الظنون عن اسامي الكتب والفنون، لحاجي خليفة : باب التاء.

    علم التأويل.

    أصله من الأول، وهو: الرجوع.
    فكان المأول: ((صرف الآية إلى ما يحتمله من المعاني.))

    وقيل: من الإيالة، وهي: السياسة. فكأنه ساس الكلام، ووضع المعنى موضعه.

    واختلف في ((التفسير والتأويل: فقال أبو عبيد، وطائفة: هما بمعنى.)) وقد أنكر ذلك قوم.

    وقال الراغب الأصبهاني: ((التفسير أعم من التأويل؛)) وأكثر استعماله في الألفاظ، ومفرداتها؛ ((وأكثر استعمال التأويل في المعاني، والجمل؛ وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية.))
    وقال غيره: ((التفسير: بيان لفظ، لا يحتاج إلا وجها واحدا، والتأويل: توجيه لفظ متوجه، إلى معان مختلفة، إلى واحد منها، بما يظهر من الأدلة.))
    وقال الماتريدي: التفسير: ((القطع على أن المراد من اللفظ هذا، والشهادة على الله - سبحانه وتعالى - أنه عني باللفظ هذا؛ والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة.))
    وقال أبو طالب التغلبي: (((التفسير: بيان وضع اللفظ، إما: حقيقة، أو مجازا؛))) (((والتأويل: تفسير، باطن اللفظ، مأخوذ من الأول، وهو الرجوع لعاقبة الأمر،))) ((فالتأويل: إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير: إخبار عن دليل المراد.)) مثاله: قوله - سبحانه وتعالى -: (إن ربك لبالمرصاد)، تفسيره: إنه من الرصد مفعال منه، وتأويله: التحذير من التهاون بأمر الله - سبحانه وتعالى -.
    وقال الراغب الأصبهاني: ((التفسير: تكشف معاني القرآن، وبيان المراد أعم من أن يكون بحسب اللفظ، وبحسب المعنى))؛ ((والتأويل: أكثره في المعاني،)) ((والتفسير إما أن يستعمل في غريب الألفاظ، أو في وجيز يبين بشرحه، وإما في كلام متضمن لقصة لا يمكن تصويره، إلا بمعرفتها،)) وأما ((التأويل: فإنه يستعمل مرة عاما، ومرة خاصا، نحو: الكفر المستعمل تارة في: الجحود (1/ 335) المطلق، وتارة في: جحود الباري خاصة، وإما في لفظ مشترك بين معان مختلفة.))
    وقيل: ((يتعلق التفسير بالرواية والتأويل بالدراية.))
    وقال أبو نصر القشيري: ((التفسير: مقصور على السماع،)) و ((الاتباع، والاستنباط فيما يتعلق بالتأويل.))
    وقال قوم: ((ما وقع مبينا في كتاب الله - تعالى -، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - يسمى: تفسيرا،)) وليس لأحد أن يتعرض إليه باجتهاد، بل يحمل على المعنى الذي ورد فلا يتعداه؛ ((والتأويل: ما استنبطه العلماء العالمون، بمعنى: الخطاب الماهرون في آلات العلوم.))
    وقال قوم - منهم: البغوي، والكواشي -: هو: ((صرف الآية إلى معنى موافق لما قبلها وبعدها، تحتمله الآية، غير مخالف للكتاب والسنة، من طريق الاستنباط.)) انتهى.
    (((ولعله هو الصواب،))) هذا خلاصة ما ذكره: أبو الخير في (مقدمة علم التفسير).
    وقد ذكر في فروع علم الحديث: علم تأويل أقوال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -، وقال: هذا علم معلوم موضوعه، وبين نفعه، وظاهر غايته، وغرضه.
    وفيه: رسالة لمولانا: شمس الدين الفناري. وقد استخرج للأحاديث تأويلات موافقة للشرع، بحيث يقول: من رآها لله دره، وعلى الله أجره.
    وأيضا: للشيخ: صدر الدين القنوي. شرح بعض الأحاديث على التأويلات. لكن بعضها مخالف لما عرف من ظاهر الشرع، مثل قوله: إن الفلك الأطلس، المسمى بلسان الشارع: (العرش)، وفلك الثوابت، المسمى عند أهل الشرع: (الكرسي): قديمان، وأحال ذلك إلى الكشف الصحيح، والعيان الصريح، وادعى: أن هذا غير مخالف للشرع، لأن الوارد فيه: حدوث السموات السبع، والأرضين، إلا أن هذا الشيخ قد أبدع في سائر التأويلات، بحيث ينشرح الصدور والبال، والله - سبحانه وتعالى - أعلم بحقيقة الحال. انتهى.
    أقول: شرح تسعة وعشرين حديثا. وسماه: (كشف أسرار جواهر الحكم). وسيأتي وما ذكره من القول القدم، ليس هو أول من يقول به، بل هو مذهب شيخه: ابن عربي، وشيوخ شيخه، كما لا يخفى على من تتبع كلامهم.


    انتهى كلام الحاج خليفة في كشف الظنون.

    ---------------------------
    و من خلال كلام الإمام الطبري المولود في سنة 224 هـ وهو من المتقدمين في التأليف بهذا الفن والقريبين زمناً من الرسالة نسبياً. يتبيّن أنه يفصّل بين ما يمكن الوصول إليه وما لا يمكن وقد بين الضوابط لذلك فكأنه نظر في منهجه باعتبار واقع التحصيل ومن ثم التفريق بين الصور وعلى كل حال فقد فصّل التأويل بما يلي:

    1- تأويل لا يمكن الوصول إليه أبداً: وهو مما استأثر الله بعلمه – الآجال ومواقيت ما وعد.
    2- تأويل لا يمكن الوصول إليه إلا بواسطة الرسول ص . وهو من قبيل بيان أحكام الله ومراده.
    3- تأويل ميسور لأهل اللسان وهو ما كان من خلال علوم اللغة وآدابها .

    وهذا التفصيل هو افضل ما وجدته رغم أن منظوره كان من جهة الحكم. وقد فصل بتفاصيل غير دقيقة وغير مسلمة من ناحية علمية وموضوعية. ولكن هذا يكفي في اكتشاف التفريق بين مستويات التأويل و أحكامها.

    وهذا ما قاله الإمام الطبري. في معنى التأويل و استخداماته وسأذكر تلخيصه لمقولته بنفسه أولا. ثم اذكر مقتطفا من بسطه حيث يغنيني ذلك عن الكلام وهذا هو التلخيص:

    ---------------------------

    جامع البيان عن تأويل آي القرآن. للإمام الطبري الجزء الأول من الكتاب. ذكر الأخبار عن بعض السلف فيمن كان من قدماء المفسرين محموداً علمه بالتفسير ومن كان منهم مذموماً علمه بذلك.

    قد قلنا فيما مضى من كتابنا هذا في وجوه تأويل القرآن، وأن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة:
    أحدها: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر اللّه بعلمه، وحجب علمه عن جميع خلقه، وهو أوقات ما كان من آجال الأمور الحادثة، التي أخبر اللّه في كتابه أنها كائنة، مثل وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور، وما أشبه ذلك.
    والوجه الثاني: ما خصّ اللّه بعلم تأويله نبيه صلى اللّه عليه وسلم، دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك، إلا ببيان الرسول صلى اللّه عليه وسلم لهم تأويله.
    والثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا توصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم.


    ------------
    وهذا هو مبسوط كلامه في مكان آخر من الكتاب :
    ------------

    جامع البيان عن تأويل آي القرآن. للإمام الطبري : الجزء الأول من الكتاب. القول في الوجوه التي من قبلها يوصل الى معرفة تأويل القرآن.

    القول في الوجوه التي من قبلها يوصل الى معرفة تأويل القرآن

    قال أبو جعفر:
    قد قلنا في الدلالة على أن القرآن كله عربي، وأنه نزل بألسن بعض العرب، دون ألسن جميعها، وأن قراءة المسلمين اليوم، ومصاحفهم التي هي بين أظهرهم، ببعض الألسن التي نزل بها القرآن دون جميعها، وقلنا في البيان عما يحويه القرآن من النور والبرهان والحكمة والبيان، التي أودعها اللّه اياه، من أمره، ونهيه، وحلاله، وحرامه، ووعده، ومحكمه، ومتشابهه، ولطائف حكمه، ما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه.
    ونحن قائلون في البيان عن وجوه مطالب تأويله:
    قال اللّه، جل ذكره، وتقدست أسماؤه، لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: (و أنْزَلنْا الَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيِّنَ للنَّاسِ ما نُزِّلَ الَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وقال أيضا جلّ ذكره: (وما أنْزَلنْا عَلَيْكَ الكِتابَ الا لِتُبَيِّنَ لهُمُ الَّذي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
    وقال: (هُوَ الَّذِى أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فأمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الفتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إلاَّ اللّه والرَّاسِخونَ في العِلْمِ يَقُولُون آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إلاَّ أُولُوا الألَبْاَبِ).
    فقد تبين ببيان اللّه عز وجل ذكره، أن مما أنزل اللّه من القرآن، على نبيه صلى اللّه عليه وسلم، ما لا يوصل إلى علم تأويله، إلا ببيان الرسول صلى اللّه عليه وسلم، وذلك تأويل جميع ما فيه، من وجوه أمره، واجبه (1)، وندبه، وإرشاده، وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه، وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آيه، التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأمته. وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه، إلا ببيان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، بتأويله، بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها دالةً أمته على تأويله.
    وأن منه ما لا يعلم تأويله إلا اللّه الواحد القهار: وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك؛ فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها، لاستئثار اللّه بعلم ذلك على خلقه.
    وكذلك أنزل ربنا في محكم كتابه، فقال: {يَسألُنَكَ عَنِ السَّاعَةِ أيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إنِّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ ربَي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ لا تأْتِيكُمْ إلاَّ بَغْتَةً يَسألُونَكَ كأنَّك حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنِّمَا عِلْمُها عِنْدَ اللّه ولَكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمونَ}.
    وكان نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم، إذا ذَكَر شيئاً من ذلك لم يدل عليه إلا بأشراطه، دون تحديده بوقت، كالذي روى عنه، صلى اللّه عليه وسلم، أنه قال لأصحابه إذا ذكر الدجال: (إنْ يَخْرُجْ وَ أنَا فِيكُمْ، فأنَا حَجِيجُهُ، وإنْ يَخْرُجْ بَعْدِي، فَاللّه خَليِفَتيِ عَلَيْكُمْ).
    وما أشبه ذلك من الأخبار، التي يطول باستيعابها الكتاب، الدالة على أنه صلى اللّه عليه وسلم، لم يكن عنده علم أوقات شيء منه، بمقادير السنين والأيام، وأن اللّه جلّ ثناؤه، إنما كان عرّفه مجيئه بأشراطه، ووقته بأدلته.
    وأن منه ما يعلم تأويله كلُّ ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن، وذلك إقامة إعرابه، ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة، غير المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم، وذلك كسامع منهم لو سمع تالياً يتلو: {وإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا في الأَرْضِ قَالُوا إنِّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، ألاَ إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ ولَكِنْ لا يَشْعُرُونَ}. لم يجهل أن معنى الإفساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرّة، وأن الإصلاح هو ما ينبغي فعله، مما فعله منفعة؛ وإن جهل المعاني التي جعلها اللّه إفساداً، والمعاني التي جعلها اللّه إصلاحاً، فالذي يعلمه ذو اللسان الذي بلسانه نزل القرآن، من تأويل القرآن، هو ما وصفت من معرفة أعيان المسميات بأسمائها اللازمة، غير المشترك فيها، والموصوفات بصفاتها الخاصة، دون الواجب من أحكامها وصفاتها وهيئاتها، التي خص اللّه بعلمها نبيه صلى اللّه عليه وسلم، فلا يدرك علمه إلا ببيانه، دون ما استأثر اللّه بعلمه دون خلقه. وبمثل ما قلنا من ذلك، روي الخبر عن ابن عباس.


    انتهى ما أورده الإمام الطبري .
    ----------

    أقول: لا حاجة لشرح وبيان هذا النص فهو يكشف نفسه بنفسه. ولن أعلق على حصره لما يختص الله بعلمه بأنه التوقيت !!! فألف علامة تعجب عليها !!!!!

    ----------

    وهنا نأتي إلى محاولة استكشاف الفروق بشكل إجمالي وسريع من خلال الاستخدام القرآني. وهذا مسرد لفهرسة الآيات وذكرها.

    أولا : التأويل بمعنى ما كان جزءً من علم الدلالة أو كما يوجهه الطبري بـ (ما يختص بكل ذي علم باللسان) .
    لم أعثر على نص قرآني يشير إلى هذا المعنى ولكن يستفاد من الإنكار على محاولة الناس التأويل لما لا يعلم مما يدل على أن الممارسة التأويلية باطلة هنا لأنها في غير محلها حيث هو حُكم على ما لا يُعلم. فيكون في غير هذا الموضع من التأويل صحيحا وهو موطن ما يمكن أن يعلم وهو ما كان بمعنى الدلالة. وهذا يستفاد من الآية الشريفة : {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} آل عمران 7

    ولكنني أؤكد بأن هذا المعنى فيه تكلف ظاهر واستخراج المعنى منه يحتاج إلى إغفال بعض خصوصيات النص. بل أكاد أجزم بأن الكلام موجه أساسا إلى ادعاء معرفة مراد الله الحقيقي من خلال كلامه فنفاه الله منهم. ولا معنى لأن ينفيه إن لم تكن هذه دعواهم فخطأهم ليس طريقيا فقط و إنما موضوعي أيضا. بمعنى أن ليس اشتباههم متأت من سلوك علم الدلالة بشكل خاطئ و إنما لأنهم يدّعون معرفة ما لا يتمكنون منه. وهذا ما يحتّمه علم الدلالة نفسه. فيكون من الواضح أن المقصود هو وجود معان خارج المعاني اللغوية دلالة واستخداما. ولا يمكن حصرها باتجاه، لأن من يدّعي معرفتها لا بد أن يكون من الراسخين أو على أقل تقدير ممن أخبرهم الله بتلك الخصوصية. وهذا يدل على أن اللفظ القرآني ليس بكامل بنيته خاضع لعلم الدلالة. بل يحتوي على رموز وألغاز لا يمكن فكها للبشر العاديين ولعل هذا الأمر صارخا في الحروف المقطعة. وأما آيات الأحكام فهي المظهر الجلي لهذه القضية حيث أن زمام الحكم بيد الله والرسول ص . ولا يدّعي أحد بأنه يستطيع أن يجتهد مقابل توضيح الرسول ص لآية. لأن توضيح الرسول ص هو التبيان لما يعلمه الله ولا يمكن أن نعلمه. فدعوى المعرفة إنما هي دعوى التلقي من الله وهذه تحتاج إلى إثبات لنفسها قبل غيرها. وفي حالة (نفي الدليل على التلقي)، يكون المدّعي من الظالمين المعتدين على مقام البيان وعلى مقام التشريع. ونترك الحديث إلى مبحث الأحكام فهناك أليق ولكنها إشارة لا بد منها لعدم الفصل المخل.

    هناك تلميحات من بعض المفسرين في قوله تعالى : { وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ} بأن المقصود به هو علم البيان. غير أن السياق وتوجيه الكلام والتطبيق على هذا النص إنما هو عن المنام فتكون الأحاديث هي حديث المنام . ولهذا لا أستطيع الجزم بهذا المعنى. والله أعلم.

    وعليه فوجهة نظري هي أنني لم اعثر في نص قرآني على استخدام لكلمة التأويل على معنى الدلالة اللسانية ولا أدّعي الإحاطة. ولكنه موجود قطعا في الاصطلاح والممارسة العملية لعلم البيان كما أشار الطبري وكثير من المفسرين والعلماء اللذين ذكر أقوالهم الحاج خليفة . وقد ادّعى بعضهم بأن هذا الأمر موجود في الحديث الشريف كدعاء النبي ص لابن عباس كما روي في قوله: " اللهمَّ فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل" أي التفسير الدلالي. هذا بالإضافة إلى أن الممارسة الإسلامية العامة تعني الشهرة الشرعية أو قل الإجماع على هذا الاستخدام. إن أردنا المسوغ التكليفي لاعتماد هذا المصطلح. ولا اعتقد هذا الأمر يحتاج إلى دليل شرعي لأنه ممارسة عقلية لمصطلح مهم في علوم اللغة والمنطق والبلاغة وقد اخذ مفهومه وحدوده بالتقدم والنمو مع التقدم العلمي على مر العصور. مع القطع بأن القرآن وضع باللسان العربي البيّن الخاضع لقواعد هذا اللسان. في مظهره الخارجي. ولهذا فهم بعضهم بأن التفسير هو بيان المفردات اللغوية والتأويل هو بيان التراكيب وكلاهما من البيان اللساني العادي كما هو مفهوم. ولو كان هذا منافيا للتكليف تجاه هذا المصطلح لأثم جميع المفسرين بلا استثناء بما فيهم ابن عباس رضي الله عنه.


    ثانيا: التأويل بمعنى كشف السر والعلل الخفية للأحكام.

    وهو على أصناف:

    1- التأويل بمعنى معرفة أسرار كتب الله ومراده الأصلي واللغز فيه.
    2- التأويل بمعنى معرفة اللغز : مثل ألغاز المنامات.
    3- التأويل بمعنى معرفة علل الأحكام الخفية وبواطن الأمور:


    وهذه هي الشواهد:

    1- التأويل بمعنى معرفة أسرار كتب الله ومراده الأصلي واللغز فيه.

    {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} آل عمران 7

    {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ {52} هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُون}َ الأعراف 53

    {وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ {37} أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {38} بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} يونس 39



    2- التأويل بمعنى معرفة اللغز : مثل ألغاز المنامات :

    {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيك رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْك} يوسف 7

    {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا
    رَبِّي حَقًّا} يوسف 100

    3- التأويل بمعنى معرفة علل الأحكام الخفية وبواطن الأمور:

    {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} الكهف 82

    {قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} الكهف 78



    بقي أن نشير إلى أن القرآن استخدم كلمة التأويل بمعنى المرجع والمآل اللغوي وهذا خارج مبحث التأويل وهذه هي الآية:

    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } النساء 59
    والآية هنا واضحة بمعنى و (أحسن إرجاعا) أو (أحسن مرجعا) لأن الكلام في مقام رد موضوع التنازع . وهذا يتعلق بالمرجعية الشرعية للحاكم على النص بشكلها القانوني وليس بنفس النص . وإن كان في النهاية سيكون التحكيم إلى النص ولكن كما هو ظاهر فإن الكلام موجه إلى من يملك حق تفسير النص وهم على التوالي 1- الله 2- الرسول 3- أولي الأمر منكم. وهم بعرض واحد بدلالة العطف.

    -----------

    إن أهم مورد في القرآن لمسألة التأويل هي الآية الشريفة من سورة آل عمران :

    {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} 7

    وهذه الآية لحقها مقولات كثيرة وتفاسير متعددة تكاد أن تضيّع معناها, وكان أهم ما واجه الباحثين هو:

    1- ما العلاقة بين ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل
    2- ما هو التأويل المنفي عنه العلم؟
    3- ما العلاقة بين التأويل المنفي وبين الغيب؟
    4- هل الراسخون في العلم معطوف على الله في العلم بتأويله أو جملة مستأنفة لها تعلق بما بعدها (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ) .
    5- من هم الراسخون في العلم على كل حال.
    6- هل الآية تريد أن تقول بامتناع معرفة التأويل مطلقا بالنسبة للإنسان أم تريد أن تقول بمرجعية محددة للتأويل عبر الله والراسخين في العلم والقدر المتيقن منهم الرسل والأنبياء.

    وهذه الأسئلة تشكّل أهم موارد البحث.

    والملاحظ بأن هناك إصرارا عند بعضهم على نفي عطف الراسخين على الله وهذا له مدلوله الذي لا يخفى على متمعن في معاني الإسلام و مجريات سياسة حكّام المسلمين. ولكن لا يعني هذا الكلام انعدام أن يكون لدى علماء السنة القول بإمكانية اطلاع الله لبعض خلقه بتأويل كلامه أو أنهم معطوفون على الله فهناك أقوال موجودة ولكنهم ضعفوها. كما هو ظاهر من قول الطبري وأقوال أخرى عن بعض العلماء والتابعين. والاتجاه العام عند أهل السنة أن الراسخين (لا يعلمون) و أن الآية لا تدل على علمهم وأن علمهم منفي عند أهل السنة وهذا : ( قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبدالعزيز وغيرهم، وهو مذ هب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم. قال أبو نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة.) جامع البيان تفسير نفس الآية. وقد فسروا الراسخين بالأتقياء المطيعين. والمتشابه بما هو خلاف الظاهر من النص أو هو الناسخ والمنسوخ ما تقدم في بعض هذه الأقوال. فتكون الآية تحمل أشواكا وإشكالات متعددة.

    وحاول بعضهم رد إشكال يوجهه القائلون بالوصل وهذا هو الإشكال: (أن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم؛ فكيف يمدحهم وهم جهال) جامع البيان – تفسير نفس الآية - فقالوا في الجواب بأنهم يعلمون بعضه. وهذا نص الرد :

    (فقال: وتقدير تمام الكلام "عند الله" أن معناه وما يعلم تأويله إلا الله يعني تأويل المتشابهات، والراسخون في العلم ((يعلمون بعضه)) قائلين آمنا به كل من عند ربنا) جامع البيان – تفسير نفس الآية-

    فإذن هم يعلمون -وليس لا يعلمون- كما يدعون. ولو على نحو الموجبة الجزئية وهذه نقيض السالبة الكلية المدعاة. وهذا هو عين الخبط. فلا صحة إذن لقول عروة الذي ذكره الطبري (حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، قال: قال هشام بن عروة: كان أبي يقول في هذه الآية: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله) .

    وقد دفع القرطبي إشكالا ممن ينفي علم الراسخين بجهلهم ببعضه. واليك قوله : (( إن قال قائل: قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ابن عباس: (لا أدري ما الأواه ولا ما غسلين) قيل له: هذا لا يلزم؛ لأن ابن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه. وجواب أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر)). أقول : يجب إثبات من هو الراسخ قبل هذا الإشكال وجوابه.

    وملخص الجواب بأن النفي لا يشمل الراسخين جميعا. وهذا يكفي للقائلين بوصل الآية رغم أنه أضيق من مدّعاهم.


    وهنا ستتولد مشكلة حقيقية وهي إن المنفي هو (علم المتشابه) من كتاب الله. فإذا كان لا سبيل لعلمه إلا لله، فالنبي ص وهو أوضح مصداق للراسخين لا يعرف المتشابه بأي معنى كان . فإذن قد أنزل الله كتابا أغلبه متشابه –حسب الممارسة التفسيرية- غير معروف المعنى حتى على من أنزل عليه وهو النبي ص. وهذا يعني نفي الفائدة منه ونفي قابلية التبيان.
    فكيف يكون الكتاب تبيانا؟
    وكيف يكون الرسول مبينا؟؟
    ولعل هذا هو السر الذي دعا الطبري ليحدد أن العلم المنفي تأويله هو توقيت ما اخبر الله به من معاد وساعة وغيرها . ليخلص من هذه المشكلة العويصة . وكيف يخلص ؟؟ لا أعرف!!.
    و هذا تحكم واضح وتحديد تبرعي سافر لا يُمرر إلا على الأغبياء. ومن جهة ثانية يدل على أن الرجل يريد أن يعطي قيمة حقيقية لتبيان الرسول ص وقد يكون يريد أن يفتح الطريق أمامه لدعوى التأويل المباح. حيث أنه لا يقترب من الحد المحرّم وهو بيان الأوقات. وله الحق فيما عدا ذلك . ومقتضى حسن الظن أن يكون هذا السلوك نابعا من إيمان يحاول توجيه المشكلة بالشكل الصحيح الذي يراه.

    وقد حاول القرطبي نقل الرأي (المخالف) القائل بأن الراسخ يعلم بالتأويل. وانقله لأنه يعبر عن إشكال حقيقي على من يقول بالفصل بين كلمة الله وكلمة الراسخين : (ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك؛ وفي قوله عليه السلام لابن عباس: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ما يبين لك ذلك، أي علمه معاني كتابك. والوقف على هذا يكون عند قوله "والراسخون في العلم". قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وهو الصحيح؛ فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب. وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع!.)

    فعلا فأي رسوخ لهم إذا لم يعرفوا المتشابه وحكمه؟ .

    ولكن الحقيقة أن المشكلين قد جانبوا الدقة في طرح الدليل بهذه الصورة لأن التسليم لله والاعتراف بالجهل بين يديه هو عين الرسوخ في العلم. ويمكن أن تعاد الصياغة لأجل تصحيح الدليل بأن اعترافهم لا يمكن أن يكون عن جهل بتبيان المراد وهذا يعني معرفة المتشابه و إنما الجهل هو فيما وراء المراد من علة ورغبة يعلمها الله . وهذا يستقيم حسب البرهان.

    فمسألة دعوى عدم معرفة الراسخين بتأويل كتاب الله بمعنى معرفة فك رموزه ومعرفة المراد منه هي مسألة مشوشة للفكر الإسلامي وتضع عراقيل أمام التلقي من المشرّع الإسلامي. وبنفس الوقت هي دعوة لترك الراسخين وتجنبهم ، ولا يبعد أن هذا جزء من النهج السياسي تجاه من يملك شرعية التفسير وهم المنصوصون من أهل البيت ع وهذا جزء من حلقة نفي مكانتهم وشرعيتهم.

    ويلاحظ الباحث على من ينفي ملكية التأويل عن الراسخين. حين يجد نفسه مجبر على أن يجنح للقول بتلك القدرة يوسع من مفهوم الراسخين فيكون كل من أطاع الله راسخا في العلم أو يكون ابن عباس راسخا في العلم وعليه فكل استنساخٍ من التوراة والكتب القديمة في التفاسير المنسوبة لابن عباس وغيره هي الرسوخ في العلم.(.... يا سلام). وهكذا ضاعت الأمور من جهة ثانية.

    وأقول مهما أرد أحد تضيع هذه الحقيقة تبرز له مشاكل عويصة لو فهمها جيدا فإنه سيعرف كيف طعن بإسلامه في الصميم. فيما لو كان الحديث عن فك الرموز التشريعية والعقائدية وبعض الكونيات ذات العلاقة بالنص القرآني.
    وبسط الحديث ليس هنا مقامه لأنه حديث مستقل. و إنما ذكرت هذا لتشابك القضية تشابكا عجيبا ويجب أن لا ينسى المخلص للإسلام حروب التأويل الموازية لحروب التنزيل ..... فأين أهل الإخلاص؟؟ وأين أهل الإسلام الحقيقي؟؟ فهذه ساحتهم.

    ----------

    وعلينا أن نتجاوز الآن موضوع الراسخين ومن هم؟ . ولنفكر في معنى التأويل المذكور في الآية.

    أقول بحسب نص الآية فإن التأويل الذي يبتغيه الإنسان الضال، قد نفى الله صدقه وقال : "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ" وهذا يجعلنا أمام معنى للتأويل لا يمكن بالضرورة أن يكون هو علم الدلالة. .. . فإذن لا بد أن يكون التأويل بمعنى (معرفة سر) لا يعلمه إلا الله، من قبيل مراده الحقيقي أو علل الشرائع أو قوانين الكون وأسراره أو ما خفي عن حِسِّنا وعلمنا مما لا قدرة لنا عليه بحكم حدودنا إلى آخره، وهذا يعني بالتأكيد وجود نصوص في الكتاب لا تعبر عن لفظها اللغوي ولا تخضع لقوانين اللغة لأنها تعبر عن حالة رمزية فقط لأسرار لا يعلمها إلا الله. والراسخون يعلمونه من تعليم الله إياهم.

    وهنا يجب أن نتوقف على خصائص النوع الثاني من التأويل الذي استخدم في النصوص القرآنية . حسب الاستخدامات القرآنية وحسب الحصر العقلي. وأقصد التأويل بمعنى كشف السر أو حل اللغز.

    الخاصيّة الأولى : أن التأول هنا ليس للفظ إنما لإشارة -حسية أو معنوية أو غيرها- أو ظاهرة كونية أو معنوية.

    الخاصيّة الثانية : أن التأويل للكتاب الكريم يستخدم بعض الألفاظ ليست كدال لمدلول لغوي و إنما كرمز مجرد. فلا تعني البعوضة بعوضة ولا يعني الفيل فيل ولا يعني الذباب ذباب. ولا يعني الثور ثور ولا يعني الشرك شرك ولا يعني الحلال حلال وكل ذلك لا علاقة له بالدلالة اللغوية. (ولكن لو حصلتْ مناسبة بين المعنى المبيّن وبين المعنى اللغوي فسيكون اقرب [للمجاز مع المناسبة] وسيكون من الدال اللغوي. و لا مانع من اعتباره خارج اللغة حين الابتعاد عن الخصوصيات اللغوية. وهو خاضع للتقدير الشخصي حسب المنابع المعرفية للفرد. وهذا يجب أن يُفهم جيدا).

    الخاصيّة الثالثة : التأويل في هذه المرحلة تترتب عليه آثار هي غير الآثار المترتبة من البيان الدلالي. سواء في التكليف أو في نفس المعرفة. وهو في القوة مواز لنفس قوة النص بحسب الفرض على أنه من نفس المنبع ومن نفس الشرعية. فالتفريط به تفريط بالنص. بل نص الآية الشريفة تدل على خصوصية هذا النوع من التأويل وقدسيته الخاصة لأنه مختص بالله وبمن يعلمهم بعلمه الخاص. وهذا يفوق كثيرا النص المتاح للجميع.

    الخاصية الرابعة : أن التأويل بمعنى فك الرمز وكسر الشيفرة لا يتقيد بعلم واحد أو بشكل واحد من أشكال المعرفة فقد يكون المتعلق معنويا وقد يكون تشريعيا وقد يكون رياضيا أو هندسيا أو طبيعيا أو جنائيا.. فلكل العلوم رموز وشيفرات خاصة بها. وهناك ما هو متداخل. و أما كتاب الله فلا يمكن أن ندّعي أن له كل هذه الخاصيات كما لا يمكن نفيها عنه ولكن بالإجمال الكل محتمل . وعلى الرافض إقامة الدليل على الامتناع لأن دعواه نفسها تستبطن دعوى المعرفة بالتأويل بهذا المعنى. وهذا يحتاج إلى دليل.


    ===================

    موضوع باطن القرآن:

    ===================

    وهذا من المواضيع التي طالما شُتم به التشيع ووصم به الشيعة وكأنه قول كفري! . وقد شتم الحكام العباسيون الشيعة الإسماعيلية بتسميتهم بالباطنيين وتكفيرهم على هذا الأمر. ولا يلامون لأن الفاطميين الإسماعيليين اقتطعوا منهم ثلثي مساحة دولتهم وانتقموا من ظلمهم وكذبهم وجورهم على العباد والبلاد. وقد أسسوا دولة عظيمة وحضارة راقية شهد لها التأريخ والمعرفة الإنسانية. وكان في آخر الصراع أن تساهل العباسيون مع الأعاجم الطائفيين الطامعين في الحكم ومع الفرنجة فخسر الفاطميون مملكتهم وخسر العباسيون حصانتهم وحصونهم أيضا لأن الفاطميين كانوا صمام الأمان لهم .

    فأين عز العباسيين بعد الفاطميين؟ هؤلاء الذين وصموهم بالباطنية التي لم يتبرع شريف لشرح شرح معناها وما المراد منها؟ .

    وهكذا يواجه التشيع دائما شتائم عائمة غير محددة المعاني . ولولا أن المقام لا يستدعي البحث التفصيلي في هذا. لفصلت وبينت أن الشاتمين بمعزل عن الحقيقة وهم أحق باللوم على جرأتهم على الله وعلى الكتاب الكريم, قرآننا العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولو كانوا صادقين في ادعائهم بأن شتمهم هو على الموازين الإسلامية لاستحوا ولناقشوا في المصداق مع بيان المفهوم. فلا هم حققوا المفهوم ولا هم ناقشوا طريق تحقيق علم الباطن من القرآن وكلام الرسول ص. ونحن نعرف لماذا لم يفعلوا ذلك ....


    وبما أن هذا الموضوع له تعلق بالتأويل لكونه المركز الأساسي له. فسأقوم بالإشارة إلى 1- أن أهل السنة لم يعيبوا استخدام هذا اللفظ عندهم... وسأبين 2- ما هو معناه بشكل إجمالي.

    أولا: هل عاب أهل السنة استخدام كلمة باطن أو بطن اللفظ أو القرآن ؟

    لقد أجريت بحثا في جميع ما عندي من كتب إلكترونية وعلى الأخص التفاسير السنية وكتب العقائد السنية فوجدت هذه الكلمة مستخدمة بكثرة وبشكل مشابه لما يقصده الشيعة. و لا يمكن نقلها جميعا, ولكن رأيت أن انقل بعض ما رووه من أحاديث حسان وأخرى مرسلة إرسال المسلمات تنص على أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو من وصف القرآن بأن له ظهرا وبطنا. وقد شرحوه بما لا مزيد عليه من التدليل على وجود باطن للقرآن.

    وقد تعجب الأخ الأستاذ حسن المالكي من روايات عندنا تقول أن للقرآن سبعين بطنا بينما نسي أن النصوص السنية المحترمة تصرح بأن القرآن عبارة عن حروفه وكل حرف له بطن وظهر وقد عددوا آلاف البطون. ولا اقصد هنا إثبات صدق القضية من خلال نصوص سنية قد لا يقبل بها الأستاذ المالكي لأسبابه الخاصة ولكن أقصد مقولته بأن هذه الروايات مصداق من مصاديق تفوق كذب الشيعة على غيرهم و أنها لا صحة لها. ولو حسب الأمر عدديا فأين السبعون من عشرات الألوف لبطن القرآن. وهذا حديث ثان ولكنني ذكرته للمناسبة.


    وهذه النصوص التي اخترها أرجو إمعان النظر فيها. وهي صريحة بوجود بطن وباطن للقرآن.

    وسأبدأ برواية قريبة لما ورد عند أهل البيت من خطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:


    كنز العمال الإصدار للمتقي الهندي : المجلد الثاني. فصل في فضائل القرآن مطلقا.

    4027 - عن علي رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا خير في العيش إلا لمستمع واع أو عالم ناطق، أيها الناس إنكم في زمان هدنة، وإن السير بكم سريع وقد رأيتم الليل والنهار يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فأعدوا الجهاد لبعد المضمار، فقال المقداد يا نبي الله ما الهدنة؟ قال: بلاء وانقطاع، فإذا التبست الأمور عليكم كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع وماحل مصدق ومن جعله إمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه قاده إلى النار، وهو الدليل إلى خير سبيل، وهو الفصل ليس بالهزل ((( له ظهر وبطن ))) فظاهره حكم، وباطنه علم عميق، بحره لا تحصى عجائبه ولا يشبع منه علماؤه، وهو حبل الله المتين، وهو الصراط المستقيم وهو الحق الذي لا يعنى (لا يعنى - لعله لم تلبث الجن...) الجن إذ سمعته أن قالوا: {إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به} من قال به صدق، ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل، ومن عمل به هدي إلى صراط مستقيم، فيه مصابيح الهدى، ومنار الحكمة ودال على الحجة.
    --
    وهذه الرواية قريبة من رواية عن أهل البيت عليهم السلام وهي هذه:
    --
    الكافي مجلد: 2 ص 598
    2 علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن النوفلي ، عن السكوني ، عن أبي عبد الله
    عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أيها الناس إنكم في دار
    هدنة وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان
    كل جديد ويقربان كل بعيد ويأتيان بكل موعود فأعدوا الجهاز [ فأعدوا الجهاد ] لبعد المجاز قال : فقام المقداد بن الاسود فقال : يا رسول الله وما دار الهدنة ؟ قال : دار بلاغ و انقطاع فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع وما حل مصدق ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار وهو الدليل يدل على خير سبيل وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل وهو الفصل ليس بالهزل ((( وله ظهر وبطن ))) فظاهره حكم وباطنه علم ، ظاهره أنيق وباطنه عميق ، له نجوم وعلى نجومه نجوم لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة فليجل جال بصره وليبلغ الصفة نظره ، ينج من عطب ويتخلص من نشب فإن التفكر حياة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور ، فعليكم بحسن التخلص وقلة التربص .

    أقول أن السكوني معروف عنه أنه من أهل السنة ولكن لم يثبت عنه أنه يكذب. ورواياته لها وزن عند الشيعة لصدقه. ولعل نسبة الرواية له في كتاب الكافي تقارب 2.7% . وهذا له دلالته من رفض التعصب والتقييم على الأساس المذهبي. خصوصا في كتاب يحتوي على ما يقارب ستة عشر ألف ومأتي حديث . فقد روى عن السكوني 445 حديث. فهل فعل أهل السنة مثل ذلك؟.

    --------
    واليكم هذه التفصيلات لبطون القرآن كما وردت في:
    --------

    أبجد العلوم، للقنوجي : المقدمة في بيان أسماء العلوم وموضوعاتها وعدم تعين الموضوع في بعضها.
    والثاني: في تعدد العلوم وضمنه ثلاثة أقسام: إلهية، واعتقادية، وعملية.

    قال بعض الفضلاء: علم التفسير لا يتم إلا بأربع وعشرين علماً وعد الإمام الشافعي في مجلس الرشيد ثلاثاً وستين نوعاً من علوم القرآن. (2/ 7)
    وقال بعض العلماء: العلوم المستخرجة من القرآن ثمانون علماً، ودون فيها كتب.
    وقيل: إن العلوم الحكمية تتضمن خمسة عشر فناً إلا أن فروعها أكثر من خمسين، ثم قال: والمختار عندي أن عدد العلوم أكثر من أن يضبطه القلم.
    وعن الإمام الغزالي عن بعضهم: إن القرآن يحتوي سبعاً وسبعين ألف علم ومئتي علم، كذا ذكره في الباب الرابع من كتاب آداب التلاوة من أحياء العلوم.
    ونقل السيوطي عن القاضي أبي بكر بن العربي أنه ذكر في ((قانون التأويل)): إن علوم القرآن خمسون علماً وأربعمائة علم وسبعة آلاف علم وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة، (((إذ لكل كلمة، ظهر وبطن وحد ومطلع))).
    ونقل عن الغزالي أيضاً:
    إن من العلوم ما استأثر الله به ولم يطلع أحداً عليه.
    ومنها: ما يعرفه الملائكة دون البشر.
    ومنها: ما يعرفه الأنبياء دون من عداهم.
    ومنها: ما تصورته الأذهان ولم يدون في الكتاب.
    ومنها: ما دون ثم ضاعت كتبها وانطمست آثارها وانقطعت أخبارها انتهى.

    ----------
    وهذه بعض الروايات الإضافية وبعض شروحها وهي تخبر عن نفسها بأن القرآن يحاج العباد بباطنه وظاهره:
    ----------



    الجامع الصغير. لجلال الدين السيوطي : المجلد الثالث. باب: حرف الثاء.

    3495- ثلاثة تحت العرش يوم القيامة: القرآن له ظهر وبطن [ يحاج العباد ]، والرحم تنادي: صل من وصلني واقطع من قطعني، والأمانة.
    التخريج (مفصلا): الحكيم ومحمد بن نصر عن عبد الرحمن بن عوف
    تصحيح السيوطي: حسن


    الدر المنثور في التفسير بالمأثور. للإمام جلال الدين السيوطي : المجلد السابع.
    47 - سورة محمد الآيات 20 - 24

    وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث تحت العرش (((القرآن له ظهر وبطن))) [[يحاج العباد]]، والرحم تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني، والأمانة".



    فيض القدير، شرح الجامع الصغير. للإمامِ المناوي : الجزء الثالث. - حرف الثاء.

    3495 - (ثلاث تحت العرش يوم القيامة (القرآن له ظهر وبطن) [[ يحاج العباد]] ) وقال ابن الأثير وغيره: ظهره لفظه وبطنه معناه أو ظهره ما ظهر تأويله وبطنه ما بطن تفسيره أو ظهره تلاوته وبطنه تفهمه أو ظهره ما استوى المكلفون فيه من الإيمان والعمل بمقتضاه وبطنه ما وقع التفاوت في فهمه بين العباد على حسب مراتبهم في الأفهام والعقول وتباين منازلهم في المعارف والعلوم وفيه تنبيه على أن كلاً منهم إنما يطلب بقدر ما انتهى إليه من علم الكتاب وفهمه، وقال الحكيم: ظهره يحاج الأمة وبطنه يحاج الخاصة فإن أهل الملة صنفان قال التوربشتي: وقوله له ظهر وبطن جملة مفصولة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه تنبه السامع على جلالة شأن القرآن وامتيازه عما سواه واعترضه الطيبي ثم اختار أنها جملة اسمية واقعة حالاً من ضمير القرآن بلا واو أي القرآن يحاج العباد مستقصياً فيه


    القاموس المحيط، للإمام الفيروزآبادي : باب العين. فَصْلُ الطّاء.
    وفي الحديثِ: "مانَزَلَ من القرآنِ آيَةٌ إِلاَّ لَها ظَهْرٌ وبَطْنٌ، ولكُلِّ حَرْفٍ حَدٌّ، ولكلِّ حَدٍّ مُطَّلَع"، أي: مَصْعَدٌ يُصْعَدُ إليه من مَعْرِفَةِ علْمِهِ، وبكسرِ اللامِ: القَوِيُّ العَالي القَاهِرُ.



    كشف الخفاء، للإمام العجلوني : حرف الهمزة. حرف الهمزة مع النون.

    630 - أُنزلَ القرآن على سبعة أحرف.
    رواه أحمد والترمذي عن أبي رضي الله عنه وأحمد عن حذيفة، وهو عند الطبراني من حديث ابن مسعود بزيادة فمن قرأ على حرف منها فلا يتحول إلى غيره رغبة عنه، وفى رواية أخرى عنده لكل حرف منها ظهر وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع، وعنده عن معاذ أنزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، كلها كاف شاف.




    الجامع الصغير. لجلال الدين السيوطي : المجلد الثالث. [تتمة باب حرف الألف].

    2727- أنزل القرآن على سبعة أحرف، (( [ لكل حرف ] منها ظهر وبطن)، و [ لكل حرف حد ]، و [ لكل حد مطلع] .
    التخريج (مفصلا): الطبراني في الكبير عن ابن مسعود
    تصحيح السيوطي: حسن

    فيض القدير، شرح الجامع الصغير. للإمامِ المناوي : الجزء الثالث. [تابع حرف الهمزة].

    2727 - (أنزل القرآن على سبعة أحرف) حرف الشيء طرفه وحروف التهجي سميت به لأنها أطراف الكلمة (لكل حرف) في رواية لكل آية (منها ظهر وبطن) فظهره ما ظهر تأويله وعرف معناه وبطنه ما خفي تفسيره وأشكل فحواه أو الظهر اللفظ والبطن المعنى أو الظهر التلاوة والرواية والبطن الفهم والدراية. قال الطيبي: على في قوله على سبعة أحرف ليس بصلة بل حال وقوله لكل آية منها ظهر جملة اسمية صفة لسبعة والراجع في منها للموصوف وكذا قوله (ولكل حرف حد) أي منتهى فيما أراد اللّه من معناه (ولكل حد) من الظهر والبطن (مطلع) بشدة الطاء وفتح اللام موضع الاطلاع أي مصعد وموضع يطلع عليه بالترقي إليه فمطلع الظاهر التمرن في فنون العربية وتتبع [ص 55] أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغير ذلك ومطلع الباطن تصفية النفس والرياضة والعمل بمقتضاه وقيل المنع ومعناه أن لكل حد من حدود اللّه وهي ما منع عباده من تعديه موضع إطلاع من القرآن فمن وفق لإرتقاء ذلك المرتقى اطلع على الحد الذي يتعلق بذلك المطلع. <تنبيه> قال ابن عربي: اغطس في بحر القرآن إن كنت واسع النفس وإلا فاقتصر على مطالعة كتب التفسير لظاهره ولا تغطس فتهلك فإن بحره عميق ولولا قصد
    الغاطس للمواضع القريبة من الساحل ما خرج لكم أبداً فالأنبياء والورثة هم الذين يقصدون هذه المواضع رحمة بالعالم وأما الواقفون الذين وصلوا ومسكوا ولم يردوا ولم ينتفع بهم أحد ولا انتفعوا بأحد بل قصدهم بشج البحر فغطسوا فهم إلى الأبد لا يخرجون.

    النهاية في غريب الحديث والأثر. للإمام ابن الأثير

    وفيه <ما نزل من القرآن آية إلاَّ لها ظَهرٌ وبطنٌ> قيل ظهرها: لفظَها، وبطْنها: معناها. وقيل: أراد بالظَّهْر ما ظَهَر تأويلُه وعُرِف معناه، وبالبَطْن ما بَطَن تفسيرُه. وقيل قَصَصُه في الظَّاهر أخْبارٌ، وفي الباطن عِبَرٌ وَتَنبيهٌ وتحذيرٌ، وغير ذلك. وقيل: أراد بالظَّهر التَّلاوةَ، وبالبَطْن التَّفهُّمَ والتَّعظيم.


    --------

    فهذه النصوص بالإضافة إلى ما قدمته من نص الحاج خليفة بأن أبا طالب التغلبي يعرّف التأويل بقوله : (والتأويل: تفسير، باطن اللفظ) . تؤكد تسليم استخدام كلمة باطن لنصوص القرآن.

    وهذا يدل على أن أهل السنة حين يشتمون الشيعة والإسماعيلية منهم على الخصوص مع قولهم بوجود باطن للقرآن إنما هو عدم انسجام مع الذات وتشخيص غير موفق للعداوة مع فكرة منقولة عندهم في نفس الوقت بأحاديث حسان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وحتى لو لم تكن حسان فهي موجودة في فكرهم بحيث أرسلت إرسال المسلمات حتى في كتب اللغة وشرح المفردات. والعقل يقتضي وجود باطن للقرآن ما دام هناك مستويات متعددة للتأويل.

    وهل هناك ظلم أشد من هذا ؟

    وماذا سيقولون لربهم؟ حين جوزوا قتل وتشريد المؤمنين الإسماعيليين و الإمامية بدعوى الباطنية البغيضة عندهم وهي من مقول رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم بنصوص رواياتهم!!

    من خلال مطالعتي لفكر الشيخ المالكي حفظه الله اعرف بأنه لا يقبل بهذا أبدا وهو بريء منه. ولكنه غلط نفس الغلطة حين بنى على شتم الشيعة بقولهم بوجود باطن أو بواطن للقرآن. واعتبر هذا النص من موارد الكذب. فهذا لعمري تعجل لا ينبغي من فاضل.

    -------

    ثانيا : معنى الباطن :

    معنى الباطن للقرآن عند الشيعة سأعرضه الآن باختصار وإجمال وعلى الآخرين أن يطبقوه على الواقع فإن وجدوا في ذلك قصورا فلهم الحق بالمناقشة.

    كل كلامنا السابق يوضح فكرة وهي أن النص له مستويات، منها لغوية ومنها رمزية .

    فما كان من قسم الدلالة: فمنها ظاهر النص الذي لا يحتمل الخلاف (سواء بالمفهوم أو المصداق) ومنها ما وراء ذلك الظاهر.. وتفسيره إما أن يكون بتعدد المصاديق حين نرتقي بالألفاظ إلى جوامعها في الاستعمال بحيث تلغى المجازات (وهذا خاص بالقرآن فقط). أو أن نصير إلى الاستخدامات اللغوية القديمة من اعتبار ما وضع له اللفظ وما لم يوضع له. وهذا يمكن فصله من خلال السياقات والأسلوب و بناء الجمل والقرائن المصاحبة من قرائن حالية ومقالية. فتكون هي عبارة عن ما وراء النص الظاهر .

    وهذا هو أول البطن قطعا وكل غرض بلاغي هو باطن مستقل من بطون اللفظ فتتعدد بطون اللفظ حسب الأغراض. وتتداخل فيما بينها حين تكون الجملة تحتوي على أكثر من غرض بلاغي في علم البيان . فيمكن رسم دوائر متداخلة للنص ودوائر أخرى مستبطنة لتلك الدوائر حسب مواقع الأغراض والاستخدامات البلاغية فدائرة المجاز تختلف عن دائرة التشبيه ولكن يوجد بينهما خيط رفيع هو الصلة أو المناسبة فقد تتحد وقد يتواجد المجاز والتشبيه في سياق جملة أو فقرة واحدة. وفيكن بينهما تداخل كتداخل العموم والخصوص من وجه.

    و إذا كان الباطن هو عبارة عن كشف السر أو لنقل نفس السر. فهذا يختلف كليا . فالنص هنا ليس له قواعد لغوية محددة و إنما يتعلق الأمر بالمعاني التي يرتبط بها الرمز بغض النظر عن حاق اللفظ. فهنا تتشكل دوائر متجانسة أو متنافرة ويصح أن تجمع كليا وقد لا تجمع. ففي عنصر المعاني الخاصة بالسر يمكن تشكيل دائرة المراد الحقيقي ودائرة العلل ودائرة التأثير ودارة الربط الكوني وفي كل دائرة مستويات متعددة قد لا نفهمها ولكن العقل يجزم أن دائرة المراد غير دائرة التعليل ودائرة التعليل غير دائرة التأثير التكويني (في الذهن أو الخارج) أو التشريعي . و أما بقية الدوائر مثل العلاقات الرياضية أو العلاقات الهندسية فهذه دوائر لها خصوصياتها وتعددها في المستوى ولا مانع من تداخل دائرة معنوية حكمية مع دائرة رياضية ودائرة أخري فيزيائية لنفس النص بل لنفس الكلمة أو بعض حروفها. وهذا موكل في التحقق إلى أرباب القدرة على معرفتها سواء بالرسوخ أو بالمعارف العميقة التي توصل لها الإنسان. ولا يمكن الجزم بالمنع منها. بخلاف معرفة مراد الله وأحكامه الحقيقية.

    فهذه بطون متعددة قد ينتج من المقابلة بينها عمليات إضافة أو ضرب للصور فتكون من التعدد الذي ذكروه. ولا مانع من ذلك عقلا. فإذا التفتنا إلى الحديث : (((أنزل القرآن على سبعة أحرف، (( [ لكل حرف ] منها ظهر وبطن)، و [ لكل حرف حد ]، و [ لكل حد مطلع ].))) . فهذه مستويات أخرى تحتاج إلى إضافة أخرى. وتحتاج إلى فهم معنى الحد والمطلع والبطن وليس من واجبي وحدي بحثها. بل على جميع المسلمين أن يبحثوا فيها بأصول علمية لأجل تحقيق كتاب ربهم. وكلام نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.

    وبهذه الفكرة من بطون القرآن نحمي القرآن من الجسارة عليه. ونعيد له هيبته التي يريد تضيعها المدّعون للمعرفة الكلية العامة به، فيدّعون الوضوح حين يريدون شيء والغموض والتشابه حين لا يريدون شيء. و المخلصون منهم (خاليي الغرض) يخضعونه لعقولهم بسطحية غريبة وكأن القرآن طوع أفكارهم.

    وهذه الفكرة للبطون تحدد اتجاه المعنى وتقسم المعاني إلى ما هو قابل للحكم والى ما هو غير قابل بضوابط محددة دقيقة، وتضيّق على المتلاعبين الفرصة. وتقدر ما صدر عن أهل العصمة والرسوخ في تحديد المعاني. وتعطي كل ذي حق حقه. وتعطي النصوص استقلالها وشرعيتها.

    ولكن هيهات عليهم التضييق؟ وهم أرباب الخروج على كل مقدس باسم المقدسات نفسها.
    ومعلوم بأن مثل هذه التقسيمات والدقة فيها يقلل من التحرك في الاحتيال على النصوص.

    وكذا كل من أمعن -عن علم ودراية- في نقد الباطن وشَتَمَ بتسمية الباطنية فهو محتال دجال يريد تحريف معاني القرآن وحديث الرسول ص بما يحقق شهواته ونزعاته الشيطانية. وأما الذين لا يعرفون فلا كلام لنا معهم والتكليف على قدر العقول.

    قبل توديع بحث معرفة باطن النص ارغب في الإشارة إلى آية كريمة وهي: (و أرسلنا الرياح لواقح) فمن يبحث فبها يجد صعوبة في تحديد معناها ويجد مستويات متعددة ومن ثم أحالوا النص إلى المجاز فمرة بمعنى حمل السحاب ومرة بأنها لواقح الخير ومرة بأنها تمنع نتن الأرض ومرة تلقيح الشجر ولكن من قال منهم بأن المقصود لقاح النبات فقد اعتبره من باب المجاز لأنه يفهم معنى اللقاح على حسب ما هو في الحيوان. وهذا لا ينطبق على النبات. حتى أن التأبير المعروف لا يجدونه يتطابق مع التلقيح ولذلك ذهبوا مذاهب لطيفة في تفسير كلمة لواقح وقالوا لو كان معناها التلقيح لكانت ملاقح وليست لواقح .

    ولكن التقدم العلمي من مرور الزمن كشف أن الرياح لواقح للنبات بمعناها الحقيقي وأن القصور كان في معرفة الناس لأسرار عملية التلقيح المشابهة تماما لعملية التلقيح الحيواني في الجملة. وهذا باطن علمي للّفظ لم ينكشف إلا بعد مئات السنين من نزول القرآن الكريم و أشباه هذا كثير في القرآن الكريم الذي لا تنقضي عجائبه. فهذه البواطن التي تنكشف لنا قهرا مع مرور الزمن بإمكانها أن تحدد الدائرة الحقيقية للمعنى بخلاف ما يفهم بشكل لغوي مجرد.

    وقد أعجبني نص في تفسير الميزان لهذا الموضوع ذكره في المقدمة في بيان الإعجاز القرآن وهذا نصه:

    الميزان – المقدمة – الإعجاز – التحدي

    و من هذا الباب قوله تعالى: "و أرسلنا الرياح لواقح": الحجر - 22، و قوله تعالى
    "و أنبتنا فيها من كل شيء موزون": الحجر - 19، و قوله تعالى: "و الجبال أوتادا": النبأ
    - 7، مما يبتني حقيقة القول فيها على حقائق علمية مجهولة عند النزول حتى اكتشف الغطاء
    عن وجهها بالأبحاث العلمية التي وفق الإنسان لها في هذه الأعصار.


    وقد استغربت حين بحثت في أحد كتب التفسير بالمأثور الشيعية فلم أجد لمعنى لواقح (غير تلقيح الشجر) عند أهل البيت عليهم السلام. وهذا التطابق العلمي يجعل من الرواية بنفسها ذات اعتبار بغض النظر عن سندها.

    تفسير القمى مجلد: 1 ص ـ375ـ .
    من رواية أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام ......
    وقوله ( أرسلنا الرياح لواقح ) قال التي تلقح الأشجار.

    وهذا ليس غريبا على من رزقهم الله الرسوخ في العلم.


    ---------------



    فالخلاصة هي أن التأويل له مستويان في الاستخدام:
    الأول بمعناه في علم الدلالة.
    والثاني بمعنى كشف السر.

    ولكل أحكامه وموارده وقد تقدم الإشارة إلى مجملها وسيأتي التصريح بها.

    هذا ما سنبحثه مع الأحكام والتطبيقات في الحلقة القادمة وهي خاتمة المطلب في التأويل إن شاء الله ( وساعدكم الله على التحمل) .

    فإلى لقاء قريب بإذن الله

    أخوكم

    علي الصدر



    [edited][حرر بواسطة مدير الحوار بتاريخ: 10-12-2001 م - في الساعة: 09:29 AM][/edited]

  13. #73

    الحلقة الرابعة من المحور السادس



    الاخوة الكرام حفظكم الله

    الأخ الكريم الأستاذ حسن المالكي وفقك الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تقبل الله أعمالكم واسعد الله أيامكم بالعيد السعيد.

    هذه الحلقة هي نهاية البحث في التأويل وهي تنقسم إلى قسمين، قسم في الأحكام وقسم في التطبيق.

    مختصر ما في هذه الحلقة:

    أولا الأحكام:
    1- ثبت بأن التأويل له مستويات متعددة و يجمعها نوعان :
    الأول : بمعنى التأويل في علم الدلالة .
    الثاني : بمعنى كشف السر والرمز والمراد الحقيقي .
    2- إذا كان التأويل بمعنى بيان المعنى الدلالي فهذا يخضع لعلوم اللغة والمنطق والبلاغة وله شرط في تحققه وهو توفر آليات البحث الدلالي وفق المباني السليمة المحققة.
    3- إذا كان التأويل بمعنى السر. فهذا يتعلق بقائل النص ولا يتعلق بالمتلقي أبدا. ولذلك ففي حالة النص الإلهي لا يجوز التبرع بادعاء معرفة سره ولغزه ورموزه ما لم يكن هناك صلة بالله منصوصة تدل على التلقي من الله.
    وقد يتمكن الإنسان بتعمقه في العلوم بكشف بعض الجوانب الخفية من النص القرآني وهذا أية الإعجاز حيث تتجلى المعاني كلما ازداد الإنسان رقيا علميا. ولكن لا يمكن إدعاء أن هذا هو مراد الله ما يكن هناك نص.
    4- الإشارة إلى أن من ينتقد نصوصا مؤولة عليه أن يمتلك آليات وصلاحيات التأويل حتى يستطيع أن يقول ما يقوله. ولا يمكن للشيخ المالكي أن يدّعي التوفر على هذه الصلاحيات والآليات.

    ثانيا التطبيق:

    1- تطبيق بسيط على استخدام الشيخ المالكي التأويل الباطل الناقص الآلية في معالجة حديث غدير خم.
    2- سبع تطبيقات لتأويل استخدمه المالكي في نقاط متفرقة مع تعليق سريع عليها. وهي تطبيقات لتأويلات ما أنزل الله بها من سلطان.
    3- معالجة لخمس وستين نقطة يتهم فيها المالكي التراث الشيعي بالتأويل الباطل وقد أثبتنا أن هذه التأويلات بغض النظر عن سندها لا تعد من التأويل الباطل وهي على أنواع متعددة بحسب أنواع التأويل وقابلية الحكم عليه فما كان من باب التأويل حسب علم البيان فهو لا غبار عليه وما كان من باب السر والرمز فلا طريق لنا لنفيه إذا ثبت صدوره عن المعصوم.
    ومن مجموع الخمس وستين نقطة استغربت نقطة ورفضتها فيما لو كانت فعلا موجودة في الكتاب الذي ذكره.

    والخلاصة في التطبيق أن عموم ما أورده الشيخ المالكي من استنكارات مبنية على عدم تفريق وعلى فهم خاطئ للنصوص أو لقابلية الحكم على النص وصلاحية من يحكم عليه.
    وهذا قد رددت على ما يقارب ثلث نقاط الشيخ المالكي التي أوردها فهي كلها مبنية على هذا الموضوع. فقد عالجت في موضوع التأويل أكثر من خمس وسبعين نقطة فإذا أضفنا لها النقاط السابقة فنكون قد عالجنا ما يزيد على المائة نقطة على التقريب.
    وقد اضطررت للإتيان بهذه النقاط في المقدمة لأن الموضوع التطبيقي يتعلق بها.

    وهذا هو التفصيل:

    =========================

    المبحث الأول الأحكام :


    وهنا أقول لمن لم يستطع أن يتابع البحث لما قد يراه من طول أو من إغلاق في العبارات ، سألخص الموضوع و أضع النقاط على الحروف على نفس ما طرحه الأخ الأستاذ حسن بن فرحان المالكي في ورقته الأساسية لبيان موارد الغلو والكذب وهذا :

    خلاصة ما تقدم :

    قلنا أن الله سبحانه وصف القرآن الكريم بأنه يحتوي على:

    محكم ومتشابه.

    ومهما اختُلف في معنى المحكم والمتشابه فإن مما لا شك فيه إن المتشابه هو مورد التأويل وموضوعه . والتشابه إنما يكون حين الانتقال من مرحلة (ظاهر النص أو النص المحكم) إلى مرحلة ( ما وراء النص) وهذا ما سماه الرسول ص وأهل بيته عليهم السلام (ببطن القرآن أو باطنه ) - في روايات معتبرة عند علماء المسلمين سنة وشيعة - وجرى على هذا علماء المسلمين سنة وشيعة على اعتبار هذا الاصطلاح. رغم الهجوم السياسي المفتعل على البطن والباطنية بتعريف للبطن غاية في الغرابة وسوء الفهم بل لا يبعد عن سوء القصد من مختلقه، لأجل التشاتم السياسي لإقصاء المعارضة المطالبة بمنهج العدل والشرعية في الحكم.
    ولا بد للباحثين الأحرار غض النظر عن هذه الرواسب الظالمة والمشوشة للفكر الإسلامي. فإن المسألة من الوضوح بمكان كبير.

    وقد عرفنا بأن هذا البطن ينقسم إلى قسمين هما:
    1- ما كان خاصا بعلم الدلالة اللغوية من مقاصد علم البيان والدلالة من بيان معاني الألفاظ والجمل بغير ما وضع له من خلال الأسلوب والصياغة والقرائن والعلاقات الوضعية والعقلية. وهذا لا بد من معرفته لكل من يبحث في كلام الله ورسوله وهو ما يجب على الفقيه والمجتهد التعمق فيه والتفنن في ضبط صوره بما يخرج عن العهدة التكليفية.
    2- ما كان بمعنى معرفة السر وكشف الرمز واللغز.
    وهذا على نوعين:
    الأول: ما يختص بالله ومراده.
    والثاني: ما يختص بأسرار العلوم ودقائقها.

    ولكل حكمه. وهذا تفصيل الأحكام:

    أحكام التأويل بمعنى البطن في (علم الدلالة والبيان) :

    لقد قدمنا القول بأنه ضرورة إنسانية معرفية. وما يثار من ضجيج حول هذا النوع من ضوابط تحليل النص بحجة حرمة المساس به إنما هو محاولة مكشوفة لتدمير بنية النص القرآني والسماح بالتلاعب به.
    والتحكم بالإسقاطات المذهبية والسياسية على النص الإلهي.

    وكل الحجج المقدمة إنما هي مخالفة لضرورة الوجود الإنساني وطرق تلقيه المعرفي. بينما المقصود تدمير النص الإلهي فضلا عن المساس به لأسباب مذهبية أو سياسية. وهذا سلوك لا شك في شبهته ولا منازعة في مخالفته لكل أصول الإسلام.

    إن أهم أدلة النافين للمجاز المرتكز الأساسي للتأويل، هما دليلان أساسيان :
    1- المجاز ضرب من الكذب فلا يصح عند العقلاء أن يصدر منهم ويستحيل وجوده في القرآن.

    2- أن السلف لم يعرفوا هذا ولم يصرحوا به.

    ولشدة غباوة هذين الدليلين أنزه قلمي من التعرض لهما فأنا لا ارتاد مقاهي الأغبياء.

    والكلام في هذا النوع من الباطن وهذا النوع من التأويل طويل جدا، ومتعدد الاتجاهات ، ولا يمكن الإتيان بدراسات كاملة هنا. والذكي تكفيه إشارات الموضوع وفهرسته ومن أراد الزيادة فعليه بالبحث والتقصي. غير أنني وجدت من السهل عليّ أن أنسخ من موضوع بعثه لي صديق من منتديات وادي نجران. بعنوان (الحشوية والمجاز) لكاتبه KING_DODO وهذه بعض المقتطفات منه:

    ( والذي قاد أدعياء السلفية إلى نفي المجاز هو التجسيم فهم يعلمون أن لو حملوا الكلمات التي تقتضي التشبيه على ما يمكن أن تحمله في صريح اللغة من معانٍ مجازية لما بقي لهم على شبهاتهم من دليل. والسبب الآخر الحديث هو تقليد ابن تيمية الذي يزعم أن التأويل هو شر أقوال أهل البدع وينفي المجاز ولا بد لأشياعه من متابعته ولو كان في ضلال مبين، يقول فضيلة الشيخ محمد العزازي مفتش المعاهد الدينية بالأزهر الشريف، وأستاذ اللغة والأدب بمعهد الزقازيق الثانوي سابقا، خلال مساهمته في كتاب (ابن تيمية ليس سلفياً)[1] للشيخ منصور محمد عويس، واصفاً ابن تيمية بعد أن ذكر إنكاره للمجاز: (لا حرج عليَّ أن أقول فيه – مهما نعته مشايعوه بالحكمة والعلم – إنه قد حرم ذوق الأديب، كما حرم نعمة التفهم لأسرار اللسان العربي)اهـ.)


    (قال الشوكاني في (إرشاد الفحول) ص 22: "المجاز واقع في لغة العرب عند جمهور أهل العلم،)

    ثم قرر الشوكاني إحدى شبهاتهم الركيكة فنقل عنهم:

    ( لو كان المجاز واقعا في لغة العرب للزم الإخلال بالتفاهم إذ قد تخفى القرينة).

    ورد الشوكاني قولهم بهذا الجواب المختصر:

    (وهذا التعليل عليل؛ فإن تجويز خفاء القرينة أخفى من السها") … إلى أن قال: ( "وعلى كل حال فهذا لا ينبغي الاشتغال بدفعه؛ فإن وقوع المجاز وكثرته في اللغة العربية أشهر من نار على علم، وأوضح من شمس النهار. قال ابن جني: أكثر اللغة مجاز)


    وقال ابن قدامة الحنبلي في (روضة الناظر) ج 1، ص 182، بعد أن ذكر بعض الآيات القرآنية: (وذلك كله مجاز لأنه استعمال اللفظ في غير موضوعه، ومن منع فقد كابر، ومن سلم وقال لا أسميه مجازاً فهو نزاع في عبارة لا فائدة في المشاحة فيه. والله أعلم) اهـ

    (وقال السيوطي في (طرز العمامة): (ومن جهل المجاز فرتبة الفهم عنه قاصية، والغباوة عليه قاضية) اهـ).

    (ويقول فضيلة الشيخ عيسى بن عبدالله بن مانع: (إن الأئمة الأربعة؛ أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد قد ثبت عنهم جميعا الكلام في المجاز لفظاً ومعنى، وأما التأويلات المجازية فهي كثيرة جداً). ).

    ( ومن المضحكات المبكيات أن الشيخ محمد علي الصابوني كانت له حظوة كبيرة لدى علماء الوهابية قبل أن يكتب تفسيره القيِّم (صفوة التفاسير). ولكنه ما إن كتب تفسيره حتى ناله الأذى منهم لا لشيء سوى أنه تأول آيات الصفات في تفسيره خلافاً لمنهج الوهابية المجسم، وقد ذكر لطيفة في الجزء الثاني من صفوة التفاسير ص 174 فقال: (ذُكر أن عالماً ممن ينكر المجاز والاستعارة في القرآن الكريم جاء إلى شيخ فاضل عالم منكراً عليه دعوى المجاز – وكان ذلك السائل المنكر أعمى – فقال له الشيخ ما تقول في قوله تعالى {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا}الإسراء 72 هل المراد بالعمى الحقيقة وهو عمى البصر، أم المراد به المجاز وهو عمى البصيرة؟ فبهت السائل وانقطعت حجته) ولم يكن هذا العالم الأعمى سوى الشيخ ابن باز.)
    .......

    انتهى ما اقتطفته من المقال المذكور في منتديات وادي نجران ولا اعرف رابطه وهو بعنوان: (الحشوية والمجاز) .

    أقول المسألة لا تحتاج حتى إلى تدليل أو بحث فإن إنكار المجاز وإنكار التأويل تبعا لذلك هو من باب إنكار بديهيات التفكير اللغوي المعتاد عند البشر.
    وهو بالتالي إنكار لنفس النصوص المقدسة لأنها مليئة بهذا. وقد يعترض معترض فيقول بأنك نقلت آراءً قلت عنها أنها محترمة تنادي بنفي المجاز في القرآن فما تفسير احترامك لها؟.
    فأقول : بأن أولئك بنوا على فلسفة عميقة للغة مؤداها بأن عملنا اللغوي المتأخر هو رفع خصوصيات الألفاظ إلى جوامعها المشتركة في الاستعمال اللساني في المواقف التي لا نعلم بكونها استعمالا متخالفا تبعا لنمو اللغة ؛ فيكون كل استعمال أخص من المفهوم الكلي هو استعمال تطبيقي وهو من باب تطبيق العام على الخاص، فيتوسع نفس المفهوم من اللفظ إلى ما يشمل صور لم ينطق بها اللغوي كصور من الاشتراك اللفظي.

    وهذا أيضا غرض منطقي ولعله بلاغي أيضا في بحث العموم والخصوص وهو منفي أيضا عند (أعداء المجاز والتأويل) . فما نقلته ليس باتجاه نفي نفس المجاز ونفي التأويل و إنما باتجاه آخر هو أن نوع الاستخدام الفعلي يضيّق من مساحة المجاز إما بالتطبيق أو بالنقل اللغوي. ويفتح أبوابا وأغراضا أخرى ويوسّع نفس المفهوم من الألفاظ فيتولد عندنا موقف عقلي منطقي من المفردات تنطبق عليه أغراض أخرى غير المجاز أكثر تعقيدا منه من ناحية تطبيقية.

    وهذا مبحث آخر وهو مبحث تخصصي.


    أحكام التأويل بمعنى كشف السر :

    وهو على ضربين:

    الأول : ما كان مختصا بالله ومراده.

    الثاني : ما كان له علاقة بدقائق العلوم وتطوّر بياناتها.

    أولاً : ما كان مختصا بالله كمعرفة حقيقة مراده وعلل تشريعه وغيرها مما يتعلق بذلك:

    فهذا لا يجوز القول فيه برأي حسب نص القرآن والعقل الحاكم بالمنع من التقول بدون علم وقد أخبرنا الله بامتناع علم هذا النوع من المعرفة إلا منه.

    وقد ذم الله التأويل وعرض به في نصوص قرآنية ويبدو بأن هذا النوع إنما هو ما كان تبرعا لتعيين مراد الله من دون إثارة علم من الله ، وإنه عبارة عن تحريف وتزوير للنصوص .

    ولكن هل أخبر اللهُ أحدا بعلم ذلك أو بعضه؟.

    لقد أجبنا في الحلقة السابقة بأن القول بمنع علم ذلك على المبلّغين عنه يجعل الكتاب بلا قيمة فعلية وهذا ما أورده القرطبي عن علماء ولم يناقشهم في ذلك ؛ لأن الكتاب مدح الراسخين فيكف يمدح من هو في المعرفة سواء مع أي ذي لسان؟.
    وهذا ما يجعل النص بلا قيمة.
    والأمر الثاني لقد أشكلتُ على هذا بأن الكتاب المليء بالمتشابه ما فائدته إذا كان لا يستطيع أحد معرفة المقصود منه حتى من يبلّغ عن الله؟.

    وهل يكلف الله مع عدم البيان؟

    لا نريد الخوض في مقولة جواز التكليف بالمحال وسقوطها. ولكن من الواضح أن المنظور هنا هو عدم فائدة القرآن حين يدّعى أن لا مجال لمعرفة مراد الله عبر من يبلّغ عنه. فلا بد للراسخين من معرفة ذلك ولو جزئيا بالمقدار المطلوب. وهنا لا بد أن يكون الراسخ هو من له القدرة على التلقي من الله.

    فإذن المسار المنهجي العلمي للبحث عن صدق التأويل أو عدمه في هذا المجال ما يلي:

    1- التأكد من كون المنقول عنه (الرئيسي)، له قدرة التلقي من الله.
    2- التأكد من صدور ذلك منه.

    فإذا تم التأكد من هذين الأمرين فلا مفر من التسليم بالقول ونسبته إلى قائله بموجب الحجة علينا من بذل الجهد في غاية ما يمكن الوصول إليه.

    ومعنى هذا أنه لا يجوز أن يدّعي أحد مطلقا أنه يعرف التأويل الخاص بمراد الله الحقيقي وعلله وأسراره ما لم يكن راسخا أو مستندا إلى راسخ.
    ودعواه بدون ذلك إنما هي تقول على الله. كما لا يجوز نفي ما يدّعى من ثبوت ذلك عن راسخ. إلا بمناقشة رسوخه أو مناقشة الثبوت عنه وبخلافه يكون النافي مدعٍ للرسوخ وهذا غير خفي البطلان.

    )قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (آل عمران:137)

    )فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) (القلم:8)

    ولا يجوز البحث في الأمور من ذيولها. وهذا يقتضي دراسة خصائص الصلة بالله وخصائص الإمامة المرتبطة بالله ومن ثم دراسة دقيقة لوسائل الإثبات السندي بما يخرج المكلف من العهدة التكليفية شرعا وعقلا. والبحث في هذا ليس هنا مقامه.

    على كل في سبيل الاستئناس بقول علماء أهل السنة في موضوع دعوى معرفة مراد الله إثباتاً أو نفيا . فقد اخترت نصا لشيخ أهل السنة في التفسير الإمام الطبري، يبيّن فيه ما لا لبس فيه بأن ادعاء القدرة على التأويل في هذا تقول على الله.

    فعلى من يدّعي قدرته على معرفة أسرار الله أن يأتينا بالدليل على ذلك أو أن يرد على علماء السنة في نصوصهم الصريحة كهذا النص:

    جامع البيان عن تأويل آي القرآن. للإمام الطبري : الجزء الأول من الكتاب. ذكر بعض الأخبار التي رويت بالنهي عن القول في تأويل القرآن بالرأي.

    ( قال أبو جعفر: وهذه الأخبار شاهدة لنا على صحة ما قلنا، من أن ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه، إلا بنصّ بيان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، أو بنصبه الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه، وإن أصاب الحقّ فيه، فمخطئ فيما كان من فعله بقيله فيه برأيه، لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هو إصابة خارص وظانّ، والقائل في دين اللّه بالظن قائل على اللّه ما لا يعلم، وقد حرّم اللّه جلّ ثناؤه ذلك، في كتابه على عباده، فقال: {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ والإثمَ والبَغْيَ بغَيْرِ الحَقّ وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللّه مَا لمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللّه ما لا تَعْلَمُونَ} فالقائل في تأويل كتاب اللّه الذي لا يُدرَك علمُه إلا ببيان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، الذي جعل اللّه إليه بيانه، قائل بما لا يعلم، وإن وافق قيله ذلك في تأويله ما أراد اللّه به من معناه، لأن القائل فيه بغير علم، قائل على اللّه ما لا علم له به.

    وهذا هو معنى الخبر، الذي حدثنا به العباس بن عبد العظيم العنبري، قال: حدثنا حبان بن هلال، قال: حدثنا سهيل بن أبي حزم، قال: حدثنا أبو عمران الجويني، عن جندب، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (مَنْ قالَ في القُرآنِ برأيهِ فأصَابَ، فَقَدْ أخْطَأ).
    يعني صلى اللّه عليه وسلم، أنه أخطأ في فعله، بقيله فيه برأيه، وإن وافق قيله ذلك عين الصواب عند اللّه، لأن قيله فيه برأيه، ليس بقيل عالم أن الذي قال فيه من قول حقّ وصواب، فهو قائل على اللّه ما لا يعلم، آثم بفعله ما قد نهى عنه وحظر عليه.)


    انتهى نص الإمام الطبري.

    ----------------


    النتيجة :

    أن التأويل له تطبيقات واسعة جدا في الفكر الإنساني عموما وفي الفكر الديني على الأخص ولا يمكن حصر الشواهد عليه لأنه ينبغي إعادة كتابة كل الفكر من جديد وعلى من يريد أن يوجد شواهد للموضوع فما عليه إلا أن يشحذ ذهنه ويلتفت إلى كل قول ودليل والى كل تفسير لنص ويسأل نفسه هل هنا تأويل وما هو نوعه فسيجد الجواب فورا أمامه .

    المهم حين يدّعي أحد كالأخ الأستاذ المالكي وغيره نقده للتأويل بشكل عائم. فهو أمام خيارات لا بد له من تمحيصها. وعلى كل حال فتقديري بأن الشيخ المالكي لم يحالفه التوفيق في اختيار إشكالاته. لأن لنقد التأويل متطلبات لا أظنه يجازف فيدّعي توفّرها فيه لما له من رجاحة العقل وما يظهر منه من تمسك بالإيمان والتعقل بحسب ما ظهر لنا لحد الآن.

    فلا أعتقد أنه يدّعي التوفر على أسرار علم الدلالة ليجيد نقد التأويل بحسب هذا المفهوم. ولو ادّعى لَكَذَّبَه طرحه. وحاشاه أن يضع نفسه في هذا المأزق. فإن ما طرحه من فهم وتصورات تدل على البعد الشاسع مع هذه العلوم حيث أنه لم يستوعب الفروق الظاهرة البسيطة من علم البيان فضلا عن غيره من الدراسات التخصصية فهو لم يلتفت للتمثيل ولا للمجاز ولم يقم وزنا لهذه الأغراض المنكشفة للمبتدئين في علوم الدلالة. ولهذا فأنا لا أعتقد أن يدّعي ملكية القدرة على التأويل في مستوى علم الدلالة.

    وكذلك لا أعتقد بأنه يجازف ويدّعي أنه من الراسخين في العلم بمعنى أنه يعرف مراد الله و أسراره في النص القرآني لما سبق. كما أنني لا أعتقد بأنه سينفي كون المعصومين عندنا من أهل البيت عليهم السلام هم من الراسخين. لأنه كسني سلفي كما يصف نفسه لا يمكنه أن يجازف ويرفض مرتكزات السلف حيث أنهم قبلوا معنى الرسوخ بالإيمان :

    حدثنا أنس بن مالك وأبو أمامة وأبو الدرداء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن الراسخين في العلم، فقال: "من برت يمينه مر، وصدق لسانه، واستقام به قلبه، وعف بطنه وفرجه؛ فذلك الراسخ في العلم". وحتى لو اعتمد تعريف خالد بن جَنْبَة: الراسخ في العلم البعيد العلم. بالإضافة إلى ما أشرنا إليه سابقا وأتينا بنص يدّعي فيه المفسرون بأن ابن عباس من الراسخين. و من خلال ممارستهم التي تدل على اعتمادهم تأويل مجاهد ومقاتل وعكرمة فضلا عن الصحابة مثل أبي وابن مسعود وغيرهم فهؤلاء كلهم راسخون.
    فإذا قبل السلف رسوخ هؤلاء فمن باب أولى قبول رسوخ أهل البيت عليهم السلام. وإذا لم يقبلوا ذلك أو أن الشيخ المالكي لا يقبل فمن باب أولى أنه لا يستطيع ادعاء الرسوخ لنفسه ولغيره. وإثبات أو نفي تأويل لكلام الله بمعنى معرفة سر مراده وهل استخدم لفظا معينا كرمز لا علاقة له بظاهر اللفظ أم لا؟
    فهذا يحتاج إلى إخبار من الله. لا يدعيه المالكي.

    ويبقى التساؤل مفتوحا إذن كيف جازف فردَّ من دون تحقيق بناء على ما يسميه بطلان المتن ؟؟

    أريد أن أحسن الظن به فأتبرع و أجيب عنه : بأن المدرسة التي ينتمي إليها لم تحقق الأمر جيدا، ولم تفرّق جيدا، فاختلط الأمر عنده فاعتقد بأن كل النصوص قابلة لحكمه العقلي. وأن الحكم العقلي هو المذاق الاستحساني الخاص. فكانت هذه النتيجة المغرقة في البعد عن الواقع. فإن لم يقبل هذا الجواب التبرعي. فسيبقى السؤال مفتوحا على أدق تفصيل. لأن الممارسة التي قام بها تستبطن ادعاء المعرفة والقدرة على الحكم.


    (وهنا يجب أن نثبت قضية مهمة في حوارنا . وهي بأن كل ما يمارس مع الشيعة من طعن في حجتهم أو تقرير حجة مخالفة إنما هو تلاعب وتأويل للنصوص مخالف للعقل والشرع وكل موازين العدل والمعرفة الإنسانية. ولولا سعة جزئيات هذه المقولة وكثرتها لأثبتُّ بما لا يقبل الشك بأن جميع الدعاوى على التشيع مبنية على هذا الأساس وليس هناك استثناء قط.).


    ===================


    المبحث الثاني التطبيقات:


    أقول: كان البحث السابق كله موجه بشكل عام إلى كل مثقف يحاور في النصوص المقدسة وغيرها. وعليه أن يفكر بتطبيق هذه البيانات على كل أفكاره لأنها قواعد حاكمة على الجميع. فالكلام كما قلت في السابق موجه إلى النخبة الفكرية المحاورة في الساحة الثقافية الإسلامية والعربية على العموم.
    وعلى كل محاور أن يفكر أين أوَّلَ وما حكمه ؟
    فقد قلنا بأن هناك ما يجب فيه التأويل وهناك ما هو ممنوع نفيا أو إثباتا قطعا.

    والآن أوجه الكلام إلى شيخنا الفاضل الأستاذ المالكي. فقد جاء دور التطبيق والإشارة إلى بعض الاشتباهات العلمية في تناول المواضيع.


    الأخ الكريم المالكي : حين تابعت الكثير مما كتبت عن الشيعة وجدتك تستخدم نفس أساليب التأويل الغريب واتهام الشيعة بالتأويل الباطل ويصعب عليّ تتبع كل ما أوردت لأنه خارج عن الموضوع ولكن لا بد من الإتيان بأمثلة لتدعيم هذه المقولة بالبرهان وهذه هي الأمثلة. مع ملاحظة عدم حسابي لأولويات الأمثلة فما تركت قد يكون أوضح وأهم مما ذكرت.

    مثال 1 :
    حين قرأت الإشكالات عرفت فورا اتجاه الخطأ فيها وقد تمثل بأمور محددة جمعتها في ذهني. وكان واحدا منها مشكلة نفي التأويل وتأويل ما لا يجوز تأويله أو تأويل الشيء بخلاف قواعد تأويله.

    فيا شيخنا أنت قطعا تعاني من مشكلة عدم وضوح الرؤية في تحليل النصوص. وأنا لا أريد هنا إجراء محاكمة فكرية لمجمل ما أنتجته من أفكار فأشيد بالصحيح وفق القواعد العلمية و أبين الخطأ فيها حين الخطأ العلمي.
    ولكن على سبيل المثال في مقالك الذي يرد على التيجاني. وجدت عجائب غرائب من الخلط بدعوى التفريق وعدم الخلط. ورأيت التأويل بدعوى عدم التأويل ورأيت نفي ما تطلب منا إثباته واثبات ما تطلب منا نفيه.

    وهذا كله غير منظور عندي الآن، ولو شمرت لتحليل تلك المقالة لنتج بحث طويل .(مع أنني لا أقول بصحة كل ما يكتبه التيجاني فهو باحث ينطبق عليه كل متطلبات التقييم) ولكن سأشير إلى موارد عمومية.

    فأنت بشكل عام طالبت التيجاني أن يفرق بين الظني والقطعي ... جيد.

    فماذا حصل عندك ؟

    حصل العكس فأنت ترد على نقد التيجاني لموضوع إبطاء استجابة المسلمين لأمر رسول الله ص بالحلق في الحديبية. بأن هذا النقد يشمل عليا ..

    لماذا ؟؟ .

    بالقول الظني. وذلك لاحتمال أن يكون عليا منهم ؟

    إذن هذا هو القطع الذي يجعل النص القطعي يتحول إلى نص ظني ولا يفيد شيئا من النقد. هل هناك نص يقول لك بأن عليا كان منهم. أين ذكاءك لتكتشف فيه بأن عليا كان من المؤيدين للرسول في موقفه من الصلح.

    فإذا كان مجرد الاحتمال يبطل الاستدلال . فأنا أعطيك هذا الاحتمال فأجبني عنه. حيث يحتمل أن رسول الله ص نفسه لم يسارع للأمر ولم يحلق لأنه لم يردنا أنه حلق قبل أو بعد أمره مباشرة.

    وأنت تقول : ( مع أن الإمام علي يبدو انه كان من هؤلاء لأنه لم يرد نص يستثني عليا ولا غيره ) !!

    فلا نص بالاستثناء إذن !! وهذا يكفي عندك للتشكيك !!.

    فما بالك والنص موجود على أن رسول الله لم يسارع للحلق ؟؟

    ولم ينوي أن يحلق حتى أشارت عليه أم سلمة ؟؟

    أو هكذا فهمه بن حجر !!!

    ففي فتح الباري يقول : (( قوله: (فذكر لها ما لقي من الناس) في رواية ابن إسحاق " فقال لها ألا ترين إلى الناس؟ إني آمرهم بالأمر فلا يفعلونه " وفي رواية أبي المليح " فاشتد ذلك عليه، فدخل على أم سلمة فقال: هلك المسلمون، أمرتهم أن يحلقوا وينحروا فلم يفعلوا، قال فجلى الله عنهم يومئذ بأم سلمة".
    قوله: (قالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم) زاد ابن إسحاق " قالت أم سلمة: يا رسول الله لا تكلمهم، فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح"، ويحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتحلل أخذا بالرخصة في حقهم وأنه هو يستمر على الإحرام أخذا بالعزيمة في حق نفسه ، { فأشارت عليه أن يتحلل لينتفي عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم صواب ما أشارت به ففعله } فلما رأى الصحابة ذلك بادروا إلى فعل ما أمرهم به إذ لم يبق بعد ذلك غاية تنتظر )).

    فتبين أنه لم يحلق هو أيضاً حين أمر .

    أ هكذا يكون التفكير يا شيخنا !!
    هداك الله ..

    مع أن من يقرأ هذا النص لا يستطيع هضم دفاعك عنهم.

    يا سيدي إذا كان الأمر بهذا المستوى من السطحية فأستطيع أن أقضي عمري كله بهذه الاحتمالات التي تمزق أي فكر سواء كان مقدسا أم غير مقدس وسيتحول إلى كوميديا.

    المهم أنه من خلال تطبيقاتك للظني والقطعي - بمقاييسك التي لم تُستكشف بعد- وجدتك تبادل المواقع بينها ولا ادري من أين أتيت ببعض القطعيات وكيف حكمت على الظنيات؟؟.

    وعلى كل حال فالشاهد المراد هنا هو قولك هذا: (وكذلك حديث غدير خم (فهو حديث صحيح بل متواتر ) لكن دلالته غير قطعية).

    فكيف حكمت على ظنية دلالته ؟!!

    طبعا بتوظيف الاشتراك اللفظي في كلمة مولى القطعية الصدور باعترافك بتواترها بقولك : (وقوله فيه (فمن كنت مولاه فعلي مولاه ) فهذا متواتر) .

    والمعروف من الحوار مع هذا النص هو محاولة تحريف كلمة مولى إلى صديق أو ناصر أو ما شابه ذلك من المشتركات وتضييع المعنى والقرائن.

    وهذا قد يكون عين التأويل الباطل لأنه صرف اللفظ إلى خلاف استخدامه التخصصي حسب القرينة، كما قلنا سابقا. وهو بكل وضوح محاولة تشويهية مستبشعة لتحليل النصوص حين يطوّع الاشتراك مع الإغماض عن القرائن المعينة ويستخدم كأداة من أدوات تضييع النص إلى درجة تفريغه الكلي من محتواه.

    وهل اتّباع الاشتراك والإغماض عن القرائن المحدِدة لتضييع المقاصد إلا اتّباع المتشابه ؟.

    وهل يختلف هذا عن قوله تعالى : ) فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)(آل عمران: من الآية7)

    وهذا تقليد لمنهج تضييعي تأويلي معروف بينما أنت تطالب التيجاني بعدم تقليد شرف الدين الشيعي وأبي رية السني في دعاواهم ضد أبي هريرة بالتحيز للأمويين لأنك عثرت على رواية يشتم بها الأمويين ، ولم تلتفت إلى الثوابت التاريخية والنصوص الكثيرة والاعترافات الخطيرة وقول الصحابة فيه وأولهم علي ابن أبي طالب عليه السلام. ولم يدر بخلدك احتمال المصلحة في قوله ذاك فلعل هناك من أراد إيقاف تناتج الخيل أو أخذ مرعاها.

    هل نسيت بأن الاحتمال عندك يحوّل النص إلى تأويل والقطع إلى ظن ؟.

    ومن لا يحتمل معارضة هذا الرجل لأسباب لا علاقة لها بحاق الحق والحقيقة ؟

    فإذا كنت ترى الإنصاف في إعلان معارضته فأنا أعلنها لك. ولكنها معارضة لا نعرف صورتها ولا صيغتها. ( ولي رأي مختلف عما يراه الباحثون في هذا الصحابي ليس موقعه هنا )

    وفي المقال موارد كثيرة جدا للنقاش ليست موضع بحثنا رغم أن فيها الكثير من التأويل والنهي عنه ( رغم أن فيه موارد جميلة جدا في طلب الحق لا تعبر عن الرأي السلفي بدليل عدم رضاهم عنها).

    وقد اكتفيت بهذا المثال وهو من الأمثلة المعروفة تماما.


    مثال 2 :

    لقد أوردت حوالي سبع نقاط استخدمت فيها كلمة (يعني و أي التفسيرية) وحين راجعتها وجدتك تستخدم التأويل والتفسير الانتقائي لنص معين حتى تقحمه كدليل لما تقول.
    بينما كان يجب أن لا تأتي بشيء يحتاج إلى (يعني) حسب ما تقول من أنه لا يمتري فيه عاقل. وحتى لو كانت دعواك فيما يؤول إليه الكلام .

    ولكن لم يكن ذلك صحيح علميا وعمليا بشكل عام وهذه الموارد التي لاحظتها. مع تعليقات صغيرة بصيغة أقول.

    50- وأن المراد بالمشركين هم من أشركوا في ولاية علي غيره ! يعني من اعترف بخلافة الخلفاء الراشدين مثلاً فهو المشرك المراد في القرآن الكريم!(الكافي 1/281).

    أقول : كيف خصصت من أشرك بالولاية بمن اعترف بخلافة الخلفاء الراشدين الذين منهم علي ابن أبي طالب بقولك: ( يعني من اعترف بخلافة الخلفاء الراشدين مثلا) ؟؟.

    فهل هذا من التخصيص المباح ؟؟

    فالكلام يشمل كل ما وقع عليه التعدي على الولاية الشرعية.

    على كل سيأتي الكلام عن هذه النقطة بما يثبت عمومية المفهوم ولا يهم التطبيق إلا أن ينسف المفهوم من الأساس بالدليل البرهاني القاطع.

    56- وأنه لا يقبل عمل المسلم إلا بالإيمان بالولاية (يعني أئمة الإثني عشر إماماً ومن اعترف بغيرهم إماما (حاكماً) فهو كافر خالد مخلد في النار)!.

    أقول : كيف تم تطوير دلالة عدم قبول العمل من غير الولاية إلى أنه كافر مخلد في النار ؟؟

    هل تأويل الكلام احمر أم اخضر ؟؟

    مع أن القول بعدم قبول العمل لمن لا يؤمن بالولاية هو قول سني 100% والفرق هو أن الولي أبو بكر وعمر بدل الأئمة من أهل البيت عليهم السلام .
    هل نسيت أن من لم يقل بتفضيل أبي بكر على علي لا يقبل له عمل ويكون من المفضوحين ؟

    وهذا قول أهل الاعتدال وليس الغلاة كما تسميهم . بل التسنن قائم على هذا ولو قبل أهل السنة عمل من لم يقل بولاية الشيخين لقبلوا عمل الشيعة وعذروهم شرعا ، ولكن أنى ذلك ؟؟

    والموضوع قد نستوضحه أكثر فيما بعد لرفع الغشاوة عن فهمه.


    62- وأن جميع الأنبياء والرسل كانوا لعلي مجيبين (تفسير الصافي للكاشاني 1/61) يعني ولولا ذلك ما أرسلهم الله!.

    أقول : من أين أتيت بهذا التفسير ؟؟
    أليس هذا تحريفا للكلام بحجة المؤدى والتأويل ؟؟.
    وهل يجوز مثل هذا التأويل ؟!!

    فأنت حين تواجه رزية الخميس تكون غير متأكد مما يريده النبي حتى مع التصريح بعدم الضلال بعده فكل هذا غير صريح ولا يفهم منه شيء.

    وأما حين يكون النص بهذا الشكل تستطيع أن تتخيل له فروع وذيول كبيرة وخطيرة.


    114- وأن القرآن الكريم لا يقوم إلا بقيم من الأئمة، يعني لا ينفع إلا بإمام ( كل هذا في كتاب أصول الكافي وأكثره أبواب كاملة )

    أقول : من قال أن القرآن لا ينفع إلا بإمام ؟؟
    وهناك فرق كبير بين لا يقوم إلا بقيم - أي لا يطبّق صحيحا إلا بمن يعرف تطبيقه - وبين لا ينفع إلا بإمام الذي يشمل حتى نفع فهمه وبركته !! وهذا لا قائل به ..
    وكل هذا تأويل باطل منك إن كان التعليق لك ..

    نعم كل الشيعة يقولون لا حجة إلا بإمام لأن الإمام هو المبين الشرعي وهذا نقوله بأعلى أصواتنا ونحن جاهزون للحجة . وهو يختلف عن مورد النص و إنما ذكرته لوجود تشابه بالروابط الحرفية وبعض الكلمات فخفت من المداخلة.

    115- وأن الإمام يوحى إليه أن الفرق بين النبي والرسول والإمام فرق يسير يكاد أن يكون لفظياً فالرسول يرى جبريل ويسمعه وينـزل عليه الوحي، والنبي ربما سمع وربما رأى، وأما الإمام فيسمع الكلام ولا يرى الشخص! (أصول الكافي 1/230)، يعني ليس هناك كبير فرق! فهو نبي من جهة السماع! خاصة وأن هناك رواية بأنهم مختلف الملائكة وأنهم يأخذون منهم الأوامر الإلهية سنة سنة... الخ فهذه نبوة صريحة بل صرح كتاب الكافي (1/254) بأن الإمام علي والنبي (ص) على سبيل واحد ولا فرق بينهما إلا أن الرسول مسمى (يعني في القرآن) وعلي غير مسمى!!

    أقول: من أين أتيت بقولك (يعني ليس هناك كبير فرق) ؟؟.
    هل بفهمك الخاص للنبوة والرسالة ؟؟.

    حيث لا تفرق بين قابلية التواصل مع الله وبين تعيين النبوة. ولن أناقشك في هذه المرحلة في تشويش صورة النبوة عندك وسنأتي لبحثها لا حقا.

    ولكن كون التفريق بين أشكال الاتصال عندك تكاد تكون لفظية فهذا من المضحكات المبكيات. مع أن هذا التفريق بعينه يقوله أهل السنة وزيادة ولا يمكن لمسلم أن ينكر صور الاتصال مع الله من عباده الخاصين أو المخلصين.

    وأجيبك بجواب طريف مختصر وهو: إذا كان فهمك صحيحا للنبوة فعندك أن النحلة نبيّة والعاقل يفهم.


    130- وقد أورد مؤلف الأنوار (1/35) ما يلزم منه أن يكون الإمام علي كرم الله وجهه أكمل في معرفة الله من النبي صلى الله عليه وسلم وذكر بعض الإجابات التي (تفصى عن هذا الإلزام محققوهم!) يعني بصعوبة بالغة! مع أن بعض تلك الإجابات قد تؤكد هذا أكثر مما تنفي.(الأنوار النعمانية1/33) وهذا قد يستنبط منها جهلة الشيعة أو مخالفوهم بأنهم يرون تفضيل الإمام علي على الله عز وجل! وهذا قد لا يدخل في حد الغلو ولا حد الكذب عند الأخ الصدر !

    أقول : رغم أن العبارة غير واضحة. والمطروح غير مسلّم فليس في الفكر الشيعي أبدا ما يدل على أن الإمام علي عليه السلام أفضل من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى في معرفة الله .

    وما نقل تخريف مرفوض بشكل قاطع بلا أدنى شك. ولكن كيف يستنبط من مقولة أن شخصا يعرف الله أكثر من غيره أن يكون هو أفضل من الله ؟!!.
    هل هذا من التأويل المسموح؟

    نحن مع نصك المطروح حيث يدل كلامك : (( مع أن بعض تلك الإجابات قد تؤكد هذا أكثر مما تنفي.(الأنوار النعمانية1/33) وهذا قد يستنبط منها جهلة الشيعة أو مخالفوهم بأنهم يرون تفضيل الإمام علي على الله عز وجل )) .

    فهل دلالتها بطريقتك الخاصة أم فيها صراحة ؟؟.

    الموضوع يستحيل أن يدل على هذا إلا إذا قلنا بجنون القائل لعدم المناسبة بين الله سبحانه وتعالى وبين خلقه فمنْ علي أو محمد تجاه الله حتى يفهم أحد تفضيل أحد عليه ؟؟.

    هداك الله يا أخي .. هل الناس مجانين ؟؟.

    وحق الله سبحانه وتعالى لو رأيت أنا بعيني هذا في الكتاب لقلت بأن الرجل مجنون.

    ولكنني متأكد بأننا حين ندرس النص سيكون الموضوع بهذا الساحل من البحر وفهمه في الساحل الآخر بناء على نظرية زحزحة القارات.


    176- وأن المراد بوجه الله في القرآن هو الأئمة (مرآة الأنوار 324 وبحار الأنوار 24/ وغيرها) فكل شيء هالك إلا وجهه يعني كل شي هالك إلا الأئمة!!

    أقول : ظاهر النص بأن كلمة ( يعني ) منك لتقدم المصدر عليها . فكيف أتيت بها ؟؟ ..

    نعم هناك روايات ضعيفة تفيد بأن الوجه إنما هو الباب الذي يؤتى منه الله كالتشريع وبيان النص الإلهي وهذا المعنى صحيح 100% رغم ضعف الروايات .

    فإن من يكون مصدرا من مصادر النقل عن الله هو وجه الله سواء كان مجازا أو تطبيقا مع توسيع مفهوم الوجه بما يواجه المكلف. وللطريفة فإن المعنى الذي طرحته يصحح الاستثناء لعدم معنى استثناءه لأنه غير داخل فيه قطعا لعدم قبوله الهلاك ذاتا فيكون الاستثناء لغيره ..

    فمَنْ هذا الغير يا شيخ حسن ؟!.

    وهذه فكرة جديدة .. المهم ليس في صدق الدعوى بل في صدق الاستنتاج ؛ فلا يصح هذا الترقي من كون السند إلى الله هو وجهه إلى الترقي إلى كونهم المستثنى بالهلاك ، ولو كان هناك قول فهو مرفوض ما لم يثبت بصدور عن المعصوم لأن هذا مما لا يعلمه إلا الله ولا ينبغي أن يكون إلا بإخباره عبر المعصوم .

    ولو ثبت فلا رأي لنا تجاهه .. بقي أن أشير إلى أن صياغتك للنص تريد أن توحي بأن المعنى يقارب من الغلو الشرعي أي ادعاء ألوهية الأئمة وهذا مرفوض جملة وتفصيلا .. ولا دلالة في الموضوع إطلاقا. إنما هي تأويل منحرف عن الصواب.

    فأنت في هذه الأمثلة السبعة من نقاطك قد مارست التأويل الباطني الباطل بشكل قطعي لأجل أن تدلل على دعوى فاشلة من أساسها وهي دعوى الكذب والغلو عند الشيعة .

    وهنا يجب أن أعيد التأكيد على أن النص الذي أوردته من الأدلة على تفوق الإمام علي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معرفة الله إذا كان موجودا فهو كلام باطل مرفوض عندنا كشيعة أبدا ولا نقبل به.
    ولكنني أشك بأن الموضوع فيه غفلة وتفسير بما لا علاقة له بالنص لأن النقل ليس للنص و إنما للفهم من النص. فهذا مورد نستنكره ونثبت لك بأننا لا نقبل بأي تجاوز.


    نظرة في دعاوى سوء التأويل حسب النقاط الأساسية .



    لقد وجدت بأن من المناسب أن أنبه إلى ما طرحته من نقاط حول هذا الموضوع في مشاركتك الأساسية لأن المناسبة هنا تحتم ذلك رغم السبق الزمني والرتبي لما ينبغي تحقيقه في حينه أي في حال التكلم عن تلك النقاط الأساسية.

    فلئلا تضيع المعاني وتنسى أورد المسائل هنا وتعليقات قصيرة على بعضها. وقد فرزت حوالي 65 نقطة تتحدث عن نقد تأويلات وردت في بعض الروايات وسوف لن أناقش سندها لأننا في مرحلة فهم النصوص .


    إن من يمعن النظر في النقاط التي وصفتها من أمثلة التأويل وصرحت فيها بالتأويل في بعضها. يجد مداخلة بين المعاني بشكل لا يستطيع وضع جامع مشترك لها. فاختلط التأويل بغيره واختلط التأويل بمعناه الدلالي بالتأويل بمعناه الرمزي. واختلط الصواب بالخطأ.


    وهذه بعض الاتجاهات في النصوص التي سأوردها من نقاطك.


    أولاً : موضوع أن الشرك بالولاية شرك بالله.

    لننسى بأن هذا هو من التأويل بمعنى الرمز الذي لا ينطبق عليه كل مقاييس النقد والناقد. ولنقل ما يلي :

    الفاضل المالكي وصف بعض ممارسات الشيعة وبعض أقوالهم بالشركيات.
    وهذا من نص كلامه في هذا الحوار.مثل قوله: ( وهناك تشيع مقبول بعيد عن التكفير والغلو في أهل البيت بما يصل عند بعضهم إلى الشرك –وأكرر الشرك-!)

    ومن جملة المقصود كما يظهر من كلامه زيارة القبور أو التوسل بالنبي والأئمة وما شابه ذلك.

    فما هو مستند هذه المقولة في الأساس؟

    المقولة هي تقرير لما قاله اتباع ابن تيمية. وحجتهم تقوم على أساس:

    أن التوسل وإيجاد الوسيلة مع الله تعتبر شكلا من أشكال الخضوع والاعتماد على غير الله.
    فالطلب من صاحب القبر سواء بالشفاعة أو غيره. هو نوع من الوسيلة مع الله وأن العبادة هي الخضوع مطلقا. وهي بمعنى الاعتماد على غيره.
    وأن العبادة لغير الله شرك.

    فتكون النتيجة أن هذا العمل شركي. بحذف وسائط التساوي.

    وهذا الدليل مثقوب من جميع جهاته فلا العبادة معناها ما قيل ولا التوسل معناه العبادة ولا الطلب معناه التوسل ولا زيارة القبر معناها الطلب العبادي .. إلى آخر القائمة المليئة بالغلط والتحريف المتعمد.وليس في هذه التركيبة شيء صحيح ما عدا أن العبادة لغير الله شرك.

    وهذا الدليل ينم عن سطحية مضحكة في التفكير ولكنه مقبول عند من تربى على أيدي السلفية ويبدو بأنه من الصعب الخروج عليه حتى على الفضلاء الذين ينتقدون التكفيريين من السلفية ولكن جذور التكفير تكمن في هذا الدليل المهلهل الحجة.

    بينما هم في المقابل يرفضون بعض الروايات الشيعية النادرة القائلة أن الإشراك في الولاية شرك بالله وهذه سطحية أخرى.
    من جهتين : من جهة معالجة نفس الموضوع ومن جهة عدم الالتفات إلى دليلهم السابق في تكفير المؤمنين.

    وسوف لن أستخدم نفس الدليل لبيان حجم وهول النتائج منه ولكن بدا لي أن أطرح دليلا على أن الشرك في الولاية هو عين الشرك بالله مع تمام الحدود وكامل البرهان فما سيقول عنه شيخنا المالكي.

    الدليل :

    التشريع في العقيدة الإسلامية هو لله فقط ومن شاركه فيه فهو مدع للشراكة معه.

    الإمام (سواء كان نبي أو خليفة) هو الممثل المسؤول لهذا التشريع . وهو المبيّن له، المنسوب إليه بحيث حين يسأل ما حكم الله أو حكم الإسلام في كذا يقال حَكم الإمام بكذا.

    وعليه يحتاج من يدّعي أن (قوله قول الله) الدليل على ذلك وإلا تقوّل على الله.

    فكل إشراك في الولاية ممن لم يدل عليه دليل شرعي فهو شرك عملي بالله لأنه اعتمد تشريع غير الله على أنه تشريع لله. وشاركه في خصوصياته وصلاحياته.

    فما يقول شيخنا المالكي ؟!!

    هل سيقول بأن الإمام الحاكم الزعيم لا يشرع ؟!!

    إذن ما معنى السلطة التشريعية ؟

    وما معنى أن قوله حجة ؟

    وما معنى أنه لا يرد عليه ؟

    وأنه يؤخذ بحكمه إجبارا ؟

    هل يرى أن الحاكم المسلم والقاضي المسلم لا يقوم بدور التشريع ؟

    هل يرى بأن البيان للنص الإلهي ليس تشريعا ؟

    هل يرى بأن نظرية التصويب ليست شركا بل ليست ترفع عن الله إلى درجة أن يكون الله تابعا للحاكم المسلم في قراره ؟.

    هل غاب هذا عنه ؟

    هذا برهان وليس ترهات وادعاءات لم يقل بها مسلم منذ أن كان الإسلام كما هو حال اتهام بعض الممارسات بالشرك.

    فأين التأويل الفاسد في هذه القضية ؟

    على من يدّعي ذلك أن يأتينا بدليل على أن ممارسة الحكم – (نيابة عن صاحب الشريعة الحقيقي بدون دليل منه) - ليس بشرك في صاحب الشريعة قبل أن نسمع كلامه بأن هذا تأويل باطل للشرك.

    بل هو تطبيق حقيقي للإسلام الذي يعني التسليم لله تعالى. فكيف أسلّم لله و تفسير ديني بيد غير الله ؟!!

    ( ومحتمل أن يكون عدوا لله إن لم يكن فعلا لمجرد التصدي الباطل بلا شرعية).

    فالشرك هنا لازم قانوني وعقلي ؟!!

    والكفر بالولاية كفر بالله . والردة عن الولاية ردة عن دين الله. والضلال هو ضلال في التلقي عن غير الله والمشي على طريق غير الطريق الشرعي.

    يا شيخنا هل ما تعلق باغتصاب الإنسان الحاكم مقام الألوهية مسموح والتعبير عن حب الميت والاعتقاد بقربه من الله وانه مجاب الدعوة ليدعو لمن توسل به غير مسموح ؟؟؟

    مع أن هذا مقبول شرعا وعقلا وذاك منهي عنه شرعا وعقلا.

    فهل تقديس الحكام وتبرير تجاوزهم على شرع الله هو الإيمان والإسلام ؟؟ ..

    ولكن أؤكد بأنه ليس الشرك الاصطلاحي المخرج عن الملة ، بل هو الشرك الخفي، وكذا الكفر والردة وغيرها ، وهذا الجواب لكل من يتوهم التكفير ، ولكن لا يعني أن هذا بلا مسائلة من الخالق عز وجل ، فإن إثم التشريع هو إثم الغلاة الذين قبّح الله مبناهم ، ونهى عن غلوهم في الدين وتحليلهم وتحريمهم بلا دال من عند الله .

    وأنا هنا أتحدى أن يأتي أحد بدليل برهاني معاكس .. وسوف يجدني اقف معه في كل خطأ دقيق وعلى كل تحريف لتعريف أو تحريف لدليل ؛ لأن المسألة لا مجال فيها أبداً ، بعيدا عن الأحاديث وصحتها أو عدم صحتها صدورا وعملا.

    فكيف ضاع هذا على فاضل مثل الشيخ المالكي - حفظه الله - بينما تبرع بوصف ما لا يخالف أس الإسلام – وعقلانيته - بالشرك ومن غير أسس ومقدمات صحيحة !! بدون وقفة تأمل !! مع أن جنابه الفاضل ضد التكفير أساسا.

    وهذا يدل على حجم المغالطة التي ركبت بها العقول إلى درجة أن يقع فاضل محترم من حيث لا يشعر بنفس ما أراد التخلص منه وهو التكفير بدون دليل.

    وهذا دليل على عذر مثل هذا الفاضل لأن قوة التشويه العقلي للفكرة أقوى من القدرة على التمييز عند الفرد المربى على ذلك ؛ فيختلط عليه الأمر ليعدّ العمل السليم شركا والشرك القانوني عملا سليما بكل معنى الكلمة .


    ثانيا:

    أن الأئمة هم وجه الله وهم القرآن وهم النور والإسلام والإيمان والأبرار والأخيار والمؤمنين والمسلمين والصوم والصلاة وسائر الطاعات وهم الخير والعدل والبشارة وأهل الذكر وآيات الفضل والإنعام والمدح والكرم، والتوحيد والنبوة والرسالة، والمتقين والسابقين والمقربين، وحرمات الله و أنوار الله ، وحزب الله وبقية الله ، وهم المسجد والمساجد، والدين كله وغيرها .
    وان الأئمة هم المخلوقات التي وردت في القرآن مثل الحشرات كالذباب والبعوضة أو مثل الدابة . كما أنهم البحر والسحاب وما شابه ذلك. وهم السبع المثاني وخير أمة اخرجت للناس والولدان والوالد والولد والأرحام، والماء العين والبئر المعطلة والقصر المشيد والشمس والبحار العذبة واللؤلؤ والمرجان والساعة وأيام الأسبوع والشهور الخ

    بنظرة تأملية نكتشف بأن أغلب هذا من التأويل بمعنى الرمز وليس بمعنى الدلالة الإلتزامية. وهنا يقف المرء منه موقف الساكت ما لم يثبت بالدليل صحة الصدور عن المعصوم فإذا ثبت فيسلّم باعتباره من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم ، وهناك ما هو من التطبيق, وسنأتي إليه .

    ولكن لو سألنا أنفسنا عن هذه الألفاظ هل كلها منعدمة الفهم نهائيا أم هناك إضاءة فيها ؟؟.

    الحقيقة أن بعضها لا يمكن لفهمنا العام أن يفتي فيها كما هو أن الدابة المذكورة في القرآن هي علي ابن أبي طالب عليه السلام.

    فهذا لم يكن مختصا بالكتب الشيعية بل هو أيضا موجود في الروايات السنية ؛ فإذا أراد أحد أن يتخلص من هذا بعلم الجرح والتعديل فنقول له رجاءً بطريقك خذ ما وجدته عندنا أيضا من ملاحظاتك فتريح وتستريح ..

    وإن قال بأنها قوية عندكم حسب دعواه فنقول له أيضا هي قوية عندكم بحسب دعوانا فتساقطت المدعيات وزال العتب.

    ولكن السؤال العلمي هو ما المانع العقلي والنقلي أن تكون الدابة رمزا لعلي ابن أبي طالب عليه السلام ، وحين تقرأ كتب التفاسير تجد من ينفي ذلك إنما هم أعداء علي عليه السلام بينما من يثبته هم الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن علي عليه السلام نفسه ..

    فهل يعني هذا شيئا عند الأذكياء ؟؟؟ ..

    على كل .. حين تكون من مواصفات الدابة أنها تكلمهم فهي متكلمة وهذه صفة إنسانية وليست صفة حيوانية واختراع المخلوق الخرافي المرقّع من كل حيوان عضو الذي يكلم الناس كما أورده بعض المفسرين ويقولون بأنه أقرب للمعجزة لأن تكلم الحيوان معجزة ونسوا حين يكون هو علي ابن أبي طالب عليه السلام تكون المعجزة بنفس إرجاعه ( هذه الرجعة التي تولد حساسية جلدية عند مثقفي السنة من دون أن يعرفوا لذلك سببا واضحا ) لأن الكل متفق على أن الدابة من أشراط الساعة والفرق بأن من يروي عن رسول الله يقول أنها علي ابن أبي طالب ومن يروي عن ذهنه الوقاد يقول بأنه مخلوق مرقّع من كل حيوان جزء .

    وينبغي على المسلم حسب الفهم العميق لمعتدلي المثقفين المتميزين أن يترك ما أثر عن رسول الله ويكذبه لأنه لا يتفق مع مزاجه ولا يتفق مع ما آمن به من القصة الخيالية الخرافية التي تفتقت عنها أذهان القصاصيين العباقرة !! .

    هكذا يجب أن يكون المسلم ، أن يضرب بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عرض الحائط ويتجه إلى الخرافة والتزوير فهو أكثر تقدمية. وإذا أُحرج المسلم المتنور يستطيع أن يطعن بالسند بكل سهولة لأن علم الجرح والتعديل طيّع جدًا فمرة يمكن إثبات رواية عليها آلاف الإشكالات من خلال النظر بالعين اليمين للسند و أخرى يمكن إسقاط المتواترات من خلال النظر بالعين الشمال فتسقط .

    وهذه طريقة فنية يجب أن يتعلمها كل مسلم فهذا العلم يجعل الرواية والرؤى الإسلامية طيعة كطاعة عجينة البقلاوة للتشكيل .. فإذن الرواية عن رسول الله غير صحيحة سندا و انتهى المشكل .. كما قال حجا: ( سُرق اللحاف وانتهى الخلاف ) .

    وهناك ألفاظ يمكن أن نجد لها علاقات بعيدة أو قريبة ولكنها قد لا تصل إلى حد المجاز مثل البعوضة والذباب التي يفهمها الكثير على أنها تمثل حالة الاستضعاف وهي غير مقدور عليها.

    وأنا أرى هذه الألفاظ مجرد رمز لقضية لا يعلمها إلا الله ، كما يجب أن لا ننسى بأنها وردت مورد التمثيل وليس المجاز ، والتمثيل في كثير من الأحيان لا يقصد منه المطابقة في العلاقة .

    فكم نمثل لله بخلقه بينما النسبة بين الإنسان بأرقى مستواه مع البعوضة بأدنى مستواها أقرب بما لا يقاس في الواقع من التمثيل بين الله وخلقه . ثم لو لم تكن لهذا التمثيل قيمة فلماذا ورد في القرآن ؟!.

    وكل المحاولات لإعطاء هذا التمثيل قيمة هي محاولات مخدوشة عقليا وفنيا يمكن إخراجها عن حيز التقييم أصلا بالتأمل ، فلا بد أن يكون التمثيل لما له قيمة وهذا لا يعلمه إلا الله وحين نُخبَر عن طريق المعصوم نسلّم حتى لو لم نفهم الحقيقة .
    ونعتبره خارج اختصاصنا وخارج تكليفنا ؛ فالمقصود به يعلمه الراسخون بإخبار من الله ، ونحن مكلفون بالنسبة للنص القرآني بما يمكن أن يعلم كما قدمنا ، والباقي له وضع آخر .. وهذا هو مقتضى الحجة.

    ---------------------

    سوف لن أناقش المرجعية المصدرية لهذه النصوص ولا أناقش إن كانت النصوص مطابقة أم غير مطابقة مع ما في الكتب المنقول عنها ، فذلك له بحث مستقل .. بل سأناقش الأقوال مجردة .


    ملاحظة :
    قبل قراءة هذه النصوص والتعقيب السريع عليها أقول بأنه لا يمكن فهم حقيقة التعقيب إلا بدراسة معنى التأويل الذي طرحته وبدونه يكون الفهم ناقصا .
    وسوف لن أشرح تمام الشرح والتدليل لأنني سأحيل التطبيق إلى ذكاء الباحث ..

    مع العلم بأن اغلب ما أورده الأخ المالكي له مثيل في روايات أهل السنة ولو كان قد قال :
    (بأن هذه شبيهة بما هو موجود في كتب أهل السنة و أنا اعتبرها كذب وغلو)...

    لقلنا بأنه يحاول التظاهر بالاعتدال ، ولكنه يرسل إرسال المسلمات على أن هذا من كذب الشيعة الذي يفوق كذب الطوائف الأخرى فكيف نجد له عذراً ؟؟!.

    بينما لا علاقة لما أورده في الكذب والغلو وهو من التأويل بمعنييه وليس لي ولا للشيخ حسن أن ننفي أو نثبت إلا بموازين قد أوضحناها أعلاه ..

    وهنا تنبيه فإن إصرار الشيخ حسن على احتساب كل ما ورد باسم الشيعة من كتب محسوب على الشيعة فإنني بالمقابل أعتبر ما ورد في كل الكتب السنية فهو محسوب على العقيدة السنية ..

    فإنني أءفض أي تلاعب لرفض أي حديث سني من قبل الشيخ حسن على انه ضعيف أو لا يمثل الفكر السني .

    وهذا مقتضى العدل في التعامل بالمثل ، وليس من حقه أن يفرض علينا ما يشتهي من نصوص وينفي حقنا أن نحسب عليه كل ما هو محسوب عليه وقد قلت له ذلك فأبى وأصر على موقفه من المراجع للفكر الشيعي .
    وأنا لا يمشي معي أبدا رفض أي حديث سني بناء على الجرح والتعديل المهلل أساسا وستأتي مصيبته لاحقاً .

    فما دام حسب علينا (( مرآة الأنوار )) فنحن سنحسب عليه كل ما نراه ، على أن من العدل أن نحسب عليه الأحاديث السنية ولا يحسب الأحاديث الشيعية علينا لأن العقيدة عنده كسني سلفي تؤخذ من النصوص ومن السمع .

    ونحن لا نأخذ العقيدة الأساسية من السمع أساساً فلا قيمة مستقلة عندنا للنصوص فيها وهي إرشادية فقط .. وقد قلنا له هذا المنهج وأبى أن يفهم ذلك .
    فعليه لن أناقش الصحة .. نعم من حقي أن أناقش تحريف النصوص والنقل الخاطئ وهذا سأؤجله إلى محله ..

    وهنا سأحاول بكلمات قصيرة الإشارة إلى بعض أنواع التأويل وغيره.

    كونهم (( النجم والنجوم والعلامات )) : هذا مجاز دلالي واضح والعلاقة هو الهداية بهم كما يهتدى بالنجم وهذا ينطبق على كل هاد إلى الله. ولكن إيراد هذا المحتمل يحتاج إلى رسوخ.

    كونهم (( الإنسان وهم الناس وهم الأمة )) : فهذا من التطبيق ومن الكناية .

    فهل هم ليسوا من الناس ؟!!.

    وأما الغرض البلاغي من تخصيص الناس بهم ونفيه عن غيرهم فهذا كثير الاستعمال في لغة العرب حتى في استعمالنا العادي في هذا الزمن حين نرى إنسانا كاملا في خًلقه وخُلقه وعلمه ودينه نقول عنه ( إنسان) ونقول عنه (زلمة) وهو بمعنى إنسان .

    والتخصيص هنا لإبراز الكمال الإنساني. فهو من باب إقامة الجزء مقام تمام الكل ، وهذا إن كان من التأويل فهو من التأويل بمعنى الدلالة ، والتشكيك بكونه من التأويل فذلك لأن المعنى ليس بخلاف ما وضع له و إنما هو تطبيق لتمام ما وضع له .

    كونهم (( البحر والبحار العذبة والمطر والسحاب )) : فهو مجاز في السعة وعميم النفع وحلاوة الإنتاج ، وهل أعظم نفعا من إمام عادل وقانون عادل يزرع الخير للجميع ، ومن لا يدري عليه أن يدري ..

    كونهم (( الآيات والعلامات )) : تطبيق على الآيات بمعنى العلامات المرشدة ، ومن يشك في كونهم أهل الرشاد والإرشاد ؟؟.

    كونهم (( حزب الله )) : هذه ليس لنا حق بها !! فحزب الله هو معاوية والحجاج وعمر بن سعد وزياد ابن أبيه وابنه عبيد الله والراقصون والراقصات ووزراء الصحة والمالية والمستشارين من اليهود والنصارى !!.

    أ لم أقل لك لم توفق في اختيار الإشكالات يا شيخ حسن ؟؟

    على كل هذا من المجاز وهو تأويل بمعنى الدلالة ..

    كونهم (( أنوار الله )) : هذا أيضا ليس لنا حق به فقد قال القرطبي في سورة التوبة :

    ( قوله تعالى: "يريدون أن يطفئوا نور الله" أي دلالته وحججه على توحيده. )

    فينبغي أن يكون الحجة من لا يعرف معنى الأب ولا يعرف أن يحسب الميراث فتعول عنده الفريضة ليرفع المقام إلى قيمة البسط وانتهى الخلاف !! على كل هذا من المجاز ..

    وأما كونهم (( القرآن )) : فهم الناطقون به العارفون بأسراره ومعانيه ، وقد وُصِف الإمام علي عليه السلام بالكتاب الناطق و القرآن الناطق لأنه حامل كتاب الله وأسراره .

    والحق أن ليس من حق من يرى القرآن كلام قديم والكلام مجموعة أصوات أن ينفي عنه تمثله بصوت واحد من خالص أحبابه كالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو أهل بيته عليهم السلام .. وعلى مثل من يقول هذا أن يترجم لنا ما استعجم من فكره فتناقض مع نفسه.

    وأما كونهم (( بمنزلة الصوم والصلاة )) : فهذا أمر لا علاقة له بالتأويل بل هو تشريع فهو أما أن يعني أن مقام الإمامة هو الضامن لأداء العبادات .. أو لأن الإمامة حكمها في الوجوب كحكم الصوم والصلاة. وكلاهما صحيح .. وهو تشريع وعقيدة وليس من المعاني المؤولة .

    و أما كونهم (( من الحشرات )) : فهذا من الرمز ... وقد توضح حسب الدراسات الحديثة عن سلوك النحل وقيادة الملكة للخلية ما يعطي نفس ظروف الإمامة المثالية من السيطرة والنجاح في الحفاظ على الخلية بما يدهش ذوي الألباب وأنا أدعو كل مخلص لدينه وكل سياسي بارع يريد أن ينجح أن يدرس سلوك النحل وفق الدراسات التخصصية فسيجد العجب العجاب وسيجد تطابق التشبيه بين المهمتين .

    وقد أفاد العديد من العلماء بأن التشبيه بالبعوض كان منصوصا على الاستضعاف وهو تشبيه عربي قديم وجرى عليه الأدب والشعر وليس من شك بأن أهل البيت من المستضعفين المزويين عن مهمتهم وصلاحياتهم.

    ولكن أقول ليس من شك عندي بأن هذه التأويلات يجب أن يتم فيها صحة الصدور وعندها ستكون بمعنى الرمز أو السر الذي قد يكشفه لنا التعمق بالعلوم وقد يكون من أسرار الله التي لا تعرف .

    وموقفنا منها هو موقف التحقق من الصدور ، والروايات بالنسبة لنا ضعيفة.

    وأما كونهم (( الأيام والشهور والساعات )) : فهذا من البطن الرمز الذي لا يعرف رغم تشابه الأعداد أو تشابه دورة الكمال ، ولكن قد يكون المقصود ما هو أبعد من ذلك من كونيات لا اطلاع لنا عليها.

    و أما كونهم (( البئر المعطلة والقصر المشيد )) فهذا من الرمز ، والآية الشريفة لا تأبى الرمز ، وهي على العموم ذات استخدام مجازي وسأشرح قليلا .. وهذه هي الآية الكريمة :

    ٍ )فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ) (الحج:45)

    فالآية كلها مجاز في مجاز وهي تحتمل المعاني المتعددة ومن يراجع كتب التفاسير يجد تباينا في المعاني واحتمالات متعددة ، ومجمل معناها يدل على ما يلي حين يهلك الله قرية يجعلها خاوية على عروشها وهناك بئر معطلة وقصر مشيد تام البناء !!.

    وهنا احتمالان في البئر المعطلة والقصر المشيد فهما أما أن يكونا نتيجة لهلاك القوم .. أو انهما كانا موجودين مع القوم فهلكوا بالتعطيل لهما ، وكلاهما معنيان مقبولان ولا دليل على رفض أحدهما .

    على أن كلمة قصر مشيد وهو المجصص كما يقولون وهذا أنه يعني تام البناء ، فلا يكون نتيجة للهلاك وإنما يمكن تصوره أثرا تاما لمن هلك فيكون المعنى الثاني أقرب للاحتمال .

    وعلى كلا المعنيين يمكن أن نفهم أن التعطيل للبئر الذي هو عين الماء وسر حياة القرية وترك القصر المشيد الذي هو مجمع القرية وهو الذي سبب هلاك القرية .

    وهذا يمكن تطبيقه على أن فقد شرعية الحاكم وسيرة العدل هي التي أدت إلى تخلف الأمة ومآسيها الفظيعة التي مرت بها والتي جعلت من دولة الإسلام دولة الإرهاب والتوسع العسكري الفارغ من الإيمان وقيم العدالة والإنسانية مما أدى إلى سقوط الحضارة الإسلامية مبكرا على يد السلاجقة المشركين الذين اعتنقوا الإسلام ليجعلوه مطية لحكمهم لبلاد المسلمين .

    وأصبحت الحضارة الإسلامية في خبر كان من ذلك العهد المشؤوم الذي مهد له فقد الشرعية الدستورية للحاكم المسلم ، فعلى هذا المعنى يكون هناك تطابق في التصور العام للأحداث فُسِّرت بنتائج حركة التأريخ.

    وهذه هي الروايات الشيعية في ذلك وهي تعطي نفس المعنى الذي قلته وهاتان الروايتان الشيعيتان صحيحتان عندي سنداً ومتناً رغم عدم تصحيح كل ما يرد في تفسير القمي ، ولكن هذه الرواية صحيحة وإن بعض علماء الشيعة يتوقف في ( سهل ابن زياد ) في رواية الكافي .

    وإنا لا أرى ذلك والرواية مروية بطريق ثان وصحة متنها يغني عن سندها لأنها تتعلق بأمر معقول محتمل ولكن إذا أردنا القول بان هذا مراد الله في سره الذي علمه للراسخين في العلم فيجب أن تكون الرواية صحيحة وهي كذلك للتعاضد وصحة الطريق :

    تفسير القمي جزء 2 ص 85
    ( و أما قوله : ( وبئر معطلة وقصر مشيد ) قال هو مثل لآل محمد صلى الله عليه وآله قوله : ( بئر معطلة ) هي التي لا يستسقى منها وهو الإمام الذي قد غاب فلا يقتبس منه العلم " والقصر المشيد " هو المرتفع وهو مثل لأمير المؤمنين عليه السلام . و الأئمة وفضائلهم لشرقة على الدنيا وهو قوله ( ليظهره على الدين كله ) وقال الشاعر في ذلك :
    بئر معطلة وقصر مشرف * مثل لآل محمد مستطرف
    فالقصر مجدهم الذي لا يرتقى * والبئر علمهم الذي لا ينزف)

    الكافي لثقة الإسلام الكليني رحمه الله : المجلد الأول.


    75 - محمد بن الحسن وعلي بن محمد ، عن سهل بن زياد ، عن موسى بن القاسم البجلي ، عن علي بن جعفر ، عن أخيه موسى عليه السلام في قوله تعالى : " وبئر معطلة وقصر مشيد " قال : البئر المعطلة الإمام الصامت القصر المشيد الإمام الناطق.

    أقول : أن هذه المعاني تتوافق مع سير المعنى رغم أنها تمثل باطن النص الذي هو بنفسه لا يمكن أن يكون على ظاهره بل النص يتناول معنى مجازيا مؤكدا ، فلا تمانع بين المعنى الرمزي وبين المعنى المجازي الذي هو تعطيل مصدر الخير والعطاء.

    يبقى رد على ما يمكن أن يحرف به المعنى وهو وجود روايات عن أن البئر والقصر المشيد هي على الحقيقة في موقع باليمن .

    أقول : لا أحاول أن ادرس عدم صحة هذا التفسير وشذوذه ولكن أطالب من يتمسك به أن يطلعنا على قيمة الرواية والراوي ثم نتكلم معه في الموضوع.

    وهذه النقاط الخمس والستون نقطة التي تتعلق بتأويل أو تطبيق ألفاظ قرآنية والتعليق علينا بصيغة أقول كما مر سابقا:

    49- أن الشرك معناه إشراك أحد من الناس في الولاية غير الأئمة!.

    أقول : لعله ليس من باب التأويل أصلا . وقد قدمت لهذا فهما خاصا وطالبت إبطال ذلك بطريق برهاني.

    50- وأن المراد بالمشركين هم من أشركوا في ولاية علي غيره ! يعني من اعترف بخلافة الخلفاء الراشدين مثلاً فهو المشرك المراد في القرآن الكريم!( الكافي 1/281).

    أقول: تقدم.. والملاحظ هنا كلمة يعني التأويلية.

    51- أن الشرك في القرآن الكريم هو (الإشراك في ولاية علي) كما في قوله تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) أي لئن أشركت في إمامة علي غيره (تفسير القمي وتفسير قراءات الكوفي والبرهان والصافي) وقد استنبط منها صاحب مرآة الأنوار أن (جميع المخالفين "للإمامة" مشركون)!! وذكر أن (الأخبار متضافرة في تأويل الشرك بالله والشرك بعبادته بالشرك في الولاية والإمامة)!!

    أقول: هذا مكرر وقد تقدم.

    52- وأن معنى قوله تعالى: (ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) أي يسلم لعلي ولا يشرك معه أحداً في الخلافة (تفسير العياشي 2/353، تفسير الصافي 3/270، البرهان 2/497)

    أقول: هذا مكرر وقد تقدم.

    53- وأن الكفر أيضاً معناه (الكفر) بإمامة علي (أصول الكافي وتفسير القمي وتفسير العجاشي والبرهان وبحار الأنوار ومرآة الأنوار).

    أقول: تقدم في ما فرضت من معنى صحيح.

    54- وأن المراد بالردة (الردة) عن بيعة أحد الأئمة (أصول الكافي وبحار الأنوار..).

    أقول: تقدم في ما فرضت من معنى صحيح.

    55- وأن (الضلال) هو الضلال هو الضلال في الإمام، والضالون في قوله تعالى (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) أي الذين لا يعرفون الإمام (تفسير القمي).

    أقول: تقدم في ما فرضت من معنى صحيح.

    61- وأن الله أخذ ميثاق النبيين بولاية علي! (في المعالم الزلفى للبحراني ص 303). و أنه لم يبعث نبي قط إلا بالولاية! (مستدرك الوسائل للطبرسي 2/195، والمعالم الزلفى ص303).

    أقول: فيما لوثبت عن الراسخين فما المشكلة؟ وهو من التأويل.

    66- وأن قوله تعالى (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) أي يدعون إلى ولاية علي في الدنيا (تفسير القمي والصافي وغيرهم)

    أقول: فيما لوثبت عن الراسخين فما المشكلة وهو من التأويل بمعنى الرمز؟

    67- وأن التوبة ليس معناها المتبادر من العودة إلى الله وإنما الرجوع عن ولاية أبي بكر وعمر إلى ولاية علي كما في قوله تعالى (فاغفر للذين تابوا) أي من ولاية الطواغيت الثلاثة – حسب تعبير غلاتهم - وبني أمية (البرهان وتفسير الصافي وتفسير القمي).قلت: أما من ولاية بني أمية فأنا أول تائب!! ما الذي أدخل ظلمة بني أمية أصحاب الملك العضوض مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؟!

    أقول: فيما لوثبت عن الراسخين فما المشكلة وهو من التأويل؟ وهنا إضافة تبرعية وتأويل ظاهر للنص.

    106- ومن الغلو أيضاً أن معنى الرب في بعض الآيات هو الإمام في قوله تعالى (وأشرقت الأرض بنور ربها)!! فالرب هو الإمام، وأيضاً في قوله تعالى (أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً)!! أي يرد إلى الإمام علي!! ومعنى (ولا يشرك بعبادته أحداً) أي لا يشرك مع علي في الخلافة أحداً!!!

    أقول: أين المصدر؟؟ فيما لوثبت عن الراسخين فما المشكلة وهو من التأويل؟ بل لفظ الرب مشترك فيكون من التطبيق أو الاستخدام اللغوي وليس تأويلا حين ذاك. فهل الاشتراك هنا لا يعمل وفي المولى يعمل. فهذا ليس نظرا بعين واحدة بل بربع عن واقل.

    110- وأن الأئمة هم وجه الله الذي لا يفنى في قوله تعالى (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)!!!

    أقول: فيما لوثبت عن الراسخين فما المشكلة وهو من التأويل بمعنى الرمز؟ و لا يمكن أن يكون المراد بالآية الله لأنه بمعنى النسبة إليه وهذا ما يناسب صفات الأعضاء. فهو إما مجاز وهذا تأويل يمكن التوسع فيه وإما رمز وهو الأولى لو كان هذا الكلام رواية عن معصوم راسخ في العلم.

    120- علي هو الدابة التي تكلم الناس (الكافي 1/255)

    أقول: فيما لوثبت عن الراسخين فما المشكلة وهو من التأويل؟ وقد ورد بذلك روايات سنية أيضا. أرجو مراجعة كتب الحديث السنية.

    131- وأن الأئمة هم (القرآن) نفسه! (أصول الكافي 1/194)

    أقول: فيما لوثبت عن الراسخين فما المشكلة وهو من التأويل؟ وهذا يتوافق مع حديث الثقلين المتواتر. ومع معنى حمل القرآن فيكون الحامل الحقيقي هو القرآن الناطق العرف بسره.

    132- وأن الأئمة هم (النور ) المنـزل من السماء المذكور في قوله تعالى (واتبعوا النور الذي أنزل معه)!! (الكافي)

    أقول: فيما لوثبت عن الراسخين فما المشكلة وهو من التأويل؟

    133- وأن علياً هو الذي طلب المشركون تبديله في قوله تعالى (ائت بقرآن غير هذا أو بدله)!! (أصول الكافي وتفسير العياشي وتفسير البرهان وتفسير القمي وبحار الأنوار وغيرها).
    أقول: فيما لوثبت عن الراسخين فما المشكلة وهو من التأويل؟

    141- وأن للقرآن ظهراً وبطناً فما حرم الله في القرآن هو الظاهر لكن الباطن من ذلك أئمة الجور، وكذلك كل ما أحل الله هو الظاهر لكن الباطل في ذلك أئمة الحق (الكافي والغيبة للنعماني وتفسيرالعياشي) ثم لكل بطن في القرآن، سبعة أبطن إلى سبعين بطناً!! (تفسير الصافي ومرآة الأنوار لأبي الحسن الشريف).
    أقول: قد تقدم ذلك وأن لا إشكال عند جميع المسلمين في ذلك.

    142- وأن كل آيات الفضل والإنعام والمدح والكرم إنما المراد بها الأئمة وأولياؤهم وأن جل أو كل آيات الذم والتشنيع والتهديد إنما هي في مخالفيهم وأعدائهم (مرآة الأنوار لأبي الحسن الشريف).
    أقول: فيما لوثبت عن الراسخين فما المشكلة وهو من التأويل؟

    143- وأن ظاهر القرآن هو التوحيد والنبوة والرسالة لكن باطنه في الدعوة للإمامة والولاية (مرآة الأنوار)! وأن جل القرآن نزل فيهم وفي أعدائهم (تفسير الصافي)
    أقول: قد تقدم ذلك. رغم عدم تأكدي من النص ولكن كما قلنا فإن الباطن بمعنى الرمز لا علاقة له بالألفاظ والحروف.

    146- وذكر الكاشاني صاحب كتاب الوافي أن جماعة من الإمامية صنفوا كتباً في تأويل القرآن على المعنى السابق!! أي في نزوله في الأئمة وأعدائهم!! وهذه الكتب ستكون كلها كذب إلا في آيات معدودة وهذا القول منتشر في كثير من كتبهم كالكافي وتفسير العياشي وغيرها.

    أقول : كيف ستكون كلها كذب؟؟ هل هي أحلام ورغبات شخصية. بل ستكون كلها صحيحة وصدق إذا كانت عن الراسخين وغير صحيحة إذا لم تكن كذلك ويجب التوقف منها وردها. ثم هل كتب التفسير السنية خالية من التأويل. أم أن كل ما فارق به التسنن التشيع ما هو إلا تأويل باطل لنصوص صريحة صحيحة؟؟ ومن يريد أن يتأكد عليه أن يراجع ما اختلف فيه ويقارن الدعويين وسيجد صدق ما أقول.

    148- وبوب الحر العاملي في الفصول المهمة (باب أن كل ما في القرآن من آيات التبجيل والتحريم فالمراد بها ظاهرها والمراد بباطنها أئمة العدل والجور)!! (الفصول المهمة ص 256) وذكر الكليني عشرات الروايات من هذا في باب (نكت ونتف من التنـزيل في الولاية)!
    اقول : تقدم
    149- وأن المراد في القرآن بالمؤمنين والإيمان والمسلمين والإسلام هم الأئمة وولايتهم، وأن المراد بالكفار والمشركين والكفر والشرك والجبت والطاغوت واللات والعزى والأصنام هم أعداء الأئمة ومخالفهم (ذكر ذلك في باب عقده في بحار الأنوار وذكر تحت الباب أكثر من مئة حديث مفترى)!! (بحار الأنوار 23/354-390).
    اقول: هذا تطبيق ولا يحتاج إلى تأويل اصلا. مكرر

    150- وذكر المجلسي باباً آخر بأن ما ذكر في القرآن من الأبرار والمتقين والسابقين والمقربين هم الأئمة وشيعتهم وأن ما ذكر من الفجار والأشرار وأصحاب الشمال هم أعداؤهم ومخالفوهم (وذكر تحت هذا الباب عشرات الأحاديث المكذوبة) (بحار الأنوار 24/1-9).
    اقول: هذا تطبيق ولا يحتاج إلى تأويل اصلا. مكرر

    151- وبوب المجلسي أيضاً أن الأئمة هم الصلاة والزكاة والحج والصيام وسائر الطاعات!! (وذكر تحته نحو عشرين حديثاً) (بحار الأنوار 24/286-304) وذكر أبواباً أخرى عجيبة مثل:
    أقول : هذا من التأويل ظاهرا . وسأثبت في مرحلة لاحقة بأنه من ضرورات الدين.

    وكل ما أدرجه من رقم 152 إلى رقم 194 فهو من التأويل وعلى النافي إثبات مدعاه بقدرته على النفي.

    152- وأن الأئمة آيات الله وبيناته وكتابه (بحار الأنوار 23/206-211).
    153- وأنهم السبع المثاني (24/114-118).
    154- وأنهم حملة العرش والسفرة الكرام البررة (بحار الأنوار 24/87-91).
    155- وأنهم كلمات الله (بحار الأنوار 24/173-184).
    156- وأنهم حرمات الله ( بحار الأنوار 24/185-186).
    157- وأنهم أنوار الله (بحار الأنوار 23/172-188).
    158- وأنهم وحدهم المرادون بـ(خير أمة أخرجت للناس) (بحار الأنوار 24/153-158).
    159- وأنهم وحدهم المرادون بـ (أهل الذكر) (بحار الأنوار 23/172-188).
    160- وأنهم صاحب المقام المعلوم
    161- وأنهم الوالدان والولد والأرحام (بحار الأنوار 23/257-272).
    162- وأنهم الماء المعين (بحار الأنوار 24/100-110).
    163- وأنهم البئر المعطلة والقصر المشيد (بحار الأنوار 24/100-110).
    164- وأنهم السحاب (بحار الأنوار 24/100-110).
    165- وأنهم المطر والظل والفواكه من عنب ونخيل ورمان وزيتون وغير ذلك (بحار الأنوار 24/100-110).
    166- وأنهم الكعبة والقبلة (بحار الأنوار 24/211-213).
    167- وأنهم حزب الله وبقية الله والأثارة من العلم (بحار الأنوار 24/211-213).
    168- وأنهم الأيام والشهور! بحار الأنوار (24/238-243).
    169- وأنهم البحر واللؤلؤ والمرجان (بحار الأنوار 24/97-99).
    170- وأنهم الناس! وأن من سواهم ليسوا من الناس!! (بحار الأنوار 24/97
    171- وأنهم النحل والبعوض والذباب (بحار الأنوار (24/100-113).
    184- وهم (كلمات الله)! كما في قوله تعالى (لا تبديل لكلمات الله) أي لا تغيير للإمامة وكذلك في قوله تعالى (ما نفذت كلمات الله) ونحوها!! (تفسير القمي وبحار الأنوار وتحف العقول والاحتجاج)
    مكرر
    185- وأنهم (الصراط المستقيم) في قوله تعالى (أهدنا الصراط المستقيم) فالصراط المستقيم هنا أمير المؤمنين (تفسير القمي والعياشي والصافي وبحار الأنوار)!!
    186- وأن علياً (هو الشمس) في قوله تعالى (والشمس وضحاها) فعلي هو الشمس وضحاها هو المهدي المنتظر!! (البرهان ومرآة الأنوار وتفسير القمي).
    187- وأنهم (المسجد والمساجد والكعبة والقبلة) كما في قوله تعالى (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) أي عند الأئمة (تفسير العياشي وتفسير الصافي والبرهان ومرآة الأنوار) وفي هذا المعنى (خذوا زينتكم عند كل مسجد) أي عند الأئمة! وقوله تعالى (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً) أي لا تتخذوا إماماً غيرهم!! (البرهان).
    188- وأنهم الصلاة والزكاة والحج والصيام (بحار الأنوار)
    189- وأنهم (الدين) كله كما في قوله تعالى (إن الله اصطفى لكن الدين) أي ولاية علي (البرهان ومرآة الأنوار وتفسير القمي).
    190- وأنهم (الإسلام) كما في قوله تعالى (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) أي لولاية علي (مرآة الأنوار)!
    191- وأنهم (الأمة) فالأمة هم الأئمة وشيعتهم وإن قلوا (بحار الأنوار).
    192- وأنهم (البحار العذبة) وأعداؤهم البحار المالحة!! (مرآة الأنوار) ولا أدري هل هناك في الدنيا بحار عذبة؟!
    193- وأن (اللؤلؤ والمرجان) هما الحسن والحسين (تفسير القمي والخصال لابن بابوية وتفسير فرات وتفسير الصافي وبحار الأنوار).
    194- وأنهم النجوم والعلامات كما في قوله تعالى (وعلامات وبالنجم هم يهتدون)! (تفسير القمي وتفسير العياشي وأصول الكافي وتفسير الصافي وتفسير فرات ومجمع البيان وبحار الأنوار).

    أقول: كل هذه الموارد هي من موارد التأويل تارة بمعناه في علم الدلالة واخرى بمعنى الرمز. فأين المشكلة وأين الكذب؟؟

    195- وأن الساعة ظاهرها القيامة وباطنها الرجعة (بحار الأنوار).
    أقول: سيأتي بحث مفصل، ولكن أين الكذب في ذلك إذا كان صادرا من معدن الوحي؟ وسأتعرض بشيء من التفصيل في محله.

    196- وأن الساعة ولاية علي في قوله تعالى (بل كذبوا بالساعة)!! (الغيبة للنعماني ومرآة الأنوار).
    أقول: لا مانع من تأويل بهذا المعنى. فما المشكلة؟.
    198- وأنهم النحل في قوله تعالى (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون) أي اتخذوا من العرب شيعة ومن العجم ومن الموالي!! (تفسير القمي).
    أقول: تقدم وهو مكرر .
    199- وأن السبت هو رسول الله والأحد علي بن أبي طالب والاثنين الحسن والحسين والثلاثاء علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد والأربعاء موسى الكاظم وعلي الرضا ومحمد بن علي والهادي والخميس الحسن بن علي والجمعة ابنه)!! (بحار الأنوار والخصال للصدوق).
    أقول: وأين المشكلة حين يكون هذا المعنى الرمزي؟

    200- وأنهم الشهور في قوله تعالى (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً)! (الغيبة للطوسي وبحار الأنوار واللوامع النورانية وغيرها).
    أقول : تقدم.

    201- وأن البعوضة المذكورة في سورة البقرة هي علي بن أبي طالب!! (تفسير القمي وتفسير البرهان)!
    أقول : تقدم.

    202- وأنه الذباب المذكور في الآية الكريمة (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً)!!
    أقول : تقدم.

    203- وأن الشيعة (هم الشيء) في قوله تعالى (ورحمتي وسعت كل شيء) (أصول الكافي والبرهان ومرآة الأنوار)!
    أقول : هذا ليس تأويل بقدر ما هو تطبيق. فهل الشيعة لا شيء؟. وقد تقدم أن من أساليب الكلام حصر العام بفرد خاص لبيان تمامية وكمال ذلك الفرد في مفهومه العام.

    221- وأن كل ما ورد في القرآن الكريم في ذم الذين أشركوا مع الله رباً غيره من الأصنام فبطنه وارد في الذين نصبوا أئمة بأيديهم وعظموهم وأحبوهم والتزموا طاعتهم وجعلوهم شركاء الإمام الذين عينه الله لهم (مرآة الأنوار 1/100)
    أقول : النص مشوش وهو منقول من كتاب مرفوض جملة وتفصيلا. ولكن تقدم البرهان عن مثل هذا. فهو صحيح حتى يثبت النقيض. وأنا أضيف بأنهم غلاة بنص القرآن.

    222- وأن الأخبار متضافرة في تأويل الشرك بالله والشرك بعبادته بالشرك في الولاية والإمامة أي يشرك مع الإمام من ليس من أهل الإمامة (هذا لفظ مؤلف مرآة الأنوار ص202)

    أقول : مكرر وقد تقدم.


    النتيجة:

    كل ما لاحظناه على النقاط التي ذكرناها هو أنها غير مدروسة وتحتوي على نقد غير سليم مبني على أحكام مسبقة وخطأ في منهج البحث و افتقار إلى تمييز التأويل وأحكامه وقصور في فهم الإسلام ومكوناته .

    وتبين أن ممارسة التأويل غير المقنن هو السمة الواضحة للرد على الفكر الشيعي وهذا يمثل معضلة فكرية لمن ينتقد الفكر الشيعي .



    فإلى المحور السابع من محاور المقدمة ..



    أخوكم علي نعمان الصدر ..

    [edited][حرر بواسطة علي نعمان الصدر بتاريخ: 20-12-2001 م - في الساعة: 08:27 PM][/edited]

  14. #74

    السلام عليكم ورحمة الله




    ارفع الموضوع ثلاث مرات حتى أتأكد من فتح صفحة جديدة فقد طالت هذه الصفحة


    علي الصدر

  15. #75


    ارفع مرة ثانية لغرض الانتقال الى صفحة جديدة

    علي الصدر

  16. #76

  17. #77

    حين يبحثون في التأويل...





    بسم الله الرحمن الرحيم

    وصلى الله على محمد وآله الطاهرين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



    التلخيص:

    حوار يطالب فيه محاوري السني حفظه الله بيان غموض في ثلاث اتجاهات:
    1- يرى أن كتب التفسير السنية ليس فيها هذا الحجم من التأويل، وقد أجبته بخطئه في قراءة النصوص فكتب التفسير السنية فيها أكثر مما أورده الشيعة.
    2- يرى أن كلمة رب لا يجوز تأويلها بإنسان. وقد أجبته بأن هذا من خطأ الفهم للفظ فهي لا تختص بالله أصلا.
    3- يطالب بزيادة ذكر تحقيقات سنية حول التأويل. وأجبته بأن ذلك خارج الحاجة بل إذا أكثرنا من النصوص نقع في مشكلة تشويش البحث وأتيت بنص لعالم كبير سني يبحث في الـتأويل وكأنه لا يعرف التأويل ولا يعرف معاني القرآن مطلقا، فما الفائدة بمثل هذه التحقيقات؟


    ==========

    التفصيل


    ===========


    قال : توضيحك لموضوع التأويل نافع حقيقة ويفرّق بين مستويات التأويل. واعتقد بأنني كمثقف استفدت منه كثيرا حيث بدأت أنظر لنصوص لم التفت إليها سابقا .. ولكن هذا التوضيح فيه ثغرات حسب رأيي.

    قلت: أولا لم يكن هذا بحثا مستوفيا لشروط البحث، واستيفاءه يحتاج إلى مئات الصفحات. وقد تركت الزيادة لمن يريد أن يبحث بنفسه. وثانيا حبذا لو عرفتُ ما هي هذه المشكلات التي تراها؟.

    قال: أهم ما رأيت من مشكلات يتمثل بثلاث اتجاهات واعتقد بوجوب تبّيان هذا للقراء قبل أن تنتقل إلى محور سابع، فأنا كسني في قلبي شيء يجب أن استوضحه.

    قلت: تفضل اطرح اتجاهات الخلل .

    قال :

    الأول : رغم أن ما قلتَه صحيح من ناحية نظرية ومقنع.. ولكن لماذا لا نجد عمليا عند المفسرين السنة مثل هذه التفسيرات البعيدة عن اللفظ بعد السماء عن الأرض؟ فليس لكم أن تجروا مقارنة ، فقد يكون لكم الحق بادعائكم بأنكم لم تخالفوا الأصول العلمية ولكن لا يمكن المقارنة مع التفسير السني.

    الثاني : حتى لو قبلنا كل هذه المعالجات للنصوص كما شرحتها، غير أن هناك فاصلا مهما بيننا وهو في نقطة جوهرية اعتقدها. حيث ورد نص لا يوجد بيننا أي قاسم مشترك فيه وهو ردك على الإشكال : 106- ومن الغلو أيضاً أن معنى الرب في بعض الآيات هو الإمام في قوله تعالى (وأشرقت الأرض بنور ربها)!! فالرب هو الإمام، وأيضاً في قوله تعالى (أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً)!! أي يرد إلى الإمام علي!! ومعنى (ولا يشرك بعبادته أحداً) أي لا يشرك مع علي في الخلافة أحداً!!!)).

    فقد كان جوابك مقتضب وغير مقنع من وجهة نظري حيث أنك تغاضيت عن تأويل رب بمعنى الإمام. رغم أنك أشرت إلى افتقاد المصدر لهذه المقولات.

    الثالث : هل يمكن أن يكون توضيح بهذا المستوى من الأهمية حول موضوع خطير كالتأويل وهو يعتمد على تحقيقين سنيين صغيرين فقط. وكأن هذا غاية البحث . فأين تحقيقات العلماء الآخرين. وهذه ثغرة قد ارتضيها من غيرك ولكن لا ارتضيها منك.

    فقلت : يا سيدي الكريم على العموم إليك جوابا عاما أقوله لك مشافهة وجوابا تفصيليا سأكتبه قبل أن اكمل كتابة المحور السابع.

    الجواب العام : هو أنني بيّنت بكل وضوح أن كل ما يقال عن أي تأويل، إن ثبت صدوره عن معصوم فليس لنا من ناحية علمية أن نرفضه، لأن رفضنا بشكل عام يشكل ادعاء لمعرفة حقيقة التأويل، وهذا فيه من المجازفة العلمية والعقائدية ما فيها. ولكن لا مانع من أن نلاحظ فيما لو كان الموضوع يتعلق بالدلالة من مجاز وغيره. بحسب فنون اللغة وبحث النص على ذلك الأساس . وهذا مبدأ عام وتفصيلاته الفنية متوفرة لدارسي علوم اللغة والبلاغة والأدب والمنطق والفلسفة.

    فأنا قد أجبت في الواقع بأن المسألة تتعلق بصحة الصدور ومعاييرها فإذا صح الصدور فيجب التسليم و إذا لم يصح الصدور لا يجب التسليم ولا الاعتناء إلا من باب الطرافة الفكرية ليس إلا. و اشكالات الفاضل الشيخ حسن المالكي فيها مغالطة كبيرة حيث انه يريد أن يناقش هذه النصوص ككتلة نص موجودة في تراث الشيعة من دون النظر إلى المرجعية التراثية للعقائد الشيعية. وكان جوابنا على هذا الأساس بغض النظر عن الثبوت. خصوصا وقد رأيتَ بأن الإشكالات لم تكن مبنية على أساس علمي. وكلها مبني على أساس امتناع ما لا يُعجب المستشكل. وقد بينا بأن منها لا علاقة له بالتأويل بمعنى كشف السر الذي يحتاج إلى نقل من القائل وبيان مقصده. وهنا لم يميز في الإشكالات. بينما النوع الأخر هو من هذا النوع بالذات والذي لا يستطيع مسلم أن يجازف فينفي ذلك المعنى.

    (ما قاله الأخ الفاضل نقلنه بدقة وقد حذفت بعض أقوالي لأن ما يأتي يتضمنها بتفصيل أفضل خصوصا ما يتعلق بمفهوم (رب).)


    =============



    و أما التفصيل فهذا اكتبه تحريرا:

    وهو :

    بسم الله الرحمن الرحيم

    كنت أعتقد بأن هناك اشكالات اكثر عمقا من هذه وقد ورد في ذهني إمكانية اشكالات تخصصية في هذا الموضوع خصوصا في موضوع علم الدلالة فهناك أبحاث معمقة فيها دقة في التفريق لم اذكرها بسبب بعدها عن مقصدي في بيان الهيكل الأساسي للبحث.

    على العموم هذه الاشكالات تدل على عدم التتبع في هذا الموضوع وسأوضح هذا الآن.

    على كل هذه هي الاتجاهات الثلاث من الثغرات سأجيب عليها الآن إجمالا والباقي اتركه لفطنة القارئ العزيز.

    =============

    أولا: موضوع عدم التماثل في وجود بعد بين اللفظ والمعنى المؤول بهذا الحجم بين التراثين السني والشيعي. فهذا في غير محله إطلاقا. بل في التراث السني ما هو أكثر كمية ونوعية.

    وقد قلتُ بأن الكثير مما ورد من دعوى الغلو والتأويل قد ورد بنفسه في كتلة النص السني كأن تكون دابة الأرض هو علي ابن أبي طالب عليه السلام أو الإنسان هو علي أو محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبحر هو علي و اللؤلؤ والمرجان هما الحسنان وغير ذلك كثير موجود في كتب التفسير والحديث السني بأكثر مما هو موجود في كتب الشيعة في بعض الأحيان.

    بل أزيدك علما بأن أغلب التفسير بشكل عام مبني على أسس غير متقنة خصوصا في السمعيات، والتي تحتوي على تفاسير ما انزل الله بها من سلطان وهي أبعد ما تكون عن الحقيقة. وهي موقوفة على عدة أشخاص لا يمكنني الجزم بأهليتهم في نقل معاني كتاب الله.

    فمثلا للمقارنة لو أخذنا تأويل المسجد بالإمام فرغم البعد المعنوي اللغوي بين اللفظين، ولكن هناك روابط بينهما واضحة، مثل ربط العبد بالله فهو يتبادر من المسجد ومن الإمام الداعي إلى الله وهذا يعني العبادة والتسليم لتشريع الله. وهناك الربط بين مكان القيادة وبين القائد كما يقال البيت الأبيض والكرملن للدلالة على القيادة الأمريكية أو الروسية، والإمام مقره المسجد كما هو معلوم من سيرة صلحاء المسلمين. وهكذا هناك روابط كثيرة، ومع ذلك نقول بالبعد بين اللفظين ونحتاج إلى تأكيد صدور مثل هذا المعنى عن المعصوم.

    إذن ماذا نقول للتأويل في كتب التفسير السني للتين والزيتون؟

    لنر...

    هل هناك علاقة بين التين كشجرة أو ثمرة وبين مسجد أو جبل دمشق؟

    وهل هناك علاقة بين الزيتون كشجرة أو ثمرة و بيت المقدس ومسجدها أو جبلها؟ .

    فهذا ما هو موجود في تفاسير السنة.

    اقرأ باختصار :

    - جامع البيان - ابن جرير الطبري ج 03 ص 301 :
    ( وقال آخرون : التين : مسجد دمشق ، والزيتون : بيت المقدس . ذكر من قال ذلك : 29087 - حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا روح ، قال : ثنا عوف ، عن يزيد أبي عبد الله ، عن [كعب] أنه قال في قول الله : والتين والزيتون قال : التين : مسجد دمشق ، والزيتون : بيت المقدس . 29088 - حدثنا ابن عبد الاعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن [قتادة] ، في قوله : والتين قال : الجبل الذي عليه دمشق والزيتون : الذي عليه بيت المقدس . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن [قتادة] والتين والزيتون ذكر لنا أن التين الجبل الذي عليه دمشق ، والزيتون : الذي عليه بيت المقدس . 29089 - حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، [وسألته] عن قول الله : والتين والزيتون قال : التين : مسجد دمشق ، والزيتون ، مسجد إيلياء . / صفحة 303 / 29090 - حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن أبي بكر ، عن [عكرمة] والتين والزيتون قال : هم جبلان . وقال آخرون : التين : مسجد نوح ، والزيتون : مسجد بيت المقدس . ذكر من قال ذلك : 29091 - حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن [ابن عباس] ، قوله : والتين والزيتون يعني مجسد نوح الذي بني على الجودي ، والزيتون : بيت المقدس قال : ويقال : التين والزيتون وطور سينين : ثلاثة مساجد بالشام .)

    - معجم ما استعجم - البكري الأندلسي ج 3 ص 898 :
    فأما قوله سبحانه " والتين والزيتون " ، فروي عن كعب وعن قتادة أنهما قالا : التين الجبل الذي عليه دمشق ، والزيتون : الجبل الذي عليه بيت المقدس . وروى ابن وهب عن ابن زيد : التين : مسجد دمشق ، والزيتون مسجد إيلياء . وقال آخرون : التين : مسجد نوح الذي بنى على الجودي ، والزيتون : مسجد بيت المقدس . وقال المحسن ومجاهد وإبراهيم والكلبي : التين : الذي يؤكل ، والزيتون : الذي يعصر ، وقد تقدم ما روى عن اللغويين في التين ، في حرف التاء .

    وهكذا الحال عند جميع المفسرين وقد توسع القرطبي في ذلك فليراجع.


    فهل هناك أبعد من هذا المعنى ؟؟

    ولكن في الحقيقة لا نستطيع أن ننفي إذا ثبت ذلك عن المعصوم. غير أن كل ما ورد في هذه النصوص هو عن كعب وقتادة وعكرمة وابن عباس وغيرهم وليس فيهم من هو حجة شرعية. وهذا موجود في كتلة النص السني. إلا أن يخترعوا لنا نظرية تلقي هؤلاء العلم من الله كما هو حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام.

    فأين هذا من تأويل المسجد بالإمام ؟.

    وكتب التفسير مليئة بمثل هذا وأبعد منه. ومن قرأ بعين ناقدة حقيقية يجد مثل هذا ويجد بالمقابل العذر له والتفهم له لأن اغلب التأويلات هي من باب المجاز. وسردها بالكامل يعتبر ضربا من قلة التحصيل فالعاقل يكفيه المثال وهو يبحث عن الباقي.

    ==========

    الثاني: موضوع تأويل ربكم أو رب الأرض بالإمام علي . والإشكال عليه.

    كان ينبغي أن يفهم ما قلته بأن الرب مشترك لفظي وهذا لا يحتاج إلى شرح أبدا. لأن كلمة الرب في اللغة العربية مستخدمة لكل زعيم أو مدير أو مربي أو صاحب أو مالك وما شابه ذلك والقرآن استخدم الرب للإنسان في سورة يوسف )يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً )(يوسف: من الآية41) فهذا نبي قال عن السيد الحاكم بأنه رب.

    ولهذا فان الرب حين يكون صفة لله يكون مضافا كرب العالمين ورب المشرق والمغرب ورب آبائكم الأولين ورب موسى وهارون وغير ذلك لأن الرب لفظ مشترك لكل مرب ولكل راع. ولهذا جرى عرف المسلمين بوصف الله برب الأرباب في نصوص كثيرة في التفاسير وغيرها. (طبعا هذا الاستخدام يحرج السلفية الذين اخترعوا توحيد الربوبية الذي لا وجود له مطلقا وكلمة رب الأرباب التي استخدمت بصورة عفوية من المسلمين جميعا تضعهم في الزاوية الحرجة.) .

    (وللتأكيد فإن نمو معنى هذه اللفظة في الحصيلة اللغوية المتأخرة كان اكثر تحديدا وقد بات لا يستخدم الآن إلا في الله ويندر أن يستخدم في غير الله ولكن نحن لسنا جهال لنرجع إلى النصوص القديمة بحسب نمو الدلالة حديثا, كما هو حال كلمة مصحف التي تخصصت في الاستخدام الآن بالقرآن الكريم بينما كان في زمن النزول بمعنى الكتاب، وهكذا أراد أرباب التضليل والتفريق بين المسلمين غش المسلمين بتوظيف نمو المعنى للفظة مصحف واستغلالها بحيث يتم إسقاط المعنى الارتكازي الحديث على اللفظ القديم وهذه في الحقيقة من الغباوة الشديدة ولكن كون أن بعض الناس يقتنع بها فهو يدل على سوء التعليم لدى الإنسان المسلم وفقدانه لآليات التمييز المعرفي وبالتالي رجوعه إلى مستوى أدنى في الرتبة الإنسانية ولذلك استحق إنساننا العربي والعالم الثالث، وصفه بالعالم المتخلف لأن التخلف هو معرفي في الأساس، و يبدأ بعدم القدرة على تمييز المعلومات.
    فعمل كالذي يقوم به المتخلفون السلفيون من إسقاط المعنى الارتكازي الحديث على اللفظ القديم باستخدامه القديم (كمصحف) هو عمل في غاية الغباء والتعمية ولعهم مكلّفون بتعميق هذا التخلف العقلي في العالم الإسلامي ليتفرد الغرب بالنمو والتقدم الحضاري. لا يختلف حال كلمة رب عن هذا الحال فالإشكال يعتمد على إسقاط المرتكز الحديث من المعنى على استخدام قديم للفظ.
    هذه دعوة للدول والمؤسسات التعليمية العربية والإسلامية إذا كانت تريد تقدم العلوم والإنسان العربي و المسلم فعليها أن تجد حلا حقيقيا لتعلم مناهج التفكير السليم وإلا فإلى الحضيض وبما كسبت أيديكم. )

    على كلٍ لو ثبت معنى ()وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الزمر:69) بأنها
    تعني أشرقت بنور الإمامة الحاكمة بالكتاب من إمامة المسلمين ابتداءً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أخر الدنيا.

    فما المانع من ذلك بحسب اللغة؟.

    وهل هذا تأويل؟

    أم هو من تطبيق العام على الخاص؟ الذي هو نص وليس باطنا.


    فليس في الآية ما يشير بالضرورة إلى كون الرب هنا هو الله . بل يحتمل أن يكون مدير ذاك المجمع أو المحشر الخاص.

    وهذا المعنى ينطبق أيضا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه الشافع المشفع وهو الشاهد الشهيد.... وينطبق أيضا على علي عليه السلام فهو قسيم الجنة والنار حسب نصوص كثيرة عند الشيعة وصفت بأنها مستفيضة. بل هي نصوص عند السنة أيضا. وهذا واحد منها . وهذا المعنى لطيف و مقبول.
    فاقرأ:
    الصواعق المحرقة ج: 2 ص: 369

    (وأخرج الدارقطني أن عليا قال للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم كلاما طويلا من جملته ((أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله يا علي أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة غيري قالوا اللهم لا)) ومعناه ما رواه غيره عن علي الرضا أنه قال له ((أنت قسيم الجنة والنار فيوم القيامة تقول النار [للنار] هذا لي وهذا لك) وروى ابن السماك أن أبا بكر قال له رضي الله عنهما سمعت رسول الله يقول لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي الجواز . )

    فهذا الكلام المثبت في كتاب الصواعق المحرقة المعروف التوجّه يدل بما لا يقبل الشك على وجود حالة خاصة وحضور خاص لعلي ابن أبي طالب يوم القيامة للمحاكمة والخصومة وله صفة الحاكمية المشرقة على كل أركان القيامة كما يدل عليه هذا الحديث السني. إن وصف حال علي يوم القيامة بقوله : (لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي الجواز ) لا يشك عاقل بأنه وصف لمهيمن على ذلك الموقف. فله الحجة وبيده الميزان . وهذا هو الرب لغة بل وحتى استخداما. ( يمكن أن تنف

    فتصور أن كلمة رب تعني (الله) فقط تصور لا صحة له لغويا زهو من الاستخدام المتأخر، وتصور أن عليا قاصر عن أن يكون له مقام الريادة والقيادة يوم القيام لهو تصور لا تسانده الأدلة.
    وعلى أقل تقدير فريادته -حسب هذه النصوص- في حيز الإمكان فتبطل الاستحالة وينفى الغلو والكذب وغير ذلك ، ولا يستبعد التأويل وفق ذلك. فمسألة عدم تعقلك لهذا الأمر مبني على ارتكاز معنى الرب بالله سبحانه وتعالى فلا تعقل أن يصح وجود رب آخر، وهذا خطا معري فاحش، بينما حسب اللغة والاستعمال القديم فإن الأمير والإمام والسلطان والمالك وصاحب الأسرة هو الرب، فلتراجع كتب اللغة. ولا اعتقد أن المسلم بحاجة إلى مراجعة وقرآنه الكريم يستخدم الرب بمعنى السيد الإنساني.

    وللمقارنة...... لو راجعت جيدا سورة النجم وما فيها من خلافات بين المسلمين حول آياتها الشريفة المتعلقة بعروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . فهناك تجد اشتباكات هائلة بين المتصارعين من مجسمة وغيرهم . وحيث أن الآيات تتحدث عن علاقة النبي محمد وربه في ذلك العروج. فأهل التجسيم وهم قلة قالوا بأن ربه الذي دنا فتدلى والذي ما كذب الفؤاد ما رأى والذي رآه نزلة أخرى إلى آخره هو الله سبحانه وتعالى، بينما المسلمون الآخرون وهم الأغلب قالوا بأنه هو جبرائيل وهو من ينطبق عليه هذه الآيات فهو ربه هنا . وهؤلاء هم الأشاعرة والكثير من المسلمين. وإن خالفهم أهل البيت عليهم السلام في معنى الرؤية حيث ذهبوا إلى الرؤية القلبية. وقد طابقهم بعض محققي الأشاعرة حيث ذهبوا إلى الشروق القلبي لمعرفة الله كما قال أهل البيت قبلهم.

    وهذه الآيات وبعض الروايات حولها :

    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى {1} مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى {2} وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى {3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى {4} عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى {5} ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى {6} وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى {7} ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى {8} فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى {9} فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى {10} مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى {11} أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى {12} وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى {13} عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى {14} عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى {15} إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى {16} مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى {17} لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى {18} سورة النجم

    وسوف اختصر عشرات النصوص بقليل منها (وأعتذر من الأخوة الذين يطلبون المزيد من الشواهد) .

    السيرة النبوية - ابن كثير ج 2 ص 100 :

    (ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى إلى عبده ما أوحى " وكان ذلك بالابطح ، تدلى جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ، حتى كان بينه وبينه قاب قوسين أو أدنى . [[هذا هو الصحيح في التفسير ، كما دل عليه كلام أكابر الصحابة المتقدم ذكرهم رضى الله عنهم]] . [[فأما قول شريك عن أنس في حديث الإسراء : " ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى " فقد يكون من فهم الراوي فأقحمه في الحديث والله أعلم]] . )

    ولا يغيب عن فاهم باللغة ما يعنيه هذا النص لأن سياق الآيات واحد ... فدنا... وكان قاب قوسين ... وأوحى إلى عبده... وما كذب الفؤاد ما رأى......، كلها بنفس السياق وكلها فسرت بجبرائيل عليه السلام.

    فهل تريد أفضل من هذا؟.

    مع أنني شخصيا أعتقد بأن هذا خطأ فادح والأمر مقصود به الله ولكن بألفاظ مجازية ولا داعي لصرفه إلى جبرائيل وجعله ربا لمحمد وجعل محمدا عبدا له. وقد ورد هذا المعنى من التفسير المجازي عن أهل البيت عليهم السلام كما ورد عن سيدتنا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتفسير الرؤية المجازية القلبية. وبهذا تحل المشكلة.


    تفسير فرات الكوفي- فرات بن إبراهيم الكوفي ص 452:

    (قال : حدثنا جعفر بن أحمد معنعنا [ عن عباد بن صهيب عن جعفر بن محمد عن أبيه ] عن علي بن الحسين : عن فاطمة [ بنت محمد . أ ، ب . عليهم السلام . ر ] قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما عرج بي إلى السماء فصرت إلى سدرة المنتهى (فكان قاب قوسين أو أدنى) فرأيته بقلبي ولم أره بعيني .......).

    ولكن حديث الزهراء فاطمة صلوات الله عليها ليس هو الحديث السائد في كتب التفسير السنية. فالحديث هناك بين أن يكون هو الله بذاته وهو المرئي وبين أن يكون جبريل هو الذي دنا فتدلى وهو من رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى.

    وهذه بعض النصوص المعبرة عن اتجاهات التفسير في الآيات:


    - صحيح البخاري - ج 8 ص 204 :

    (حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو ادنى فأوحى الله فيما اوحى خمسين صلاة على امتك كل يوم وليلة).


    - صحيح مسلم - ج 1 ص 109 :

    (وحدثني أبو الربيع الزهراني حدثنا عباد وهو ابن العوام حدثنا الشيباني قال سألت زر بن حبيش عن قول الله عزوجل فكان قاب قوسين أو ادنى قال اخبرني ابن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح ( حدثنا ) أبو بكر بن ابى شيبة حدثنا حفص بن غياث عن الشيباني عن زر عن عبد الله قال ما كذب الفؤاد ما رأى قال رأى جبريل عليه السلام له ستمائة جناح)


    - صحيح مسلم - ج 1 ص 110 :

    ) ابن نمير حدثنا أبي حدثنا إسماعيل عن الشعبى عن مسروق قال سألت عائشة هل رأى محمد ربه فقالت سبحان الله لقد قف شعري لما قلت وساق الحديث بقصته وحديث داود أتم و أطول ( وحدثنا ) ابن نمير حدثنا أبو أسامة حدثنا زكريا عن ابن أشوع عن عامر عن مسروق قال قلت لعائشة فأين قوله ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى قالت إنما ذاك جبريل صلى الله عليه وسلم كان يأتيه في صورة الرجال وانه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته فسد أفق السماء).


    - سنن الترمذي - الترمذي ج 5 ص 68 :

    حدثنا أحمد بن منيع أخبرنا عباد بن العوام أخبرنا الشيباني قال : " سألت زر بن حبيش عن قوله عزوجل ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) فقال أخبرني ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبرائيل وله ستمائة جناح " هذا حديث حسن صحيح غريب . )


    وارجوا التمعن بالنص الأتي والتفكر بفرضية أن الرؤية هي رؤيا منامية؟؟؟؟؟؟؟؟ !!!!!!! ؟؟؟؟؟؟ . ومدى مرارة الحوار في الموضوع.

    فتح الباري - ابن حجر ج 31 ص 402 :

    (قوله ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى في رواية ميمون المذكورة فدنا ربك عزوجل فكان قاب قوسين أو أدنى قال الخطابي [[ليس في هذا الكتاب يعني صحيح البخاري حديث أشنع ظاهرا ولا أشنع مذاقا من هذا الفصل]] فأنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر وتمييز مكان كل واحد منهما هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشئ الذي تعلق من فوق إلى أسفل قال فمن لم يبلغه من هذا الحديث الا هذا القدر مقطوعا عن غيره ولم يعتبره بأول القصة وآخرها اشتبه عليه وجهه ومعناه وكان قصاراه ما رد الحديث من أصله واما الوقوع في التشبيه وهما خطتان مرغوب عنهما واما من اعتبر أول الحديث بآخره فإنه يزول عنه الاشكال [ فأنه مصرح فيهما بأنه كان رؤيا لقوله في أوله وهو نائم وفي آخره استيقظ ] وبعض الرؤيا مثل يضرب ليتأول على الوجه الذي يجب أن يصرف إليه معنى التعبير في مثله وبعض الرؤيا لا يحتاج إلى ذلك بل يأتي كالمشاهدة قلت وهو كما قال ولا التفات إلى من تعقب كلامه بقوله في الحديث الصحيح ان رؤيا الانبياء وحي فلا يحتاج إلى تعبير لانه كلام من لم يمعن النظر في هذا المحل فقد تقدم في كتاب التعبير أن بعض مرأى الانبياء يقبل التعبير وتقدم من أمثلة ذلك قول الصحابة له صلى الله عليه وسلم في رؤية القميص فما أولته يا رسول الله قال الدين وفي رؤية اللبن قال العلم إلى غير ذلك لكن جزم الخطابي بأنه كان في المنام متعقب بما تقدم تقريره قبل ثم قال الخطابي مشيرا إلى رفع الحديث من أصله بأن القصة بطولها انما هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه لم يعزها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا نقلها عنه ولا أضافها إلى قوله فحاصل الامر في النقل انها من جهة الراوي اما من أنس واما من شريك فإنه كثير التفرد بمناكير الالفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة انتهى وما نفاه من ان أنسا لم يسند هذه القصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا تأثير له فادنى أمره فيها ان يكون مرسل صحابي فاما ان يكون تلقاها عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي تلقاها عنه ومثل ما اشتملت عليه لا يقال بالرأي فيكون لها حكم الرفع ولو كان لما ذكره تأثير لم يحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلا وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة فالتعليل بذلك مردود ثم قال الخطابي ان الذي وقع في هذه الرواية من نسبة التدلي للجبار عزوجل مخالف لعامة السلف والعلماء وأهل التفسير من تقدم منهم ومن تأخر قال والذي قيل فيه ثلاثة أقوال أحدها انه دنى جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى أي تقرب منه وقيل هو على التقديم والتأخير أي تدلى فلانا لان التدلي بسبب الدنو الثاني تدلى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع حتى رآه متدليا كما رآه مرتفعا وذلك من آيات الله حيث أقدره على ان يتدلى في الهواء من غير اعتماد على شئ ولا تمسك بشئ الثالث دنا جبريل فتدلى محمد صلى الله عليه وسلم ساجدا لربه تعالى شكرا على ما أعطاه قال وقد روى هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك فلم يذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة وذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من جهة شريك انتهى)


    واكتفي بهذا القدر.

    ومن لم يوفق لإدراك أن أحد فروض النصوص في المسألة هو أن جبرائيل رب محمد. فنتمنى له فرصة أفضل للفهم مستقبلا. وعليه بالجد في طلب العلم.

    على كل فلا بد من حمل الرب على مطلق المسيطر أو المدير كما يدل عليه الاستعمال وقبول السلف لتلك الأقوال.

    وهذا يعني بأن السنة قد اضطروا لتفسير هذه الآيات التي تحتوي على : (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى {8} فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى {9} فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى {10} [[مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى {11} أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى {12} وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى]] {13} عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى {14} عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى {15} إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى {16} [[مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى {17} لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى]] ) على ربوبية جبرائيل ورؤيته ونفي زيغ البصر فيه. بناء على فرض أن من دنا هو جبرائيل من محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أو جبريل من الله أو محمد من جبريل أو ما شابه ذلك وليس بدنوا محمد من الله. وقالوا بأن التفسير الأصح هو نفي أن يكون الدنو لمحمد من الله أو لله من محمد .

    فهل وضحت الصورة؟؟

    يتبع




    [edited][حرر بواسطة علي نعمان الصدر بتاريخ: 01-01-2002 م - في الساعة: 05:49 AM][/edited]

  18. #78

    تابع لــ حين يبحثون في التأويل .......




    ==============

    الثالث :

    حول استيفاء الأبحاث حول التأويل.

    هل يدري الأخوة بأنني أتغاضى عن أبحاث كثيرة لتقديري السلبي لها؟.

    فأنا لا ادّعي بأنني عرضت كل ما هو موجود. ولكن ما عرضته فيه الكفاية. وهو في حقيقته ليس أكثر من فهرسة تفصيلية لأغراض تطبيقية، وحسب خبرتي فإن توفير مثل هذا التنسيق للمعلومات يمكن من لم يتنبه سابقا إلى هذه الفروق بأن يتمكن الآن من التمييز وحسن التأتي للمعاني بالتدريج وحسب المران. فأنا شخصيا حين اقرأ الكثير من المواد العلمية التي كنت قد مرنت نفسي على تميزها أميز ما بها من أخطاء فورا ولكن حين لا أكون قد اكتسبت خبرة في تمييز موضوع معين أجد نفسي متوقفا واحتاج إلى وقت لا بأس به للتمييز.

    و أنا بحسب خبرتي وجدت أن ما عرضته يكفي في بيان جوهر القضية .

    وللتدليل على أن ما بقي لا يشكل خطرا كبيرا على البحث سآتيك بمثال بين يديَّ لترى صحة ما أقول في عدم قيمة كثير من البحوث وأنها ما هي إلا تسويد صفحات.

    بين يديّ بحث عن التأويل والتفسير في كتاب يعتبر من الكتب المهمة لمؤلف موسوعي مهم هو الزركشي العالم الموصوف بسعة الإطلاع.

    ومن خلال عرض بحثه يتبيّن أنه لا يعرف شيئا اسمه التأويل ولا علوم العربية على حقيقتها. ولا يمكن الجزم في منشأ الخطأ هو ضعف التحصيل الشخصي أم ضعف المنهج الذي سار عليه ولعل الثاني أوجه والجمع امثل.

    وسأطرح البحث مع بعض التعقيب التطبيقي لنرى حجم هذه المدّعيات.

    فما هو الكتاب الذي نقلتُ منه هذا البحث؟

    إنه : البرهان في علوم القرآن لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي ' تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى 1376هـ (4 مجلدات) نشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة عيسى البابي الحلبي وشركائه.

    ومن هو الزركشي؟

    هو : ( أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي ( 745- 794 هـ 1344 - 1392 م) عالم بفقه الشافعية والأصول ، تركي الأصل، مصري المولد والوفاة ، له تصانيف كثيرة في عدة فنون، منها ( الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة - ط) و ( لقطة العجلان - ط) في أصول الفقه، و ( البحر المحيط - مخطوط) ثلاث مجلدات في أصول الفقه وكتب كثيرة...
    وقد وصفه محقق كتابه محمد أبو الفضل إبراهيم بما يلي : أحد العلماء الإثبات الذين نجموا بمصر في القرن الثامن ، وجهبذ من جهابذة أهل النظر وأرباب الاجتهاد ، وهو أيضا علم من أعلام الفقه والحديث والتفسير واصول الدين )


    وقبل أن انقل البحث احب أن انبه من يغفل عن التطبيق الجيد بأن البحث يتعلق بثلاث قضايا هي تقسيم التأويل حسب القبول والرفض وبيان أن التأويل يحصل بالكشف والتلقي من الله ممن صفا باطنه والثالث هو كون القرآن يحتوي على كل معلوم ويمكن استخراجه منه.

    وحين نطبق أمثلة التأويل نجدها أما أنها لا تنطبق على التأويل أصلا أو أنها لا تنطبق على تقسيمه . والتقسيم مبني على اعتقاد أعمى لا يمكنه تمييز الحق من الباطل.

    وهذا المقتطف من الكتاب والخاص ببحث التأويل ما يلحقه:

    ==================

    البرهان - الزركشي ج 2 ص 178 :

    فصل في تقسيم التأويل إلى منقاد ومستكره

    التأويل ينقسم إلى منقاد ومستكره

    فالأول ما لا تعرض فيه بشاعة أو استقباح وقد يقع فيه الخلاف بين الأئمة

    أما الاشتراك في اللفظ نحو لا عليه تدركه الأبصار هل هو من بصر العين أو القلب

    وأما لأمر راجع إلى النظم كقوله تعالى إلا الذين تابوا هل هذا الاستثناء مقصور على المعطوف وحده أو عائد إلى الجميع

    وأما لغموض المعنى و وجازة النظم كقوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم وإما لغير ذلك.

    وأما المستكره فما يستبشع إذا عرض على الحجة وذلك على أربعة اوجه.

    الأول أن يكون لفظا عاما فيختص ببعض ما يدخل تحته كقوله وصالح المؤمنين فحمله بعضهم على علي رضي الله عنه فقط.

    والثاني أن يلفق بين اثنين كقول من زعم تكليف الحيوانات في قوله وإن من أمة إلا خلافيها نذير مع قوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم انهم مكلفون كما نحن.

    والثالث ما استعير فيه كقوله تعالى يوم يكشف عن ساق في حمله على حقيقته.

    الرابع ما اشعر باشتقاق بعيد كما قال بعض الباطنية في البقرة انه إنسان يبقر عن أسرار العلوم وفي الهدهد انه إنسان موصوف بجودة البحث والتنقيب.

    والأول اكثر ما يروج على المتفقه الذي لم يتبحروا في معرفة الأصول.

    والثاني على المتكلم القاصر في معرفة شرائط النظم.

    والثالث على صاحب الحديث الذي لم يتهذب في شرائط قبول الأخبار.

    والرابع على الأديب الذي لم يتهذب بشرائط الاستعارات والاشتقاقات.



    فائدة فيما نقل عن ابن عباس في تفسير بعض الآيات روى عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى أو خلقا مما يكبر في صدوركم فقال الموت قال السهيلي وهو تفسير يحتاج لتفسير ورأيت لبعض المتأخرين أن مراد ابن عباس أن الموت سيفنى كما يفنى كل شئ كما جاء أنه يذبح على الصراط فكأن المعنى لو كنتم حجارة أو حديدا لبادر إليكم الموت ولو كنتم الموت الذي يكبر في صدوركم فلا بد لكم من الموت والله أعلم بتأويل ذلك قال وبقى في نفسي من تأويل هذه الآية شئ حتى يكمل الله نعمته في فهمها).

    فصل أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر

    أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر والتفكر واعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحى حقيقة ولا يظهر له أسرار العلم من غيب المعرفة وفى قلبه بدعة أو إصرار على ذنب أو في قلبه كبر أو هوى أو حب الدنيا أو يكون غير متحقق الإيمان أو ضعيف التحقيق أو معتمدا على قول مفسر ليس عنده إلا علم بظاهر أو يكون راجعا إلى معقوله وهذه كلها حجب وموانع وبعضها آكد من بعض إذا كان العبد مصغيا إلى كلام ربه ملقي السمع وهو شهيد القلب لمعاني صفات مخاطبه ناظرا إلى قدرته تاركا للمعهود من علمه ومعقوله متبرئا من حوله وقوته معظما للمتكلم مفتقرا إلى التفهم بحال مستقيم وقلب سليم وقوة علم وتمكن سمع لفهم الخطاب وشهادة غيب الجواب بدعاء وتضرع وابتئاس وتمسكن وانتظار للفتح عليه من عند الفتاح العليم [ وليستعن على ذلك بأن تكون تلاوته على معاني الكلام أبي وشهادة وصف المتكلم من الوعد بالتشويق ( والوعيد بالتخيف والإنذار بالتشديد فهذا القارئ أحسن الناس صوتا بالقرآن وفى مثل هذا قال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به وهذا هو الراسخ في العلم جعلنا الله من هذا الصنف والله يقول الحق وهو يهدى السبيل].

    فصل في القرآن علم الأولين والآخرين

    وفى القرآن علم الأولين والآخرين وما من شئ إلا ويمكن استخراجه منه لمن فهمه الله تعالى
    حتى إن بعضهم استنبط عمر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين من قوله تعالى في سورة المنافقين ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها فإنها رأس ثلاث وستين سورة وعقبها بالتغابن ليظهر التغابن في فقده وقوله تعالى مخبرا عن عيسى قال إني عبد الله آتانى الكتاب إلى قوله أبعث حيا ثلاث وثلاثون كلمة وعمره ثلاث وثلاثون سنة

    وقد استنبط الناس زلزلة عام اثنين وسبعمائة من قوله تعالى إذا زلزلت الأرض فإن الألف باثنين والذال بسبعمائة

    وكذلك استنبط بعض أئمة العرب فتح بيت المقدس وتخليصه من أيدى العدو في أول سورة الروم بحساب الجمل وغير ذلك.
    ................................
    انتهى النص المقتطف.
    ...............................
    التعليق:

    أولا: تقسيمه إلى منقاد ومستكره، فيه لغة غير مستقيمة علميا حتى لو كان جاريا على بحوث قبله. وذلك لعدم وضوح المعنى وعدم سلامة معنى منقاد. ومن خلال تعريفه يتبين بأن مقصوده بأن التأويل بحسب الحكم فمنه ما هو مقبول بحسب القواعد ومنه ما هو غير مقبول. وهذا مؤكد ولكن العبرة بالمعايير والتطبيق.

    ثانيا: هذا التقسيم لا يكون إلا للتأويل بمعنى الدلالة و أما التأويل بمعنى الرمز فلا يمكن انطباقه عليه لأنه خارج الحكم باعتبار أن اللفظ هو رمز لأمر خارج معتاد اللغة. والتأويل بمعنى الرمز هو ما ورد في القرآن بينما التأويل بمعنى الدلالة لم يثبت لي وجود نص قرآني يدل عليه. فاصبح ما هو موجود قرآنيا غير منظور أبدا.

    ثالثا: التقسيم المذكور لم يبنى على معايير وما ظهر من معايير فهو غير صحيح . وسأبين ذلك.

    رابعا : إن ما عرضه من تأويل اختلط عليه التأويل بغيره بل في واحدة من نقاطه قلب التأويل إلى نص والنص إلى تأويل . وسيأتي البيان.

    خامسا : كشف عن روح لا علمية حين أتى بمثال مستكره عنده وذلك بتطبيق العام على الخاص وتجليه فيه كما في قوله : (وصالح المؤمنين فحمله بعضهم على علي رضي الله عنه فقط. ) بينما أغلب أهل السنة حمله على عمر وأبي بكر والحمل على علي قليل وهو برواية عن رسول الله. والمورد خاص جدا فيه حساسية لا بد أن يكون العام له مثال أجلى. فلا المعيار صحيح ولا التطبيق منحصر بما قال. فكأن القضية أصبحت ما كان مفسرا بعلي بن أبي طالب فهو باطل حتى لو كان عن رسول الله وما كان مفسرا بغيره فهو صحيح، وهذا قمة التعصب والكره لعلي ابن أبي طالب عليه السلام . وقد أفردت لهذا الموضوع نصوصا كاملة في آخر هذا التعقيب، لنرى حجم هذا الخلل في التفكير.


    سادسا: تفصيل المناقشة مع نقاطه نقطة نقطة.

    1- موارد المنقاد :
    أ- قوله : أما الاشتراك في اللفظ نحو لا عليه تدركه الأبصار هل هو من بصر العين أو القلب .

    أقول: متى كان المشترك اللفظي من التأويل؟؟ أليس هو النص بعينه.
    هل اختلاف المفسرين في لفظ البصر أم في لفظ (تدركه)؟ لأن المدار هو على الإدراك هل هو بالعين الباصرة أم إدراكا عقليا قلبيا. وعلى كلا الأمرين يكون تفسيرا لا تأويلا لأنهما من ضمن النص الظاهر. ويحدد المقصود -من أحد طرفي التطبيق- القرائن الحالية والمقالية. وكل ما يريدون من لعب في هذه الآية لم يتيسر لهم، فإن كان المقصود نفي الرؤية البصرية فهذا يدل على عدم إمكان رؤيته سبحانه ، وان كان المقصود نفي الرؤية القلبية فهذا اشد كما هو معلوم. سبحان من لا تركه الأفهام والأوهام.

    ب- قوله: وأما لأمر راجع إلى النظم كقوله تعالى إلا الذين تابوا هل هذا الاستثناء مقصور على المعطوف وحده أو عائد إلى الجميع.

    أقول: كل خلاف في الفهم من جهة النظم هو من باب النص وظاهر اللفظ وليس باطنه. كل ما في الأمر وقوع تشابك بين قواعد النظم والناس لهم مذاق في جهة النظر وتغليب القواعد، فالأمر بصيغة المضارع مثلا نظم ولكنه يعتبر من ظاهر النص وليس من باطنه. والآية لم تحدد بالضبط لأنها متعددة وقد وردت خمس مرات واعتقد المقصود منها هو آية آل عمران لأن الآيات لا تخدم من يريد إدخال الظالمين الجنة ولا تخدم من يريد أن يحرّم لعنهم : كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {86} أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ {87} خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ {88} إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ {89} آل عمران
    وعادة يجري تشويش على الآيات من هذا النوع بحيث يضيع المتفكر في آيات الله . ولو كان المراد بها في غير هذا الموضوع في القرآن فلا مشكلة وينطبق ما انطبق عليه أعلاه.

    والحقيقة كما قلتُ بأن الموضوع لا يصل إلى حد التأويل حتى مع حالات التشويش.

    ت- وأما لغموض المعنى و وجازة النظم كقوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم وإما لغير ذلك.

    أقول:
    الغموض أن كان من جهة باطن اللفظ فالمعاني المبنية عليه تأويل، وإن كانت من حاق اللفظ وظاهره فهو تفسير ولا علاقة له بالتأويل.

    وادعاء الغموض غير صحيح أصلا. ولو ادعينا الجهل لفهم الآية الواضحة أو إرادة تطويعها لفتوى نشاز لكان اصح. فالآية تتكلم عن موضوع الإيلاء ( وهو القسم على هجر الزوجة) بكل وضوح وإن الإيلاء لا يزيد عن أربعة أشهر وبعدها لا يصح إلا الرجوع إلى الزوجة أو طلاقها.

    فما الذي جعلها غامضة؟.

    الفتويين الغريبتين هما من جعل النص غامضا.

    الأولى فتوى عدم حاجة الطلاق إلى نية وعزم.....

    والثانية هي الطلاق الأتوماتيكي الذي لا يعرف مستنده الشرعي.

    فعند هذا أصبحت الآية في غاية الإبهام لأنها خالفت فتاوى العلماء وعلى الآية أن تعتذر وتبيّن نفسها جيدا وفق فتوى العلماء ....

    وسأضطر لأبين المعنى وكيف تناولته الآية ومنه سيُعرف بأن الموضوع لا علاقة له بالتأويل بمعناه الإصطلاحي. وإذا كان هناك ثمة تأويل فهو من باب البيان البلاغي لتقدير محذوف. ولا اعرف هل يمكن تسمية هذا من التأويل؟ ولو كان فهو من باب التأويل الدلالي.

    سأكون بصفة أولية مع الشافعي فهو يقول بكل وضوح أن موضوع الإيلاء لم يؤثَر فيه شيء عن رسول وأن الصحابة كانوا يحبسون المولي بالكسر حتى يقرر واحد من أمرين إما الرجوع إلى زوجته أو الطلاق. وهذه نصوص الشافعي:

    - الرسالة- الامام الشافعي ص 577 :
    ( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة اشهر فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) ( 1714 ) فقال الاكثر ممن روي عنه من أصحاب النبي عندنا إذا مضت أربعة أشهر وقف المولى فإما أن يفئ وإما أن يطلق ( 1715 ) وروي عن غيرهم من أصحاب النبي عزيمة الطلاق انقضاء أربعة اشهر / صفحة 578 / ( 1716 ) ولم يحفظ عن رسول الله في هذا بأبي هو وأمي شيئا.)

    كتاب الأم - الامام الشافعي ج 5 ص 282 :
    ( ( قال الشافعي ) أخبرنا ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال : أدركت بضعة عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يقول بوقف المولى ( قال الشافعي ) أخبرنا سفيان بن عيينة عن أبى إسحق الشيباني عن الشعبي عن عمرو بن سلمة قال : شهدت عليا رضى الله تعالى عنه أوقف المولى ( قال الشافعي ) أخبرنا سفيان عن ليث بن أبى سليم عن مجاهد عن مروان بن الحكم أن عليا رضى الله تعالى عنه أوقف المولى ( قال الشافعي ) أخبرنا سفيان عن مسعر بن كدام عن حبيب بن أبى تابت عن طاوس أن عثمان ابن عفان رضى الله تعالى عنه كان يوقف المولى ( قال الشافعي ) رحمه الله : أخبرنا سفيان عن أبى الزناد عن القاسم ابن محمد قال : كانت عائشة رضى الله تعالى عنها إذا ذكر لها الرجل يحلف أن لا يأتي امرأته فيدعها خمسة خمسة أشهر لا ترى ذلك شيئا حتى يوقف وتقول كيف قال الله عزوجل ؟ ( فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) ( قال الشافعي ) رحمه الله : أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال : إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه طلاق وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف فإما أن يطلق وإما أن يفئ ( قال الشافعي ) أخبرنا مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا رضى الله تعالى عنه كان يوقف المولى . اليمين التي يكون بها الرجل موليا ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : اليمين التي فرض الله تعالى كفارتها اليمين بالله عزوجل ولا يحلف بشئ دون الله تبارك وتعالى لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ) ( قال الشافعي ) فمن حلف بالله عزوجل فعليه الكفارة إذا حنث ومن حلف بشئ غير الله تعالى فليس بحانث ولا كفارة عليه إذا حنث والمولى من حلف بيمين يلزمه بها كفارة ومن اوجب على نفسه شيئا يجب عليه إذا أوجبه على نفسه إن جامع امرأته فهو في معنى المولى لانه لا يعدو أن يكون ممنوعا من الجماع إلا بشئ يلزمه به وما ألزم نفسه مما لم يك يلزمه قبل إيجابه أو كفارة يمين.)

    فالأمر في غاية الوضوح . ولا يوجد ما يصرف الآية عن معناها في كلمة عزم من (النية) إلى (الفعل الأوتوماتيكي) أي الطلاق فور انتهاء المدة، ونصوص الشافعي صريحة بالنقل عن الصحابة وعن علي وعن السيدة عائشة بأنهم لم يكونوا يعتنوا بانتهاء المدة ولا يعتبرون انقضائها طلاق بل يوقفون ويحبسون المُولِي حتى يفيء أو يطلق.

    ونأتي إلى نص الآية الشريفة : ()لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:227) . فليس في الآية أي غموض.غاية ما يمكن أن يقال هو أنها تحتاج إلى تقدير محذوف فتكون هكذا ( وإن عزموا الطلاق (فطلقوا) فإن الله سميع (بطلاقهم) عليم بحالهم) . وقد دل على المحذوف صراحة هو قوله سميع ، حيث لا يمكن أن تكون بلا معنى محدد هنا فهو سميع للطلاق الذي وقع منهم. ( أخشى أن يغرق الأخوة في المعاني القلبية فيقولون بأنه سميع للا شيء حيث أن المُولِي لا ينوي الطلاق ولا يوقعه ويعتقدون بأن الله سميع لما لم يقع ولم ينو في القلب!!! ) .

    وقد ورد في روايات التفسير في كتب الشيعة بأن هذا هو المعنى المتعين أصلا. وهذا أحد النصوص المطروحة:

    تفسير القمي - علي بن ابراهيم القمي ج 1 ص 73 :

    (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) فانه حدثني ابي عن صفوان إبن مسكان عن ابي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال الايلاء هو ان يحلف الرجل على امرأته ألا يجامعها فان صبرت عليه فلها ان تصبر ، فان رفعته إلى الامام انظره اربعة اشهر ثم يقول له بعد ذلك اما ان ترجع إلى المناكحة واما ان تطلق والا حبستك ابدا ، وروي عن امير المؤمنين عليه السلام انه بنى حظيرة من قصب وجعل فيها رجل آلى من امرأته بعد اربعة اشهر وقال له اما ترجع إلى المناكحة أو ان تطلق والا احرقت عليك الحظيرة)

    وهذا الفهم عربي سليم فهمه علماء السنة والشيعة إلا أن بعضهم اعتمد روايات تقول بأن الهازل والسكران يقع منه طلاق فلا يحتاج إلى نية ودخلوا في هذه المعمعة و أوقعوا الطلاق بلا نية ولا إيقاع. فدخلوا في دائرة غموض النص القرآني لأنه يخالف هواهم ويخالف فهمهم العتيد وكيف يجرؤ القرآن على المخالفة، فعليه أن يدمغ بالغموض، والله يحب المحسنين، وانتهينا من القصة.

    وقال بعضهم بأن الحاكم هو من يطلق عنه فإليك رد ابن حزم لى هذا القول : ( وان عزموا الطلاق فان الله سميع عليم ) فمنع عزوجل من كل شئ الا عزيمته الطلاق ، فصح ان طلاق الحاكم عليه فضول وباطل وتعد لحدود الله عز وجل ، ومن الباطل أن يطلق عليه غيره أو أن يفئ عنه غيره وانما أوجب الله عزوجل الحكم المذكور على من آلى من امرأته لا على من آلى ممن ليست من نسائه وإذا لم يلزم الحكم حين كون ما يوجبه لم يلزمه بعد ذلك الا بنص وبالله تعالى التوفيق.) . المحلى - ابن حزم ج 01 ص 43 .

    وهذا فهم حفيد ابن رشد لقوله تعالى فإن الله سميع عليم :

    - بداية المجتهد ونهاية المقتصد - ابن رشد الحفيد ج 2 ص 81 :

    (الدليل الثالث : قوله تعالى : * ( وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) * قالوا : فهذا يقتضي وقوع الطلاق على وجه يسمع ، وهو وقوعه باللفظ لا بانقضاء المدة. )

    ولا اعتقد أن المسألة تستحق أكثر من هذا . فلا غموض ولا هم يحزنون. والحكم هنا صريح. والغموض متأت من الحكم القبلي .


    نأتي الآن إلى النوع الثاني مما قرره الزركشي وهو التأويل المستكره:

    فقد عدد أربع مواضع مما يستقبح فيه التأويل وسأتناولها واحدة واحدة.

    قال: الأول أن يكون لفظا عاما فيختص ببعض ما يدخل تحته كقوله وصالح المؤمنين فحمله بعضهم على علي رضي الله عنه فقط.

    أقول:
    أن تخصيص العام بفرد يصح إذا كان العام على نحو الطبيعة .

    أن تخصيص العام بفرد ليس من التأويل لأنه تطبيق لذات النص.

    في مورد الآية الكريمة لا يمكن أن يريد العام لأنه ورد في حادثة معينة وروايات أهل السنة تشير إلى أن علي ابن أبي طالب هو الوحيد من وقف إلى جانب رسول ضد أزواجه -كما يروون- وهذا حجة عليهم بأنه الوحيد الذي نصر رسول ضد من تضاهر عليه، وهو صالح المؤمنين . ولكن نصوصهم في هذه الآية بالذات مختلفة أغلبها يقول بأن صالح المؤمنين هو أبو بكر وعمر. وهي من الكثرة والعدد بحيث لا تخفى على أعمى. فكيف خصص صاحبنا القباحة حين يكون التخصيص بعلي عليه السلام.

    أليس هذا هو الكره؟

    وهذا هو التسالم على نبذ فضائل هذا الصحابي العظيم ؟.

    وضعت ملحقا في آخر التعقيب يبين حجم الروايات التي لم يستطع أن يراها القائلة بأن صالح المؤمنين مخصصة بأبي بكر وعمر وعلي.

    ومن يحتاج إلى نظارات فليسارع إلى اقرب (أوبتكس للنظارات) .

    قال:
    والثاني أن يلفق بين اثنين كقول من زعم تكليف الحيوانات في قوله وإن من أمة إلا خلا فيها نذير مع قوله تعالى وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم انهم مكلفون كما نحن.

    أقول:
    أولا: الجمع بين آيتين في جامع بينهما ليس تأويلا و إنما هو حمل نص على نص فيكون من قبيل التخصيص الذاتي لنص القرآن وهذا تفسير وليس تأويلا . وهذا الجمع هو من افضل ما يقوم به المفسر في حيث يستخرج معاني القرآن من القرآن . وهذا من الخصائص المهمة لكتاب الله . ولو قلنا باستقباح هذه الطريقة فعلى الإسلام السلام لمن يفهم هذا القول. و هذا عمل الكثير من المفسرين حتى الصحابة ألم يُجب علي ابن أبي طالب على من امتنع عليه فهم كلمة ( أب) في قوله )وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) (عبس:31) فقال علي تفهم من القرآن ألم يقل بعدها )مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) (عبس:32) فالفاكهة للإنسان والأب للحيوان فهو العلف . وهذا من باب حمل القرآن على القرآن.

    ثانيا: المثال الذي أتى به فيه خلل في التطبيق فهو قد يكون مرفوضا من جهة خطأ التطبيق للقاعدة لأن كلمة أمثالكم لا تعني التطابق حتى في التكليف . ولو كانت تعني ذلك فعلى من يرى ذلك أن يقول بتكليف الحيوانات حتى بدون الجمع مع أية وإن من أمة إلا خلافيها نذير لأن المثلية تكفي في تلك الحالة لأن يكونوا مكلفين حسب توسيع معنى المثلية.
    فأين الاستقباح؟.
    هل الاستقباح ناشئ من كون الحيوان لا مدارك له؟
    من أين علم ذلك؟.
    إذا كانت الحجارة تسبح الله وهي تدرك ذلك التسبيح فكيف عرف أصحاب الأذواق الرفيعة أن هذه المخلوقات لا تكليف عليها يناسبها؟؟؟ على كل أنا لا اعرف علومهم اللدنية هذه.


    ثالثا : المستدلون على تكليف الحيوانات لم يستدلوا فقط على كون الحيوانات أمم أمثال الإنسان بل بنصوص الحشر للحيوان والكاتب الفاضل قطع الآية الكريمة فلم تتضح الصورة فالآية هي : ))وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (الأنعام:38) وقد أضافوا إليها الاستدلال بقوله تعالى ( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) (التكوير:5) فقالوا أن الحشر يستلزم الاقتصاص وهذا يستلزم التكليف . وقد أضافوا إليها أن الله ربط الإثم بعموم خلقه فقال : )وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ )(فاطر: من الآية45) وهذا يقتضي أن ما كسبته الدواب من إثم فهو أيضا منظور عند الله ولو شاء الله أن يعاقب على كل إثم لما بقيت دابة على وجه الأرض.

    فأين القباحة المزعومة إذا ثبت هذا في القرآن الكريم؟.

    المشكلة هي القراءة بدون فهم لكتاب الله.


    والثالث ما استعير فيه كقوله تعالى يوم يكشف عن ساق في حمله على حقيقته.

    أقول:

    هذا من غرائب الأمور ، لأن الحمل على الساق ليس تأويلا أبدا بل الحمل على مجازيّة الساق هو التأويل. وهذا يدل على أن صاحبنا لا يفرق أبدا بين ما وضع له اللفظ وبين المجاز. وكل من ينزه الله عن الجسمية يقول بوجوب تأويل هذه الآية وأنها وردت مجازا . فهي أما أن تعني يكشف عن الحقائق وهذا ما يعبر عنه بساق الأمر أو انه يكشف عن ساق أحد مخلوقاته. لأن إثبات الساق له جسمية واضحة تعالى الله عنه. والغريب أنه وصفه مما استعير إليه والاستعارة من المجاز وهي التأويل، فكأنه لم يلتفت لما يقول.

    فكيف أعتبر القول على الحقيقة من التأويل المستقبح؟ وهو من الظاهر المستقبح. فهنا ما يجب فيه التأويل ..

    قال:
    الرابع ما اشعر باشتقاق بعيد كما قال بعض الباطنية في البقرة انه إنسان يبقر عن أسرار العلوم وفي الهدهد انه إنسان موصوف بجودة البحث والتنقيب.

    أقول:

    هذا من التأويل وهو يتوقف على إخبار من القائل لأنه لا تنطبق على هذا النص علوم الدلالة فهو مستقبح اذا كان من الجيب . وغير مستقبح إذا كان نقلا عن الله عبر المعصوم. حيث لا اعتراض على إرادة المتكلم. وقد بحثت عن هذا المعنى في كتب التفسير بحدود طاقتي فلم اجده. ولعله يبقى افتراضا محضا لمجرد شتم الباطنية كوسيلة سياسية لإسقاط الخصوم.



    انتهت التعليقات على موضوع التأويل و الآن أحاول التعليق على من له القابلية للتأويل :

    لقد أورد في نصه بأن فهم معاني القرآن يعلم بصفاء القلب والمكاشفة مع القائل بقوله (وتمكن سمع لفهم الخطاب وشهادة غيب الجواب)

    وقد وضع لذلك أية تدل عليه وهو حسن الصوت وتجويد الكلام فقال :

    (فهذا القارئ أحسن الناس صوتا بالقرآن وفى مثل هذا قال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به وهذا هو الراسخ في العلم جعلنا الله من هذا الصنف والله يقول الحق وهو يهدى السبيل).

    بالله عليك هل هناك عاقل يقول أن من حسن صوته من قارئي القرآن فهو الراسخ في العلم ؟؟

    واكتفي بهذا ، ولكن لا بد من التأكيد على الازدواجية فهم يجزون أن يحصل الإلهام لمن صفا قلبه ولا يجيزون أن يحصل الإلهام لأهل بيت نبيه!!!! أليس هذا من التعمد في تقليل شأن أهل البيت ورفع شأن غيرهم. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


    و أما موضوع استخراج علوم الأولين والآخرين فأتركه بلا تعقيب فأنه من أجمل التعقيب بنفسه.



    =========

    ملحق :

    ملحق يبين حجم الروايات السنية التي نصت على أن صالح المؤمنين أبو بكر وعمر وبعضها فيها علي . وهناك روايات وردت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها هذا المعنى.

    وهكذا ينكشف البحث الموضوعي .

    الدر المنثور
    وجدت في: المجلد الثامن.
    66 - سورة التحريم مدنية وآياتها اثنتا عشرة.
    التفسير.
    قوله تعالى: {وصالح المؤمنين}.

    أخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان أبي يقرؤها {وصالح المؤمنين} أبو بكر وعمر.

    وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

    وأخرج ابن عساكر عن عكرمة وميمون بن مهران مثله.

    وأخرج ابن عساكر عن الحسن البصري رضي الله عنه في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: أبو بكر عمروعلي رضي الله عنهم.

    وأخرج ابن عساكر من طريق مالك بن أنس رضي الله عنه عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: {فقد صغت قلوبكما} قال: مالت، وفي قوله: {وصالح المؤمنين} قال: الأنبياء عليهم السلام

    وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {وصالح المؤمنين} قال: صلى الله عليه وسلم "من صالح المؤمنين أبو بكر وعمر" رضي الله عنهما.

    وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: {وصالح المؤمنين} قال: "صالح المؤمنين أبو بكر وعمر" وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وصالح المؤمنين} قالا: نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

    وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: نزلت في عمر بن الخطاب خاصة.

    وأخرج عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله: {وصالح المؤمنين} قال: صالح المؤمنين أبو بكر وعمر.

    وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر وابن عباس في قوله: {وصالح المؤمنين} قالا: نزلت في أبي بكر وعمر.

    وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: نزلت في عمر خاصة.

    وأخرج الحاكم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: أبو بكر وعمر.

    وأخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: "هو علي بن أبي طالب".

    وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {وصالح المؤمنين} قال: "علي بن أبي طالب".

    وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: هو علي بن أبي طالب.

    وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن العلاء بن زياد في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: الأنبياء عليهم السلام.

    وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    جامع البيان عن تأويل آي القرآن. الإصدار 1.10
    للإمام الطبري

    وجدت في: الجزء 28.
    سورة التحريم.
    القول في تأويل قوله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما}.
    الآية:

    26678 - حدثنا عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: {وإن تظاهر عليه} يقول: على معصية النبي صلى الله عليه وسلم وأذاه.
    حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، قال ابن عباس لعمر: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أسالك عن أمر وإني لأهابك، قال: لا تهبني، فقال: من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: عائشة وحفصة.
    وقوله: {فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين}

    يقول: فإن الله هو وليه وناصره، وصالح المؤمنين، وخيار المؤمنين أيضا مولاه وناصره.
    وقيل: عني بصالح المؤمنين في هذا الموضع: أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما. ذكر من قال ذلك:

    26679 - حدثني علي بن الحسن الأزدي، قال: ثنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب، عن مجاهد، في قوله {وصالح المؤمنين} قال: أبو بكر وعمر.

    26680 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: خيار المؤمنين أبو بكر الصديق وعمر.
    حدثنا إسحاق بن إسرائيل، قال: ثنا الفضل بن موسى السيناني - من قرية بمرو يقال لها سينان - عن عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: {وصالح المؤمنين} قال: أبو بكر وعمر.

    حدثنا عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله {وصالح المؤمنين} يقول: خيار المؤمنين.

    وقال آخرون: عني بصالح المؤمنين: الأنبياء صلوات الله عليهم. ذكر من قال ذلك:

    26681 - حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وصالح المؤمنين} قال: هم الأنبياء.

    حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قوله {وصالح المؤمنين} قال: هم الأنبياء.

    26682 - حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان {وصالح المؤمنين} قال الأنبياء.

    والصواب من القول في ذلك عندي: أن قوله: {وصالح المؤمنين} وإن كان في لفظ واحد، فإنه بمعنى الجميع، وهو بمعنى قوله {إن الإنسان لفي خسر} فالإنسان وإن كان في لفظ واحد، فإنه بمعنى الجميع، وهو نظير قول الرجل: لا تقرين إلا قارئ القرآن، يقال: قارئ القرآن، وإن كان في اللفظ واحدا، فمعناه الجمع، لأنه قد أذن لكل قارئ القرآن أن يقريه، واحدا كان أو جماعة.
    وقوله: {والملائكة بعد ذلك ظهير}

    يقول: والملائكة مع جبريل وصالح المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعوان على من أذاه، وأراد مساءته. والظهير في هذا الموضع بلفظ واحد في معنى جمع. ولو أخرج بلفظ الجميع لقيل: والملائكة بعد ذلك ظهراء. وكان ابن زيد يقول في ذلك ما:

    26683 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين} قال: وبدأ بصالح المؤمنين ها هنا قبل الملائكة، قال: {والملائكة بعد ذلك ظهير}.





    القرطبي *** وجدت في: الجزء 18 من الطبعة.
    سورة التحريم.
    الآية: 4 {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير}.

    قوله تعالى: "وإن تظاهرا عليه" أي تتظاهرا وتتعاونا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعصية والإيذاء. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا فخرجت معه، فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت حتى فرع، ثم سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة. قال فقلت له: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه، فإن كنت أعلمه أخبرتك... وذكر الحديث. "فإن الله هو مولاه" أي وليه وناصره، فلا يضره ذلك التظاهر منهما. "وجبريل وصالح المؤمنين" قال عكرمة وسعيد بن جبير: أبو بكر وعمر، لأنهما أبوا عائشة وحفصة، وقد كانا عونا له عليهما. وقيل: صالح المؤمنين علي رضي الله عنه. وقيل: خيار المؤمنين. وصالح: اسم جنس كقوله تعالى: "والعصر. إن الإنسان لفي خسر" [العصر: 2]، قاله الطبري. وقيل: "صالح المؤمنين" هم الأنبياء، قال العلاء بن زيادة وقتادة وسفيان. وقال ابن زيد: هم الملائكة.

    السدي: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: "صالح المؤمنين" ليس لفظ الواحد وإنما هو صالحو المؤمنين: فأضاف الصالحين إلى المؤمنين، وكتب بغير واو على اللفظ لأن لفظ الواحد والجمع واحد فيه. كما جاءت أشياء في المصحف متنوع فيها حكم اللفظ دون وضع الخط.
    وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما اعتزل نبي الله صلى الله عليه وسلم نساءه قال دخلت المسجد فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه - وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب - فقال عمر: فقلت لأعلمن ذلك اليوم، قال فدخلت على عائشة فقلت: يا ابنة أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقالت: مالي ومالك يا ابن الخطاب! عليك بعيبتك! قال فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم! والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك، ولولا أنا لطلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبكت أشد البكاء، فقلت لها: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: هو في خزانته في المشربة. فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدا على أسكفة المشربة مدل رجليه على نقير من خشب، وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر. فناديت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا. ثم قلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إلي فلم يقل شيئا. ثم رفعت صوتي فقلت: يا رباح، استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها، ورفعت صوتي فأومأ إلي أن اِرْقَه؛ فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير، فجلست فأدنى عليه إزاره وليس عليه غيره؛ وإذا الحصير قد أثر في جنبه، فنظرت ببصري في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، ومثلها قرظا في ناحية الغرفة؛ وإذا أفيق معلق - قال - فابتدرت عيناي. قال: (ما يبكيك يا ابن الخطاب)؟ قلت يا نبي الله، ومالي لا أبكى وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى! وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته، وهذه خزانتك! فقال: (يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا) قلت: بلى. قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله، ما يشق عليك من شأن النساء؛ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقلما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله عز وجل يصدق قولي الذي أقول ونزلت هذه الآية، آية التخيير: "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن" [التحريم: 5]. "وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير".
    وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا رسول الله، أطلقتهن؟ قال: (لا). قلت: يا رسول الله، إني دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: (نعم إن شئت). فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك، وكان من أحسن الناس ثغرا. ثم نزل نبي الله صلى الله عليه وسلم ونزلت؛ فنزلت أتشبث بالجذع، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده. فقلت: يا رسول الله، إنما كنت في الغرفة تسعا وعشرين. قال: (إن الشهر يكون تسعا وعشرين) فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. ونزلت هذه الآية: "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" [النساء: 83]. فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر؛ وأنزل الله آية التخيير.

    انتهى ما أردته من نصوص

    وأكتفي بهذا... راجيا أن ينظر الباحث إلى المواضيع بعقل ناقد غير مقلد. فهذه موارد وتطبيقات إضافية أتمنى أن لا تحتاج إلى مزيد شرح . وعلى المجدّ من طلاب الحقيقة أن يحاول عدم الاكتفاء بما لديه من بحث و ومعلومات استلمها مسبقا وعليه أن يتأمل جيدا . بإجادة التساؤل .

    والسؤال باب الحقيقة....... وعلى السائل أن يكون منصفا في سؤاله حتى مع نفسه.


    أخوكم

    علي نعمان الصدر





  19. #79

    الأخوة الكرام في منتدى هجر


    الأخ الكريم علي الصدر
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    قريباً إن شاء الله سأكتب في الموضوع، أعتذر من التأخير لظروف الإجازة والانشغال بأمور أخرى طارئة..
    كما أنني كنت أنتظر الأخ الصدر لينهي كلامه وآمل أن تتاح لي الفرصة لأنهي كلامي في الموضوع..

    شاكراً للجميع انتظاره وصبره،،


  20. #80

    السلام على .....الصابرين ..... ورحمة الله وبركاته


    سيدي الكريم الشيخ حسن بن فرحان المالكي حفظك الله

    الأخوة الكرام حفظكم الله

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    لم اكمل الرد على ما ورد في (مقدمة) المشاركة الأساسيية ، ولهذا ارجوا من اخي الحبيب الشيخ حسن أن يصبر على العبد الضعيف، وأن يتريث في الإجابة فهناك اشياء وملاحظات كثيرة يجب قولها، وما يؤخرني عنها الا ما يعذر المتخلف شرعا.

    فكان الله معكم في الصبر عليّ . وكان الله في عوني بإنهاء ما أريد قوله . انه نعم المولى ونعم الرب الرؤوف بعباده.


    أخوكم

    علي نعمان الصدر



موضوع مغلق
صفحة 4 من 6 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 6 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك


ما ينشر في شبكة هجر الثقافية لا يمثل الرأي الرسمي للشبكة ومالكها المادي
بل هي آراء للكتاب وهم يتحملون تبعة آرائهم، وتقع عليهم وحدهم مسؤولية الدفاع عن أفكارهم وكلماتهم
تصميم قلعة الإبداع Designed by innoCastle.com